زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

رئيس الحكومة الراحل يروي تفاصيل «القصف المجنون» على العاصمة اللبنانية في صيف 1982 ومساعي إنهاء الحرب

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل، صائب سلام، يتناول تفاصيل الفترة الصعبة التي عاشتها بيروت ومعظم مناطق لبنان، خلال الغزو الإسرائيلي في صيف 1982. ويقول إنه كان يشعر وهو تحت قصف المدافع وغارات الطائرات، وكأن «أبواب جهنم قد فُتحت على بيروت».
ويتحدث سلام عن المحاولات والاتصالات التي أجراها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقادة المقاومة الذين كانوا يعيشون في بيروت، وأبرزهم: أبو إياد، وأبو جهاد، وهاني الحسن، إلى جانب القادة اللبنانيين الذين لعبوا دوراً في تلك المرحلة، وخصوصاً رئيس الجمهورية إلياس سركيس، وبشير الجميل الذي كان يقود «القوات اللبنانية»، وانتخب فيما بعد رئيساً للجمهورية، واغتيل قبل أن يتولى منصبه، إضافة إلى اتصالات سلام مع المبعوث الأميركي إلى لبنان في تلك الفترة، السفير فيليب حبيب، الذي كان يتولى ترتيب محاولات وقف إطلاق النار تمهيداً لخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوفرة في مكتبات لبنان بدءاً من 28 يونيو (حزيران)، وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
- قصف الإسرائيليين لبيروت
كان ذلك ليلة الثلاثاء، في 22 يونيو 1982. في هذه الليلة لم ننم، وكلّ أهل بيروت لم يذوقوا طعم النوم من القصف المتواصل. منذ الصباح، حاولت معالجة ذلك. اتّصلت بالرئيس الوزّان فحضر إليّ، ثمّ حضر هاني الحسن، وكانت النتيجة... «هيئة الإنقاذ الوطنية» المؤلفة من الرئيس الوزّان وبرّي وجنبلاط. ثمّ قرّرت الاجتماع بـ«المقاومة الفلسطينية» اليوم للبحث معهم في ترتيب الأمور.
كلّمتُ السفير فيليب حبيب، فوجدته عند رئيس الجمهورية إلياس سركيس، فكلمت رئيس الجمهورية أيضاً، ووعد حبيب بأن يبذل جهده لوقف إطلاق النار. كلّمني السفير حبيب من دارة السفارة الأميركية في اليرزة مرّة أخرى، وطلب أن يقابلني، فذهبت إليه وقابلته، وحال ما أبلغته ما يحصل، قال لي إنّه هو أيضاً لم ينم الليل، وإنّه ليس بحاجة لشاهد، فقد رأى القذائف والقصف يتّصل من قبل الفلسطينيين ومن لفّ لفّهم، وقد بلغت حوالي أربعين قذيفة قبل أن يردّ عليهم الإسرائيليون من البحر والبرّ. وكان السفير موريس درايبر يكتب ملاحظات فيما نبحث فيه. ثمّ اتّصل بواشنطن ليوقف إطلاق النار، ويوقف أيضاً الزحف الإسرائيلي من خلدة إلى بيروت؛ لأن الفلسطينيين كانوا قد أبلغوني صباحاً أنّ القصف الفلسطيني كان سببه التقدّم الإسرائيلي نحو بيروت، ومع هذا فقد أبرق لواشنطن بإيقاف الزحف وأنا عنده.

دبابة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال الغزو (غيتي)

ثمّ كلمني أبو عمّار الذي كان قد حضر إلى منزلي، حين كان «التجمّع الإسلامي» منعقداً، وكان يتكلم بصورة غير معقولة، جنونية: «إنني محاصَر، سأضرب يميناً شمالاً جنوباً، شيوخاً أطفالاً نساءً، على جونية، على البلد، على الجميع، على الإسرائيليين... لن نموت هكذا، لن نموت». حاولت كثيراً أن أكلمه، أن أهدّئ من روعه؛ لكنه لم يسمع منّي كلمة، ثمّ حاولت ثانية قائلاً له: «إن السفير حبيب يسعى جادّاً لإيقاف التقدّم الإسرائيلي»، فأجاب: «سيأخذون المطار، سيُنزلون الدبابات بالهليكوبتر، سيزحفون علينا ونحن لن نموت، سنقاتل!».
مضت عليّ أيّام وأنا أعلن وأردّد، حتى للصحف الأجنبية وللمراسلين الأجانب الذي يتوافدون عليّ بالعشرات، لأعطي الصورة للخارج بأنّ الفلسطينيين قد قاتلوا قتالاً مجيداً من الحدود إلى بيروت، ومن حقهم ألا يموتوا إلا مقاتلين، وأنّهم في بيروت سوف يقاتلون من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع، من بيت إلى بيت، وهذا ما كنت أفهمته لحبيب أيضاً، بأنّنا لا نريد أن نوصلهم إلى هذا المأزق. حبيب يلحّ وأنا ألحّ معه منذ مدّة على أنْ ينزل الجيش اللبناني إلى بيروت بالاتفاق مع الفلسطينيين، فمن دون الاتفاق مع الفلسطينيين، لا يمكن أن ينزل الجيش ويضمن ألا يحصل تصادم بينه وبين المسلحين، وخصوصاً الفلسطينيين. وكان أبو عمّار يرفض هذا، ويطلب أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى أبعد من 7 كيلومترات، وهو يصرّ ويقول إنّه كان قد أبلغ هذا لجوني عبده، وإنّه ليس في مقدور حبيب تحقيق ما قاله لي بأن يعيد الإسرائيليين إلى الوراء، ولكن بإمكانه أن يوقفهم حيث هم، إذا توقف إطلاق النار، وهو يريد ذلك فعلاً حتى يكون الجيش اللبناني هو متسلّم الأمن في بيروت، ولا تكون هناك حجّة للأميركان تجاه الإسرائيليين، فهم إذا ضربوا بيروت أو اقتحموها، فإنّهم يقتحمون الشرعية من خلال جيشها؛ لكن أبو عمّار كان يقبل مبدئياً نزول هذا الجيش ولا يسهّل ذلك عملياً، وهذا ما سيكون موضع بحث بينه وبين اللجنة الأمنيّة.
مع الأسف، بعض المسلّحين اللبنانيين ومن وراءهم الذين عاشوا على التخريب منذ سنوات، لا يفيدهم أن نأتي اليوم بأي حلول، وها هي البلاد كلها ترى ما أسعى إليه جاهداً منذ أسابيع، في الأيّام والليالي، مع هذا وذلك، مع رئيس الجمهورية، مع حبيب، مع أبو عمّار الذي يزورني مرّتين في اليوم تقريباً، وهم جميعاً يقدّرون ذلك، إلا أنّ هذا التقدير يصبح عكسه عند بعض الفصائل المسلحة من أمثال «المرابطون» وأمثال فلول «الحركة الوطنية» الذين يحرّضون، وقد صرّحوا -كما أفادتني رسالة من سركيس نعوم، المحرّر في «النهار»- بـ«أنّنا لن نسامح بعد سبع سنوات تسميتهم جهادنا تخريباً، وبأن يأتي صائب سلام ليأخذ وجاهة حلّال المسائل». بناءً على ذلك، سيعملون على «خردقة الداخل»، أي صفوف «التجمّع الإسلامي» الذي بقي فيه فلول ممن اعتمد عليهم، مثل تقي الدين الصلح، وهو من أصحاب التعقّل والرويّة، وها هم اليوم يلتفّون حوله كثيراً ويثيرون عنده حساسيات محاولين أن يفرطوا التجمّع.
أنا أعرف كلّ ذلك، ولكنّي أحاول كثيراً أن أتجاهل، محاولاً أن أبقي هذا التجمّع قائماً. وحين اتّصل سماحة المفتي حسن خالد، طلبت منه أن يداري الموضوع، وهو يشعر بما يقع على بيروت من ضير ومن خشية على تهديمها على رؤوسنا جميعاً، أطفالاً وشيوخاً ونساءً. وبعد البحث معه، اقترح أن يدعو البعض مع أبو عمّار والوزّان وجنبلاط. قلت له إنّني أفضّل ألا يُضمّ جنبلاط لأسباب، منها أنّه أتاني مَن يخبرني أنّه قال إن اليوم يوم التشفّي من الفلسطينيين؛ لأنهم ضربوا والده من قبل سنة 1977، يوم دخل السوريون، وهم اليوم يضربونه أيضاً فيما يقومون به في الشوف، وهو نفسه لم يأتِ من المختارة للانضمام إلى «هيئة الإنقاذ» إلا بعد مساعٍ جبارة، وقد اجتمع بها مرّتين، وفي كلّ مرّة كان يخرج من عندي ويتظاهر بأنّه تعقّل وأنّه فهم ما أردّده له بأنّنا جميعاً وراءك نؤيّدك... إلا أنّ جوابه يكون: «أنا لا أتحمّل مسؤولية»، وهو جواب مراوغ لأنّه يريد أن يوقع بهم.
وقد أخبرني أحد المراسلين الأجانب في «الكومودور»، وقد بلغوا في تجمّعهم هناك ما يفوق المائتين عدّاً، أنّ جنبلاط جاءهم فجأة إلى فندقهم بحجّة أنّه يريد أن يعيش هناك. هم يعتبرون ذلك حجّة، فهو جاء فقط ليقول لهم إنّه لا يوافق على ما يحصل، وإنّ أميركا متضامنة مع إسرائيل، وإنّ الإسرائيليين يريدون أن يضربوا. وهو يريد بذلك أن يزايد على المساعي الخيّرة، حتى يثير القوى الشريرة، وحتى يبعث القلق، وكان يردّد دائماً: «أنا عائد إلى المختارة!».

جنود إسرائيليون في بيروت في صيف 1982 (غيتي)

وأذكر أنّه أتاني في المساء اتّصال من السفير حبيب من اليرزة، يقول إنّه أتاه تأكيد من أميركا بأنّ شارون وافق على عدم دخول المطار، وهذا كان طلب الفلسطينيين منّي، وثانياً أنّ عليّ إيقاف القصف، قصف الفلسطينيين، ومن لفّ لفيفهم، كاملاً.
لم أتمكّن في هذا الوقت من الاتّصال بأبو عمّار؛ لأنه كان في اجتماع مع الوزّان وجماعته فاتّصلت بأبو جهاد، وهو رجل عاقل، فأفهمته هذين الأمرين، وقلت له أن يتعقّلوا وأن يعمل هو على إيقاف إطلاق النار بكلّ ما لديه من قوّة، وطلبت منه أن يأتي لمقابلتي هو وأبو عمّار، حال عودة أبو عمّار من الاجتماع.
من جهتي، أنا أبذل هذه المساعي الخيّرة حرصاً منّي على القضيّة الفلسطينية وعلى أصحابها، وقد أخذت من حبيب ضمانات تقول بأنّهم لن يسمحوا بضرب الفلسطينيين إن كان الجيش اللبناني في بيروت، ولن يسمحوا بإذلالهم أو بذبحهم كما قال، وأنا بدوري أوصلتُ هذه التطمينات التي طلبوها بواسطتي من أميركا.
أما جنبلاط فبدل أن يعطيهم تطمينات بعد مقابلته لحبيب، أتى إلى اجتماع فيه الكبير والصغير، المتطرّف وغير المتطرّف، فأخافهم بقوله إنّ حبيب هدّده بأنّ الفلسطينيين سيُضرَبون، وبأنّ الفلسطينيين سيُزالون، لذلك يجب أن ينسحبوا من البلد فوراً... إلخ... إلخ... وأعتقد أنّه أثار ذلك عن قصد، ليثير فيهم التحرّك فيقاوموا، مردّداً أمام البعض أنّه يريد من ذلك أن ينتقم منهم.
- تهديد أبو عمّار
أما أبو عمّار فبعد أن أفرغ كلّ ما في جعبته من كلام جنوني لا معنى له، بأنّه سيخرّب وسيضرب شرقاً وجنوباً وشمالاً... وقد جاراه تقي الدين الصلح الذي بعد مكالمة أبو عمّار لي طلبني، وكان أشدّ وأقسى. طبعاً أنا أخذت هذا من ناحية أخرى، فاستعملته مع حبيب حين قلت له إنّ هذا موقف أبو عمّار، وأمامي أيضاً، وبعد عشر دقائق من الرسالة الأولى، أرسل رسالة ثانية إلى واشنطن يطلب منهم إيقاف الإسرائيليين عن التقدّم.
وأبو عمّار تعوّدنا عليه وعلى تمثيله وعلى شطحاته، قلت له حين كنت سأذهب من عند السفير الأميركي في اليرزة إلى مقابلة الرئيس: «انتظرني في المصيطبة»، وحين حضرت كان قد ترك قبلي بدقائق لأنّه لم يرد أن يقابلني، بعد أن هوّل على المجتمعين وأرعبهم، وخشي إذا حضرت أن أجعله يتعقل؛ لكنني سأحاول أن ألتقي به بعد انتهاء الاجتماع.
ثمّ وصلني خبر أنّ «المرابطون» يحاولون «خردقة» مَن حولي، فيتّصلون بـ«تقي الدين» ويدلّلونه، ويتّصلون بمالك سلام ورشيد الصلح وغيرهم محاولين الالتفاف حول المفتي؛ لكني أعتقد أنّ المفتي سيفهم منّي بالعقل والحكمة، أما الباقون فأنا أداريهم، من تقي الدين إلى الذين يمكنني أن أطالهم، وهم كثيرون من الحركة الوطنية. وكان يأتيني في هذه الأثناء منهم من كانوا أشدّ مواجهة لي، أمثال محمد قبّاني، وعصام نعمان، وعصام العرب وجماعته، كذلك زارني رئيس «الحزب القومي» إنعام رعد الذي بعد خروجه من عندي أعطى بلاغاً للجرائد يقول فيه إنّه زارني وإنّه أيّدني في كلّ مواقفي، فأنا أسعى جاهداً وبكلّ إخلاص للحفاظ على الفلسطينيين وقضيّتهم، وللحفاظ على مدينتي بيروت وعلى لبنان أجمع من خلال ذلك، وهذا يسيء لمن يريد أن يخرّب أكثر فأكثر.
ثمّ جاء جماعة التلفزيون قائلين إنّ الاتّصالات تتوالى راجية إطلالة صائب سلام على التلفزيون ليطمئن الناس. وهذا له منافعه إذا قمتُ به، ولكنّ له مضارّه أيضاً لأنّه يثير الآخرين، هؤلاء الذين يريدون أن يخرّبوا ليجعلوا لأنفسهم مكاناً، حتى إنّه نُشر حديث طويل لرشيد كرامي يحرّض فيه على الحكم وعلى المتعقّلين، ويقول إنّه يجب ألا نبيع القضيّة بالمحافظة على بيروت، وهناك حديث آخر لريمون إدّه الذي خرج أيضاً عن حدوده وعن كلّ أطواره في المدّة الأخيرة، وهو يكلّمني كلاماً غير معقول، ففي حديثه الصحافي ذاك قال: إنّه يجب ألا يكون هنالك «لافال»؛ مشيراً إلى الوزّان الذي أدعمه وأؤيّده؛ لأنّه أفضل من في الساحة اليوم. وحين تلقّف إبراهيم قليلات و«المرابطون» منه كلمة «لافال» أخذوا يعلنون من إذاعتهم محذّرين «لافال» من المضي بعمل «لافال»، أي القيامة، وأخذوا يصنّفون: الوزّان خائن، نبيه برّي خائن، وطبعاً سركيس خائن، وبطرس خائن، وبشير الجميّل خائن، ولم يبقَ إلا جنبلاط المعرقل والمزايد في نظرهم؛ لأنّهم يستفيدون من مراوغته، وهو من دون أي شك يقصد الضرر والهلكة لبيروت وللفلسطينيين بالذات، وقد قال للبعض صراحة إنّه يريد أن ينتقم منهم. والله يقدّم ما فيه خير.
- تحت رحمة قنابل شارون
أتذكّر أنّ ما ذاقته بيروت هو أشدّ ما يكون فظاعة تحت قنابل هذا «الهولاكو» الجديد الذي يريد هدمها. عدوان وحشي أصاب بيروت كما أصاب لبنان كلّه من جنوبه إلى عاصمته، تهديماً وخراباً وهدماً وفتكاً.
سكّان بيروت نزحوا بالألوف المؤلفة، باتّجاه الشمال والشرق، وبقي فيها أيضاً ألوف، وهم كلّهم تحت رحمة قنابل شارون.
ابتدأ شهر رمضان ونحن في هذه الحال، وأنا في كلّ وقت أستصرخ العالم، وكالات الأنباء والصحف... أسعى كلّ ساعة مع الوزراء، مع السفراء، مع «التجمّع الإسلامي».
أصرخ أنّ الإسرائيليين يريدون القضاء على «المقاومة الفلسطينية» نهائياً، وها هم قد احتلّوا جوانب بيروت من جنوبها إلى شرقها إلى شمالها عند الكتائب.
أصرخ مخاطباً السفير حبيب، فيوقف القتال، ثمّ نراه يستمرّ، ويرسل شارون منشورات فيها التهديد والوعيد وضرورة خروج أهل المدينة منها، تلقي هذه المنشورات طائرات كلّ يوم، وكان لها فعلها ودويّها العظيم.
وقد اضطررت للاتّصال برئيس الجمهورية مرّتين، وكلمته بلهجة قاسية قائلاً: «أنت قاعد في بعبدا، ولكن عاصمتك تحت رحمة الإسرائيليين في كلّ ساعة، وقد يدمّرونها، فاستنجد برؤساء العالم ومن خلالهم بشعوب العالم كله!».
كذلك كلّمت مفتي الجمهورية وطلبت منه أن يذيع بياناً من التلفزيون يوجّهه إلى شعوب العالم، ورؤساء أقطار العالم الصديقة والشقيقة.
- مع بشير الجميل
في الوقت ذاته، لم أهدأ وأنا أستقبل المراسلين الأجانب الموجودين في فندق «الكومودور»: من ألمان وطليان وإنجليز وأميركان وفرنسيين، من «BBC» و«AP» و«UP» و«نيويورك تايمز» و«اللوموند» و«ديرشبيغل»... كنت أشرح لهم الوضع والتطوّرات خطوة خطوة،... وأنا مؤمن بأنّني أقوم بواجب وطني وقومي يدعوني لذلك، فالمقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تداس تحت أقدام المجتاح الإسرائيلي.
وهذا ما كنت أكرّره لإخواننا الموارنة، ولبشير الجميّل خاصّة، وقد كنتُ على علاقة مع بشير منذ مدّة كما هو معلوم، وكان يكلمني بصيغة: «أنت والدي وأنت مرشدي، إنّ كلّ ما تقوله لي أنفّذه»، وكان هذا حقيقة، ولكن بعد دخول الإسرائيليين شعرت بأنّه تغيّر، فتغيّرتُ معه أيضاً. أرسل لي مرّة محمد صفي الدين بعد أن قال له إنّه يشعر بأنّني تغيّرت عليه، فقال له محمد صفي الدين: «بلى، أنا أيضاً شعرت من صائب بأنّه تغيّر عليك، والسبب هو كذا وكذا وكذا»،
فكلّمته وقلت له: «لقد نقل إليّ محمد صفي الدين وأنت تعرف أنّني صريح، نعم لقد تغيّرت لأنّني شعرت بأنّك أنت تغيّرت. فيا بشير، وأيّها الإخوان الموارنة، أنتم تعلمون أنّ قلبي مفتوح لكم ويدي ممدودة، وكلّنا من أجل لبنان يجب أن نتعاون، ولكن أشعر اليوم بأنّكم قصيرو النظر، فما يناله الإسرائيليون منا ومن إذلال المقاومة إذا تمكنوا من ذلك سيصيبكم الضرر الكبير من بعده، وإنّهم إذا نالوا كلّ ذلك وهدموا بيروت والمسلمين، فلن يقوم لبنان بعد اليوم، وستكونون أنتم تحت رحمة الإسرائيليين، وستكونون أنتم أكثر الخاسرين، فالمسلمون ليس لديهم الكثير مما يأخذه منهم الإسرائيلي المحتلّ، ولكن أنتم سيأخذ من قلوبكم ويمسك برقابكم؛ لأنكم أنتم الذين يكمن عندكم ما تعطونه».
وهذا الحديث كنت أقوله لإخواني المسيحيين كلّهم.
أما أبو عمّار، فكان يأتيني دوماً بعد الإفطار بدقائق، ليجلس ساعات أتجادل معه، جدالاً قاسياً ومريراً، ونفترق لنلتقي ثانية، وهو لا يزال عند موقفه الذي كان عليه من عشر سنوات، يحلم بأمور، ويشتهي، ويقيّم... في ضوء ما يتصوّره خياله، وأنا أحاول أن أضعه عند مسؤولياته.
كذلك أقام أبو عمّار الدنيا حين أتى إليّ يقول إنّ هذه خيانة، أي عودة الوزّان، أي إنّنا نحن خائنون، فثرت عليه بعنف، رجع واعتذر، فقلت له: أنا أدري ماذا أفعل، لم يبقَ لكم إلا الوزّان، عملنا وسعينا من أجل تكوين «هيئة الإنقاذ»، وضحّينا مع جنبلاط ومع بشير الجميّل من أجل ذلك فتكوّنت، واعتقدنا أنّنا خطونا خطوة أولى، ثمّ اجتمعتَ معنا، فاعتقدنا أنّنا خطونا خطوة ثانية، ثمّ في أول اجتماع صدر عنها ما ينبئ بأنّ أعضاءها متّفقون جميعاً، وكانت قدرة عجيبة ألهمنا الله بها وأعاننا فيها، فتمكّنا من أن نجمع جنبلاط وبشير الجميّل على طاولة واحدة، وهذا لم يكن ليحصل لو لم أكن أنا الساعي إليها. ثمّ فرطت هذه الهيئة أو كادت، جمدت، فما بقي إلا رئيس الحكومة الوزّان، ولو لم نبقه غير مستقيل بعد أن قدّم استقالته لسركيس، ولو لم أشدّ وأدفعه دفعاً لبقي على استقالته، وهكذا استمرّت لنا شرعية قائمة، ولو لم يكن كذلك لما بقيت لنا أي شرعية.
وانطفأت «الحركة الوطنية»؛ خصوصاً بعد أن قصد جنبلاط تجمّع الصحافيين في فندقهم، وشتمنا هناك، فقال إن الحكّام خونة، بمن فيهم الوزّان وصائب، وأعلن انسحابه رسمياً منها.
نعم، لم تبقَ «حركة وطنية»، وجنبلاط ترك الساحة وهو منزوٍ في بيته، أما أنا، فأستمرّ منفرداً أحارب بإيماني، بعقلي، بما أعطاني الله من سعة الحيلة، حيلة الرجال في وسع التفكير.
وأذكر أنّه كان يجتمع عندي، أسبوعياً، ثمّ يومياً: «التجمّع الإسلامي»، و«جبهة المحافظة على الجنوب»، وذات مرّة زارنا خلال الاجتماع: الوزراء الخمسة، وأبو عمّار، وأبو جهاد، وأبو الوليد.
كانت جلسة طويلة، وبعد أن ذهبوا، جاءني الرئيس الوزّان منهكاً، وقال لي إنّ الأمور لم تتيسّر بعد، فرغم الأسس التي وُضعت مع أبو عمّار، بقيت التفاصيل العسكرية، وهي شأن لا نتعاطاه، بينما جوني عبده يفهم بها.
وأنا كنت قد قابلت جوني عبده مرّة واحدة في القصر الجمهوري. تحدّثنا يومها، وقلت له إنّنا اليوم في موقف حرج، ويجب أن تدركوا أنتم الموارنة ذلك، مع المسيحيين كلهم، وأرجو أن تنقل هذا إلى الرئيس سركيس وإلى بشير الجميّل، بأنّ عليكم أن تعاونونا على ما نقوم به، فوعدني بأنّه سيضع تصوّراً لما يجب أن يكون من انسحاب المقاومة، ومن تنظيم المسلحين، وهو سيعطيني إيّاه.
ثمّ أتاني هاني الحسن فقال إن جوني عبده اجتمع بحبيب، وأنا أعلم أنّه يجتمع به دائماً، وإنّ حبيب قال له إنّ الوحيد «الكونسيستينت» (Consistent المتماسك والثابت، وهاني ردّد الكلمة الأجنبية من دون أن يفهم معناها) هو صائب سلام، هو الذي آخذ منه الكلام الصريح والواضح. وكان حبيب فعلاً يتّصل بي أو أتّصل به مرّة أو اثنتين أو ثلاث مرّات أحياناً في اليوم، وهو يعتمد على ما أقول. وبناءً على ذلك، سأنتظر من جوني عبده ما سيعطيني لأكلّم حبيب على أساسه.
ثمّ كلّمني الرئيس الوزّان فقال لي إنّهم طلبوه إلى القصر، فالرئيس مريض، وكان هناك فؤاد بطرس وحبيب الذي أبلغهم أنّ إسرائيل رفضت الشروط التي وصلت إليها. حين قال لي الرئيس الوزّان ذلك، كان تقي الدين الصلح عنده، فطلبت منه أن يكتب لي هذه الشروط المرفوضة وأنا سأنظر فيها، مع ما سيصلني من جوني عبده، لأرى ما سأفعل مع حبيب وبشير وغيرهما. وحين قال لي إنّ الوزّان سيستقيل لأنّه لا يستطيع الاستمرار، قلت له أن يبلغه أنّه بذلك سيرتكب أكبر جرم في الدنيا، فليداوم ونحن معه، أقاموا الدنيا علينا في السابق واتّهمونا بالخيانة، لا بأس، واليوم يعرف الجميع أنّ أحسن ما فعلناه أنّنا أبقينا الوزّان صلة الوصل والشرعية به قائمة.
أما بشير فقد أصبح -كما قلت- تحت تأثير الإسرائيليين، وبالطبع قلت له هذا على الهاتف: «إنك ربما لا تكون مع الإسرائيليين يا بشير، ولكنّ هؤلاء الأعوان الذين حولك والذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، والذين تمرّنوا عندهم في تلّ أبيب، والإسرائيليون هؤلاء الذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، هم عندكم اليوم يأكلون ويشربون معكم، ويتعاطفون ويتعاملون، وما صدر عنهم من قساوة يجب أن ندرك أنّه يضرّ بنا وبكم في النهاية».
على كلٍّ، سأبقى صامداً وباقياً على إيماني. والغريب أنّ آخر سؤال يسألني إيّاه معظم الصحافيين الذين يخرجون من عندي زرافات ووحدانا، هو: «وكم عمرك؟» وكأنّهم يجدون أنّني أقوم بما يقوم به ابن ثلاثين، فأنا أفعل هذا بنشاط وبهمّة، ولإيماني الذي بقي في صدري، ولما أشعره من واجب عليّ أن أقوم به.
من جهة أخرى، كانت تأتيني أصوات صغيرة من الشمال، من كرامي، تعلن أنّه في إنقاذ بيروت علينا ألا نهدر القضيّة، نعم هذا كلام مغرض يشكّل طعنة، كما أنّ هناك طعنات أخرى، من الحركة الوطنية أيضاً، وقد جاء منهم من يقول لي إنّهم يريدون إلقاء السلاح بين يديّ، فأجبتهم بأنّني رغم يدي الممدودة سأتلقفكم بكلّ ما فيكم، وبكلّ ما أسأتم إليّ في السابق، ولكنّني لن أحمل السلاح، فأنا أرفض أن يكون سلاحي البارود والحديد والنار، سلاحي هو ثقة الناس، سلاحي هو الموقف المستمرّ، وهذا ما أخبرته لحبيب، وقلته لجوني عبده.
إذن، أنا مستمرّ في خطّي الواضح والصريح والوطني الذي لا لبس فيه ولا إبهام، رغم أنّ البعض يسمّوننا «مشبوهين» أو خونة؛ لكن أبداً، لقد ضربنا هؤلاء في أول خطوة في قضيّة المجالس المحلية، وسنتابع العراك المرير معهم.
نبيه برّي لم يتّصل بي منذ سنوات، وقد فاجأني حين طلب أن يزورني مع جنبلاط، فأهّلت به على أن يأتي من دون جنبلاط هذا الذي هم مغرورون به، وقد شرحت له الواقع، وقلت له أين يقف. وسُئلت: لماذا لا نعقد اجتماعاً إسلامياً ضخماً، لنقف جميعاً وقفة واحدة؛ لكنني أعرف أنّ هذا الطرح هو للالتفاف حولي، لمخادعتي، من هنا ومن هناك، إما بالمزايدة عليّ مع الفلسطينيين أو ضدّهم. ولأنّني أعرف ذلك وقفت ضدّه أيضاً، بقوّة أعطاني الله إيّاها، لمتابعة النضال المرير الذي يُرهق الجبال، فكيف وأنا في هذه السن، وعائلتي تشفق عليّ، زوجتي وأولادي، والبعيدون منهم يبكون، إلا أنّ تمّام يساعدني حقاً.
وأذكر أنّه في الرابع والعشرين من يونيو 1982، اجتمعت مع أبو عمّار وأبو الوليد وهاني الحسن، بعد أن عدت من زيارة الرئيس الوزّان الذي شرح لي ما تداوله مع حبيب وجوني عبده.
وكان الوزّان غير متأكّد من أنّ المقاومة على استعداد لترك لبنان، وهذه النقطة لا يستطيع أن يناقشها مع حبيب، فهو لا يتحمّل مسؤوليتها، لا تجاه نفسه ولا تجاه التاريخ، أو تجاه من سيحاسبه فيما بعد. وكان خائفاً من الاغتيال ومن موقفه من الفلسطينيين، لذلك قلت للمجتمعين عندي: «يا أبو عمّار، اجمع رؤساء فصائل المقاومة كلهم، بمن فيهم حبش وحواتمة وجبريل وغيرهم، واكتبوا محضراً بأنّكم على استعداد لترك لبنان، ووقّعوا المحضر ثمّ ضعه في جيبك لتسلّمه للوزان، والوزّان أمين وصادق ووطني، وسيحفظ ذلك، فعندما يمكنه أن يذهب إلى حبيب وغيره، يكون مركزه قويّاً، من دون أن يعطيهم هذا المحضر، هو لن يكشفه؛ لكن كي يستطيع بحث الشروط الأخرى، سيكون موقفه أقوى. نعم الوزّان يريد أن يضمن ذلك، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يؤخذ عليه أنّ الفلسطينيين إذا انسحبوا من لبنان فسيتركون السوريين وراءهم ليعلنوا أنّهم خُذلوا، فيصيرون وحدهم الأبطال». ثمّ نقلت الأمر كله في اتّصال مع حبيب، وهم يستمعون، قائلاً له: «هناك نقطة للبحث، هي الانسحاب، أي انسحاب السوريين والفلسطينيين والإسرائيليين، فلنترك الإسرائيليين ولنبحث عن انسحاب الآخرين، وأنت يا مستر حبيب دبّر الأمر مع السوريين، وقد يكون ذلك بواسطة أميركا».
فوافق حبيب معي؛ لأن هذا الأمر ليس من شأني أو من شأن الفلسطينيين، أنا أريد أن يكون ظهر الفلسطينيين محميّاً، فلا نكشفهم وطنياً.
وقد عرفت من أبو عمّار، فيما بعد، أنّه علم أنّ الأميركان لا يريدون أن يكون الفرنسيون هم الواسطة بينهم وبين «المقاومة الفلسطينية»، وهم يفضّلون أن يكون صائب سلام هو الوسيط، فأجبته بأنّني لست الوسيط، أنا أساعدكم، وأنصحكم ألا تقطعوا علاقتكم بالفرنسيين.
- في تفاصيل الاتفاق مع الفلسطينيين
أذكر أنّ ميشال أبو جودة، حين علّق في «النهار» تحت عنوان: «رئيس جمهورية بيروت»، شرح طويلاً الوضع الدولي في مقال قال في نهايته: «إن صائب سلام هو رئيس جمهورية بيروت، وإنّ أي حلّ لقضيّة بيروت ينطلق لحلّ قضيّة لبنان ثمّ قضيّة الشرق الأوسط بأسره. وأما إذا هُدمت بيروت أو حوصرت، فسيذهب لبنان بأسره، ولن يكون هناك سلام في المنطقة». وقد توافقت نظرة أبو جودة مع نظرتي.
وفي هذا الإطار، كانت اتّصالاتي بحبيب وبالمقاومة مستمرّة؛ خصوصاً بعد أن كتب ووقّع القياديون في المقاومة محضراً بأنّهم سيخرجون من بيروت، وكان هاني الحسن يزورني، وأنا أجده أعقل الفلسطينيين؛ لأنه يحلّل تحليلاً صحيحاً، فأستعين به على أبو عمّار.
طلب منّي حبيب أن أسألهم إلى أين يريدون أن يذهبوا، فسألت هاني، فلمّح إلى أنّهم حتّى اليوم يدرسون الذهاب إلى سوريا، ولكنّهم لا يريدون أن يعلنوا ذلك، فأجبت حبيب بأنّه أصبح الآن من الضروري وضع تصوّر شامل للموضوع وبرمجته، حينئذ أجد ما هو الحدّ الأقصى وما هو الحدّ الأدنى بين الفريقين فنتدخّل لتسوية الأمور. وقد رأيت من الضروري أن أوجّه برقية إلى السعوديين بواسطة علي الشاعر، وإلى الأمير سعود الفيصل فأطلعهما على كلّ ما جرى، وأعطيهما نصّ الوثيقة التي سلّمنا إيّاها أبو عمّار، مع رأيي في النقطتين المثارتين، واحدة من قبل حبيب بأنّه يريد أن يعرف إلى أين سيذهب الفلسطينيون، والثانية أنّ الفلسطينيين يريدون أن يعرفوا شيئاً عن القوّة الدولية؛ لأن الوزير الفرنسي سبق أن قال لي إنّ ذلك يمكن أن يتمّ خلال 48 ساعة، فهنالك «القوات الدولية» الموجودة في الجنوب التي يمكنها أن تحضر سريعاً، ودول أخرى مثل فرنسا وأميركا تريد أن تبعث بجيوشها، ولكنْ هنالك تضارب بين النظرة الفرنسية والنظرة الأميركية، فالأميركيون لا يريدون أن يتركوا دوراً للفرنسيين ليقوموا به في إنقاذ بيروت ولبنان.
وقد تابعت الحديث مع حبيب، ووجدت من الضروري أن أعطيه بصورة خاصّة مكتومة بيني وبينه نصّ المذكّرة التي وقّعها أبو عمّار، ليكون على بصيرة فيما يقوم به. وبعد أن درسها سألني ماذا يقصد الفلسطينيون بقوّة عربية دولية، أو دولية، قلت له هم يتمنّون قوّة عربية دولية، ولكنّهم يقبلون بقوّة دولية.
كذلك حين كلّمني، في هذا الإطار، جوني عبده، بعد غياب طويل، وكلّمني رئيس الجمهورية، أصررت على أنّ الأمر صار متوقفاً عليهم ليضعوا التصوّر المطلوب، بالسرعة الممكنة، وفيه برمجة لكلّ الأمور...
في هذه الأثناء، كما أذكر، طرأ شيء جديد، وهو ما سُمّي «المبادرة الفرنسية الجديدة»، إذ إنّ سفير فرنسا أتى فأبلغ رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة، بأنّ الحكومة الفرنسية قبلت من حيث المبدأ أن ترسل جيشاً من ضمن جيش دولي، ليساعد على إخراج الفلسطينيين من البلاد.
حبيب والأميركان ما زالوا واقفين وقفة غير معقولة بتاتاً. هم يقولون إنهم لبَّوا طلب «المقاومة الفلسطينية» الذي أتاهم بواسطة حكومة لبنان، فقرّر ريغان إرسال قوّة من «المارينز» لبيروت لهذا الغرض، ثمّ حبيب يقول إنّ هذه القوّة لن تدخل بيروت أو لبنان إلا بعد ذهاب الفلسطينيين كاملاً، إذن فلماذا تأتي؟
وفي اتّصالاتي بحبيب، بعد طرح هذه المبادرة، وجدت سبيلاً للأخذ والردّ بيننا، وخصوصاً أنّه يكلّمني دائماً ويعتبرني «أخاً كبيراً» ويقول لي: «أنا اعتمد على نصائحك وآرائك»، وشعرت بعد استعماله كلمة «كونسلتيشن» (consultation) أنّ هناك مجالاً للتداول، فنويت أن ألقاه ونتحدّث.
في هذا الوقت اتّصل بي الشيخان الأميركيان دود ورفيقه الذي إلى جانبه ولم أكلّمه، وكانا في مكتب جان رياشي السفير في الخارجية، فقلت لهما إنّني لا أذهب إلى الشرقية ولا إلى المجلس، فتحدّثنا حوالي ثلث ساعة، وكان الحديث حامياً. طبعاً، مع شيخ أميركي أكلّمه لأول مرّة، وقد اضطُررت إلى أن أنبش تاريخنا مع أميركا من أوله إلى آخره، وحدّثته عن التناقض فيما يقولونه اليوم: «أنتم تقولون إنكم بناءً على طلب المقاومة تأتون بالجيش الأميركي لمساعدتها على الخروج، ثمّ تقولون: لن يأتي هذا الجيش إلا بعد خروجها، فما هذا التناقض الذي لا نقبله. كلّ مصالح أميركا ستذهب إلى الخراب المطلق، ما دمتم تحت تأثير الصهيونية»، وقلت له: «إنكم إذا قضيتم –وهذا ما أردّده دائماً للتلفزيون الأميركي على أنواعه يومياً وللتلفزيون الألماني والفرنسي وغيره– إذا قضيتم على هذه القيادة العاقلة والواعية والمعتدلة من المقاومة فستكونون قد قمتم بشرّ الأعمال، إذ ستنشأ هنا وهناك، وفي كلّ الأقطار العربية، جماهير من (المقاومة الفلسطينية) في غاية التطرّف، وستكون إرهابية في جوهرها وعملها، وستُطعنون في صميم مصالحكم، ولن يكون هناك سلام في المنطقة، حتى ولا لقوّة إسرائيل التي لم تعد قادرة على أن تسيطر على العالم العربي بأسره. إسرائيل أنتم تؤيّدونها بالمال، مالكم مال دافع الضرائب، وأنتم تؤيّدونها بسلاحكم، حتى بالقنابل الفوسفورية، وحتى بالقنابل العنقودية، وتؤيّدونها سياسياً، وهي بهذا التأييد الأعمى يكون دورها فقط أن تهاجم وتعتدي وتتوسّع وتسيطر، وهذا ليس في مصلحة أميركا بالنتيجة».
- أغسطس (آب) 1982: القصف المجنون
ابتداءً من أول أغسطس، فُتحت أبواب جهنّم على بيروت، وشاهدنا وعشنا أضعاف ما شاهدناه في السابق، فمن الصباح إلى المساء كان القصف الإسرائيلي جواً وبحراً وبرّاً متواصلاً بشكل غريب. في الواقع يمكن أن أسمّيه جهنّم وأبوابها مفتوحة. كنا في بيت أختي فاطمة، فنزلنا إلى الطابق التحتاني؛ حيث اعتقدنا أنّ العقد يحمينا أكثر من البقاء في الطابق الأول، ولم يكن هناك إنسان يتحرّك على الطريق خلال تلك الساعات، كنا نسمع القنابل تتساقط حولنا وتأتينا بعض شظاياها، إلى أن وقعت اثنتان منها عندنا في البيت الملاصق لبيتي، وهو المكتب الذي أضع فيه كلّ أوراقي وملفّاتي، وواحدة انفجرت فخرقت السقف الذي تحت أرض الغرفة على مسافة 60 سنتيمتراً من العقد، إذن، لو أتى شيء من فوقنا لا سمح الله لهُدم البيت على رؤوسنا.
خرجنا من هذه المحنة، وصعدنا إلى الطابق الأول والثاني، وفي اعتقادنا أنّنا لن نرى شيئاً منه سالماً، ولكن الحمد لله أنّ للبيت ربّاً يحميه، وهذا ما كان يردّده هاني الحسن عندما كانت الأوضاع تتأزم وتتساقط القنابل من حولنا، فيقول: «سبحان الله، وكأنّ لهذا البيت شيئاً يحرسه وهو قائم بشموخه بين البيوت الملاصقة».
كنت خلال هذه الأزمة، قد مددت خطوطاً هاتفية إلى الطابق السفلي، مباشرة وغير مباشرة، لأبقى على اتّصال دائم برئيس الجمهورية، فأضغط عليه كثيراً ليطلب جميع سفراء الدول ويطلعهم على ما يجري، وكان يتردّد ويقول إنّه ليس بإمكانه أن يتواصل مع أحد؛ لكنه بعدها قابل تقريباً جميع سفراء الدول الممثّلين في هيئة الأمم، وفي مجلس الأمن.
وكذلك كنت على اتّصال بالوزّان، واتّصالي الأكثر كان مع غسّان تويني في الأمم المتّحدة، للتشاور معه في كيفية تقديم الشكوى إلى مجلس الأمن، وماذا يكتب فيها؛ لأنه في الواقع كان قد أعلن أنّه طلب المراقبين، وهو ليس مطلب الحكومة، وبعد حوار طويل قال لي: «إن الجميع يتشاورون في الغرفة المقفلة»، فقلت له: «وهذه العجوز الشمطاء مندوبة أميركا؟»، قال: «ربما تسايرنا»، وإذا وهو يتحدّث يقول: «اسمع اسمع لقد خرجتْ»، ثمّ قال لي: «لقد وافقت على القرار»، وهذه أول مرّة توافق فيها أميركا على مثل هذا القرار في طلب وقف إطلاق النار، وتوافق على إرسال المراقبين الدوليين، وهو موقف يُعتبر من جانبها موقفاً عدائياً، أو غير ودّي، تجاه إسرائيل.
وأذكر أنّه بعد خروجنا من هذه المحنة أتتني وفود كثيرة تهنّئني بالسلامة بعد أن سمعوا بإصابة مكتبي، وكان منهم أبو عمّار وهاني الحسن.
وأذكر بعد هذا اليوم المجنون، أنّني ذهبت في جولة لأتفقّد الأماكن المصابة أكثر من غيرها في البلد، فذهبت إلى كورنيش المزرعة وجنوبه، وبقيت ساعتين أجول في تلك المنطقة التي سمّيتها حقاً مدينة أشباح، فهي تكاد تكون خالية من السكّان، خالية من كلّ روح، فيها التهديم والحرائق، ومع الأسف، كلّ ما يدمي الفؤاد. وكان يرافقني فريق من التلفزيون الأميركي وغيره، ومن التلفزيون اللبناني أيضاً، وقد صوّروا كثيراً وسجّلوا تعليقي، ثمّ عقدت مؤتمراً صحافياً حين أنهيت الجولة في مكان إقامة فريق «المقاصد» للدفاع المدني، أولئك الشباب الذين يُدخلون العزة والطمأنينة ويعزّزون الإيمان إلى نفسي، أولئك الشباب المتطوّعون الذين يرمون بأنفسهم منذ شهرين وأكثر أمام الجميع، ليطفئوا الحريق هنا أو هناك، ولإنقاذ الأشخاص من تحت الركام، وانتشال الجثث والإتيان بها إلى مستشفى «المقاصد»، وهو ما يشجّع الإنسان على إبقاء الحياة في هذا البلد، رغم كلّ ما يصيبنا من بلايا ورزايا.
وأذكر أنّ ما قلته باللغة العربية في المؤتمر الصحافي هذا، بثّه التلفزيون اللبناني، وما قلته بالإنجليزية تلقفه المراسلون الأجانب وأرسلوه لوكالاتهم وتلفزيوناتهم. وقد أكّد لي كلوفيس مقصود، فيما بعد، أنّ حديثي كان ممتازاً، وهو ضروري جداً لأميركا والأميركيين، فارتحت لسماع ذلك. أما المراسلون هؤلاء فقد أخبروني أنّهم كانوا قد شاهدوا الإسرائيليين يحشدون دباباتهم عند المتحف، وهي أكثر من 80 دبابة، وأنّهم استولوا على المرفأ، وهم يتجمّعون هناك بقوى كبيرة، كما يحاولون الدخول من منطقة الأوزاعي والمطار وبرج البراجنة، إذن هم يطوّقون بيروت ويشدّدون الخناق عليها، ليصلوا إلى قلب العاصمة ويدمّروها.
تبادلت الحديث مع حبيب في هذا الأمر، فطلب أن أتّصل بالمقاومة ليوقفوا إطلاق النار من جهتهم، وكنت مقتنعاً بأنّ الإسرائيليين هم الذين يخرقون وقف إطلاق النار؛ لكنني اتّصلت بأبو جهاد، وحبيب نقل الأمر إلى واشنطن، وقال لي مؤكّداً إنّ أميركا لن تقبل باجتياح بيروت، وأنا لم أعد أثق بأميركا، وأعتقد أنّ ريغان ومواقفه لا تؤثّر، أو لا يريد لها هو أن تؤثّر، على إسرائيل، لوقف عملها العسكري في بيروت.
اتّصلت برئيس الجمهورية، كما أذكر، وكنت عنيفاً معه، قلت له: «أنت رئيس البلاد ومفروض أن تعيش مع أبناء عاصمتك، وتقاسي ما يقاسون من إرهاق تحت القصف العشوائي الوحشي المتواصل، وهم من دون ماء ومن دون كهرباء، والأمراض بدأت تتفشّى... وهم من دون أدوية والكلّ يصرخون، حتى إنّ الإسرائيليين منعوا (الصليب الأحمر) بالذات من إدخال الدواء»، وطالبته بأن يرسل جيشاً من مائتي نفر أو أكثر إلى محطّة المياه وإلى محطّة توليد الكهرباء، فيفرض تسلّمهما، وليقابله الإسرائيلي بالعنف، فيفهم العالم أنّك تحافظ على أرواح أبناء بلدك، فكان أول الأمر مستفهماً، ثمّ قال أخيراً: «خيراً، سنجري اللازم»، فقلت له: «يجب أن تجري اللازم»، وأعتقد أنّ عنفي معه كان إلى أبعد الحدود.
وللأسف، لم تمضِ ساعات على هذا الاتّصال، حتى أتت طائرتان فجّرتا بناية بأكملها، طبعاً عرفت فيما بعد أنّها كانت مكاناً للقيادة الفلسطينية، فطبّقت سبعة طوابق على من فيها، ويقولون إن هنالك مئات الضحايا، فاتّصلت بحبيب لأنّه أصبح لدي هاتف جيد الآن، مددت شريطه من مكتب «المقاصد» إلى بيتي على بعد 1200 متر، وقد عانينا كثيراً في إيجاد الشريط اللازم، فأخذ علماً وخابر واشنطن فوراً.
ولم أعد أحصي الساعات التي أمضيتها في الملجأ، تحت العقد، ونحن نسمع القذائف تنهمر على بيروت، وفي كلّ مرّة أتّصل بحبيب، وهو يقول لي: «فتّش عن القيادة الفلسطينية وأخبرهم بضرورة وقف النار»، وأنا أجيبه بأنّ الإسرائيليين هم الذين يقصفون البلد في كلّ أرجائه، الجنوبية، وقلب بيروت... من كورنيش المزرعة إلى الحمّام العسكري، والله يمنّ علينا بأنّنا لم نُصب بسوء، ولكن هناك ضحايا كثيرة غير الدمار والخراب.
وذات مرّة، بعد سقوط قنابل كثيرة، أخبرني حبيب أنّ وقف إطلاق النار سيكون سريعاً، ذلك أنّه اتّصل بواشنطن، وعرف أنّ الرئيس الأميركي ريغان اتّصل ببيغن، وطلب منه إيقاف إطلاق النار، فاجتمع بيغن بالوزارة الإسرائيلية، ثمّ أبلغ ريغان بأنّهم أمروا بوقف النار، فبثّت إذاعات العالم أنّ ما أبلغه ريغان لرئيس الوزارة الإسرائيلية كان إنذاراً، فأعدت الاتّصال بحبيب وشكرته.
- وداع أبو عمّار
طبعاً كانت علاقتي بالإعلام مستمرّة، زيارات ومقابلات، وقضيّة الانتخاب وقضيّة المقاومة حاضرتان دائماً. وكان عندي تقي الدين الصلح ووليد جنبلاط ونبيه برّي، حين حضر إليّ الوفد الاشتراكي الأوروبي، فدعوت الجميع للغداء، وكان الكلام صريحاً مستفيضاً عن أوضاع لبنان وأوضاع العالم العربي والقضيّة الفلسطينية، وقد طلبوا الاستماع إلى رأيي بعد أن قابلوا شخصيات كثيرة ورسميين. كان الاجتماع ناجحاً، وأكثر الكلام كان لي، إذ كنت أفسّر لهم كلّ الأمور، وهم يستوضحون كلّ شيء. وقد طلبنا منهم أن يسعوا جهدهم كقوة اشتراكية دولية؛ خصوصاً وهم اليوم في مراكز الحكم في بلدان أوروبية كثيرة، ليدركوا أنّ «لبنان أصبح قضيّة كالقضيّة الفلسطينية، لا يمكن إهمالها».
وأعتقد أنّ هذا الاجتماع سيكون له تأثير فاعل، آمل أن نستفيد منه في تحرّكنا المقبل.
وتحضيراً لانسحاب الفلسطينيين جاءني هاني الحسن، وخرج وهو ينوي أن يعود ثانية لوداعي. كذلك جاءني أبو عمّار، ومعه أبو جهاد، وكان قد طلب منّي أن أعمل لتأخير انسحابهم، فاتّصلت بحبيب الذي قال إن ذلك لا يمكن إطلاقاً، ولكنّه سيرتّب الموضوع ليكون ذهاباً مأموناً خلال 24 ساعة أو يومين.
تحدّثت مع أبو عمّار كثيراً في سياسته المستقبلية، ونصحته بأن يترك الأمور الصغيرة وينتقل لحمل مسؤوليات كبيرة، فالفلسطينيون صار لهم شأن كبير في العالم، ولهم مندوبون في حوالي 65-70 دولة، بما يشبه السفراء، وهم يمكنهم أن يمثّلوا قوة دعائية كبيرة، وفي أميركا هناك قوّة فلسطينية من أغنياء ومثقفين، كانوا قد اجتمعوا في لندن، ووضعوا مبلغاً كبيراً مبدئياً، ربما مائة مليون دولار، للقيام بالدعاية فيها. وقد تأثّرت كثيراً بالمقابلة، وصرت أشعر بأنّ أهل بيروت رغم ما قاسوه يعطفون عليهم عند انسحابهم، وأنّ ما نطلبه هو تعزيز قضيّتهم، فنحن نؤيّدها، ونجدها مفيدة لهم ولنا نحن المسلمين في لبنان، وأنّ الضرر سيقع علينا إذا خرجوا مذلولين لا سمح الله.
وبعد يومين، أذكر أنّه أتى إليّ أبو عمّار، وقد جاءني مودّعاً، كان مساءً مؤثراً، قلبي معه، أعدت البحث؛ بل النصيحة المستمرّة، أولاً ليخرج مشجّعاً، وثانياً ليعتبر أنّه لم ينكسر كاملاً، وهذا ما كنت أردّده على الصحافة العالمية من أوروبية وأميركية كلّ يوم، وأنّ عليه أن يغيّر خطّته كاملة، فهو لم يعد في حرب عصابات ولم يعد مقاومة عسكرية؛ بل أصبحت قضيّته قضيّة نضال سياسي، إذن عليه أن يكون رجل دولة بكلّ معنى الكلمة، ينفض عنه غبار كلّ الماضي، وكلّ الممارسات الماضية، ويتّخذ صفة رجل الدولة بهيئة جديدة، ليتصرّف بالقضيّة التي أصبح لها مجال عالمي واسع، وشعبية مؤيّدة من أكثر شعوب العالم.
وقد اعتصر قلبي في ساعة الوداع هذه، حتى زوجتي تميمة دخلت علينا المكتب، وهي لم تفعل هذا من قبل مع أحد، وأحبّت أن تودّعه، فقبّل يدها تقبيلاً حارّاً والدمعة في عينيه، وقال لها: «أقبّل هذه اليد عن جميع نساء بيروت البطلات اللواتي صمدن معنا!». وكانت التلفزيونات العالمية كثيرة عند الباب ونحن خارجان، وبعد أن نزل السلّم، لحقته إلى الأسفل، مُغيّراً عادتي بأن أودّعه على باب المصعد، فأوصلته إلى سيّارته، وقد دمعت عيناه، وأنا تأثّرت تأثّراً عميقاً. كان الله في عونه.
- وجاء يوم مغادرة الفلسطينيين
أذكر أنّه كان يوم الاثنين في 30 أغسطس 1982، حين زار أبو عمّار رئيس الوزراء، ومن هناك توجّه معه إلى المرفأ؛ حيث كان مرافقوه وسط حشد كبير.
وقد نزلت أنا وتمّام وتقي الدين إلى المرفأ، وكان هناك عدد كبير من المودّعين، ومنهم المفتي، والرئيس الحصّ، ورشيد الصلح، ومالك سلام، والبربير، والحركة الوطنية بكاملها، مع وليد جنبلاط، وهناك اختلط الحابل بالنابل عند مدخل الباخرة اليونانية، وقد أتى من «الحركة الوطنية» محسن إبراهيم وجورج حاوي، وأنا لم أكن على علاقة طيّبة معهما، فتقصّدا من بعيد أن يأتيا لمصافحتي، فلم أر بُدّاً أمام الناس من مصافحتهما، ثمّ صعدنا إلى الباخرة، وكان هناك اجتماع في قاعة الاستقبال؛ حيث الرئيس الوزّان يمثّل فخامة رئيس الجمهورية، ومعه رينيه معوّض، وقد ألقى أبو عمّار كلمة مؤثّرة، ثمّ قدّم رسالة للوزّان، ووساماً لبيروت باسم القائد العامّ للمنظّمة... «منظّمة التحرير الفلسطينية»، سمّاه «وسام صمود بيروت» وقد أجابه الوزّان بكلمة طيّبة أيضاً ومؤثّرة، وقال له: «لأول مرّة نزيد على التقاليد في لبنان، فأنا أمثّل رئيس الجمهورية، وكذلك يمثّله معي الزميل وزير التربية رينيه معوّض، أي أنّ لبنان المسيحي والمسلم يودّعك اليوم».
كنت راضياً تماماً عن هذا الوداع؛ لأنه في الواقع أتاح للأخ أبو عمّار، ومن خلال شخصه للمقاومة الفلسطينية، مغادرة مشرّفة كريمة، وما لفت نظر الجميع أنّ الأميركيين، مع أنّهم يرفضون الاعتراف بالمنظمة الفلسطينية، كانوا يحرسون الطرق من المركز التجاري إلى المرفأ، على الجانبين، كما حرسوا أبو عمّار ببوارجهم في البحر. إذن، هذا اعتراف غير مباشر، فقد كانت الباخرة اليونانية بحماية الأسطول الأميركي والأسطول الفرنسي.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.


الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.