زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

رئيس الحكومة الراحل يروي تفاصيل «القصف المجنون» على العاصمة اللبنانية في صيف 1982 ومساعي إنهاء الحرب

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل، صائب سلام، يتناول تفاصيل الفترة الصعبة التي عاشتها بيروت ومعظم مناطق لبنان، خلال الغزو الإسرائيلي في صيف 1982. ويقول إنه كان يشعر وهو تحت قصف المدافع وغارات الطائرات، وكأن «أبواب جهنم قد فُتحت على بيروت».
ويتحدث سلام عن المحاولات والاتصالات التي أجراها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقادة المقاومة الذين كانوا يعيشون في بيروت، وأبرزهم: أبو إياد، وأبو جهاد، وهاني الحسن، إلى جانب القادة اللبنانيين الذين لعبوا دوراً في تلك المرحلة، وخصوصاً رئيس الجمهورية إلياس سركيس، وبشير الجميل الذي كان يقود «القوات اللبنانية»، وانتخب فيما بعد رئيساً للجمهورية، واغتيل قبل أن يتولى منصبه، إضافة إلى اتصالات سلام مع المبعوث الأميركي إلى لبنان في تلك الفترة، السفير فيليب حبيب، الذي كان يتولى ترتيب محاولات وقف إطلاق النار تمهيداً لخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوفرة في مكتبات لبنان بدءاً من 28 يونيو (حزيران)، وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
- قصف الإسرائيليين لبيروت
كان ذلك ليلة الثلاثاء، في 22 يونيو 1982. في هذه الليلة لم ننم، وكلّ أهل بيروت لم يذوقوا طعم النوم من القصف المتواصل. منذ الصباح، حاولت معالجة ذلك. اتّصلت بالرئيس الوزّان فحضر إليّ، ثمّ حضر هاني الحسن، وكانت النتيجة... «هيئة الإنقاذ الوطنية» المؤلفة من الرئيس الوزّان وبرّي وجنبلاط. ثمّ قرّرت الاجتماع بـ«المقاومة الفلسطينية» اليوم للبحث معهم في ترتيب الأمور.
كلّمتُ السفير فيليب حبيب، فوجدته عند رئيس الجمهورية إلياس سركيس، فكلمت رئيس الجمهورية أيضاً، ووعد حبيب بأن يبذل جهده لوقف إطلاق النار. كلّمني السفير حبيب من دارة السفارة الأميركية في اليرزة مرّة أخرى، وطلب أن يقابلني، فذهبت إليه وقابلته، وحال ما أبلغته ما يحصل، قال لي إنّه هو أيضاً لم ينم الليل، وإنّه ليس بحاجة لشاهد، فقد رأى القذائف والقصف يتّصل من قبل الفلسطينيين ومن لفّ لفّهم، وقد بلغت حوالي أربعين قذيفة قبل أن يردّ عليهم الإسرائيليون من البحر والبرّ. وكان السفير موريس درايبر يكتب ملاحظات فيما نبحث فيه. ثمّ اتّصل بواشنطن ليوقف إطلاق النار، ويوقف أيضاً الزحف الإسرائيلي من خلدة إلى بيروت؛ لأن الفلسطينيين كانوا قد أبلغوني صباحاً أنّ القصف الفلسطيني كان سببه التقدّم الإسرائيلي نحو بيروت، ومع هذا فقد أبرق لواشنطن بإيقاف الزحف وأنا عنده.

دبابة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال الغزو (غيتي)

ثمّ كلمني أبو عمّار الذي كان قد حضر إلى منزلي، حين كان «التجمّع الإسلامي» منعقداً، وكان يتكلم بصورة غير معقولة، جنونية: «إنني محاصَر، سأضرب يميناً شمالاً جنوباً، شيوخاً أطفالاً نساءً، على جونية، على البلد، على الجميع، على الإسرائيليين... لن نموت هكذا، لن نموت». حاولت كثيراً أن أكلمه، أن أهدّئ من روعه؛ لكنه لم يسمع منّي كلمة، ثمّ حاولت ثانية قائلاً له: «إن السفير حبيب يسعى جادّاً لإيقاف التقدّم الإسرائيلي»، فأجاب: «سيأخذون المطار، سيُنزلون الدبابات بالهليكوبتر، سيزحفون علينا ونحن لن نموت، سنقاتل!».
مضت عليّ أيّام وأنا أعلن وأردّد، حتى للصحف الأجنبية وللمراسلين الأجانب الذي يتوافدون عليّ بالعشرات، لأعطي الصورة للخارج بأنّ الفلسطينيين قد قاتلوا قتالاً مجيداً من الحدود إلى بيروت، ومن حقهم ألا يموتوا إلا مقاتلين، وأنّهم في بيروت سوف يقاتلون من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع، من بيت إلى بيت، وهذا ما كنت أفهمته لحبيب أيضاً، بأنّنا لا نريد أن نوصلهم إلى هذا المأزق. حبيب يلحّ وأنا ألحّ معه منذ مدّة على أنْ ينزل الجيش اللبناني إلى بيروت بالاتفاق مع الفلسطينيين، فمن دون الاتفاق مع الفلسطينيين، لا يمكن أن ينزل الجيش ويضمن ألا يحصل تصادم بينه وبين المسلحين، وخصوصاً الفلسطينيين. وكان أبو عمّار يرفض هذا، ويطلب أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى أبعد من 7 كيلومترات، وهو يصرّ ويقول إنّه كان قد أبلغ هذا لجوني عبده، وإنّه ليس في مقدور حبيب تحقيق ما قاله لي بأن يعيد الإسرائيليين إلى الوراء، ولكن بإمكانه أن يوقفهم حيث هم، إذا توقف إطلاق النار، وهو يريد ذلك فعلاً حتى يكون الجيش اللبناني هو متسلّم الأمن في بيروت، ولا تكون هناك حجّة للأميركان تجاه الإسرائيليين، فهم إذا ضربوا بيروت أو اقتحموها، فإنّهم يقتحمون الشرعية من خلال جيشها؛ لكن أبو عمّار كان يقبل مبدئياً نزول هذا الجيش ولا يسهّل ذلك عملياً، وهذا ما سيكون موضع بحث بينه وبين اللجنة الأمنيّة.
مع الأسف، بعض المسلّحين اللبنانيين ومن وراءهم الذين عاشوا على التخريب منذ سنوات، لا يفيدهم أن نأتي اليوم بأي حلول، وها هي البلاد كلها ترى ما أسعى إليه جاهداً منذ أسابيع، في الأيّام والليالي، مع هذا وذلك، مع رئيس الجمهورية، مع حبيب، مع أبو عمّار الذي يزورني مرّتين في اليوم تقريباً، وهم جميعاً يقدّرون ذلك، إلا أنّ هذا التقدير يصبح عكسه عند بعض الفصائل المسلحة من أمثال «المرابطون» وأمثال فلول «الحركة الوطنية» الذين يحرّضون، وقد صرّحوا -كما أفادتني رسالة من سركيس نعوم، المحرّر في «النهار»- بـ«أنّنا لن نسامح بعد سبع سنوات تسميتهم جهادنا تخريباً، وبأن يأتي صائب سلام ليأخذ وجاهة حلّال المسائل». بناءً على ذلك، سيعملون على «خردقة الداخل»، أي صفوف «التجمّع الإسلامي» الذي بقي فيه فلول ممن اعتمد عليهم، مثل تقي الدين الصلح، وهو من أصحاب التعقّل والرويّة، وها هم اليوم يلتفّون حوله كثيراً ويثيرون عنده حساسيات محاولين أن يفرطوا التجمّع.
أنا أعرف كلّ ذلك، ولكنّي أحاول كثيراً أن أتجاهل، محاولاً أن أبقي هذا التجمّع قائماً. وحين اتّصل سماحة المفتي حسن خالد، طلبت منه أن يداري الموضوع، وهو يشعر بما يقع على بيروت من ضير ومن خشية على تهديمها على رؤوسنا جميعاً، أطفالاً وشيوخاً ونساءً. وبعد البحث معه، اقترح أن يدعو البعض مع أبو عمّار والوزّان وجنبلاط. قلت له إنّني أفضّل ألا يُضمّ جنبلاط لأسباب، منها أنّه أتاني مَن يخبرني أنّه قال إن اليوم يوم التشفّي من الفلسطينيين؛ لأنهم ضربوا والده من قبل سنة 1977، يوم دخل السوريون، وهم اليوم يضربونه أيضاً فيما يقومون به في الشوف، وهو نفسه لم يأتِ من المختارة للانضمام إلى «هيئة الإنقاذ» إلا بعد مساعٍ جبارة، وقد اجتمع بها مرّتين، وفي كلّ مرّة كان يخرج من عندي ويتظاهر بأنّه تعقّل وأنّه فهم ما أردّده له بأنّنا جميعاً وراءك نؤيّدك... إلا أنّ جوابه يكون: «أنا لا أتحمّل مسؤولية»، وهو جواب مراوغ لأنّه يريد أن يوقع بهم.
وقد أخبرني أحد المراسلين الأجانب في «الكومودور»، وقد بلغوا في تجمّعهم هناك ما يفوق المائتين عدّاً، أنّ جنبلاط جاءهم فجأة إلى فندقهم بحجّة أنّه يريد أن يعيش هناك. هم يعتبرون ذلك حجّة، فهو جاء فقط ليقول لهم إنّه لا يوافق على ما يحصل، وإنّ أميركا متضامنة مع إسرائيل، وإنّ الإسرائيليين يريدون أن يضربوا. وهو يريد بذلك أن يزايد على المساعي الخيّرة، حتى يثير القوى الشريرة، وحتى يبعث القلق، وكان يردّد دائماً: «أنا عائد إلى المختارة!».

جنود إسرائيليون في بيروت في صيف 1982 (غيتي)

وأذكر أنّه أتاني في المساء اتّصال من السفير حبيب من اليرزة، يقول إنّه أتاه تأكيد من أميركا بأنّ شارون وافق على عدم دخول المطار، وهذا كان طلب الفلسطينيين منّي، وثانياً أنّ عليّ إيقاف القصف، قصف الفلسطينيين، ومن لفّ لفيفهم، كاملاً.
لم أتمكّن في هذا الوقت من الاتّصال بأبو عمّار؛ لأنه كان في اجتماع مع الوزّان وجماعته فاتّصلت بأبو جهاد، وهو رجل عاقل، فأفهمته هذين الأمرين، وقلت له أن يتعقّلوا وأن يعمل هو على إيقاف إطلاق النار بكلّ ما لديه من قوّة، وطلبت منه أن يأتي لمقابلتي هو وأبو عمّار، حال عودة أبو عمّار من الاجتماع.
من جهتي، أنا أبذل هذه المساعي الخيّرة حرصاً منّي على القضيّة الفلسطينية وعلى أصحابها، وقد أخذت من حبيب ضمانات تقول بأنّهم لن يسمحوا بضرب الفلسطينيين إن كان الجيش اللبناني في بيروت، ولن يسمحوا بإذلالهم أو بذبحهم كما قال، وأنا بدوري أوصلتُ هذه التطمينات التي طلبوها بواسطتي من أميركا.
أما جنبلاط فبدل أن يعطيهم تطمينات بعد مقابلته لحبيب، أتى إلى اجتماع فيه الكبير والصغير، المتطرّف وغير المتطرّف، فأخافهم بقوله إنّ حبيب هدّده بأنّ الفلسطينيين سيُضرَبون، وبأنّ الفلسطينيين سيُزالون، لذلك يجب أن ينسحبوا من البلد فوراً... إلخ... إلخ... وأعتقد أنّه أثار ذلك عن قصد، ليثير فيهم التحرّك فيقاوموا، مردّداً أمام البعض أنّه يريد من ذلك أن ينتقم منهم.
- تهديد أبو عمّار
أما أبو عمّار فبعد أن أفرغ كلّ ما في جعبته من كلام جنوني لا معنى له، بأنّه سيخرّب وسيضرب شرقاً وجنوباً وشمالاً... وقد جاراه تقي الدين الصلح الذي بعد مكالمة أبو عمّار لي طلبني، وكان أشدّ وأقسى. طبعاً أنا أخذت هذا من ناحية أخرى، فاستعملته مع حبيب حين قلت له إنّ هذا موقف أبو عمّار، وأمامي أيضاً، وبعد عشر دقائق من الرسالة الأولى، أرسل رسالة ثانية إلى واشنطن يطلب منهم إيقاف الإسرائيليين عن التقدّم.
وأبو عمّار تعوّدنا عليه وعلى تمثيله وعلى شطحاته، قلت له حين كنت سأذهب من عند السفير الأميركي في اليرزة إلى مقابلة الرئيس: «انتظرني في المصيطبة»، وحين حضرت كان قد ترك قبلي بدقائق لأنّه لم يرد أن يقابلني، بعد أن هوّل على المجتمعين وأرعبهم، وخشي إذا حضرت أن أجعله يتعقل؛ لكنني سأحاول أن ألتقي به بعد انتهاء الاجتماع.
ثمّ وصلني خبر أنّ «المرابطون» يحاولون «خردقة» مَن حولي، فيتّصلون بـ«تقي الدين» ويدلّلونه، ويتّصلون بمالك سلام ورشيد الصلح وغيرهم محاولين الالتفاف حول المفتي؛ لكني أعتقد أنّ المفتي سيفهم منّي بالعقل والحكمة، أما الباقون فأنا أداريهم، من تقي الدين إلى الذين يمكنني أن أطالهم، وهم كثيرون من الحركة الوطنية. وكان يأتيني في هذه الأثناء منهم من كانوا أشدّ مواجهة لي، أمثال محمد قبّاني، وعصام نعمان، وعصام العرب وجماعته، كذلك زارني رئيس «الحزب القومي» إنعام رعد الذي بعد خروجه من عندي أعطى بلاغاً للجرائد يقول فيه إنّه زارني وإنّه أيّدني في كلّ مواقفي، فأنا أسعى جاهداً وبكلّ إخلاص للحفاظ على الفلسطينيين وقضيّتهم، وللحفاظ على مدينتي بيروت وعلى لبنان أجمع من خلال ذلك، وهذا يسيء لمن يريد أن يخرّب أكثر فأكثر.
ثمّ جاء جماعة التلفزيون قائلين إنّ الاتّصالات تتوالى راجية إطلالة صائب سلام على التلفزيون ليطمئن الناس. وهذا له منافعه إذا قمتُ به، ولكنّ له مضارّه أيضاً لأنّه يثير الآخرين، هؤلاء الذين يريدون أن يخرّبوا ليجعلوا لأنفسهم مكاناً، حتى إنّه نُشر حديث طويل لرشيد كرامي يحرّض فيه على الحكم وعلى المتعقّلين، ويقول إنّه يجب ألا نبيع القضيّة بالمحافظة على بيروت، وهناك حديث آخر لريمون إدّه الذي خرج أيضاً عن حدوده وعن كلّ أطواره في المدّة الأخيرة، وهو يكلّمني كلاماً غير معقول، ففي حديثه الصحافي ذاك قال: إنّه يجب ألا يكون هنالك «لافال»؛ مشيراً إلى الوزّان الذي أدعمه وأؤيّده؛ لأنّه أفضل من في الساحة اليوم. وحين تلقّف إبراهيم قليلات و«المرابطون» منه كلمة «لافال» أخذوا يعلنون من إذاعتهم محذّرين «لافال» من المضي بعمل «لافال»، أي القيامة، وأخذوا يصنّفون: الوزّان خائن، نبيه برّي خائن، وطبعاً سركيس خائن، وبطرس خائن، وبشير الجميّل خائن، ولم يبقَ إلا جنبلاط المعرقل والمزايد في نظرهم؛ لأنّهم يستفيدون من مراوغته، وهو من دون أي شك يقصد الضرر والهلكة لبيروت وللفلسطينيين بالذات، وقد قال للبعض صراحة إنّه يريد أن ينتقم منهم. والله يقدّم ما فيه خير.
- تحت رحمة قنابل شارون
أتذكّر أنّ ما ذاقته بيروت هو أشدّ ما يكون فظاعة تحت قنابل هذا «الهولاكو» الجديد الذي يريد هدمها. عدوان وحشي أصاب بيروت كما أصاب لبنان كلّه من جنوبه إلى عاصمته، تهديماً وخراباً وهدماً وفتكاً.
سكّان بيروت نزحوا بالألوف المؤلفة، باتّجاه الشمال والشرق، وبقي فيها أيضاً ألوف، وهم كلّهم تحت رحمة قنابل شارون.
ابتدأ شهر رمضان ونحن في هذه الحال، وأنا في كلّ وقت أستصرخ العالم، وكالات الأنباء والصحف... أسعى كلّ ساعة مع الوزراء، مع السفراء، مع «التجمّع الإسلامي».
أصرخ أنّ الإسرائيليين يريدون القضاء على «المقاومة الفلسطينية» نهائياً، وها هم قد احتلّوا جوانب بيروت من جنوبها إلى شرقها إلى شمالها عند الكتائب.
أصرخ مخاطباً السفير حبيب، فيوقف القتال، ثمّ نراه يستمرّ، ويرسل شارون منشورات فيها التهديد والوعيد وضرورة خروج أهل المدينة منها، تلقي هذه المنشورات طائرات كلّ يوم، وكان لها فعلها ودويّها العظيم.
وقد اضطررت للاتّصال برئيس الجمهورية مرّتين، وكلمته بلهجة قاسية قائلاً: «أنت قاعد في بعبدا، ولكن عاصمتك تحت رحمة الإسرائيليين في كلّ ساعة، وقد يدمّرونها، فاستنجد برؤساء العالم ومن خلالهم بشعوب العالم كله!».
كذلك كلّمت مفتي الجمهورية وطلبت منه أن يذيع بياناً من التلفزيون يوجّهه إلى شعوب العالم، ورؤساء أقطار العالم الصديقة والشقيقة.
- مع بشير الجميل
في الوقت ذاته، لم أهدأ وأنا أستقبل المراسلين الأجانب الموجودين في فندق «الكومودور»: من ألمان وطليان وإنجليز وأميركان وفرنسيين، من «BBC» و«AP» و«UP» و«نيويورك تايمز» و«اللوموند» و«ديرشبيغل»... كنت أشرح لهم الوضع والتطوّرات خطوة خطوة،... وأنا مؤمن بأنّني أقوم بواجب وطني وقومي يدعوني لذلك، فالمقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تداس تحت أقدام المجتاح الإسرائيلي.
وهذا ما كنت أكرّره لإخواننا الموارنة، ولبشير الجميّل خاصّة، وقد كنتُ على علاقة مع بشير منذ مدّة كما هو معلوم، وكان يكلمني بصيغة: «أنت والدي وأنت مرشدي، إنّ كلّ ما تقوله لي أنفّذه»، وكان هذا حقيقة، ولكن بعد دخول الإسرائيليين شعرت بأنّه تغيّر، فتغيّرتُ معه أيضاً. أرسل لي مرّة محمد صفي الدين بعد أن قال له إنّه يشعر بأنّني تغيّرت عليه، فقال له محمد صفي الدين: «بلى، أنا أيضاً شعرت من صائب بأنّه تغيّر عليك، والسبب هو كذا وكذا وكذا»،
فكلّمته وقلت له: «لقد نقل إليّ محمد صفي الدين وأنت تعرف أنّني صريح، نعم لقد تغيّرت لأنّني شعرت بأنّك أنت تغيّرت. فيا بشير، وأيّها الإخوان الموارنة، أنتم تعلمون أنّ قلبي مفتوح لكم ويدي ممدودة، وكلّنا من أجل لبنان يجب أن نتعاون، ولكن أشعر اليوم بأنّكم قصيرو النظر، فما يناله الإسرائيليون منا ومن إذلال المقاومة إذا تمكنوا من ذلك سيصيبكم الضرر الكبير من بعده، وإنّهم إذا نالوا كلّ ذلك وهدموا بيروت والمسلمين، فلن يقوم لبنان بعد اليوم، وستكونون أنتم تحت رحمة الإسرائيليين، وستكونون أنتم أكثر الخاسرين، فالمسلمون ليس لديهم الكثير مما يأخذه منهم الإسرائيلي المحتلّ، ولكن أنتم سيأخذ من قلوبكم ويمسك برقابكم؛ لأنكم أنتم الذين يكمن عندكم ما تعطونه».
وهذا الحديث كنت أقوله لإخواني المسيحيين كلّهم.
أما أبو عمّار، فكان يأتيني دوماً بعد الإفطار بدقائق، ليجلس ساعات أتجادل معه، جدالاً قاسياً ومريراً، ونفترق لنلتقي ثانية، وهو لا يزال عند موقفه الذي كان عليه من عشر سنوات، يحلم بأمور، ويشتهي، ويقيّم... في ضوء ما يتصوّره خياله، وأنا أحاول أن أضعه عند مسؤولياته.
كذلك أقام أبو عمّار الدنيا حين أتى إليّ يقول إنّ هذه خيانة، أي عودة الوزّان، أي إنّنا نحن خائنون، فثرت عليه بعنف، رجع واعتذر، فقلت له: أنا أدري ماذا أفعل، لم يبقَ لكم إلا الوزّان، عملنا وسعينا من أجل تكوين «هيئة الإنقاذ»، وضحّينا مع جنبلاط ومع بشير الجميّل من أجل ذلك فتكوّنت، واعتقدنا أنّنا خطونا خطوة أولى، ثمّ اجتمعتَ معنا، فاعتقدنا أنّنا خطونا خطوة ثانية، ثمّ في أول اجتماع صدر عنها ما ينبئ بأنّ أعضاءها متّفقون جميعاً، وكانت قدرة عجيبة ألهمنا الله بها وأعاننا فيها، فتمكّنا من أن نجمع جنبلاط وبشير الجميّل على طاولة واحدة، وهذا لم يكن ليحصل لو لم أكن أنا الساعي إليها. ثمّ فرطت هذه الهيئة أو كادت، جمدت، فما بقي إلا رئيس الحكومة الوزّان، ولو لم نبقه غير مستقيل بعد أن قدّم استقالته لسركيس، ولو لم أشدّ وأدفعه دفعاً لبقي على استقالته، وهكذا استمرّت لنا شرعية قائمة، ولو لم يكن كذلك لما بقيت لنا أي شرعية.
وانطفأت «الحركة الوطنية»؛ خصوصاً بعد أن قصد جنبلاط تجمّع الصحافيين في فندقهم، وشتمنا هناك، فقال إن الحكّام خونة، بمن فيهم الوزّان وصائب، وأعلن انسحابه رسمياً منها.
نعم، لم تبقَ «حركة وطنية»، وجنبلاط ترك الساحة وهو منزوٍ في بيته، أما أنا، فأستمرّ منفرداً أحارب بإيماني، بعقلي، بما أعطاني الله من سعة الحيلة، حيلة الرجال في وسع التفكير.
وأذكر أنّه كان يجتمع عندي، أسبوعياً، ثمّ يومياً: «التجمّع الإسلامي»، و«جبهة المحافظة على الجنوب»، وذات مرّة زارنا خلال الاجتماع: الوزراء الخمسة، وأبو عمّار، وأبو جهاد، وأبو الوليد.
كانت جلسة طويلة، وبعد أن ذهبوا، جاءني الرئيس الوزّان منهكاً، وقال لي إنّ الأمور لم تتيسّر بعد، فرغم الأسس التي وُضعت مع أبو عمّار، بقيت التفاصيل العسكرية، وهي شأن لا نتعاطاه، بينما جوني عبده يفهم بها.
وأنا كنت قد قابلت جوني عبده مرّة واحدة في القصر الجمهوري. تحدّثنا يومها، وقلت له إنّنا اليوم في موقف حرج، ويجب أن تدركوا أنتم الموارنة ذلك، مع المسيحيين كلهم، وأرجو أن تنقل هذا إلى الرئيس سركيس وإلى بشير الجميّل، بأنّ عليكم أن تعاونونا على ما نقوم به، فوعدني بأنّه سيضع تصوّراً لما يجب أن يكون من انسحاب المقاومة، ومن تنظيم المسلحين، وهو سيعطيني إيّاه.
ثمّ أتاني هاني الحسن فقال إن جوني عبده اجتمع بحبيب، وأنا أعلم أنّه يجتمع به دائماً، وإنّ حبيب قال له إنّ الوحيد «الكونسيستينت» (Consistent المتماسك والثابت، وهاني ردّد الكلمة الأجنبية من دون أن يفهم معناها) هو صائب سلام، هو الذي آخذ منه الكلام الصريح والواضح. وكان حبيب فعلاً يتّصل بي أو أتّصل به مرّة أو اثنتين أو ثلاث مرّات أحياناً في اليوم، وهو يعتمد على ما أقول. وبناءً على ذلك، سأنتظر من جوني عبده ما سيعطيني لأكلّم حبيب على أساسه.
ثمّ كلّمني الرئيس الوزّان فقال لي إنّهم طلبوه إلى القصر، فالرئيس مريض، وكان هناك فؤاد بطرس وحبيب الذي أبلغهم أنّ إسرائيل رفضت الشروط التي وصلت إليها. حين قال لي الرئيس الوزّان ذلك، كان تقي الدين الصلح عنده، فطلبت منه أن يكتب لي هذه الشروط المرفوضة وأنا سأنظر فيها، مع ما سيصلني من جوني عبده، لأرى ما سأفعل مع حبيب وبشير وغيرهما. وحين قال لي إنّ الوزّان سيستقيل لأنّه لا يستطيع الاستمرار، قلت له أن يبلغه أنّه بذلك سيرتكب أكبر جرم في الدنيا، فليداوم ونحن معه، أقاموا الدنيا علينا في السابق واتّهمونا بالخيانة، لا بأس، واليوم يعرف الجميع أنّ أحسن ما فعلناه أنّنا أبقينا الوزّان صلة الوصل والشرعية به قائمة.
أما بشير فقد أصبح -كما قلت- تحت تأثير الإسرائيليين، وبالطبع قلت له هذا على الهاتف: «إنك ربما لا تكون مع الإسرائيليين يا بشير، ولكنّ هؤلاء الأعوان الذين حولك والذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، والذين تمرّنوا عندهم في تلّ أبيب، والإسرائيليون هؤلاء الذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، هم عندكم اليوم يأكلون ويشربون معكم، ويتعاطفون ويتعاملون، وما صدر عنهم من قساوة يجب أن ندرك أنّه يضرّ بنا وبكم في النهاية».
على كلٍّ، سأبقى صامداً وباقياً على إيماني. والغريب أنّ آخر سؤال يسألني إيّاه معظم الصحافيين الذين يخرجون من عندي زرافات ووحدانا، هو: «وكم عمرك؟» وكأنّهم يجدون أنّني أقوم بما يقوم به ابن ثلاثين، فأنا أفعل هذا بنشاط وبهمّة، ولإيماني الذي بقي في صدري، ولما أشعره من واجب عليّ أن أقوم به.
من جهة أخرى، كانت تأتيني أصوات صغيرة من الشمال، من كرامي، تعلن أنّه في إنقاذ بيروت علينا ألا نهدر القضيّة، نعم هذا كلام مغرض يشكّل طعنة، كما أنّ هناك طعنات أخرى، من الحركة الوطنية أيضاً، وقد جاء منهم من يقول لي إنّهم يريدون إلقاء السلاح بين يديّ، فأجبتهم بأنّني رغم يدي الممدودة سأتلقفكم بكلّ ما فيكم، وبكلّ ما أسأتم إليّ في السابق، ولكنّني لن أحمل السلاح، فأنا أرفض أن يكون سلاحي البارود والحديد والنار، سلاحي هو ثقة الناس، سلاحي هو الموقف المستمرّ، وهذا ما أخبرته لحبيب، وقلته لجوني عبده.
إذن، أنا مستمرّ في خطّي الواضح والصريح والوطني الذي لا لبس فيه ولا إبهام، رغم أنّ البعض يسمّوننا «مشبوهين» أو خونة؛ لكن أبداً، لقد ضربنا هؤلاء في أول خطوة في قضيّة المجالس المحلية، وسنتابع العراك المرير معهم.
نبيه برّي لم يتّصل بي منذ سنوات، وقد فاجأني حين طلب أن يزورني مع جنبلاط، فأهّلت به على أن يأتي من دون جنبلاط هذا الذي هم مغرورون به، وقد شرحت له الواقع، وقلت له أين يقف. وسُئلت: لماذا لا نعقد اجتماعاً إسلامياً ضخماً، لنقف جميعاً وقفة واحدة؛ لكنني أعرف أنّ هذا الطرح هو للالتفاف حولي، لمخادعتي، من هنا ومن هناك، إما بالمزايدة عليّ مع الفلسطينيين أو ضدّهم. ولأنّني أعرف ذلك وقفت ضدّه أيضاً، بقوّة أعطاني الله إيّاها، لمتابعة النضال المرير الذي يُرهق الجبال، فكيف وأنا في هذه السن، وعائلتي تشفق عليّ، زوجتي وأولادي، والبعيدون منهم يبكون، إلا أنّ تمّام يساعدني حقاً.
وأذكر أنّه في الرابع والعشرين من يونيو 1982، اجتمعت مع أبو عمّار وأبو الوليد وهاني الحسن، بعد أن عدت من زيارة الرئيس الوزّان الذي شرح لي ما تداوله مع حبيب وجوني عبده.
وكان الوزّان غير متأكّد من أنّ المقاومة على استعداد لترك لبنان، وهذه النقطة لا يستطيع أن يناقشها مع حبيب، فهو لا يتحمّل مسؤوليتها، لا تجاه نفسه ولا تجاه التاريخ، أو تجاه من سيحاسبه فيما بعد. وكان خائفاً من الاغتيال ومن موقفه من الفلسطينيين، لذلك قلت للمجتمعين عندي: «يا أبو عمّار، اجمع رؤساء فصائل المقاومة كلهم، بمن فيهم حبش وحواتمة وجبريل وغيرهم، واكتبوا محضراً بأنّكم على استعداد لترك لبنان، ووقّعوا المحضر ثمّ ضعه في جيبك لتسلّمه للوزان، والوزّان أمين وصادق ووطني، وسيحفظ ذلك، فعندما يمكنه أن يذهب إلى حبيب وغيره، يكون مركزه قويّاً، من دون أن يعطيهم هذا المحضر، هو لن يكشفه؛ لكن كي يستطيع بحث الشروط الأخرى، سيكون موقفه أقوى. نعم الوزّان يريد أن يضمن ذلك، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يؤخذ عليه أنّ الفلسطينيين إذا انسحبوا من لبنان فسيتركون السوريين وراءهم ليعلنوا أنّهم خُذلوا، فيصيرون وحدهم الأبطال». ثمّ نقلت الأمر كله في اتّصال مع حبيب، وهم يستمعون، قائلاً له: «هناك نقطة للبحث، هي الانسحاب، أي انسحاب السوريين والفلسطينيين والإسرائيليين، فلنترك الإسرائيليين ولنبحث عن انسحاب الآخرين، وأنت يا مستر حبيب دبّر الأمر مع السوريين، وقد يكون ذلك بواسطة أميركا».
فوافق حبيب معي؛ لأن هذا الأمر ليس من شأني أو من شأن الفلسطينيين، أنا أريد أن يكون ظهر الفلسطينيين محميّاً، فلا نكشفهم وطنياً.
وقد عرفت من أبو عمّار، فيما بعد، أنّه علم أنّ الأميركان لا يريدون أن يكون الفرنسيون هم الواسطة بينهم وبين «المقاومة الفلسطينية»، وهم يفضّلون أن يكون صائب سلام هو الوسيط، فأجبته بأنّني لست الوسيط، أنا أساعدكم، وأنصحكم ألا تقطعوا علاقتكم بالفرنسيين.
- في تفاصيل الاتفاق مع الفلسطينيين
أذكر أنّ ميشال أبو جودة، حين علّق في «النهار» تحت عنوان: «رئيس جمهورية بيروت»، شرح طويلاً الوضع الدولي في مقال قال في نهايته: «إن صائب سلام هو رئيس جمهورية بيروت، وإنّ أي حلّ لقضيّة بيروت ينطلق لحلّ قضيّة لبنان ثمّ قضيّة الشرق الأوسط بأسره. وأما إذا هُدمت بيروت أو حوصرت، فسيذهب لبنان بأسره، ولن يكون هناك سلام في المنطقة». وقد توافقت نظرة أبو جودة مع نظرتي.
وفي هذا الإطار، كانت اتّصالاتي بحبيب وبالمقاومة مستمرّة؛ خصوصاً بعد أن كتب ووقّع القياديون في المقاومة محضراً بأنّهم سيخرجون من بيروت، وكان هاني الحسن يزورني، وأنا أجده أعقل الفلسطينيين؛ لأنه يحلّل تحليلاً صحيحاً، فأستعين به على أبو عمّار.
طلب منّي حبيب أن أسألهم إلى أين يريدون أن يذهبوا، فسألت هاني، فلمّح إلى أنّهم حتّى اليوم يدرسون الذهاب إلى سوريا، ولكنّهم لا يريدون أن يعلنوا ذلك، فأجبت حبيب بأنّه أصبح الآن من الضروري وضع تصوّر شامل للموضوع وبرمجته، حينئذ أجد ما هو الحدّ الأقصى وما هو الحدّ الأدنى بين الفريقين فنتدخّل لتسوية الأمور. وقد رأيت من الضروري أن أوجّه برقية إلى السعوديين بواسطة علي الشاعر، وإلى الأمير سعود الفيصل فأطلعهما على كلّ ما جرى، وأعطيهما نصّ الوثيقة التي سلّمنا إيّاها أبو عمّار، مع رأيي في النقطتين المثارتين، واحدة من قبل حبيب بأنّه يريد أن يعرف إلى أين سيذهب الفلسطينيون، والثانية أنّ الفلسطينيين يريدون أن يعرفوا شيئاً عن القوّة الدولية؛ لأن الوزير الفرنسي سبق أن قال لي إنّ ذلك يمكن أن يتمّ خلال 48 ساعة، فهنالك «القوات الدولية» الموجودة في الجنوب التي يمكنها أن تحضر سريعاً، ودول أخرى مثل فرنسا وأميركا تريد أن تبعث بجيوشها، ولكنْ هنالك تضارب بين النظرة الفرنسية والنظرة الأميركية، فالأميركيون لا يريدون أن يتركوا دوراً للفرنسيين ليقوموا به في إنقاذ بيروت ولبنان.
وقد تابعت الحديث مع حبيب، ووجدت من الضروري أن أعطيه بصورة خاصّة مكتومة بيني وبينه نصّ المذكّرة التي وقّعها أبو عمّار، ليكون على بصيرة فيما يقوم به. وبعد أن درسها سألني ماذا يقصد الفلسطينيون بقوّة عربية دولية، أو دولية، قلت له هم يتمنّون قوّة عربية دولية، ولكنّهم يقبلون بقوّة دولية.
كذلك حين كلّمني، في هذا الإطار، جوني عبده، بعد غياب طويل، وكلّمني رئيس الجمهورية، أصررت على أنّ الأمر صار متوقفاً عليهم ليضعوا التصوّر المطلوب، بالسرعة الممكنة، وفيه برمجة لكلّ الأمور...
في هذه الأثناء، كما أذكر، طرأ شيء جديد، وهو ما سُمّي «المبادرة الفرنسية الجديدة»، إذ إنّ سفير فرنسا أتى فأبلغ رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة، بأنّ الحكومة الفرنسية قبلت من حيث المبدأ أن ترسل جيشاً من ضمن جيش دولي، ليساعد على إخراج الفلسطينيين من البلاد.
حبيب والأميركان ما زالوا واقفين وقفة غير معقولة بتاتاً. هم يقولون إنهم لبَّوا طلب «المقاومة الفلسطينية» الذي أتاهم بواسطة حكومة لبنان، فقرّر ريغان إرسال قوّة من «المارينز» لبيروت لهذا الغرض، ثمّ حبيب يقول إنّ هذه القوّة لن تدخل بيروت أو لبنان إلا بعد ذهاب الفلسطينيين كاملاً، إذن فلماذا تأتي؟
وفي اتّصالاتي بحبيب، بعد طرح هذه المبادرة، وجدت سبيلاً للأخذ والردّ بيننا، وخصوصاً أنّه يكلّمني دائماً ويعتبرني «أخاً كبيراً» ويقول لي: «أنا اعتمد على نصائحك وآرائك»، وشعرت بعد استعماله كلمة «كونسلتيشن» (consultation) أنّ هناك مجالاً للتداول، فنويت أن ألقاه ونتحدّث.
في هذا الوقت اتّصل بي الشيخان الأميركيان دود ورفيقه الذي إلى جانبه ولم أكلّمه، وكانا في مكتب جان رياشي السفير في الخارجية، فقلت لهما إنّني لا أذهب إلى الشرقية ولا إلى المجلس، فتحدّثنا حوالي ثلث ساعة، وكان الحديث حامياً. طبعاً، مع شيخ أميركي أكلّمه لأول مرّة، وقد اضطُررت إلى أن أنبش تاريخنا مع أميركا من أوله إلى آخره، وحدّثته عن التناقض فيما يقولونه اليوم: «أنتم تقولون إنكم بناءً على طلب المقاومة تأتون بالجيش الأميركي لمساعدتها على الخروج، ثمّ تقولون: لن يأتي هذا الجيش إلا بعد خروجها، فما هذا التناقض الذي لا نقبله. كلّ مصالح أميركا ستذهب إلى الخراب المطلق، ما دمتم تحت تأثير الصهيونية»، وقلت له: «إنكم إذا قضيتم –وهذا ما أردّده دائماً للتلفزيون الأميركي على أنواعه يومياً وللتلفزيون الألماني والفرنسي وغيره– إذا قضيتم على هذه القيادة العاقلة والواعية والمعتدلة من المقاومة فستكونون قد قمتم بشرّ الأعمال، إذ ستنشأ هنا وهناك، وفي كلّ الأقطار العربية، جماهير من (المقاومة الفلسطينية) في غاية التطرّف، وستكون إرهابية في جوهرها وعملها، وستُطعنون في صميم مصالحكم، ولن يكون هناك سلام في المنطقة، حتى ولا لقوّة إسرائيل التي لم تعد قادرة على أن تسيطر على العالم العربي بأسره. إسرائيل أنتم تؤيّدونها بالمال، مالكم مال دافع الضرائب، وأنتم تؤيّدونها بسلاحكم، حتى بالقنابل الفوسفورية، وحتى بالقنابل العنقودية، وتؤيّدونها سياسياً، وهي بهذا التأييد الأعمى يكون دورها فقط أن تهاجم وتعتدي وتتوسّع وتسيطر، وهذا ليس في مصلحة أميركا بالنتيجة».
- أغسطس (آب) 1982: القصف المجنون
ابتداءً من أول أغسطس، فُتحت أبواب جهنّم على بيروت، وشاهدنا وعشنا أضعاف ما شاهدناه في السابق، فمن الصباح إلى المساء كان القصف الإسرائيلي جواً وبحراً وبرّاً متواصلاً بشكل غريب. في الواقع يمكن أن أسمّيه جهنّم وأبوابها مفتوحة. كنا في بيت أختي فاطمة، فنزلنا إلى الطابق التحتاني؛ حيث اعتقدنا أنّ العقد يحمينا أكثر من البقاء في الطابق الأول، ولم يكن هناك إنسان يتحرّك على الطريق خلال تلك الساعات، كنا نسمع القنابل تتساقط حولنا وتأتينا بعض شظاياها، إلى أن وقعت اثنتان منها عندنا في البيت الملاصق لبيتي، وهو المكتب الذي أضع فيه كلّ أوراقي وملفّاتي، وواحدة انفجرت فخرقت السقف الذي تحت أرض الغرفة على مسافة 60 سنتيمتراً من العقد، إذن، لو أتى شيء من فوقنا لا سمح الله لهُدم البيت على رؤوسنا.
خرجنا من هذه المحنة، وصعدنا إلى الطابق الأول والثاني، وفي اعتقادنا أنّنا لن نرى شيئاً منه سالماً، ولكن الحمد لله أنّ للبيت ربّاً يحميه، وهذا ما كان يردّده هاني الحسن عندما كانت الأوضاع تتأزم وتتساقط القنابل من حولنا، فيقول: «سبحان الله، وكأنّ لهذا البيت شيئاً يحرسه وهو قائم بشموخه بين البيوت الملاصقة».
كنت خلال هذه الأزمة، قد مددت خطوطاً هاتفية إلى الطابق السفلي، مباشرة وغير مباشرة، لأبقى على اتّصال دائم برئيس الجمهورية، فأضغط عليه كثيراً ليطلب جميع سفراء الدول ويطلعهم على ما يجري، وكان يتردّد ويقول إنّه ليس بإمكانه أن يتواصل مع أحد؛ لكنه بعدها قابل تقريباً جميع سفراء الدول الممثّلين في هيئة الأمم، وفي مجلس الأمن.
وكذلك كنت على اتّصال بالوزّان، واتّصالي الأكثر كان مع غسّان تويني في الأمم المتّحدة، للتشاور معه في كيفية تقديم الشكوى إلى مجلس الأمن، وماذا يكتب فيها؛ لأنه في الواقع كان قد أعلن أنّه طلب المراقبين، وهو ليس مطلب الحكومة، وبعد حوار طويل قال لي: «إن الجميع يتشاورون في الغرفة المقفلة»، فقلت له: «وهذه العجوز الشمطاء مندوبة أميركا؟»، قال: «ربما تسايرنا»، وإذا وهو يتحدّث يقول: «اسمع اسمع لقد خرجتْ»، ثمّ قال لي: «لقد وافقت على القرار»، وهذه أول مرّة توافق فيها أميركا على مثل هذا القرار في طلب وقف إطلاق النار، وتوافق على إرسال المراقبين الدوليين، وهو موقف يُعتبر من جانبها موقفاً عدائياً، أو غير ودّي، تجاه إسرائيل.
وأذكر أنّه بعد خروجنا من هذه المحنة أتتني وفود كثيرة تهنّئني بالسلامة بعد أن سمعوا بإصابة مكتبي، وكان منهم أبو عمّار وهاني الحسن.
وأذكر بعد هذا اليوم المجنون، أنّني ذهبت في جولة لأتفقّد الأماكن المصابة أكثر من غيرها في البلد، فذهبت إلى كورنيش المزرعة وجنوبه، وبقيت ساعتين أجول في تلك المنطقة التي سمّيتها حقاً مدينة أشباح، فهي تكاد تكون خالية من السكّان، خالية من كلّ روح، فيها التهديم والحرائق، ومع الأسف، كلّ ما يدمي الفؤاد. وكان يرافقني فريق من التلفزيون الأميركي وغيره، ومن التلفزيون اللبناني أيضاً، وقد صوّروا كثيراً وسجّلوا تعليقي، ثمّ عقدت مؤتمراً صحافياً حين أنهيت الجولة في مكان إقامة فريق «المقاصد» للدفاع المدني، أولئك الشباب الذين يُدخلون العزة والطمأنينة ويعزّزون الإيمان إلى نفسي، أولئك الشباب المتطوّعون الذين يرمون بأنفسهم منذ شهرين وأكثر أمام الجميع، ليطفئوا الحريق هنا أو هناك، ولإنقاذ الأشخاص من تحت الركام، وانتشال الجثث والإتيان بها إلى مستشفى «المقاصد»، وهو ما يشجّع الإنسان على إبقاء الحياة في هذا البلد، رغم كلّ ما يصيبنا من بلايا ورزايا.
وأذكر أنّ ما قلته باللغة العربية في المؤتمر الصحافي هذا، بثّه التلفزيون اللبناني، وما قلته بالإنجليزية تلقفه المراسلون الأجانب وأرسلوه لوكالاتهم وتلفزيوناتهم. وقد أكّد لي كلوفيس مقصود، فيما بعد، أنّ حديثي كان ممتازاً، وهو ضروري جداً لأميركا والأميركيين، فارتحت لسماع ذلك. أما المراسلون هؤلاء فقد أخبروني أنّهم كانوا قد شاهدوا الإسرائيليين يحشدون دباباتهم عند المتحف، وهي أكثر من 80 دبابة، وأنّهم استولوا على المرفأ، وهم يتجمّعون هناك بقوى كبيرة، كما يحاولون الدخول من منطقة الأوزاعي والمطار وبرج البراجنة، إذن هم يطوّقون بيروت ويشدّدون الخناق عليها، ليصلوا إلى قلب العاصمة ويدمّروها.
تبادلت الحديث مع حبيب في هذا الأمر، فطلب أن أتّصل بالمقاومة ليوقفوا إطلاق النار من جهتهم، وكنت مقتنعاً بأنّ الإسرائيليين هم الذين يخرقون وقف إطلاق النار؛ لكنني اتّصلت بأبو جهاد، وحبيب نقل الأمر إلى واشنطن، وقال لي مؤكّداً إنّ أميركا لن تقبل باجتياح بيروت، وأنا لم أعد أثق بأميركا، وأعتقد أنّ ريغان ومواقفه لا تؤثّر، أو لا يريد لها هو أن تؤثّر، على إسرائيل، لوقف عملها العسكري في بيروت.
اتّصلت برئيس الجمهورية، كما أذكر، وكنت عنيفاً معه، قلت له: «أنت رئيس البلاد ومفروض أن تعيش مع أبناء عاصمتك، وتقاسي ما يقاسون من إرهاق تحت القصف العشوائي الوحشي المتواصل، وهم من دون ماء ومن دون كهرباء، والأمراض بدأت تتفشّى... وهم من دون أدوية والكلّ يصرخون، حتى إنّ الإسرائيليين منعوا (الصليب الأحمر) بالذات من إدخال الدواء»، وطالبته بأن يرسل جيشاً من مائتي نفر أو أكثر إلى محطّة المياه وإلى محطّة توليد الكهرباء، فيفرض تسلّمهما، وليقابله الإسرائيلي بالعنف، فيفهم العالم أنّك تحافظ على أرواح أبناء بلدك، فكان أول الأمر مستفهماً، ثمّ قال أخيراً: «خيراً، سنجري اللازم»، فقلت له: «يجب أن تجري اللازم»، وأعتقد أنّ عنفي معه كان إلى أبعد الحدود.
وللأسف، لم تمضِ ساعات على هذا الاتّصال، حتى أتت طائرتان فجّرتا بناية بأكملها، طبعاً عرفت فيما بعد أنّها كانت مكاناً للقيادة الفلسطينية، فطبّقت سبعة طوابق على من فيها، ويقولون إن هنالك مئات الضحايا، فاتّصلت بحبيب لأنّه أصبح لدي هاتف جيد الآن، مددت شريطه من مكتب «المقاصد» إلى بيتي على بعد 1200 متر، وقد عانينا كثيراً في إيجاد الشريط اللازم، فأخذ علماً وخابر واشنطن فوراً.
ولم أعد أحصي الساعات التي أمضيتها في الملجأ، تحت العقد، ونحن نسمع القذائف تنهمر على بيروت، وفي كلّ مرّة أتّصل بحبيب، وهو يقول لي: «فتّش عن القيادة الفلسطينية وأخبرهم بضرورة وقف النار»، وأنا أجيبه بأنّ الإسرائيليين هم الذين يقصفون البلد في كلّ أرجائه، الجنوبية، وقلب بيروت... من كورنيش المزرعة إلى الحمّام العسكري، والله يمنّ علينا بأنّنا لم نُصب بسوء، ولكن هناك ضحايا كثيرة غير الدمار والخراب.
وذات مرّة، بعد سقوط قنابل كثيرة، أخبرني حبيب أنّ وقف إطلاق النار سيكون سريعاً، ذلك أنّه اتّصل بواشنطن، وعرف أنّ الرئيس الأميركي ريغان اتّصل ببيغن، وطلب منه إيقاف إطلاق النار، فاجتمع بيغن بالوزارة الإسرائيلية، ثمّ أبلغ ريغان بأنّهم أمروا بوقف النار، فبثّت إذاعات العالم أنّ ما أبلغه ريغان لرئيس الوزارة الإسرائيلية كان إنذاراً، فأعدت الاتّصال بحبيب وشكرته.
- وداع أبو عمّار
طبعاً كانت علاقتي بالإعلام مستمرّة، زيارات ومقابلات، وقضيّة الانتخاب وقضيّة المقاومة حاضرتان دائماً. وكان عندي تقي الدين الصلح ووليد جنبلاط ونبيه برّي، حين حضر إليّ الوفد الاشتراكي الأوروبي، فدعوت الجميع للغداء، وكان الكلام صريحاً مستفيضاً عن أوضاع لبنان وأوضاع العالم العربي والقضيّة الفلسطينية، وقد طلبوا الاستماع إلى رأيي بعد أن قابلوا شخصيات كثيرة ورسميين. كان الاجتماع ناجحاً، وأكثر الكلام كان لي، إذ كنت أفسّر لهم كلّ الأمور، وهم يستوضحون كلّ شيء. وقد طلبنا منهم أن يسعوا جهدهم كقوة اشتراكية دولية؛ خصوصاً وهم اليوم في مراكز الحكم في بلدان أوروبية كثيرة، ليدركوا أنّ «لبنان أصبح قضيّة كالقضيّة الفلسطينية، لا يمكن إهمالها».
وأعتقد أنّ هذا الاجتماع سيكون له تأثير فاعل، آمل أن نستفيد منه في تحرّكنا المقبل.
وتحضيراً لانسحاب الفلسطينيين جاءني هاني الحسن، وخرج وهو ينوي أن يعود ثانية لوداعي. كذلك جاءني أبو عمّار، ومعه أبو جهاد، وكان قد طلب منّي أن أعمل لتأخير انسحابهم، فاتّصلت بحبيب الذي قال إن ذلك لا يمكن إطلاقاً، ولكنّه سيرتّب الموضوع ليكون ذهاباً مأموناً خلال 24 ساعة أو يومين.
تحدّثت مع أبو عمّار كثيراً في سياسته المستقبلية، ونصحته بأن يترك الأمور الصغيرة وينتقل لحمل مسؤوليات كبيرة، فالفلسطينيون صار لهم شأن كبير في العالم، ولهم مندوبون في حوالي 65-70 دولة، بما يشبه السفراء، وهم يمكنهم أن يمثّلوا قوة دعائية كبيرة، وفي أميركا هناك قوّة فلسطينية من أغنياء ومثقفين، كانوا قد اجتمعوا في لندن، ووضعوا مبلغاً كبيراً مبدئياً، ربما مائة مليون دولار، للقيام بالدعاية فيها. وقد تأثّرت كثيراً بالمقابلة، وصرت أشعر بأنّ أهل بيروت رغم ما قاسوه يعطفون عليهم عند انسحابهم، وأنّ ما نطلبه هو تعزيز قضيّتهم، فنحن نؤيّدها، ونجدها مفيدة لهم ولنا نحن المسلمين في لبنان، وأنّ الضرر سيقع علينا إذا خرجوا مذلولين لا سمح الله.
وبعد يومين، أذكر أنّه أتى إليّ أبو عمّار، وقد جاءني مودّعاً، كان مساءً مؤثراً، قلبي معه، أعدت البحث؛ بل النصيحة المستمرّة، أولاً ليخرج مشجّعاً، وثانياً ليعتبر أنّه لم ينكسر كاملاً، وهذا ما كنت أردّده على الصحافة العالمية من أوروبية وأميركية كلّ يوم، وأنّ عليه أن يغيّر خطّته كاملة، فهو لم يعد في حرب عصابات ولم يعد مقاومة عسكرية؛ بل أصبحت قضيّته قضيّة نضال سياسي، إذن عليه أن يكون رجل دولة بكلّ معنى الكلمة، ينفض عنه غبار كلّ الماضي، وكلّ الممارسات الماضية، ويتّخذ صفة رجل الدولة بهيئة جديدة، ليتصرّف بالقضيّة التي أصبح لها مجال عالمي واسع، وشعبية مؤيّدة من أكثر شعوب العالم.
وقد اعتصر قلبي في ساعة الوداع هذه، حتى زوجتي تميمة دخلت علينا المكتب، وهي لم تفعل هذا من قبل مع أحد، وأحبّت أن تودّعه، فقبّل يدها تقبيلاً حارّاً والدمعة في عينيه، وقال لها: «أقبّل هذه اليد عن جميع نساء بيروت البطلات اللواتي صمدن معنا!». وكانت التلفزيونات العالمية كثيرة عند الباب ونحن خارجان، وبعد أن نزل السلّم، لحقته إلى الأسفل، مُغيّراً عادتي بأن أودّعه على باب المصعد، فأوصلته إلى سيّارته، وقد دمعت عيناه، وأنا تأثّرت تأثّراً عميقاً. كان الله في عونه.
- وجاء يوم مغادرة الفلسطينيين
أذكر أنّه كان يوم الاثنين في 30 أغسطس 1982، حين زار أبو عمّار رئيس الوزراء، ومن هناك توجّه معه إلى المرفأ؛ حيث كان مرافقوه وسط حشد كبير.
وقد نزلت أنا وتمّام وتقي الدين إلى المرفأ، وكان هناك عدد كبير من المودّعين، ومنهم المفتي، والرئيس الحصّ، ورشيد الصلح، ومالك سلام، والبربير، والحركة الوطنية بكاملها، مع وليد جنبلاط، وهناك اختلط الحابل بالنابل عند مدخل الباخرة اليونانية، وقد أتى من «الحركة الوطنية» محسن إبراهيم وجورج حاوي، وأنا لم أكن على علاقة طيّبة معهما، فتقصّدا من بعيد أن يأتيا لمصافحتي، فلم أر بُدّاً أمام الناس من مصافحتهما، ثمّ صعدنا إلى الباخرة، وكان هناك اجتماع في قاعة الاستقبال؛ حيث الرئيس الوزّان يمثّل فخامة رئيس الجمهورية، ومعه رينيه معوّض، وقد ألقى أبو عمّار كلمة مؤثّرة، ثمّ قدّم رسالة للوزّان، ووساماً لبيروت باسم القائد العامّ للمنظّمة... «منظّمة التحرير الفلسطينية»، سمّاه «وسام صمود بيروت» وقد أجابه الوزّان بكلمة طيّبة أيضاً ومؤثّرة، وقال له: «لأول مرّة نزيد على التقاليد في لبنان، فأنا أمثّل رئيس الجمهورية، وكذلك يمثّله معي الزميل وزير التربية رينيه معوّض، أي أنّ لبنان المسيحي والمسلم يودّعك اليوم».
كنت راضياً تماماً عن هذا الوداع؛ لأنه في الواقع أتاح للأخ أبو عمّار، ومن خلال شخصه للمقاومة الفلسطينية، مغادرة مشرّفة كريمة، وما لفت نظر الجميع أنّ الأميركيين، مع أنّهم يرفضون الاعتراف بالمنظمة الفلسطينية، كانوا يحرسون الطرق من المركز التجاري إلى المرفأ، على الجانبين، كما حرسوا أبو عمّار ببوارجهم في البحر. إذن، هذا اعتراف غير مباشر، فقد كانت الباخرة اليونانية بحماية الأسطول الأميركي والأسطول الفرنسي.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.