سيناريوهات التعامل الروسي مع عملية عسكرية تركية في سوريا

الحرب الأوكرانية منحت أنقرة أوراقاً أقوى للضغط

دورية عسكرية تركية - روسية مشتركة سابقة في بلدة الدرباسية بالقرب من الحدود التركية في الحسكة (أ.ف.ب)
دورية عسكرية تركية - روسية مشتركة سابقة في بلدة الدرباسية بالقرب من الحدود التركية في الحسكة (أ.ف.ب)
TT

سيناريوهات التعامل الروسي مع عملية عسكرية تركية في سوريا

دورية عسكرية تركية - روسية مشتركة سابقة في بلدة الدرباسية بالقرب من الحدود التركية في الحسكة (أ.ف.ب)
دورية عسكرية تركية - روسية مشتركة سابقة في بلدة الدرباسية بالقرب من الحدود التركية في الحسكة (أ.ف.ب)

هل حصل الرئيس التركي على ضوء أخضر من نظيره الروسي فلاديمير بوتين لإطلاق عمليته العسكرية في الشمال السوري؟ السؤال بات الأكثر تردداً بعد إعلان إردوغان أنه بحث مع الرئيس الروسي «ضرورة» إنشاء منطقة آمنة على طول الحدود السورية - التركية، خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بين الزعيمين أول من أمس.
إردوغان ذكر وفقاً لبيان الرئاسة التركية، بأن أنقرة وموسكو، اتفقتا عام 2019 على إنشاء «منطقة مطهرة من الإرهاب»، بعرض 30 كيلومتراً على طول الحدود التركية - السورية، إلا أنها لم تبصر النور حتى الساعة، وشدد على أنه «من الضروري جعل هذه المنطقة آمنة».
يبدو الموقف الروسي ملتبساً حيال العملية العسكرية المرتقبة، إذ تجنبت موسكو الإعلان عن موقف رسمي حيال التحضيرات التركية. وكانت الإشارة الوحيدة التي صدرت عن موسكو على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، قبل أيام، تشير إلى أهمية المحافظة على نظام التهدئة، مع التأكيد على عنصرين: الأول أن روسيا «تتفهم» المصالح الأمنية لتركيا، لكن في الوقت ذاته هي تريد تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بإدلب والتي «تسير ببطء وصعوبة». والثاني إدانة متجددة لتشجيع الولايات المتحدة النزعات الانفصالية في الشمال السوري، مع توجيه لافروف دعوة جديدة إلى المكون الكردي، بالتخلي عن «أوهام الحماية الأميركية» وانتهاج سياسة براغماتية تحقق مصالحهم عبر تنشيط قنوات الحوار مع دمشق.
في هذا المجال، أشارت تقديرات في موسكو، إلى أن الروس ليست لديهم مصلحة في اشتعال جبهة جديدة في سوريا، وموسكو المنخرطة في معركتها في أوكرانيا لا تريد هزات كبرى على موازين القوى وخرائط توزيع النفوذ في سوريا حالياً.
أكثر من ذلك، فقد ذهبت أوساط روسية إلى الانطلاق من قناعة، بأن إردوغان في الحقيقة لا يريد تفجير الموقف، وأن مطالبه حول المنطقة الأمنة لا تزيد على كونها مناورة لحمل حلف شمال الأطلسي على تقديم تنازلات لأنقرة، في مقابل موافقتها على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الغربي. لكن إردوغان أوضح لاحقاً من دون شك، أنه مقبل بالفعل على تطور ميداني مهم.
في مقابل هذه التأكيدات، بدأت تبرز إشارات في وسائل الإعلام الحكومية الروسية، إلى أن موسكو لن تقبل بـ«زعزعة الوضع» خصوصاً أن بين الأهداف المحتملة للعملية التركية، مناطق منبج وتل رفعت، وفي حالة منبج فهي تعد تقاطع طرق استراتيجياً مهماً، يمر منها الخط الدولي إم 4 الذي وصفه محللون روس، بأنه «خط أحمر لموسكو لا يمكن أن تتراجع عن موقفها حيال ضرورة فتحه وأن يكون آمناً». ودفع ذلك إلى بروز تكهنات حول تباين جلي في المواقف بين تركيا وروسيا، عززتها تقارير تحدثت عن تنشيط نشر قوات روسية في المناطق المحيطة بمنطقة الاستهداف التركي، كما أشارت تقارير إلى استهداف الطيران الحربي مواقع فصائل مدعومة من جانب تركيا.
في هذه الأجواء، جرت المكالمة بين إردوغان وبوتين، وكان ملاحظاً أن الكرملين لم يتطرق في بيانه حول مجرياتها إلى العملية العسكرية المحتملة، لا من باب الموافقة ولا من باب الرفض الروسي لها.
يشير خبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، إلى أن مساحة الخلاف بين موسكو وأنقرة «أصغر بكثير مما تشير تقديرات بعض الأوساط» وأن الملفات التي تحظى بتفاهم بين الجانبين، «أوسع كثيراً». بهذا المعنى، يركز بعضهم على أن موسكو قد لا تعارض عملية تركية، خصوصاً أنها سوف تسفر عن اتساع الشرخ بين أنقرة وواشنطن، فضلاً عن أن موسكو، سوف يمكنها استخدام التطور في ممارسة مزيد من الضغط على المكون الكردي لحمله على الاقتراب أكثر من دمشق.
لكن في مقابل هذا التحليل، نشرت صحف روسية، بعض السيناريوهات لتصرف روسيا المحتمل في حال نفذ إردوغان وعيده وأطلق المعركة المنتظرة. وانطلقت التوقعات، من أن خيارات روسيا صعبة في مواجهة عملية عسكرية تركية مرتقبة في سوريا، ورأت أن روسيا وتركيا أصبحتا في وضع غير متكافئ هناك. وأن إردوغان عزز مواقفه بفضل الحرب الأوكرانية.
ووفقاً لهذا المدخل، فإن السيناريو الأول، أن تقف موسكو ضد التصعيد الجديد وأن تسعى إلى التوصل لاتفاق مع أنقرة. وقد يكون هذا، الخيار الأمثل لموسكو، لكن ثمنه المرجح يمكن أن يكون مرتفعاً بالنسبة لروسيا، فقد تطالب تركيا بأفضليات تجارية واقتصادية، وربما أفضليات أخرى تتعلق بالوضع الميداني في سوريا.
والسيناريو الثاني هو خيار التصعيد، ويمكن أن يقوم على تبادل للأراضي. ورأت الصحيفة الروسية، أن سيناريو مبادلة جبل الزاوية في إدلب بهجوم القوات المسلحة التركية على المواقع الكردية «محتمل تماماً». وسيكون الأهم بالنسبة لتركيا، أن تحصل مقابل منطقة جبل الزاوية على إمكانية توحيد كل المناطق الخاضعة لها في منطقة واحدة. ورأى واضعو السيناريوهات، أن هذا الخيار ربما كان محتملاً أكثر قبل 24 فبراير (شباط)، أي موعد انطلاق الحرب في أوكرانيا. أما الآن، فإن تركيا باتت في وضع أفضل بكثير من روسيا، بمقدورها أن تضع موسكو أمام عدد من الشروط.
أما السيناريو الثالث المتوقع، فيقوم على تعامل هادئ من جانب موسكو وعدم القيام بردة فعل. وفقاً له، فقد تترك روسيا العملية التركية الجديدة من دون رد. وبالتالي، يمكن أن تحصل أنقرة على جزء من مناطق «الإدارة الذاتية» لكنها لن تتوغل في أراضي «الإدارة الذاتية» خشية الاصطدام بالقوات الأميركية. في ظل هذا السيناريو، قد تتلقى روسيا ضربة لسمعتها، لكن يمكنها استخدام الموقف لإقناع الأكراد بالتفاوض مع حكومة دمشق الرسمية، كما لن تضطر موسكو إلى تقديم تنازلات لأنقرة، لكن مع هذا السيناريو، فإن دور تركيا في المفاوضات بشأن أوكرانيا، سينخفض بشكل كبير، ورأى محللون روس، أن هذا الخيار قد يكون «الأكثر واقعية بالنسبة لروسيا».
أخيراً، يبقى السيناريو الرابع، الذي يقوم على أن موسكو، قد تشجع دمشق على شن عملية مقابلة في إدلب رداً على العملية التركية، لكن بالنسبة لروسيا، من غير المربح تبديد مواردها العسكرية في هذه الظروف. بالإضافة إلى ذلك، لن تدخل موسكو بالتأكيد في مواجهة مباشرة مع أنقرة في إدلب.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.


منظمة دولية: التصعيد الحوثي يترك آلاف اليمنيين بلا مأوى

عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
TT

منظمة دولية: التصعيد الحوثي يترك آلاف اليمنيين بلا مأوى

عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)
عامل إغاثي يسير بين الخيام في مركز إيواء مؤقت للنازحين شمال عدن (أ.ف.ب)

لم تنتهِ رحلة النجاة لآلاف اليمنيين الذين فروا من التصعيد الحوثي في غرب تعز وجنوب الحديدة بالوصول إلى مناطق أكثر أماناً؛ إذ وجدت عائلات نفسها بلا مأوى، بعد أن قطعت مسافات طويلة سيراً على الأقدام تحت درجات حرارة مرتفعة، لتواجه الجوع والأمراض ونقص المياه النظيفة، في ظل تزايد مخاطر سوء التغذية والكوليرا.

وحذّرت منظمة «أطباء بلا حدود» من تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية للنازحين في محافظتي لحج وعدن، مشيرةً إلى أن الفارين من مناطق التصعيد يواجهون معدلات مرتفعة من سوء التغذية الحاد والكوليرا والإسهال المائي الحاد والحصبة، إلى جانب أمراض معدية أخرى، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على تأمين الغذاء والمياه والرعاية الطبية.

فارون بجلودهم من القصف الحوثي يتركون وراءهم كل أمتعتهم (إعلام محلي)

وأدت موجة التصعيد الأخيرة إلى نزوح عائلات من المناطق التي دخلها الحوثيون على امتداد الساحل الغربي، لتجد نفسها مجدداً في مواجهة ظروف قاسية، بعد أن تركت منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها بحثاً عن ملاذ آمن، وفقاً للمنظمة.

وتكشف الأوضاع التي رصدتها الفرق الطبية المتنقلة جانباً من معاناة النازحين؛ فقد قطع كثيرون مسافات طويلة عبر أراضٍ صحراوية وفي أجواء حارة، من دون ضمانات بالحصول على الطعام أو الماء أو مكان يحميهم من قسوة الطقس.

تحت الأشجار

لم تتمكن بعض العائلات، حسب المنظمة الدولية، من العثور على مأوى لدى المجتمعات المضيفة أو في مخيمات النزوح الرسمية وغير الرسمية، واضطرت إلى البقاء على جوانب الطرقات أو قضاء الليل تحت الأشجار، في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والعيش الكريم.

وفي محيط محافظة لحج وعلى أطراف مدينة عدن، لجأت عائلات إلى تجمعات ومواقع إيواء غير رسمية، بينها مدارس ومساجد، حيث تزداد الحاجة إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والمستلزمات الأساسية.

رحلة فرار لآلاف اليمنيين تنتهي على جوانب الطرقات دون مأوى (إعلام محلي)

وتحذر المنظمة الدولية من أن غياب هذه الخدمات يرفع مخاطر انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وفي مقدمتها الكوليرا، خصوصاً في أماكن الإيواء المكتظة أو التي تفتقر إلى مرافق صحية مناسبة.

ولا تقتصر تداعيات النزوح على فقدان المنازل ومشقة الطريق؛ فالنساء والأطفال يواجهون مخاطر صحية متزايدة، بالتزامن مع انعدام الأمن الغذائي وفقدان مصادر الدخل وسبل العيش، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً للعائلات التي اضطرت إلى الفرار.

الأطفال الأكثر تضرراً

وفقاً لـ«أطباء بلا حدود»، يشكل النساء والأطفال نحو 70 في المائة من المرضى الذين تعالجهم عياداتها المتنقلة في عدد من المخيمات بمحافظتي لحج وعدن.

ويعاني هؤلاء من التهابات جلدية وحمى وإسهال وأمراض معدية أخرى، فيما تسببت المسافات الطويلة التي قطعها النازحون سيراً على الأقدام في إصابات بالقدمين والتهابات في الأذنين والعينين.

وتتضاعف المخاطر على الأطفال المصابين بسوء التغذية، مع تراجع فرص حصولهم على غذاء كافٍ ورعاية صحية منتظمة، نتيجة الفقر والنزوح وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية. ورصدت فرق المنظمة حالات من سوء التغذية الحاد الوخيم لدى أطفال يحتاجون إلى تدخل طبي متخصص.

الحوثيون شردوا عشرات الآلاف من سكان قرى غرب تعز (إعلام محلي)

كما يزيد انعدام الأمن الغذائي وتراجع مصادر الدخل، بالتزامن مع ارتفاع حالات الإصابة بالكوليرا، من تعقيد الأوضاع الصحية للنازحين، الذين يواجه كثير منهم صعوبات في الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على الإحالات العلاجية اللازمة.

وأمام اتساع الاحتياجات، نشرت «أطباء بلا حدود» عيادات متنقلة في عدن ولحج لتوفير الرعاية الطبية للنازحين الذين يصعب عليهم الوصول إلى المرافق الصحية. وقدمت العيادات، منذ 15 سبتمبر (أيلول)، 775 استشارة طبية، فيما شُخّصت حالات سوء التغذية الحاد الوخيم لدى 20 طفلاً.

وبالنسبة إلى العائلات التي قطعت المسافات بحثاً عن الأمان، لا تنتهي رحلة النجاة بالابتعاد عن مناطق التصعيد؛ إذ تبدأ معركة أخرى لتأمين الطعام ومياه الشرب ومأوى يحمي الأطفال من الحر والمرض. وفي ظل تزايد الاحتياجات، تبرز ضرورة توفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة للنازحين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم والبدء من جديد وسط ظروف بالغة القسوة.