كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين

فهمي: قضية السد الإثيوبي أصبحت تدريجياً محل اهتمام شعبي مما زاد من حساسيتها السياسية

المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
TT

كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين

المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان

في الحلقة الثالثة والأخيرة من كتابه «في قلب الأحداث»، يتناول وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، حكاية العلاقة بين مصر والنيل التؤامين منذ القدم بعدما طرأ عليها «سد النهضة الإثيوبي الكبير»، الذي هدّد حقوق مصر التاريخية واحتياجاتها الوجودية لمياه هذا النهر.
أصبح سد النهضة واقعاً منذ عام 2010. فيما كان اهتمام الرئيس حسني مبارك بأفريقيا تراجع بشدة في سنوات حكمه الأخيرة. كما أن الأوضاع التي مرت بها البلاد بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 أدت إلى تشتيت الانتباه عن هذا الملف.
ويؤكد فهمي أن التعاون مع دول حوض النيل، بشأن تقاسم مياه النهر، كان على رأس أولويات السياسة الخارجية لمصر خلال العام الذي قضاه وزيراً للخارجية.
يقول فهمي إن قضية السد صارت محل اهتمام شعبي متنام لدى المصريين، مما زاد من حساسيتها السياسية. وكان التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن كل عناصر مشروع سد النهضة، أولوية قصوى تحتاج إلى التفكير فيها بشكل فوري. لكنه يشير إلى أن السودان كان أقرب إلى إثيوبيا من مصر لأن السد يفيده في تجنيبه خطر فيضانات النيل عنده.
وبموازاة قضية السد، يستعرض فهمي مشكلة ثانية مع أفريقيا وتمثلت بتعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي. ويتحدث عن الجهود التي بذلها لحل هذه المشكلة، مشيراً إلى أن ذكريات فترة التحرر الوطني ما زالت توفر أساساً قوياً لإقامة علاقات جيدة بين القاهرة والعواصم الأفريقية.
كان التعاون مع دول حوض النيل، بشأن تقاسم مياه النهر، على رأس أولويات السياسة الخارجية لمصر خلال العام الذي قضيته وزيراً للخارجية. وكانت علاقات مصر بدول حوض النيل لها أولوية أكبر، وأعطى الرئيس المؤقت عدلي منصور وفريق الأمن القومي المصري اهتماماً كبيراً لزيادة التركيز على الشؤون الإقليمية.
على مدى قرون، كانت مصر تعيش على نحو 4 في المائة فقط من مساحتها الشاسعة، على ضفاف وادي ودلتا نهر النيل. مصر هبة النيل لأنه مصدر نحو 97 في المائة من احتياجاتها المائية، لذلك وقعت على العديد من الاتفاقات الدولية التي تنظم حقوقها في مياه النيل مثل اتفاقي 1929 و1959.
بمرور السنوات، استقلت الدول الأفريقية عن الاحتلال الأوروبي، وشهدت تغييرات ديموغرافية كبيرة، مع تزايد عدد السكان وارتفاع الأصوات المطالبة بتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو ما يعني تزايد الحاجة إلى المياه. خلقت هذه التغيرات تحديات صعبة بشأن كيفية المواءمة بين الاحتياجات التنموية لدول منابع النيل واحترام حقوق مصر التاريخية واحتياجاتها الوجودية لمياه النيل.

لذلك أصبح تفكير دول حوض النيل في إقامة مشاريع مياه على النهر من دون التشاور مع دول الحوض الأخرى مشكلة متكررة. وكانت المشكلة الأكبر مع إثيوبيا، التي ينبع منها النيل الأزرق الذي يمثل مصدرا لنحو 80 في المائة من مياه النيل. وأدت الحساسيات التاريخية وغياب الفكر التعاوني الاستراتيجي عن دول حوض النيل إلى إهدار فرص عديدة للوصول إلى حلول تحترم الحقوق التاريخية لدول المصب والاحتياجات التنموية لدول المنبع.
وفي مايو (أيار) 2010، أعلنت أديس أبابا عزمها بناء «سد النهضة الإثيوبي الكبير» على النيل الأزرق بطاقة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب وبارتفاع 155 متراً وطول يبلغ نحو كيلومترين. وهذه السعة التخزينية هي خمسة أمثال السعة الأصلية التي أعلنتها إثيوبيا عند الكشف عن مشروع السد للمرة الأولى قبل عشر سنوات. ويمثل هذا المشروع مشكلة كبيرة، وبخاصة بالنسبة لمصر التي تعاني بالفعل من الندرة المائية، وليس لديها مصادر كبرى أخرى للمياه.
كان اهتمام الرئيس مبارك بأفريقيا تراجع بشدة في سنوات حكمه الأخيرة. كما أن الأوضاع التي مرت بها البلاد بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 أدت إلى تشتيت الانتباه عن هذا الملف. وتدهورت الأوضاع بصورة أشد عام 2012 عندما عقد الرئيس السابق محمد مرسي مؤتمراً بمشاركة العديد من الأطياف السياسية في البلاد لمناقشة أزمة السد الإثيوبي. كان المؤتمر مذاعاً على الهواء مباشرة، وتحدث بعض المشاركين بطريقة عنصرية كارثية عن إثيوبيا، مثل اقتراح قصفها بالطائرات أو إثارة الفوضى فيها أو حتى الحديث بطريقة عنصرية عن الشعب الإثيوبي. وأثار هذا الاجتماع بالفعل غضباً قوياً في إثيوبيا وبقية دول شرقي أفريقيا. وشعرتُ بخجل شديد من هذه الإساءات واعتذرت بصفتي مواطناً مصرياً لعدد من الأصدقاء الأفارقة مع أني لم أكن في الحكومة أو مشاركاً في المؤتمر.
في ذلك الوقت، أمر وزير الخارجية محمد كامل عمرو السفارات المصرية في مختلف دول أفريقيا بإطلاق حملة علاقات عامة، وإجراء اتصالات مكثفة لاحتواء الموقف. كما أرسل مبعوثين شخصيين إلى دول شرقي أفريقيا بشكل خاص وحاول التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان بعد سلسلة من الاجتماعات الفنية والسياسية، لكن لم يتم التوصل إلى شيء. فلم تكن إثيوبيا تثق في مصر، وفي الوقت نفسه ترى أن لديها فرصة قوية للمضي قدماً في تنفيذ مشروعها القومي الطموح من دون خوف شديد من رد الفعل المصري غير المدعوم أفريقياً والمشتت داخلياً.
كانت الاحتياجات الاستراتيجية لمصر من المياه وتداعيات استمرار بناء السد الإثيوبي، موضوعاً لعدد كبير من اجتماعات الأمن القومي المصري على المستويات الفنية والسياسية بمجرد تشكيل الحكومة المصرية الجديدة بعد الإطاحة بحكومة «الإخوان» في يوليو (تموز) 2013. وفي حين كانت مصر تحتاج إلى إعادة النظر في سياساتها المائية لوقف إهدار المياه، فإنه لم يكن هناك أي شك في أنها ستظل تعتمد بشكل كبير على نهر النيل، ولذلك فإن أي نقص أو اضطراب في تدفق مياه النهر، حتى لو بشكل مؤقت، سيلحق بها أضراراً فادحة. كما كانت هناك مخاوف فنية وبيئية تتعلق بتصميم السد الذي قد يؤثر على جودة المياه وخصائص الطمي في النهر.
تدريجياً، أصبحت قضية السد محل اهتمام شعبي متنام لدى المصريين، مما زاد من حساسيتها السياسية. وكان التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن كل عناصر مشروع سد النهضة، سواءً بالنسبة إلى حجم السد أو طاقته التخزينية أو تأثيراته البيئية أو اعتبارات الأمان والسلامة الإنشائية أو مدة التخزين، أولوية قصوى تحتاج إلى التفكير فيها بشكل فوري.
وكنت أثير موضوع سد النهضة في أغلب لقاءاتي مع نظيري السوداني علي كيرتي، الذي كان يحاول تهدئة مخاوفي بأن السودان سيحاول تضييق الفجوة بين مصر وإثيوبيا، وهو قال: «لا أتوقع أبداً أن يختار السودان حدوث أزمة بين مصر وأي دولة أخرى»، فقلت إنها لم تكن مصادفة أنني اخترت الخرطوم لتكون أول وجهة خارجية لي بعد تولي الوزارة.
مع ذلك، أدركت أن السودان يميل إلى إثيوبيا بدرجة كبيرة، فيما يتعلق بمشروع سد النهضة. فالسودان لا يعاني كثيراً من نقص المياه، لكنه يواجه مشكلات متكررة من الفيضانات، وبناء سد النهضة لن يؤثر عليه، بل سيحل مشكلة الفيضانات لديه. وهذا في تقديري سبب الموقف السوداني تجاه المشروع، وهو الموقف الذي كان بدأ قبل ذلك بسنوات واستمر خلال حكم جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، رغم وجود التيار الإسلامي أيضاً في حكم السودان.
المشكلة وحلولها كانت ثلاثية: مصر تريد المزيد من المياه؛ والسودان يحتاج إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه؛ وإثيوبيا تحتاج إلى المزيد من التنمية. ولم تكن الأطراف الثلاثة مستعدة لتحمل استمرار الأوضاع الاقتصادية والمائية والتنموية القائمة، والتي كانت منعدمة الكفاءة وتنطوي على عمليات هدر واسعة، ولم يكن إصلاح أخطاء الماضي كافياً. ففي هذا السياق واجهنا موقفاً: إما تحقيق المصلحة للجميع أو إلحاق الضرر بالجميع. وهذا لن يتوقف على جانبين فقط، وإنما يحتاج إلى مفاوضات فورية وشاقة وتفصيلية والوصول إلى اتفاق جماعي. في الوقت نفسه، فإن الخطابات التهديدية الحماسية من أي طرف تجاه الأطراف الأخرى أو المبالغة في تقدير احتياجات أي طرف لن يحقق الغرض المنشود. كما أن خلق انطباعات كاذبة بشأن الاتفاقات أو الترويج لتحقيق تقدم مهم لم يتحقق هو خطأ كبير أيضاً، فمثل هذه التحركات الخطأ ستضعف مواقف المعتدلين في مواجهة المتشددين لدى الأطراف الثلاثة. ومع أنّ من الصعب دائماً محاولة تحقيق نجاح ثلاثي، فإن هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع مفاوضات سد النهضة الثلاثية.
كررت الإشارة إلى هذه النقاط خلال مناقشاتي العديدة مع نظيري الإثيوبي تيدروس أدهانوم ومع علي كيرتي. وأوضحت لهما أن مصر على عكس السودان وإثيوبيا ليس لديها أي مصدر آخر كبير للمياه غير النيل، لذلك فمياه النيل قضية أمن قومي بالنسبة لنا، ولا توجد لدينا مساحة كبيرة للحركة عند التعامل معها. وأوضحت أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من حقوقنا التاريخية في مياه النيل، تماماً كما تحتاج إثيوبيا إلى المزيد من التنمية والسودان إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه. وأكدت حرص مصر على الوصول إلى حل يرضي كل الأطراف ويحقق مصالحها، مع استعدادها لتوفير الموارد المالية لكل من السودان وإثيوبيا لتحقيق أهدافهما إذا ما تم تحقيق مصالح مصر والاستجابة لمخاوفها. كما أوضحت أنني لا أتحرك مدفوعاً بالمشاعر العامة ولا ضغوط السياسات الداخلية، لكنني أيضاً أكدت أنني شخصياً سأضغط من أجل منع أي دعم دولي لمشاريع المياه في إثيوبيا والسودان على النيل إذا لم نصل إلى توافق بشأن كيفية التعامل مع المواضيع المتعلقة بمشروع سد النهضة.
وهذا بالضبط ما فعلته في ضوء خطورة الموضوع. وعرضت الموقف المصري تجاه استمرار البناء في سد النهضة، خلال أي لقاء عقدته مع الأطراف الدولية المؤثرة، بما في ذلك البنك الدولي وبعض الدول العربية، وطالبت هذه الأطراف بعدم تمويل المشروع أو مشاريع ترتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق بشأنه. وأوضحت ذلك لنظيري الإثيوبي وأكدت أنني سأواصل التحرك لمنع أي تمويل دولي عن المشروع حتى نتوصل إلى اتفاق. وقد أغضب هذا الإثيوبيين وإن كانوا احترموا كثيراً عدم تأثري بضغوط السياسيين والشعبويين المعنيين باسترضاء الرأي العام.
في 9 يونيو (حزيران) 2014. استقبل الرئيس السيسي المنتخب حديثاً الوزير الإثيوبي تيدروس أدهانوم. وقبل ذلك بيوم واحد، ألقى السيسي خطاباً في حفل تنصيبه تحدث فيه عن مستقبل مصر بما في ذلك سياستها الخارجية، مشدداً على الحاجة إلى التعاون مع الدول الأفريقية بما في ملف النيل. وهنأ أدهانوم الرئيس السيسي بانتخابه، ثم أشاد برؤيته بشأن ملف حوض النيل التي عكسها خطابه. ثم أشار أدهانوم ناحيتي وشكرني لأنني لم أشارك في الجدل الساخن والتصريحات الحماسية بشأن سد النهضة، قبل أن يقول إنه يشكو من نجاحي في تعليق الدعم الدولي لمشروع بناء السد طوال العام الماضي، وضحكت أنا والرئيس. واعترفت بالفعل بأنني فعلت ذلك، لكنني أعربت عن أملي في المشاركة بحملة لجمع التمويل لصالح السد الإثيوبي بما في ذلك توفير دعم مالي من مصر له، شريطة أن يكون هناك اتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن تفاصيل المشروع، بما يضمن الحفاظ على الحقوق المصرية. واستمرت ابتسامة الرئيس السيسي قبل أن يقول مخاطباً الوزير الإثيوبي: «كما ترى نحن متعاونون ونريد العمل معاً». ودعا أدهانوم الرئيس السيسي إلى زيارة إثيوبيا وإلقاء خطاب أمام البرلمان هناك، وهي الدعوة التي قبلها السيسي، مع التأكيد على الحاجة إلى حل مشكلة السد.
قادة مصر وإثيوبيا والسودان وقّعوا فيما بعد على إعلان مبادئ في مارس (آذار) 2015. في العاصمة السودانية، لكن لم يحدث أي تقدم ملموس خلال السنوات الثلاث التالية، من المفاوضات الفنية والتي كانت تتعلق بشكل أساسي بآليات تشغيل السد وإدارة تدفق المياه منه. ورغم الإشارات إلى حسن النوايا التي كانت وراء إعلان المبادئ، فإنه لم يكن ملزماً وفتح الباب أمام التفسيرات المتضاربة وسوء الفهم، كما شهدنا بعد ذلك. والأهم، أنه أعطى انطباعاً للمجتمع الدولي بأن هناك تقدماً تحقق على صعيد المفاوضات بين الدول الثلاث، مما فتح الباب أمام وصول التمويل الدولي للمشروع. والحقيقة أنّ هناك عدداً محدوداً للغاية من القضايا الوجودية، التي لا يجب التعامل معها بلغة غامضة ولا بافتراض حسن نوايا الأطراف الأخرى. ومن هذه القضايا الحرب والسلام وضمان الحد الأدنى من الموارد الطبيعية، على رأسها المياه.
ومع الأولوية القصوى لملف مياه نهر النيل والعلاقات بدول حوض النهر، كانت العلاقات مع دول القارة الأفريقية ككل على رأس أولوياتي كوزير للخارجية، بعدما تم تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز) 2013 بعد الإطاحة بالرئيس مرسي.
وفور تسلمي منصب وزير الخارجية، أجريت سلسلة اتصالات هاتفية مع وزراء الخارجية في مختلف دول القارة وأمانة الاتحاد الأفريقي، بهدف إعادة تفعيل عضوية مصر في الاتحاد ووضع سياستنا الخارجية على المسار الصحيح. ولتحقيق هذا الهدف، وضعت خطة عمل وقمت بزيارات مكثفة لدول شرق وغرب ووسط وشمال أفريقيا، وكنت أبدأ دائماً بالحديث عن التنمية ومستقبل القارة، ثم أتجه للحديث عن عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقي. وكانت محادثاتي مع دول شرق أفريقيا تتضمن أيضاً موضوع حصة مصر السنوية من مياه النيل وعزم إثيوبيا بناء سد ضخم جديد على النيل.
ولوحظ فوراً أن أغلب المسؤولين الأفارقة، الذين التقيتهم، أعربوا عن تقديرهم بأنني أتحدث عن المستقبل وليس عن الماضي. وأتذكر لقائي مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في حديقة منزله الريفي. بدأ موسيفيني المقابلة الممتدة بحديث الذكريات عن علاقاته بقادة مصر السابقين، ثم سألني بشكل مفاجئ، عما إذا كنت أود الحديث عن قضايا المياه، ولماذا لم يصحبني وزير الري كما جرت العادة؟، وقد ابتسم بود عندما قلت له إن وزيري الإسكان إبراهيم محلب والزراعة أيمن أبو حديد حضرا معي ويجتمعان الآن مع رئيس وزراء بلاده، وإنني أود التحدث معه حول التعاون التنموي المشترك، وأدى هذا إلى ذوبان الجليد.
وعند زيارتي السنغال عام 2014، رتبت الحكومة السنغالية كل الاجتماعات المناسبة لي، بما في ذلك اجتماع مع رئيس البرلمان ورئيس الدولة. ورغم أن السلطات السنغالية علقت الأعلام المصرية في عدد من الشوارع الرئيسية كما جرت العادة عند استقبال مسؤولين بارزين، فإن الاجتماعات بدأت في أول الأمر شكلية وتقليدية، حيث تحدث المضيفون السنغاليون باحترام، لكن بطريقة رسمية عن العلاقات التاريخية بين البلدين، قبل الانتقال إلى طرح الأسئلة عن تطورات الأوضاع في مصر.
بعد ذلك اتسم لقائي مع رئيس البرلمان السنغالي مصطفى نياسي بالدفء عندما علم أنني ابن إسماعيل فهمي؛ حيث كان مساعداً شاباً لمسؤولين سنغاليين كبار في السبعينات، وزار القاهرة في ذلك الوقت والتقى والدي في منزلنا. وعندما التقيت مع الرئيس السنغالي ماكي سال، بدأ الحديث بالذكريات أيضاً قبل أن يسألني بشكل عارض عن الدول الأفريقية التي زرتها في طريقي إلى السنغال، وعن الدول التي سأزورها في طريق عودتي إلى القاهرة. وفوجئ الرئيس السنغالي عندما قلت له إنني آتٍ من القاهرة إلى داكار وأعود منها إلى القاهرة مباشرة، وإنني أريد أن تكون السنغال هي نقطة بداية إعادة تواصل مصر مع دول غرب أفريقيا. وأصبح اللقاء مع الرئيس سال أكثر تفاعلاً ومرحاً وحماسة عندما قلت له إن رجل الأعمال المصري سميح ساويرس يعتزم إقامة مشروع سياحي جديد في السنغال.
وبالمثل جاء لقائي مع الرئيس التنزاني جاكايا كيكويتي ووزير الخارجية برنارد ميمبي دافئاً بشكل استثنائي، وفوجئا عندما قلت لهما إن القطاع الخاص المصري مهتم بالاستثمار في بلدهما، وزادت المفاجأة عندما قلت لهما إن هناك رجال أعمال مصريين يرافقونني بالفعل في هذه الزيارة.
وكان القاسم المشترك بين لقاءاتي مع رؤساء أوغندا وتنزانيا والسنغال، أنّ كلهم أنهوا اللقاء بالسؤال عما إذا كنت سأعود إلى زيارة بلادهم مرة أخرى، وأعربوا عن أملهم في ألا تكون هي الزيارة الأولى والأخيرة كما كان يحدث مع المسؤولين المصريين من قبل. والحقيقة أنني بصفتي وزيراً للخارجية كنت أركز باستمرار على قارة أفريقيا، وزرت دول القارة أكثر من أي منطقة أخرى في العالم.
ومن المواضيع التي شكلت أولوية خلال المحادثات الأفريقية، كان رفع تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي. فقد أرسل الاتحاد لجنة رفيعة المستوى إلى مصر في أعقاب الإطاحة بمرسي، برئاسة الرئيس المالي الأسبق ألفا عمر كوناري، وحث الوفد الأفريقي السلطات المصرية على تطبيق خريطة الطريق التي أعلنت يوم 3 يوليو (تموز) 2013 وتشكيل السلطات التنفيذية والتشريعية، من أجل استئناف عضوية مصر في الاتحاد. وبات واضحاً أن جنوب أفريقيا تلعب دوراً مهماً في تعطيل العدول عن هذا القرار، وتردّد أن التيار السياسي الإسلامي كان له نفوذ قوي هناك.
وخلال رحلاتي إلى الدول الأفريقية، لمست أن أغلب القادة الأفارقة يشعرون بالمأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه بتعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وهم أكدوا أن هذا التعليق خسارة للاتحاد بقدر ما هو خسارة لمصر، واتفقوا على أن هذا الموقف يحتاج إلى المعالجة السريعة، في الوقت نفسه كانوا يشعرون بضرورة الالتزام بقرار الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية أي دولة أفريقية تطيح برئيس منتخب. وأكد عدد كبير من القادة الأفارقة أنهم سيلعبون دوراً نشطاً لرفع تعليق عضوية مصر، مع المطالبة بضرورة تطبيق خطة المرحلة الانتقالية، وخصوصاً إجراء الانتخابات الرئاسية.
وقبيل تولي إبراهيم محلب رئاسة الوزراء، كنت أشارك في احتفالات نيجيريا بذكرى مرور مائة عام على تأسيسها، واستقبلني الرئيس النيجيري جودلك جوناثان في جناحه بالفندق. وفي البداية شكرني على الحضور للمشاركة في الاحتفالات، كما شكرني بطريقة مرحة لحضوري لمقابلته في الواحدة صباحاً، وأكد أن بلاده ستلعب دوراً نشطاً من أجل إلغاء تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي بمجرد انتهاء الانتخابات الرئاسية.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، أكد لي الرئيسان الأوغندي يوري موسيفيني والجزائري عبد العزيز بوتفليقة في مناسبات أخرى ضرورة إنهاء التجميد بمجرد انتخاب رئيس لمصر. وكان بوتفليقة بصورة خاصة قوياً للغاية في الحديث عن هذا الموضوع خلال زيارتي للجزائر في يناير (كانون الثاني) 2014؛ حيث أصدر تعليماته لوزير خارجيته رمطان العمامرة، خلال اللقاء، بضرورة العدول عن القرار السابق في مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي. وكان كل شيء معدّاً لعودة مصر إلى الاتحاد، لذلك جهزت مسودة الخطاب الذي سيلقيه الرئيس السيسي بعد انتخابه خلال القمة الأفريقية التي كانت ستعقد بعد انتخابات الرئاسة المصرية مباشرة. وفي 17 يونيو (حزيران) 2014 وبعد يومين من تركي الوزارة، تم إلغاء تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وزار الرئيس السيسي الجزائر، كما كنت اقترحت عليه في طريق عودته من مؤتمر قمة الاتحاد التي استضافتها مدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية؛ لكي يعبر عن تقدير مصر لموقف الرئيس بوتفليقة.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»
- كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين


مقالات ذات صلة

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

يوميات الشرق للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

يضم البرنامج ورشات عمل، وجلسات حوارية، وعروض أفلام، وبرامج أدائية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب عالية ممدوح

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»...

حمزة عليوي
كتب استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً..

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟

أنيسة مخالدي (باريس)

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.