«حجر النرد»... حاكماً على التاريخ في الرواية

حسن كريم يعيد اكتشاف بغداد بين المتن الرسمي وسرد الهامش

«حجر النرد»... حاكماً على التاريخ في الرواية
TT

«حجر النرد»... حاكماً على التاريخ في الرواية

«حجر النرد»... حاكماً على التاريخ في الرواية

قد يفاجأ القارئ الاعتيادي الذي يقرأ هذا النص السردي الموسوم بـ«وجوه من حجر النرد»، الصادر عام 2024، كونه لا يمت بصلة لفن الرواية الحديثة، مع أن مؤلفه الروائي حسن كريم عاتي أصرَّ على تجنيسه على غلاف الكتاب بالرواية.

فالكتاب يفتقد المقومات المعروفة للبنية الروائية ومنها الراوي والمروي له، والمتن الروائي بما فيها من حدث وشخصيات وأزمنة وحوارات ومخلوقات من لحم ودم، وقد يدفع هذا القارئ إلى القول بأن هذا الكتاب عبارة عن مدونة تاريخية عن مدينة بغداد، منذ تأسيسها على يد الخليفة أبي جعفر المنصور عام 144 هجرية وحتى اليوم، بلغة تدمج بين التاريخ ولغة السرد الروائي الحديث.

ولكني، مع كل ذلك، وبرغم كل هذه التحفظات أرى أن هذا النص هو حقاً رواية، لكنها رواية من نوع خاص واستثنائي، وربما يُستحضر مفهوم الرواية هنا من الموروث العربي والإسلامي، حيث كان هذا المفهوم ينصرف إلى نقل وتدوين الوقائع والأحداث التاريخية، أو تناقل الأحاديث النبوية مع الاحتفاظ بسندها ورواتها بما يتفق و«علم الجرح» أو «علم الرجال» في الموروث العربي.

هذه الرواية تتخذ من المكان بطلاً، والمكان هنا مدينة بغداد منذ ولادتها وصباها وبلوغها سن الرشد، وسيرورتها نحو الشيخوخة وصولاً إلى الحاضر. لذا يمكن النظر إلى الرواية هذه بوصفها سيرة أو ترجمة يدونها روائي معاصر لمدينة بغداد، بعد أن أشبعها المؤرخون المتقدمون منهم والمتأخرون دراسةً وتدويناً ووصفاً.

ولا يعمد المؤلف، في البنية الزمنية للرواية إلى التسلسل التاريخي الرسمي أو الكرونولوجي للأحداث، بل إلى منطق حجر النرد وأوجهه الستة، مستهلاً روايته بـ6 تساؤلات، بعدد أوجه حجر النرد، ويتساءل في الفقرة السادسة عما إذا كان ما سيرويه يمثل الحقيقة:

«تساؤلات ستة، تمثل وجوه حجر النرد الصقيل الأبيض، عادة الموشومة فوقه علامات ترقيم التساؤلات بأسود فاحم»، (ص7). لذا يعمد المؤلف بين آونة وأخرى إلى تقليب أوجه النرد باستمرار: «فلنحاول مرةً أخرى تقليب وجه آخر من وجوه حجر النرد» (ص10).

كما تتحول وجوه حجر النرد هذه إلى تمفضلات للبنية السردية للرواية على الوجه التالي: كوكب الهوى (يك)، أساور العروس (دو)، هل أتاك حديث المغل (سي)، هناك من يستذكر الملك (جهار)، أم يأكل الأبناء ثديها (بنج)، الدكتاقراطية (شيش). لكن الباب الثالث الموسوم بـ«باب المراد» يتحرر نسبياً من سلطة النرد.

والرواية لا تعتمد على التاريخ الرسمي، في سرد تشكل مدينة بغداد ونموها عبر التاريخ، بل إلى ما هو مهمش وعرضي ومسكوت عنه من تاريخها، كما نجد تناصات كثيرة مستقاة من كتب تاريخية عن بغداد؛ منها «تاريخ بغداد» لابن الخطيب، و«الروض المعطار في خير الأمصار» للصنهاجي، ومن رسائل سلطانية مختلفة، تضع الخطوط العريضة لكيفية قيادة السلطان أو الخليفة أو الوالي لشؤون الرعية، بما يصح أن نسميه بكتاب «الأمير العربي» الذي سبق كتاب «الأمير» للمفكر الإيطالي ميكافيلي.

ويلعب المؤلف لعبة نرد أخرى يكشف فيها عن التمايز الطبقي الحاد بين النخبة والعامة: «وبتقليب وجهٍ آخر من وجوه النرد، تبدو الصورة أقرب إلى الكمال، ولن تكتمل، فإن التوجيه يظهر لنا التمايز الطبقي الحاد بين النخبة والعامة»، (ص11). ويشير إلى أن «هذا النسق من هيمنة السلطة على (الرعية) أو (العامة) هو القانون المتوارث في سياسة السلاطين لتحقيق اجتماع الرعية وسلامة بقائهم يزفه سلطان في فم سلطان»، (ص12).

ويبحث الروائي في الأسباب التي جعلت الخليفة أبا جعفر المنصور يختار مدينة بغداد عاصمةً بديلة له عن الهاشمية التي اتخذ منها أسلافه عاصمة عند تأسيس الدولة العباسية. فقد كان الخوف يتسرب إلى نفسه من ولاءات الأنصار والمدن البعيدة والقريبة. فالشام محكومة الانتماء للدولة المنهارة، والكوفة منتمية إلى دولة سبقتها، انهارت أيضاً؛ ولذا - وبعد استقصاءات طويلة - قرر ترك مدينة الهاشمية التي اتخذها أسلافه عاصمة لهم، والبحث عن مكان بعيد عن الولاءات المعروفة، فكان أن وقع اختياره على مدينة بغداد لتكون عاصمة المملكة. «ذلك ما كان يفكر به الخليفة، ولو قال له اليعقوبي، ما كان له بعد بنائها... لما خطر ببال الخليفة أن تكون كما قال جزيرة بين دجلة والفرات، دجلة شرقيها، والفرات غربيها، مشرعة الدنيا... فهي واسطة العقد، في مدن الزمان، على ما أجمع عليه قول (الحساب) وتضمنته كتب الأوائل من الحكماء»، (ص23). «وبذا كان اختيار الخليفة لعاصمته الجديدة، فترك الهاشمية وبدأ ببناء مدينة بغداد سنة 145»، (ص28).

وعند تقليب حجر النرد على الوجه «دو» يبتدئ فصل «أساور العروس» بدخول الخليفة المؤسس أبي جعفر المنصور، على بغلة بيضاء مرتدياً قلنسوة الحرب السوداء، وهو يشاهد العرض العسكري، يحف به، وخلفه رجال دولته (ص29)، وتدور رحى الحياة بحلوها ومرها، ويتوالى خلفاء بني العباس إلى أن يدخل عليهم الأعاجم ويجتزون رأس آخر خلفائهم ويرفعونه على باب المدينة المقابل للجسر. (ص39).

ويكشف النرد في حركته الجديدة على الوجه «سي» حكاية دخول المغول، أو المغل، بغداد، واحتلالهم مدن الخلافة من الموصل إلى أسوار بغداد، ونشرهم الرعب بين الناس: «فقد وصلتنا قوافل الهاربين من الموصل إلى أبواب دار السلام»، (ص41).

وفي محاولة لمواجهة هذا الغزو المغولي، جمع الخليفة أمام أبواب المدينة جيشاً بـ800 فارس، هي كل القوة التي استطاع جمعها، لكن جيش المغول كان كبيراً ووحشياً؛ لذا فسرعان ما سقطت بغداد عندما حاصرت جيوش المغول أسوار بغداد وأمطرتها بقذائف النفط والحجارة، ووضع المغول الخليفة داخل كيس جلدي وقُتل رفساً، وهكذا انتهت الدولة العباسية واستبيحت بغداد من قبل المغول أيما استباحة. وفي نقلة جديدة لحركة حجر النرد «جهار» ينتقل المؤلف زمنياً، وهو يؤرخ لبغداد، إلى العصر الحديث عندما عين الإنجليز الملك فيصل الأول ملكاً على سوريا، ثم نقل إلى العراق. وكان العراق قد تخلص للتو من ربقة 4 قرون من الاحتلال العثماني الذي حكم زوراً وبهتاناً تحت اسم الخلافة الإسلامية، ليسقط تحت حكم كولونيالي جديد باسم الانتداب البريطاني على العراق، والذي قوبل بثورة شعبية عارمة، هي ثورة العشرين في الثلاثين من يونيو (حزيران) 1920، التي أجبرت الإنجليز على مراجعة خططهم والتخفيف من وطأة الاحتلال بسلسلة من الإجراءات الشكلية، منها تأسيس مجلس النواب، ومجلس الوزراء، وبناء جيش وطني تحت مظلة الدولة العراقية الجديدة.

وفي نقلة جديدة لحجر النرد «بنج» ينتقل المؤلف إلى الثلاثينات من القرن العشرين، وقد فزعت بغداد لمقتل ملكها الشاب غازي بحادث سيارة، يتهم فيه الناس الإنجليز بتدبيره؛ لذا امتلأت الشوارع بالمحتجين والمتظاهرين المنددين بالسيطرة البريطانية، وبالثأر لدم الملك الشاب. ويستمر نضال الشعب العراقي ضد المعاهدات الاستعمارية في وثبة كانون 1948، وانتفاضة 1952، واختتمت بثورة 14 تموز عام 1958 التي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم، بإعلان النظام الجمهوري ونهاية الحكم الملكي في العراق. لكن السرد سرعان ما يقودنا إلى صورة الزعيم على شاشة التلفاز مسجى على الأرض بعد انقلاب الثامن من شباط عام 1963 الذي قاده عبد السلام عارف بدعم من البعثيين الذين مارسوا أبشع أنواع التقتيل والاضطهاد بحق العراقيين. ونجد نقلة أخرى سريعة لحكم أحمد حسن البكر، وإرغامه من قبل صدام حسين على التنازل، في مجزرة «قاعة الخلد» المشهورة.

وفي حركة جديدة لحجر النرد «شيش» يدون الروائي سلسلة جرائم البعث وقائده الديكتاتور صدام حسين، ومنها اجتياحه الإجرامي للشقيقة الكويت، وقبل ذلك حربه الدموية مع الجارة إيران، مما جرّ البلاد إلى المزيد من الويلات منها حرب الخليج لطرد جيش صدام من الكويت التي كان ضحيتها الجيش العراقي. ويستمر مسلسل العنف والانهيار حتى دخول قوات المارينز الأميركية لاحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003. وكان إسقاط تمثال الديكتاتور في ساحة الفردوس كناية عن هذا السقوط وانتهاء حكم دولة البعث وهيمنته الكولونيالية الأمريكية.

وفي الفصل الثالث والأخير من الرواية الموسوم بـ«باب المراد» يدون الروائي، بوصفه مؤرخاً، تفاصيل جديدة لم تستخدم في وجوه حجر النرد المعروفة، جانباً من معاناة الأسرة العراقية التي ثكلت بأبنائها، ومظاهر الفجيعة التي طالت الزوجة والأبناء حيث يصرخ طفلٌ اكتشف حقيقة موت أبيه: «هل يعني ذلك أني أصبحت من دون أب؟!» (ص105). ويعمد الروائي إلى توظيف المفارقة الساخرة أمام جثة القتيل، عندما تعلن الزوجة الثكلى، في لون من الكوميديا السوداء، أن هذه الجثة ليست لزوجها: «الجثة التي أتوا بها لم تكن حليقة العانة، وزوجي قبل ذهابه بـ3 أيام قد حلقها»، (ص106).

وينتقل الروائي من سرد المتن الرسمي إلى سرد الهامش وعالم المهمشين في لقطات متتابعة منها لقطة الفتيات وهن يحملن جرار الماء، ويتوقف أمام منظر مدينة من مدن الطين هي مدينة الشاكرية في جانب الكرخ، التي وجدت مثيلاً لها في الكثير من مناطق بغداد آنذاك: «فالشاكرية في كرخها بين العباسية من شمالها الشرقي، وحتى الكاورية في جنوبها الشرقي، ومن أم العظام في جنوبها حتى محطة غربي بغداد لسكك الحديد، مدينة طين»، (ص115). لكن الشاكرية لم تكن مدينة الطين الوحيدة، فقد تكاثرت مدن الطين في شرق العاصمة وغربها، مثل خلف السدة المسماة بـ«العاصمة» في الرصافة، والوشاش في الكرخ. ويكشف الروائي عن ثمرة هذه المعاناة التي تمثلت في الجذور الأولى لحركة الاحتجاج السياسي متمثلة في شخصية «دوسر» ابن الشاكرية الذي فقد عينه بسبب النضال من أجل الصرائف. (ص122).

تتخذ الرواية من لعبة النرد فضاء سردياً تتمثل من خلاله سيرة مدينة بغداد منذ ولادتها وصباها وبلوغها سن الرشد والمخاطر التي واجهتها حتى الحاضر.

وفي مظهر آخر للكوميديا السوداء يقدم لنا الروائي مشهداً لصاحب بغل (مجاري) فَقَدَ بغلَه وقيل له أن يبحث عنه في هذا الباب، إذ شوهد وهو يدخل هذه البناية، التي كانت مبنى لمجلس النواب (ص125). وعندما روى «دوسر» ابن الشاكرية هذه الحكاية نصحه أحدهم بأن يتجنب سرد هذه الحكاية لكيلا يقولوا عنه إنه من المعادين.

وفي الفصل الأخير «هامش سفر النرد» نكتشف أن المؤلف كان قد وضع عنواناً ثانوياً لمؤلفه هو «سفر بغداد»، وكان ينبغي أن يدرج ولا يحذف كما هو الحال. وبعد أن يستشهد بمقولة دالة للتوحيدي، يختتم الرواية بالقول، ملخصاً تاريخها، الذي يتوج الإنسان على قمة التاريخ والمكان: «فما حدث في بغداد حدث في غيرها من بلاد العرب والعجم، وفي دار السلام وفي دار الحرب، فهو يتصل بالإنسان أكثر من اتصاله بالمكان»، (ص127).

ومن هنا نكتشف أننا إزاء رواية من نوع خاص، قد تتجاوز التجنيس الرسمي لفن الرواية، كما أسلفت، لكنها تظل رواية فيها من الطرافة والجدة الشيء الكثير؛ لأنها تعتمد على التخييل والتاريخ معاً، وتتطلع إلى إجازتها مصنفاً معتمداً: «لإشاعتها بين الخاصة والعامة، ونسبتها إلينا، ونستغفر الله لك ولنا وللعامة». (ص128).

إنها حقاً تجربة كتابية جديدة وفريدة لم نشهد لها مثيلاً في التأليف الروائي، نجح فيها الروائي في بناء رواية تاريخية من مداد افتراضي تخييلي، وبطريقة ذكية ونادرة تستحق الإعجاب والثناء.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».