كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

قال في مؤلفه إن تحرك الرياض منع أي عقوبات أوروبية على القاهرة بعد «ثورة 30 يونيو»

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
TT

كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو

في الحلقة الثانية من كتابه «في قلب الأحداث»، يروي وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي مقدمات «ثورة 25 يناير»، بعدما ملّ الرئيس حسني مبارك من مهام الحكم فصار يراقب بينما أمور البلاد متروكة في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما راكم قضايا سياسية واجتماعية نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
ويروي فهمي، من موقع الشاهد والمشارك في «لجنة الحكماء»، وقائع ما بعد سقوط مبارك، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» إدارة البلاد، على الرغم من قلة حيلة أعضائه في السياسة باعتبار خلفياتهم عسكرية.
ويسرد فهمي سلسلة الأخطاء الكيدية التي وقع فيها الإخواني محمد مرسي بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، والتي حفّزت المعارضة ووحّدتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
بين سقوط مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، كانت فترة انتقالية حافلة بالتطورات، شغل فيها نبيل فهمي منصب وزير الخارجية في حكومة حازم الببلاوي، وشهدت احتجاجات عنيفة لأنصار «الإخوان» وفض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة».
ويعرض فهمي الجهود المتعبة التي بذلها للحؤول دون تفاعل التطورات الداخلية في الخارج، وكان مطلوباً أن يتحرك على كل المستويات، من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. حينها تلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي.

أصبح مبارك خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه لا ينتبه إلى أي دعوات للتغيير السياسي، وعلى رأسها تداول السلطة. كما أصبح يشعر بالملل من أعباء ممارسة مهام الحكم، فكان كمن يملك ولا يحكم، يراقب سير الأمور في البلاد مع ترك توجيه السياسات في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما خلق وضعاً استمرت فيه كل القضايا السياسية والاجتماعية معلقة، نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
وفي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، الذي يوافق الاحتفال بعيد الشرطة، تظاهر الآلاف في القاهرة وعدد من المحافظات تحت شعار «لا للطوارئ... لا للتعذيب». وسقط عدد من المتظاهرين قتلى في محافظة السويس، لتنطلق الدعوة إلى «جمعة الغضب» يوم 28 يناير، احتجاجاً على سياسات الأمن والدولة بشكل عام، خصوصاً بعد إطاحة «ثورة الياسمين» في تونس بحكم الرئيس زين العابدين بن علي قبل أسابيع قليلة.
ورفعت مظاهرات «جمعة الغضب» شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». وبعد الأحداث الخطيرة في ذلك اليوم، اجتمعت في 29 يناير 2012 مجموعة من الشخصيات العامة المستقلة، أغلبهم من المهنيين ومجتمع رجال الأعمال غير المرتبطين بأي أحزاب، لمناقشة التطورات الجارية. وفي المساء، في حديث مع الصديق نبيل العربي، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية فيما بعد، أبلغته باستعدادي للانضمام إلى هذه المجموعة، فأصبحت العضو رقم 12 فيها. ثم زاد عدد أعضائها فيما بعد وأطلق عليها الإعلام اسم «لجنة الحكماء»، لتضم أيضاً: إبراهيم المعلم وأحمد كمال أبو المجد ويحيى الجمل ونبيل العربي وعمرو موسى وميرفت التلاوي ونجيب ساويرس وعمرو الشوبكي ووحيد عبد المجيد وعمار الشريعي ومحمد العدل وخالد يوسف وآخرين.
وفي 5 فبراير (شباط)، فوضت اللجنة كلاَّ من نبيل العربي وأحمد كمال أبو المجد، المحامي والسياسي البارز، لمقابلة نائب الرئيس عمر سليمان وتسليمه مقترحات حل الأزمة. وحسب رواية العربي وأبو المجد، فإن سليمان استمع إليهما باهتمام، لكنه قال إنه لن يقدم للرئيس اقتراح تخليه عن السلطة، ووعد بدراسة الأفكار المقترحة بشأن الإصلاحات من دون توضيح لماذا لا تتم الموافقة على هذه الإجراءات فوراً. كما التقى أبو المجد والعربي بعد ذلك رئيس الوزراء أحمد شفيق الذي لم يقل شيئاً مختلفاً. بعدها بأسبوع، حاول مبارك احتواء الموقف، وتعهد بإجراء الإصلاحات التي قدمتها لجنة الحكماء من قبل، من دون الإشارة إلى هذه اللجنة. لكن عرضه جاء متأخراً، بعدما تحول الزخم السياسي لصالح المتظاهرين الذين أصبحوا أشد إصراراً على ضرورة رحيله. وفي 11 فبراير، أعلن نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان في بيان متلفز قرار مبارك التنحي عن الحكم، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» بإدارة شؤون البلاد، لتشتعل الاحتفالات في كل أنحاء مصر.
أعادت «ثورة 25 يناير» مصر إلى قلب العالم واهتمامه كمحرك إقليمي، بعد استعادة الدولة ريادتها الفكرية والتحديثية في منطقة الشرق الأوسط. واعتبر ميدان التحرير مثلاً حيّاً للرغبة في المشاركة الشعبية بعد سنوات طويلة من الحكومات المركزية.
ووجد المجلس العسكري نفسه مشرفاً ومسؤولاً عن هذه العملية بالغة التعقيد والسيولة، وسط تعدد الأطراف وتنافرها في الساحة. ولم يكن أعضاؤه مرتاحين لحقيقة أن خبراتهم هي في المجال العسكري بعيداً عن السياسة، وهم لم يخفوا ذلك. وبسبب اهتمامي الطويل بقضايا الأمن القومي والحد من التسلح، وخدمتي سفيراً لمصر في الولايات المتحدة، فقد سبق أن عمل الكثير من أعضاء هذا المجلس تحت رئاستي في مختلف الوفود أو السفارات المصرية، وظلوا أصدقاء شخصيين لي بعد ذلك. وخلال الأشهر القليلة الأولى من 2011 بعد 25 يناير، كان أصدقائي من أعضاء المجلس العسكري يزورونني في شقتي في «غاردن سيتي» بانتظام لمناقشة الموقف، وطلب المشورة حول كيفية المضي قدماً بالعملية الانتقالية. وكان الكثير من مقترحاتي ضد قناعاتهم، لكن المناقشات بيننا ظلت دائماً ودية وصريحة وبناءة.
فضّل المجلس العسكري إنجاز العملية الانتخابية بسرعة، على أمل أن تعود الدولة إلى وضعها الطبيعي. ولم يكن أصدقائي من أعضاء المجلس مطمئنين لهذا المسار، غير أنهم شددوا على أن الجيش مدرب على حماية الأمن القومي للبلاد، وليس على إعادة بناء النظام السياسي والتحاور والجدل السياسي المصاحب لتلك العملية، ومن ثم فأولوية المجلس هي ضمان الأمن والاستقرار.
وبعد إقرار الدستور عام 2012، أُجريت انتخابات الرئاسة وفاز بها مرشح «الإخوان» محمد مرسي، الذي تولى السلطة في 30 يونيو 2012، وأصبح عليه أن يمثل جماعة «الإخوان المسلمين» التي ينتمي إليها وإلى ناخبيها، وكذلك باقي أطياف المجتمع المصري غير السعداء بانتخابه، وهو ما لم يحدث. إذ دخل وجماعته في صدام مع أغلب مؤسسات وقوى المجتمع بدءاً من القوات المسلحة التي تحظى باحترام الشعب ودعمه، حيث سارع مرسي إلى استدعاء رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة ليطالبه بإطلاعه على موازنة الجيش وموارده المالية بالتفصيل، وهي خطوة ليست مرفوضة من حيث المبدأ، وإنما توقيتها المبكر للغاية كان رسالة واضحة بأن الهدف منها هو قصّ أجنحة الجيش وتحجيمه.
وفي الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ارتكب مرسي خطأ آخر، عندما دعا عدداً من الإسلاميين المتطرفين، وبعضهم ممن أُدينوا في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في يوم الذكرى ذاتها قبل نحو ثلاثة عقود.
القادة العسكريون عدّوا ذلك، حسبما قالوا لي لاحقاً، إساءةً مباشرةً ومقصودةً للمؤسسة العسكرية. وشعر الرأي العام أيضاً بالصدمة والغضب من تصرف حكومة «الإخوان»، بوصفه إشارة إلى اعتزام الجماعة إعادة كتابة تاريخ مصر وإضفاء الشرعية على أعمال عنف الإسلاميين المتطرفين.
وبعد أيام معدودة من الاحتفال، فتح مرسي جبهة أخرى بإقالة النائب العام من دون الرجوع إلى الهيئات القضائية المعنية، التي كانت تشكّ في نيات الرئيس تجاه مؤسسة القضاء ككل. وأثار ذلك موجة غضب قوية وعلنية من جانب القضاة، ومنهم الذين كانوا مقربين من الجماعة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أصدر الرئيس إعلاناً دستورياً ليمنح نفسه صلاحيات مطلقة، ما مثّل انتهاكاً كاملاً ليس فقط للدستور القائم في البلاد بل لكل الدساتير التي عرفتها مصر قبلاً.
مع تصاعد الاحتجاجات ضد الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، شكّلت مجموعة من الليبراليين واليساريين والنشطاء «جبهة الإنقاذ الوطني»، بوصفها تحالفاً غير رسمي يستهدف ضمان وجود التمثيل المدني في المشهد السياسي والتعبير عنه.
حفزّت أخطاء مرسي السياسية المعارضة ووحدّتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
وكما هو الحال في كل الجيوش، فإن لدى الجيش المصري خطط طوارئ للتدخل في الظروف غير التقليدية، للتعامل مع التهديدات الخارجية، وكذلك لفرض النظام بشكل مؤقت، في حال أصبح الوضع الداخلي خطراً على أمن الدولة واستقرارها. وتحرك الجيش بشكل حاسم وفرض سيطرته على الأماكن الاستراتيجية في مختلف أنحاء البلاد قبل مظاهرات 30 يونيو 2013.
وفي يوم 3 يوليو (تموز) 2013، وفي بث مباشر على شاشات التلفزيون، وبحضور كبار قادة القوات المسلحة وعدد من الشخصيات البارزة مثل: محمد البرادعي الذي كان يمثل الشباب الثوري، وشيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الأرثوذكسية، وقادة «حركة تمرد»، و«حزب النور» السلفي، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، عزل محمد مرسي استجابةً للمظاهرات الشعبية الحاشدة، وتعليق العمل بالدستور ووضع خريطة طريق للمرحلة الانتقالية، وتعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيساً مؤقتاً للبلاد.
وفور صدور بيان 3 يوليو، انطلقت احتجاجات عنيفة من جانب أعضاء جماعة «الإخوان» وأنصارها في مناطق كثيرة من البلاد، واعتصموا في ميداني رابعة العدوية في القاهرة والنهضة قبالة جامعة القاهرة في الجيزة.
وبدأت الأوقات العصيبة لمصر وللرئيس. وأُجريت مشاورات كثيرة لتشكيل الحكومة مع الكثير من الشخصيات السياسية التي حضرت إعلان خريطة الطريق، لعبت فيها المؤسسة العسكرية دوراً كبيراً، وكذلك محمد البرادعي. وعكست مشاورات تشكيل أول حكومة لمصر بعد أحداث 30 يونيو مدى تعقّد المشهد السياسي في مصر، التي تسعى لتقديم نفسها للعالم بوصفها دولة وسطية مدنية ذات تراث ثري وتقاليد دينية راسخة.
وبعد اتصال مبدئيّ من آخرين، اتصل بي البرادعي وسألني مباشرة عن استعدادي لقبول منصب وزير الخارجية إذا عرضه علي رئيس الوزراء المكلف حازم الببلاوي، وقلت للبرادعي إنه وعلى الرغم من ميلي الشخصي لعدم تولي المنصب، إذا اتصل بي رئيس الوزراء المكلف فسألتقي معه وسأستمع إليه بعقل مفتوح. وهو ما رحب به، منوهاً إلى أن «كلينا رفض المشاركة في الحكومة في الماضي، والآن يبدو أننا سننضم إليها معاً».
وفي 14 يوليو 2013، تلقيت اتصالاً من الببلاوي لعقد لقاء معه، لكي تتم دعوتي رسمياً للانضمام إلى الحكومة الجديدة وزيراً للخارجية. كانت نبرة رئيس الوزراء المكلّف ودّية للغاية. وعرضت عليه رؤيتي للسياسة الخارجية في المرحلة المقبلة، وبعدما انتهيت من ذلك شكرني الببلاوي، وطلب مني إعلان موافقتي على تولي وزارة الخارجية أمام وسائل الإعلام، التي كانت تنتظر بفارغ الصبر خارج غرفة الاجتماع.
وفي 16 يوليو، وكان أول أيام شهر رمضان المبارك، أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عدلي منصور وكان أغلبها من التكنوقراط، وضمت 3 نواب لرئيس الوزراء هم: عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، وحسام عيسى وزير التعليم العالي، وزياد بهاء الدين وزير التعاون الدولي. وتم تعييني وزيراً للخارجية. وأعلن رئيس الوزراء أنه عرض مناصب وزارية على أعضاء من جماعة «الإخوان» لكنهم رفضوا.
وترأس الرئيس منصور الاجتماع الأول للحكومة، الذي امتد حتى موعد مدفع الإفطار. وكانت التحديات واضحة والحاجة إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة بسرعة ضاغطة، وكان على الحكومة العمل في بيئة متوترة ومتقلبة، وتحمّل مسؤولية تاريخية تحت ضغوط هائلة، وحشد الدعم الشعبي للاستقرار، مع عدم تجاهل أحلام التغيير، وفرض القانون والنظام في مواجهة العنف المستمر من جانب أنصار جماعة «الإخوان» والانتهازيين في مختلف أنحاء البلاد، بالإضافة إلى التعامل مع الضغوط الدولية.
وكما كان الحال مع كل وزراء حكومة الببلاوي، بدأنا عملنا في بيئة أمنية شديدة الاضطراب. ولم تكن لوزير الخارجية مسؤولية مباشرة في التعامل مع هذا الموقف، لكننا بذلنا جميعاً قصارى جهدنا من أجل دعم جهود استعادة الأمن والاستقرار، التي تولت الجزء الأكبر منها وزارتا الدفاع والداخلية إلى جانب أجهزة المخابرات.
مع بداية حكومة الببلاوي، قاد البرادعي محاولات الوصول إلى حل للصراع الداخلي، سعياً للتهدئة أو لتحقيق المصالحة في بادئ الأمر، قبل أن تقع أعمال عنف بين أنصار «الإخوان» وقوات الأمن في مناطق كثيرة من البلاد. وبمرور الوقت، أصبح الاختيار الوجودي في مصر هو بين السماح بعودة مرسي وحكم جماعة «الإخوان» من ناحية، أو الالتزام بالتغييرات التي أُعلنت يوم 3 يوليو والتي أطاحت بمرسي و«الإخوان» من الحكم من ناحية أخرى. وتدريجياً، بات واضحاً أن جهود الوساطة داخلياً، أو من خلال الوساطة الأجنبية، لن تصل إلى نتيجة.
وبعد أيام قليلة من اجتماع الحكومة، أبلغ رئيس الوزراء حازم الببلاوي ووزير الداخلية محمد إبراهيم قرار فض الاعتصامات إلى مجلس الأمن القومي، الذي يضم إلى جانب الرئيس عدلي منصور، نائب الرئيس محمد البرادعي، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، ورئيس أركان الجيش صدقي صبحي، ومديري المخابرات العامة والحربية، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية. وقد استمعنا وناقشنا خطط فض اعتصامي رابعة والنهضة، وإعادة الحياة إلى طبيعتها في الميدانين. وفي 14 أغسطس (آب) 2013، بدأت القوى الأمنية وفي مقدمتها قوات الشرطة فض الاعتصامين، وأعلنت المصادر الحكومية وقوع تبادل كثيف لإطلاق النار بين المعتصمين المسلحين حول ميداني رابعة والنهضة وقوات الشرطة، وأسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى من القوات الأمنية وفي صفوف «الإخوان» وأنصارهم، إلى جانب مقتل عدد من المارة.
وبوصفي وزيراً للخارجية، قررت القيام بعدة خطوات لمواجهة تداعيات الموقف خارجياً، وكانت الخطوة الأولى ضمان استناد آرائي وأرقامي في مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي إلى معلومات دقيقة، حتى لو أدى الأمر إلى التحرك بصورة أبطأ نسبياً، وذلك لكي يثق العالم بالتصريحات المصرية. وأوصيت بعد ذلك بضرورة تشكيل لجنة مستقلة، برئاسة القاضي فؤاد رياض، للتحقيق في الأحداث التي تلت إعلان الإطاحة بحكم مرسي، بما في ذلك فض اعتصامي رابعة والنهضة. وحظي هذا الاقتراح بموافقة مجلس الوزراء بالفعل. وما زالت رواية لجنة التحقيق المستقلة هي الأشمل والأكثر موضوعية بشأن الأحداث حتى اليوم.
وكان هدفي الثاني بعد هذه الأحداث، والذي لم يكن أقل أهمية من الهدف الأول، هو منع تدويل هذه القضية أو حتى طرحها للنقاش في إطار دولي أو متعدد الأطراف. وفي صيف 2013، أبلغني مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك بوجود تحركات لعقد جلسة لمجلس الأمن لبحث الموقف في مصر. وعندما سألت وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عن هذا، ذكر أن فرنسا هي المبادرة في ذلك، في حين أصرَّ وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس على أن الولايات المتحدة وبريطانيا هما من تقفان وراء هذه التحركات. وبدلاً من إضاعة الوقت في البحث عن الطرف الذي يقف خلف التحركات، تشاورت على الفور مع روسيا والصين لكي أتأكد من أنهما ستعارضان هذه الإجراءات.
وكانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2013 المكان الأنسب لإطلاق مرحلة جديدة من التحرك الدبلوماسي المصري، في ظل المشاركة رفيعة المستوى من مختلف دول العالم، بحيث ننتقل من الموقع الدفاعي إلى الحالة الهجومية أو الاستباقية للدبلوماسية المصرية، وإعطاء إشارة قوية بأن مصر استعادت دورها النشط على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتمت مناقشة فكرة مشاركة الرئيس منصور في هذه الدورة، لكننا انتهينا إلى ترك رئاسة الوفد إلى وزير الخارجية للتصدي لأي مناورات محتملة.
ولدى وصولي إلى نيويورك لرئاسة وفد مصر في اجتماعات الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر 2013، كانت هناك بعض المظاهرات المعارضة وأخرى مؤيدة لنظام الحكم الجديد أمام مقر الأمم المتحدة. وتلقيت تقريرا موجزا من البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة حول المداولات التحضيرية للجمعية العامة، تفيد بأن البعثة التركية في نيويورك لم يكن لديها أي تعليمات بشأن الموقف من المشاركة المصرية حتى الآن، لكننا قررنا متابعة التطورات عن قرب وبحذر، حتى يصل الوفد التركي المشارك في الاجتماعات بالكامل.
وخلال حفل الاستقبال التقليدي الذي يستضيفه الرئيس الأميركي لرؤساء الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتحى أوباما بي جانباً وتجاوز صف الاستقبال الطويل، وأبلغني بأنه يتفهم عدم ارتياح المصريين لحكم مرسي، لكنه في ضوء الإطاحة برئيس منتخب من منصبه، فإنه بوصفه رئيساً للولايات المتحدة ملزم بتعليق أو على الأقل تأجيل تسليم بعض المعدات والمساعدات العسكرية لمصر، حتى تتقدم مصر نحو الحكم الديمقراطي. وقال إنه سيعلن هذا الموقف في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي. فأبلغته باعتراضي الشديد على الإجراءات الأميركية المقترحة وعلى المكان الذي سيتم إعلانها فيه، مضيفاً أن احتياجات الأمن القومي ذات طبيعة استراتيجية، وإذا لم نضمن استدامتها أميركياً، فإن مصر ستلجأ إلى مصادر أخرى للحصول عليها، وإنني لن أتردد في الإعلان عن ذلك أمام الإعلام فور إلقائه خطابه إذا تضمن هذه الإشارة.
ولم تكن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد 30 يونيو 2013 عدائية، لكنها كانت هشّة وتحتاج إلى معالجة حساسة طوال المرحلة الانتقالية. وكثّفتُ الاتصالات مع دول الاتحاد الأوروبي، سواء المتفقة أو المختلفة معنا، لأنها كانت حريصة على سماع وجهة نظرنا، خصوصاً فرنسا وإسبانيا وبريطانيا واليونان وإيطاليا وألمانيا. وتلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. فبعد أحداث 30 يونيو 2013 مباشرةً وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي. وقد اتصل بي الأمير سعود الفيصل قبل حديثه مع الفرنسيين، وأعربت له عن ارتياحي الكامل للمنهج الذي اقترحه، ولجهوده المنفردة التي لم تكن تستدعي مشاركتي فيها، وهو جهد مشكور سمح لي بالتركيز على دول أخرى.
وبعد الاتصال السعودي، زارت الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، مصر عدة مرات بعد ثورة يونيو، وكنا مختلفين في وجهات النظر، لكنها سرعان ما أدركت عدم جدوى مواصلة السعي وراء اتفاق بين السلطات المصرية وجماعة «الإخوان»، بعدما اتضح لها أن مرسي ما زال مصرّاً على العودة إلى الرئاسة وغير مستعد للوصول إلى حل وسط.
تدريجياً، استقرت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من استمرار بعض التحفظات والتوترات العارضة، عندما حاول بعض أعضاء الاتحاد التراجع عن قرار المجلس الأوروبي إرسال وفد لمراقبة الانتخابات، ما دفعني إلى التحدث بحدة مع أشتون منوهاً إلى أن الاتحاد يتحدث كثيراً عن ضرورة بناء نظام ديمقراطي والآن يرفض المشاركة في البناء المجتمعي والمؤسسي الحقيقي. ويُحسب لها أنها تفهمت الموقف وتمسكت بمشاركة المراقبين على الرغم من ضغوط بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، خصوصاً من دول الشمال.
كان المقرر أن تستغرق المرحلة الانتقالية في مصر بعد الإطاحة بمرسي 12 شهراً، وبعد إقرار الدستور في يناير 2014، تفجرت أعمال عنف جديدة، فقرر الرئيس عدلي منصور إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية على خلاف ما تضمنته خريطة الطريق الأصلية. وترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية وحصل على 96.91% من أصوات الناخبين الصحيحة، وأدى اليمين الدستورية لتولي منصب الرئيس في 8 يونيو 2014.
وبعد انتخاب السيسي، ظللت على اتصال مستمر معه، لمناقشة عدد من مواضيع السياسة الخارجية الملحة، وأبرزها عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقي وإعادة مركزة مصر إقليمياً ودولياً. وقد استغرق تشكيل الحكومة الجديدة وقتاً أطول من المتوقع، وتمت إضافة منصب وزير الخارجية إلى التغيير الوزاري في المرحلة الأخيرة من المداولات، وعلمت بخروجي من التشكيل من الإعلام الإلكتروني. وعلى الرغم من أن الخبر لم يكن متوقعاً فإنه كان مريحاً لي، إذ كنت سعيداً بما أنجزته في ظروف صعبة للغاية.

- كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»
كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».