كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

قال في مؤلفه إن تحرك الرياض منع أي عقوبات أوروبية على القاهرة بعد «ثورة 30 يونيو»

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
TT

كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو

في الحلقة الثانية من كتابه «في قلب الأحداث»، يروي وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي مقدمات «ثورة 25 يناير»، بعدما ملّ الرئيس حسني مبارك من مهام الحكم فصار يراقب بينما أمور البلاد متروكة في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما راكم قضايا سياسية واجتماعية نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
ويروي فهمي، من موقع الشاهد والمشارك في «لجنة الحكماء»، وقائع ما بعد سقوط مبارك، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» إدارة البلاد، على الرغم من قلة حيلة أعضائه في السياسة باعتبار خلفياتهم عسكرية.
ويسرد فهمي سلسلة الأخطاء الكيدية التي وقع فيها الإخواني محمد مرسي بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، والتي حفّزت المعارضة ووحّدتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
بين سقوط مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، كانت فترة انتقالية حافلة بالتطورات، شغل فيها نبيل فهمي منصب وزير الخارجية في حكومة حازم الببلاوي، وشهدت احتجاجات عنيفة لأنصار «الإخوان» وفض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة».
ويعرض فهمي الجهود المتعبة التي بذلها للحؤول دون تفاعل التطورات الداخلية في الخارج، وكان مطلوباً أن يتحرك على كل المستويات، من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. حينها تلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي.

أصبح مبارك خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه لا ينتبه إلى أي دعوات للتغيير السياسي، وعلى رأسها تداول السلطة. كما أصبح يشعر بالملل من أعباء ممارسة مهام الحكم، فكان كمن يملك ولا يحكم، يراقب سير الأمور في البلاد مع ترك توجيه السياسات في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما خلق وضعاً استمرت فيه كل القضايا السياسية والاجتماعية معلقة، نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
وفي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، الذي يوافق الاحتفال بعيد الشرطة، تظاهر الآلاف في القاهرة وعدد من المحافظات تحت شعار «لا للطوارئ... لا للتعذيب». وسقط عدد من المتظاهرين قتلى في محافظة السويس، لتنطلق الدعوة إلى «جمعة الغضب» يوم 28 يناير، احتجاجاً على سياسات الأمن والدولة بشكل عام، خصوصاً بعد إطاحة «ثورة الياسمين» في تونس بحكم الرئيس زين العابدين بن علي قبل أسابيع قليلة.
ورفعت مظاهرات «جمعة الغضب» شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». وبعد الأحداث الخطيرة في ذلك اليوم، اجتمعت في 29 يناير 2012 مجموعة من الشخصيات العامة المستقلة، أغلبهم من المهنيين ومجتمع رجال الأعمال غير المرتبطين بأي أحزاب، لمناقشة التطورات الجارية. وفي المساء، في حديث مع الصديق نبيل العربي، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية فيما بعد، أبلغته باستعدادي للانضمام إلى هذه المجموعة، فأصبحت العضو رقم 12 فيها. ثم زاد عدد أعضائها فيما بعد وأطلق عليها الإعلام اسم «لجنة الحكماء»، لتضم أيضاً: إبراهيم المعلم وأحمد كمال أبو المجد ويحيى الجمل ونبيل العربي وعمرو موسى وميرفت التلاوي ونجيب ساويرس وعمرو الشوبكي ووحيد عبد المجيد وعمار الشريعي ومحمد العدل وخالد يوسف وآخرين.
وفي 5 فبراير (شباط)، فوضت اللجنة كلاَّ من نبيل العربي وأحمد كمال أبو المجد، المحامي والسياسي البارز، لمقابلة نائب الرئيس عمر سليمان وتسليمه مقترحات حل الأزمة. وحسب رواية العربي وأبو المجد، فإن سليمان استمع إليهما باهتمام، لكنه قال إنه لن يقدم للرئيس اقتراح تخليه عن السلطة، ووعد بدراسة الأفكار المقترحة بشأن الإصلاحات من دون توضيح لماذا لا تتم الموافقة على هذه الإجراءات فوراً. كما التقى أبو المجد والعربي بعد ذلك رئيس الوزراء أحمد شفيق الذي لم يقل شيئاً مختلفاً. بعدها بأسبوع، حاول مبارك احتواء الموقف، وتعهد بإجراء الإصلاحات التي قدمتها لجنة الحكماء من قبل، من دون الإشارة إلى هذه اللجنة. لكن عرضه جاء متأخراً، بعدما تحول الزخم السياسي لصالح المتظاهرين الذين أصبحوا أشد إصراراً على ضرورة رحيله. وفي 11 فبراير، أعلن نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان في بيان متلفز قرار مبارك التنحي عن الحكم، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» بإدارة شؤون البلاد، لتشتعل الاحتفالات في كل أنحاء مصر.
أعادت «ثورة 25 يناير» مصر إلى قلب العالم واهتمامه كمحرك إقليمي، بعد استعادة الدولة ريادتها الفكرية والتحديثية في منطقة الشرق الأوسط. واعتبر ميدان التحرير مثلاً حيّاً للرغبة في المشاركة الشعبية بعد سنوات طويلة من الحكومات المركزية.
ووجد المجلس العسكري نفسه مشرفاً ومسؤولاً عن هذه العملية بالغة التعقيد والسيولة، وسط تعدد الأطراف وتنافرها في الساحة. ولم يكن أعضاؤه مرتاحين لحقيقة أن خبراتهم هي في المجال العسكري بعيداً عن السياسة، وهم لم يخفوا ذلك. وبسبب اهتمامي الطويل بقضايا الأمن القومي والحد من التسلح، وخدمتي سفيراً لمصر في الولايات المتحدة، فقد سبق أن عمل الكثير من أعضاء هذا المجلس تحت رئاستي في مختلف الوفود أو السفارات المصرية، وظلوا أصدقاء شخصيين لي بعد ذلك. وخلال الأشهر القليلة الأولى من 2011 بعد 25 يناير، كان أصدقائي من أعضاء المجلس العسكري يزورونني في شقتي في «غاردن سيتي» بانتظام لمناقشة الموقف، وطلب المشورة حول كيفية المضي قدماً بالعملية الانتقالية. وكان الكثير من مقترحاتي ضد قناعاتهم، لكن المناقشات بيننا ظلت دائماً ودية وصريحة وبناءة.
فضّل المجلس العسكري إنجاز العملية الانتخابية بسرعة، على أمل أن تعود الدولة إلى وضعها الطبيعي. ولم يكن أصدقائي من أعضاء المجلس مطمئنين لهذا المسار، غير أنهم شددوا على أن الجيش مدرب على حماية الأمن القومي للبلاد، وليس على إعادة بناء النظام السياسي والتحاور والجدل السياسي المصاحب لتلك العملية، ومن ثم فأولوية المجلس هي ضمان الأمن والاستقرار.
وبعد إقرار الدستور عام 2012، أُجريت انتخابات الرئاسة وفاز بها مرشح «الإخوان» محمد مرسي، الذي تولى السلطة في 30 يونيو 2012، وأصبح عليه أن يمثل جماعة «الإخوان المسلمين» التي ينتمي إليها وإلى ناخبيها، وكذلك باقي أطياف المجتمع المصري غير السعداء بانتخابه، وهو ما لم يحدث. إذ دخل وجماعته في صدام مع أغلب مؤسسات وقوى المجتمع بدءاً من القوات المسلحة التي تحظى باحترام الشعب ودعمه، حيث سارع مرسي إلى استدعاء رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة ليطالبه بإطلاعه على موازنة الجيش وموارده المالية بالتفصيل، وهي خطوة ليست مرفوضة من حيث المبدأ، وإنما توقيتها المبكر للغاية كان رسالة واضحة بأن الهدف منها هو قصّ أجنحة الجيش وتحجيمه.
وفي الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ارتكب مرسي خطأ آخر، عندما دعا عدداً من الإسلاميين المتطرفين، وبعضهم ممن أُدينوا في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في يوم الذكرى ذاتها قبل نحو ثلاثة عقود.
القادة العسكريون عدّوا ذلك، حسبما قالوا لي لاحقاً، إساءةً مباشرةً ومقصودةً للمؤسسة العسكرية. وشعر الرأي العام أيضاً بالصدمة والغضب من تصرف حكومة «الإخوان»، بوصفه إشارة إلى اعتزام الجماعة إعادة كتابة تاريخ مصر وإضفاء الشرعية على أعمال عنف الإسلاميين المتطرفين.
وبعد أيام معدودة من الاحتفال، فتح مرسي جبهة أخرى بإقالة النائب العام من دون الرجوع إلى الهيئات القضائية المعنية، التي كانت تشكّ في نيات الرئيس تجاه مؤسسة القضاء ككل. وأثار ذلك موجة غضب قوية وعلنية من جانب القضاة، ومنهم الذين كانوا مقربين من الجماعة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أصدر الرئيس إعلاناً دستورياً ليمنح نفسه صلاحيات مطلقة، ما مثّل انتهاكاً كاملاً ليس فقط للدستور القائم في البلاد بل لكل الدساتير التي عرفتها مصر قبلاً.
مع تصاعد الاحتجاجات ضد الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، شكّلت مجموعة من الليبراليين واليساريين والنشطاء «جبهة الإنقاذ الوطني»، بوصفها تحالفاً غير رسمي يستهدف ضمان وجود التمثيل المدني في المشهد السياسي والتعبير عنه.
حفزّت أخطاء مرسي السياسية المعارضة ووحدّتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
وكما هو الحال في كل الجيوش، فإن لدى الجيش المصري خطط طوارئ للتدخل في الظروف غير التقليدية، للتعامل مع التهديدات الخارجية، وكذلك لفرض النظام بشكل مؤقت، في حال أصبح الوضع الداخلي خطراً على أمن الدولة واستقرارها. وتحرك الجيش بشكل حاسم وفرض سيطرته على الأماكن الاستراتيجية في مختلف أنحاء البلاد قبل مظاهرات 30 يونيو 2013.
وفي يوم 3 يوليو (تموز) 2013، وفي بث مباشر على شاشات التلفزيون، وبحضور كبار قادة القوات المسلحة وعدد من الشخصيات البارزة مثل: محمد البرادعي الذي كان يمثل الشباب الثوري، وشيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الأرثوذكسية، وقادة «حركة تمرد»، و«حزب النور» السلفي، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، عزل محمد مرسي استجابةً للمظاهرات الشعبية الحاشدة، وتعليق العمل بالدستور ووضع خريطة طريق للمرحلة الانتقالية، وتعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيساً مؤقتاً للبلاد.
وفور صدور بيان 3 يوليو، انطلقت احتجاجات عنيفة من جانب أعضاء جماعة «الإخوان» وأنصارها في مناطق كثيرة من البلاد، واعتصموا في ميداني رابعة العدوية في القاهرة والنهضة قبالة جامعة القاهرة في الجيزة.
وبدأت الأوقات العصيبة لمصر وللرئيس. وأُجريت مشاورات كثيرة لتشكيل الحكومة مع الكثير من الشخصيات السياسية التي حضرت إعلان خريطة الطريق، لعبت فيها المؤسسة العسكرية دوراً كبيراً، وكذلك محمد البرادعي. وعكست مشاورات تشكيل أول حكومة لمصر بعد أحداث 30 يونيو مدى تعقّد المشهد السياسي في مصر، التي تسعى لتقديم نفسها للعالم بوصفها دولة وسطية مدنية ذات تراث ثري وتقاليد دينية راسخة.
وبعد اتصال مبدئيّ من آخرين، اتصل بي البرادعي وسألني مباشرة عن استعدادي لقبول منصب وزير الخارجية إذا عرضه علي رئيس الوزراء المكلف حازم الببلاوي، وقلت للبرادعي إنه وعلى الرغم من ميلي الشخصي لعدم تولي المنصب، إذا اتصل بي رئيس الوزراء المكلف فسألتقي معه وسأستمع إليه بعقل مفتوح. وهو ما رحب به، منوهاً إلى أن «كلينا رفض المشاركة في الحكومة في الماضي، والآن يبدو أننا سننضم إليها معاً».
وفي 14 يوليو 2013، تلقيت اتصالاً من الببلاوي لعقد لقاء معه، لكي تتم دعوتي رسمياً للانضمام إلى الحكومة الجديدة وزيراً للخارجية. كانت نبرة رئيس الوزراء المكلّف ودّية للغاية. وعرضت عليه رؤيتي للسياسة الخارجية في المرحلة المقبلة، وبعدما انتهيت من ذلك شكرني الببلاوي، وطلب مني إعلان موافقتي على تولي وزارة الخارجية أمام وسائل الإعلام، التي كانت تنتظر بفارغ الصبر خارج غرفة الاجتماع.
وفي 16 يوليو، وكان أول أيام شهر رمضان المبارك، أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عدلي منصور وكان أغلبها من التكنوقراط، وضمت 3 نواب لرئيس الوزراء هم: عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، وحسام عيسى وزير التعليم العالي، وزياد بهاء الدين وزير التعاون الدولي. وتم تعييني وزيراً للخارجية. وأعلن رئيس الوزراء أنه عرض مناصب وزارية على أعضاء من جماعة «الإخوان» لكنهم رفضوا.
وترأس الرئيس منصور الاجتماع الأول للحكومة، الذي امتد حتى موعد مدفع الإفطار. وكانت التحديات واضحة والحاجة إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة بسرعة ضاغطة، وكان على الحكومة العمل في بيئة متوترة ومتقلبة، وتحمّل مسؤولية تاريخية تحت ضغوط هائلة، وحشد الدعم الشعبي للاستقرار، مع عدم تجاهل أحلام التغيير، وفرض القانون والنظام في مواجهة العنف المستمر من جانب أنصار جماعة «الإخوان» والانتهازيين في مختلف أنحاء البلاد، بالإضافة إلى التعامل مع الضغوط الدولية.
وكما كان الحال مع كل وزراء حكومة الببلاوي، بدأنا عملنا في بيئة أمنية شديدة الاضطراب. ولم تكن لوزير الخارجية مسؤولية مباشرة في التعامل مع هذا الموقف، لكننا بذلنا جميعاً قصارى جهدنا من أجل دعم جهود استعادة الأمن والاستقرار، التي تولت الجزء الأكبر منها وزارتا الدفاع والداخلية إلى جانب أجهزة المخابرات.
مع بداية حكومة الببلاوي، قاد البرادعي محاولات الوصول إلى حل للصراع الداخلي، سعياً للتهدئة أو لتحقيق المصالحة في بادئ الأمر، قبل أن تقع أعمال عنف بين أنصار «الإخوان» وقوات الأمن في مناطق كثيرة من البلاد. وبمرور الوقت، أصبح الاختيار الوجودي في مصر هو بين السماح بعودة مرسي وحكم جماعة «الإخوان» من ناحية، أو الالتزام بالتغييرات التي أُعلنت يوم 3 يوليو والتي أطاحت بمرسي و«الإخوان» من الحكم من ناحية أخرى. وتدريجياً، بات واضحاً أن جهود الوساطة داخلياً، أو من خلال الوساطة الأجنبية، لن تصل إلى نتيجة.
وبعد أيام قليلة من اجتماع الحكومة، أبلغ رئيس الوزراء حازم الببلاوي ووزير الداخلية محمد إبراهيم قرار فض الاعتصامات إلى مجلس الأمن القومي، الذي يضم إلى جانب الرئيس عدلي منصور، نائب الرئيس محمد البرادعي، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، ورئيس أركان الجيش صدقي صبحي، ومديري المخابرات العامة والحربية، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية. وقد استمعنا وناقشنا خطط فض اعتصامي رابعة والنهضة، وإعادة الحياة إلى طبيعتها في الميدانين. وفي 14 أغسطس (آب) 2013، بدأت القوى الأمنية وفي مقدمتها قوات الشرطة فض الاعتصامين، وأعلنت المصادر الحكومية وقوع تبادل كثيف لإطلاق النار بين المعتصمين المسلحين حول ميداني رابعة والنهضة وقوات الشرطة، وأسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى من القوات الأمنية وفي صفوف «الإخوان» وأنصارهم، إلى جانب مقتل عدد من المارة.
وبوصفي وزيراً للخارجية، قررت القيام بعدة خطوات لمواجهة تداعيات الموقف خارجياً، وكانت الخطوة الأولى ضمان استناد آرائي وأرقامي في مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي إلى معلومات دقيقة، حتى لو أدى الأمر إلى التحرك بصورة أبطأ نسبياً، وذلك لكي يثق العالم بالتصريحات المصرية. وأوصيت بعد ذلك بضرورة تشكيل لجنة مستقلة، برئاسة القاضي فؤاد رياض، للتحقيق في الأحداث التي تلت إعلان الإطاحة بحكم مرسي، بما في ذلك فض اعتصامي رابعة والنهضة. وحظي هذا الاقتراح بموافقة مجلس الوزراء بالفعل. وما زالت رواية لجنة التحقيق المستقلة هي الأشمل والأكثر موضوعية بشأن الأحداث حتى اليوم.
وكان هدفي الثاني بعد هذه الأحداث، والذي لم يكن أقل أهمية من الهدف الأول، هو منع تدويل هذه القضية أو حتى طرحها للنقاش في إطار دولي أو متعدد الأطراف. وفي صيف 2013، أبلغني مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك بوجود تحركات لعقد جلسة لمجلس الأمن لبحث الموقف في مصر. وعندما سألت وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عن هذا، ذكر أن فرنسا هي المبادرة في ذلك، في حين أصرَّ وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس على أن الولايات المتحدة وبريطانيا هما من تقفان وراء هذه التحركات. وبدلاً من إضاعة الوقت في البحث عن الطرف الذي يقف خلف التحركات، تشاورت على الفور مع روسيا والصين لكي أتأكد من أنهما ستعارضان هذه الإجراءات.
وكانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2013 المكان الأنسب لإطلاق مرحلة جديدة من التحرك الدبلوماسي المصري، في ظل المشاركة رفيعة المستوى من مختلف دول العالم، بحيث ننتقل من الموقع الدفاعي إلى الحالة الهجومية أو الاستباقية للدبلوماسية المصرية، وإعطاء إشارة قوية بأن مصر استعادت دورها النشط على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتمت مناقشة فكرة مشاركة الرئيس منصور في هذه الدورة، لكننا انتهينا إلى ترك رئاسة الوفد إلى وزير الخارجية للتصدي لأي مناورات محتملة.
ولدى وصولي إلى نيويورك لرئاسة وفد مصر في اجتماعات الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر 2013، كانت هناك بعض المظاهرات المعارضة وأخرى مؤيدة لنظام الحكم الجديد أمام مقر الأمم المتحدة. وتلقيت تقريرا موجزا من البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة حول المداولات التحضيرية للجمعية العامة، تفيد بأن البعثة التركية في نيويورك لم يكن لديها أي تعليمات بشأن الموقف من المشاركة المصرية حتى الآن، لكننا قررنا متابعة التطورات عن قرب وبحذر، حتى يصل الوفد التركي المشارك في الاجتماعات بالكامل.
وخلال حفل الاستقبال التقليدي الذي يستضيفه الرئيس الأميركي لرؤساء الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتحى أوباما بي جانباً وتجاوز صف الاستقبال الطويل، وأبلغني بأنه يتفهم عدم ارتياح المصريين لحكم مرسي، لكنه في ضوء الإطاحة برئيس منتخب من منصبه، فإنه بوصفه رئيساً للولايات المتحدة ملزم بتعليق أو على الأقل تأجيل تسليم بعض المعدات والمساعدات العسكرية لمصر، حتى تتقدم مصر نحو الحكم الديمقراطي. وقال إنه سيعلن هذا الموقف في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي. فأبلغته باعتراضي الشديد على الإجراءات الأميركية المقترحة وعلى المكان الذي سيتم إعلانها فيه، مضيفاً أن احتياجات الأمن القومي ذات طبيعة استراتيجية، وإذا لم نضمن استدامتها أميركياً، فإن مصر ستلجأ إلى مصادر أخرى للحصول عليها، وإنني لن أتردد في الإعلان عن ذلك أمام الإعلام فور إلقائه خطابه إذا تضمن هذه الإشارة.
ولم تكن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد 30 يونيو 2013 عدائية، لكنها كانت هشّة وتحتاج إلى معالجة حساسة طوال المرحلة الانتقالية. وكثّفتُ الاتصالات مع دول الاتحاد الأوروبي، سواء المتفقة أو المختلفة معنا، لأنها كانت حريصة على سماع وجهة نظرنا، خصوصاً فرنسا وإسبانيا وبريطانيا واليونان وإيطاليا وألمانيا. وتلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. فبعد أحداث 30 يونيو 2013 مباشرةً وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي. وقد اتصل بي الأمير سعود الفيصل قبل حديثه مع الفرنسيين، وأعربت له عن ارتياحي الكامل للمنهج الذي اقترحه، ولجهوده المنفردة التي لم تكن تستدعي مشاركتي فيها، وهو جهد مشكور سمح لي بالتركيز على دول أخرى.
وبعد الاتصال السعودي، زارت الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، مصر عدة مرات بعد ثورة يونيو، وكنا مختلفين في وجهات النظر، لكنها سرعان ما أدركت عدم جدوى مواصلة السعي وراء اتفاق بين السلطات المصرية وجماعة «الإخوان»، بعدما اتضح لها أن مرسي ما زال مصرّاً على العودة إلى الرئاسة وغير مستعد للوصول إلى حل وسط.
تدريجياً، استقرت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من استمرار بعض التحفظات والتوترات العارضة، عندما حاول بعض أعضاء الاتحاد التراجع عن قرار المجلس الأوروبي إرسال وفد لمراقبة الانتخابات، ما دفعني إلى التحدث بحدة مع أشتون منوهاً إلى أن الاتحاد يتحدث كثيراً عن ضرورة بناء نظام ديمقراطي والآن يرفض المشاركة في البناء المجتمعي والمؤسسي الحقيقي. ويُحسب لها أنها تفهمت الموقف وتمسكت بمشاركة المراقبين على الرغم من ضغوط بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، خصوصاً من دول الشمال.
كان المقرر أن تستغرق المرحلة الانتقالية في مصر بعد الإطاحة بمرسي 12 شهراً، وبعد إقرار الدستور في يناير 2014، تفجرت أعمال عنف جديدة، فقرر الرئيس عدلي منصور إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية على خلاف ما تضمنته خريطة الطريق الأصلية. وترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية وحصل على 96.91% من أصوات الناخبين الصحيحة، وأدى اليمين الدستورية لتولي منصب الرئيس في 8 يونيو 2014.
وبعد انتخاب السيسي، ظللت على اتصال مستمر معه، لمناقشة عدد من مواضيع السياسة الخارجية الملحة، وأبرزها عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقي وإعادة مركزة مصر إقليمياً ودولياً. وقد استغرق تشكيل الحكومة الجديدة وقتاً أطول من المتوقع، وتمت إضافة منصب وزير الخارجية إلى التغيير الوزاري في المرحلة الأخيرة من المداولات، وعلمت بخروجي من التشكيل من الإعلام الإلكتروني. وعلى الرغم من أن الخبر لم يكن متوقعاً فإنه كان مريحاً لي، إذ كنت سعيداً بما أنجزته في ظروف صعبة للغاية.

- كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»
كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.