كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

قال في مؤلفه إن تحرك الرياض منع أي عقوبات أوروبية على القاهرة بعد «ثورة 30 يونيو»

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
TT

كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين

وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو
وزيرا الخارجية نبيل فهمي والدفاع عبد الفتاح السيسي خلال رحلة إلى موسكو

في الحلقة الثانية من كتابه «في قلب الأحداث»، يروي وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي مقدمات «ثورة 25 يناير»، بعدما ملّ الرئيس حسني مبارك من مهام الحكم فصار يراقب بينما أمور البلاد متروكة في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما راكم قضايا سياسية واجتماعية نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
ويروي فهمي، من موقع الشاهد والمشارك في «لجنة الحكماء»، وقائع ما بعد سقوط مبارك، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» إدارة البلاد، على الرغم من قلة حيلة أعضائه في السياسة باعتبار خلفياتهم عسكرية.
ويسرد فهمي سلسلة الأخطاء الكيدية التي وقع فيها الإخواني محمد مرسي بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية، والتي حفّزت المعارضة ووحّدتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
بين سقوط مرسي ووصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، كانت فترة انتقالية حافلة بالتطورات، شغل فيها نبيل فهمي منصب وزير الخارجية في حكومة حازم الببلاوي، وشهدت احتجاجات عنيفة لأنصار «الإخوان» وفض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة».
ويعرض فهمي الجهود المتعبة التي بذلها للحؤول دون تفاعل التطورات الداخلية في الخارج، وكان مطلوباً أن يتحرك على كل المستويات، من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. حينها تلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي.

أصبح مبارك خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه لا ينتبه إلى أي دعوات للتغيير السياسي، وعلى رأسها تداول السلطة. كما أصبح يشعر بالملل من أعباء ممارسة مهام الحكم، فكان كمن يملك ولا يحكم، يراقب سير الأمور في البلاد مع ترك توجيه السياسات في يد الحزب الوطني والمقربين منه، ما خلق وضعاً استمرت فيه كل القضايا السياسية والاجتماعية معلقة، نتيجة النظام السياسي الراكد فاقد التوجه.
وفي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، الذي يوافق الاحتفال بعيد الشرطة، تظاهر الآلاف في القاهرة وعدد من المحافظات تحت شعار «لا للطوارئ... لا للتعذيب». وسقط عدد من المتظاهرين قتلى في محافظة السويس، لتنطلق الدعوة إلى «جمعة الغضب» يوم 28 يناير، احتجاجاً على سياسات الأمن والدولة بشكل عام، خصوصاً بعد إطاحة «ثورة الياسمين» في تونس بحكم الرئيس زين العابدين بن علي قبل أسابيع قليلة.
ورفعت مظاهرات «جمعة الغضب» شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». وبعد الأحداث الخطيرة في ذلك اليوم، اجتمعت في 29 يناير 2012 مجموعة من الشخصيات العامة المستقلة، أغلبهم من المهنيين ومجتمع رجال الأعمال غير المرتبطين بأي أحزاب، لمناقشة التطورات الجارية. وفي المساء، في حديث مع الصديق نبيل العربي، وزير الخارجية وأمين الجامعة العربية فيما بعد، أبلغته باستعدادي للانضمام إلى هذه المجموعة، فأصبحت العضو رقم 12 فيها. ثم زاد عدد أعضائها فيما بعد وأطلق عليها الإعلام اسم «لجنة الحكماء»، لتضم أيضاً: إبراهيم المعلم وأحمد كمال أبو المجد ويحيى الجمل ونبيل العربي وعمرو موسى وميرفت التلاوي ونجيب ساويرس وعمرو الشوبكي ووحيد عبد المجيد وعمار الشريعي ومحمد العدل وخالد يوسف وآخرين.
وفي 5 فبراير (شباط)، فوضت اللجنة كلاَّ من نبيل العربي وأحمد كمال أبو المجد، المحامي والسياسي البارز، لمقابلة نائب الرئيس عمر سليمان وتسليمه مقترحات حل الأزمة. وحسب رواية العربي وأبو المجد، فإن سليمان استمع إليهما باهتمام، لكنه قال إنه لن يقدم للرئيس اقتراح تخليه عن السلطة، ووعد بدراسة الأفكار المقترحة بشأن الإصلاحات من دون توضيح لماذا لا تتم الموافقة على هذه الإجراءات فوراً. كما التقى أبو المجد والعربي بعد ذلك رئيس الوزراء أحمد شفيق الذي لم يقل شيئاً مختلفاً. بعدها بأسبوع، حاول مبارك احتواء الموقف، وتعهد بإجراء الإصلاحات التي قدمتها لجنة الحكماء من قبل، من دون الإشارة إلى هذه اللجنة. لكن عرضه جاء متأخراً، بعدما تحول الزخم السياسي لصالح المتظاهرين الذين أصبحوا أشد إصراراً على ضرورة رحيله. وفي 11 فبراير، أعلن نائب رئيس الجمهورية عمر سليمان في بيان متلفز قرار مبارك التنحي عن الحكم، وتكليف «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» بإدارة شؤون البلاد، لتشتعل الاحتفالات في كل أنحاء مصر.
أعادت «ثورة 25 يناير» مصر إلى قلب العالم واهتمامه كمحرك إقليمي، بعد استعادة الدولة ريادتها الفكرية والتحديثية في منطقة الشرق الأوسط. واعتبر ميدان التحرير مثلاً حيّاً للرغبة في المشاركة الشعبية بعد سنوات طويلة من الحكومات المركزية.
ووجد المجلس العسكري نفسه مشرفاً ومسؤولاً عن هذه العملية بالغة التعقيد والسيولة، وسط تعدد الأطراف وتنافرها في الساحة. ولم يكن أعضاؤه مرتاحين لحقيقة أن خبراتهم هي في المجال العسكري بعيداً عن السياسة، وهم لم يخفوا ذلك. وبسبب اهتمامي الطويل بقضايا الأمن القومي والحد من التسلح، وخدمتي سفيراً لمصر في الولايات المتحدة، فقد سبق أن عمل الكثير من أعضاء هذا المجلس تحت رئاستي في مختلف الوفود أو السفارات المصرية، وظلوا أصدقاء شخصيين لي بعد ذلك. وخلال الأشهر القليلة الأولى من 2011 بعد 25 يناير، كان أصدقائي من أعضاء المجلس العسكري يزورونني في شقتي في «غاردن سيتي» بانتظام لمناقشة الموقف، وطلب المشورة حول كيفية المضي قدماً بالعملية الانتقالية. وكان الكثير من مقترحاتي ضد قناعاتهم، لكن المناقشات بيننا ظلت دائماً ودية وصريحة وبناءة.
فضّل المجلس العسكري إنجاز العملية الانتخابية بسرعة، على أمل أن تعود الدولة إلى وضعها الطبيعي. ولم يكن أصدقائي من أعضاء المجلس مطمئنين لهذا المسار، غير أنهم شددوا على أن الجيش مدرب على حماية الأمن القومي للبلاد، وليس على إعادة بناء النظام السياسي والتحاور والجدل السياسي المصاحب لتلك العملية، ومن ثم فأولوية المجلس هي ضمان الأمن والاستقرار.
وبعد إقرار الدستور عام 2012، أُجريت انتخابات الرئاسة وفاز بها مرشح «الإخوان» محمد مرسي، الذي تولى السلطة في 30 يونيو 2012، وأصبح عليه أن يمثل جماعة «الإخوان المسلمين» التي ينتمي إليها وإلى ناخبيها، وكذلك باقي أطياف المجتمع المصري غير السعداء بانتخابه، وهو ما لم يحدث. إذ دخل وجماعته في صدام مع أغلب مؤسسات وقوى المجتمع بدءاً من القوات المسلحة التي تحظى باحترام الشعب ودعمه، حيث سارع مرسي إلى استدعاء رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة ليطالبه بإطلاعه على موازنة الجيش وموارده المالية بالتفصيل، وهي خطوة ليست مرفوضة من حيث المبدأ، وإنما توقيتها المبكر للغاية كان رسالة واضحة بأن الهدف منها هو قصّ أجنحة الجيش وتحجيمه.
وفي الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول)، ارتكب مرسي خطأ آخر، عندما دعا عدداً من الإسلاميين المتطرفين، وبعضهم ممن أُدينوا في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في يوم الذكرى ذاتها قبل نحو ثلاثة عقود.
القادة العسكريون عدّوا ذلك، حسبما قالوا لي لاحقاً، إساءةً مباشرةً ومقصودةً للمؤسسة العسكرية. وشعر الرأي العام أيضاً بالصدمة والغضب من تصرف حكومة «الإخوان»، بوصفه إشارة إلى اعتزام الجماعة إعادة كتابة تاريخ مصر وإضفاء الشرعية على أعمال عنف الإسلاميين المتطرفين.
وبعد أيام معدودة من الاحتفال، فتح مرسي جبهة أخرى بإقالة النائب العام من دون الرجوع إلى الهيئات القضائية المعنية، التي كانت تشكّ في نيات الرئيس تجاه مؤسسة القضاء ككل. وأثار ذلك موجة غضب قوية وعلنية من جانب القضاة، ومنهم الذين كانوا مقربين من الجماعة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أصدر الرئيس إعلاناً دستورياً ليمنح نفسه صلاحيات مطلقة، ما مثّل انتهاكاً كاملاً ليس فقط للدستور القائم في البلاد بل لكل الدساتير التي عرفتها مصر قبلاً.
مع تصاعد الاحتجاجات ضد الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، شكّلت مجموعة من الليبراليين واليساريين والنشطاء «جبهة الإنقاذ الوطني»، بوصفها تحالفاً غير رسمي يستهدف ضمان وجود التمثيل المدني في المشهد السياسي والتعبير عنه.
حفزّت أخطاء مرسي السياسية المعارضة ووحدّتها ضده، ما عَجَّلَ بسقوط حكمه، مع رفض وجود جماعة «الإخوان» ككل، ليجمع غالبية الشعب والمؤسسات خوفاً من المخاطر التي تهدد هوية مصر بوصفها دولة غير آيديولوجية وطنية للجميع.
وكما هو الحال في كل الجيوش، فإن لدى الجيش المصري خطط طوارئ للتدخل في الظروف غير التقليدية، للتعامل مع التهديدات الخارجية، وكذلك لفرض النظام بشكل مؤقت، في حال أصبح الوضع الداخلي خطراً على أمن الدولة واستقرارها. وتحرك الجيش بشكل حاسم وفرض سيطرته على الأماكن الاستراتيجية في مختلف أنحاء البلاد قبل مظاهرات 30 يونيو 2013.
وفي يوم 3 يوليو (تموز) 2013، وفي بث مباشر على شاشات التلفزيون، وبحضور كبار قادة القوات المسلحة وعدد من الشخصيات البارزة مثل: محمد البرادعي الذي كان يمثل الشباب الثوري، وشيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الأرثوذكسية، وقادة «حركة تمرد»، و«حزب النور» السلفي، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، عزل محمد مرسي استجابةً للمظاهرات الشعبية الحاشدة، وتعليق العمل بالدستور ووضع خريطة طريق للمرحلة الانتقالية، وتعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيساً مؤقتاً للبلاد.
وفور صدور بيان 3 يوليو، انطلقت احتجاجات عنيفة من جانب أعضاء جماعة «الإخوان» وأنصارها في مناطق كثيرة من البلاد، واعتصموا في ميداني رابعة العدوية في القاهرة والنهضة قبالة جامعة القاهرة في الجيزة.
وبدأت الأوقات العصيبة لمصر وللرئيس. وأُجريت مشاورات كثيرة لتشكيل الحكومة مع الكثير من الشخصيات السياسية التي حضرت إعلان خريطة الطريق، لعبت فيها المؤسسة العسكرية دوراً كبيراً، وكذلك محمد البرادعي. وعكست مشاورات تشكيل أول حكومة لمصر بعد أحداث 30 يونيو مدى تعقّد المشهد السياسي في مصر، التي تسعى لتقديم نفسها للعالم بوصفها دولة وسطية مدنية ذات تراث ثري وتقاليد دينية راسخة.
وبعد اتصال مبدئيّ من آخرين، اتصل بي البرادعي وسألني مباشرة عن استعدادي لقبول منصب وزير الخارجية إذا عرضه علي رئيس الوزراء المكلف حازم الببلاوي، وقلت للبرادعي إنه وعلى الرغم من ميلي الشخصي لعدم تولي المنصب، إذا اتصل بي رئيس الوزراء المكلف فسألتقي معه وسأستمع إليه بعقل مفتوح. وهو ما رحب به، منوهاً إلى أن «كلينا رفض المشاركة في الحكومة في الماضي، والآن يبدو أننا سننضم إليها معاً».
وفي 14 يوليو 2013، تلقيت اتصالاً من الببلاوي لعقد لقاء معه، لكي تتم دعوتي رسمياً للانضمام إلى الحكومة الجديدة وزيراً للخارجية. كانت نبرة رئيس الوزراء المكلّف ودّية للغاية. وعرضت عليه رؤيتي للسياسة الخارجية في المرحلة المقبلة، وبعدما انتهيت من ذلك شكرني الببلاوي، وطلب مني إعلان موافقتي على تولي وزارة الخارجية أمام وسائل الإعلام، التي كانت تنتظر بفارغ الصبر خارج غرفة الاجتماع.
وفي 16 يوليو، وكان أول أيام شهر رمضان المبارك، أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عدلي منصور وكان أغلبها من التكنوقراط، وضمت 3 نواب لرئيس الوزراء هم: عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، وحسام عيسى وزير التعليم العالي، وزياد بهاء الدين وزير التعاون الدولي. وتم تعييني وزيراً للخارجية. وأعلن رئيس الوزراء أنه عرض مناصب وزارية على أعضاء من جماعة «الإخوان» لكنهم رفضوا.
وترأس الرئيس منصور الاجتماع الأول للحكومة، الذي امتد حتى موعد مدفع الإفطار. وكانت التحديات واضحة والحاجة إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة بسرعة ضاغطة، وكان على الحكومة العمل في بيئة متوترة ومتقلبة، وتحمّل مسؤولية تاريخية تحت ضغوط هائلة، وحشد الدعم الشعبي للاستقرار، مع عدم تجاهل أحلام التغيير، وفرض القانون والنظام في مواجهة العنف المستمر من جانب أنصار جماعة «الإخوان» والانتهازيين في مختلف أنحاء البلاد، بالإضافة إلى التعامل مع الضغوط الدولية.
وكما كان الحال مع كل وزراء حكومة الببلاوي، بدأنا عملنا في بيئة أمنية شديدة الاضطراب. ولم تكن لوزير الخارجية مسؤولية مباشرة في التعامل مع هذا الموقف، لكننا بذلنا جميعاً قصارى جهدنا من أجل دعم جهود استعادة الأمن والاستقرار، التي تولت الجزء الأكبر منها وزارتا الدفاع والداخلية إلى جانب أجهزة المخابرات.
مع بداية حكومة الببلاوي، قاد البرادعي محاولات الوصول إلى حل للصراع الداخلي، سعياً للتهدئة أو لتحقيق المصالحة في بادئ الأمر، قبل أن تقع أعمال عنف بين أنصار «الإخوان» وقوات الأمن في مناطق كثيرة من البلاد. وبمرور الوقت، أصبح الاختيار الوجودي في مصر هو بين السماح بعودة مرسي وحكم جماعة «الإخوان» من ناحية، أو الالتزام بالتغييرات التي أُعلنت يوم 3 يوليو والتي أطاحت بمرسي و«الإخوان» من الحكم من ناحية أخرى. وتدريجياً، بات واضحاً أن جهود الوساطة داخلياً، أو من خلال الوساطة الأجنبية، لن تصل إلى نتيجة.
وبعد أيام قليلة من اجتماع الحكومة، أبلغ رئيس الوزراء حازم الببلاوي ووزير الداخلية محمد إبراهيم قرار فض الاعتصامات إلى مجلس الأمن القومي، الذي يضم إلى جانب الرئيس عدلي منصور، نائب الرئيس محمد البرادعي، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، ورئيس أركان الجيش صدقي صبحي، ومديري المخابرات العامة والحربية، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية. وقد استمعنا وناقشنا خطط فض اعتصامي رابعة والنهضة، وإعادة الحياة إلى طبيعتها في الميدانين. وفي 14 أغسطس (آب) 2013، بدأت القوى الأمنية وفي مقدمتها قوات الشرطة فض الاعتصامين، وأعلنت المصادر الحكومية وقوع تبادل كثيف لإطلاق النار بين المعتصمين المسلحين حول ميداني رابعة والنهضة وقوات الشرطة، وأسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى من القوات الأمنية وفي صفوف «الإخوان» وأنصارهم، إلى جانب مقتل عدد من المارة.
وبوصفي وزيراً للخارجية، قررت القيام بعدة خطوات لمواجهة تداعيات الموقف خارجياً، وكانت الخطوة الأولى ضمان استناد آرائي وأرقامي في مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي إلى معلومات دقيقة، حتى لو أدى الأمر إلى التحرك بصورة أبطأ نسبياً، وذلك لكي يثق العالم بالتصريحات المصرية. وأوصيت بعد ذلك بضرورة تشكيل لجنة مستقلة، برئاسة القاضي فؤاد رياض، للتحقيق في الأحداث التي تلت إعلان الإطاحة بحكم مرسي، بما في ذلك فض اعتصامي رابعة والنهضة. وحظي هذا الاقتراح بموافقة مجلس الوزراء بالفعل. وما زالت رواية لجنة التحقيق المستقلة هي الأشمل والأكثر موضوعية بشأن الأحداث حتى اليوم.
وكان هدفي الثاني بعد هذه الأحداث، والذي لم يكن أقل أهمية من الهدف الأول، هو منع تدويل هذه القضية أو حتى طرحها للنقاش في إطار دولي أو متعدد الأطراف. وفي صيف 2013، أبلغني مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك بوجود تحركات لعقد جلسة لمجلس الأمن لبحث الموقف في مصر. وعندما سألت وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عن هذا، ذكر أن فرنسا هي المبادرة في ذلك، في حين أصرَّ وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس على أن الولايات المتحدة وبريطانيا هما من تقفان وراء هذه التحركات. وبدلاً من إضاعة الوقت في البحث عن الطرف الذي يقف خلف التحركات، تشاورت على الفور مع روسيا والصين لكي أتأكد من أنهما ستعارضان هذه الإجراءات.
وكانت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2013 المكان الأنسب لإطلاق مرحلة جديدة من التحرك الدبلوماسي المصري، في ظل المشاركة رفيعة المستوى من مختلف دول العالم، بحيث ننتقل من الموقع الدفاعي إلى الحالة الهجومية أو الاستباقية للدبلوماسية المصرية، وإعطاء إشارة قوية بأن مصر استعادت دورها النشط على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتمت مناقشة فكرة مشاركة الرئيس منصور في هذه الدورة، لكننا انتهينا إلى ترك رئاسة الوفد إلى وزير الخارجية للتصدي لأي مناورات محتملة.
ولدى وصولي إلى نيويورك لرئاسة وفد مصر في اجتماعات الأمم المتحدة يوم 21 سبتمبر 2013، كانت هناك بعض المظاهرات المعارضة وأخرى مؤيدة لنظام الحكم الجديد أمام مقر الأمم المتحدة. وتلقيت تقريرا موجزا من البعثة المصرية الدائمة لدى الأمم المتحدة حول المداولات التحضيرية للجمعية العامة، تفيد بأن البعثة التركية في نيويورك لم يكن لديها أي تعليمات بشأن الموقف من المشاركة المصرية حتى الآن، لكننا قررنا متابعة التطورات عن قرب وبحذر، حتى يصل الوفد التركي المشارك في الاجتماعات بالكامل.
وخلال حفل الاستقبال التقليدي الذي يستضيفه الرئيس الأميركي لرؤساء الوفود المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتحى أوباما بي جانباً وتجاوز صف الاستقبال الطويل، وأبلغني بأنه يتفهم عدم ارتياح المصريين لحكم مرسي، لكنه في ضوء الإطاحة برئيس منتخب من منصبه، فإنه بوصفه رئيساً للولايات المتحدة ملزم بتعليق أو على الأقل تأجيل تسليم بعض المعدات والمساعدات العسكرية لمصر، حتى تتقدم مصر نحو الحكم الديمقراطي. وقال إنه سيعلن هذا الموقف في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي. فأبلغته باعتراضي الشديد على الإجراءات الأميركية المقترحة وعلى المكان الذي سيتم إعلانها فيه، مضيفاً أن احتياجات الأمن القومي ذات طبيعة استراتيجية، وإذا لم نضمن استدامتها أميركياً، فإن مصر ستلجأ إلى مصادر أخرى للحصول عليها، وإنني لن أتردد في الإعلان عن ذلك أمام الإعلام فور إلقائه خطابه إذا تضمن هذه الإشارة.
ولم تكن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد 30 يونيو 2013 عدائية، لكنها كانت هشّة وتحتاج إلى معالجة حساسة طوال المرحلة الانتقالية. وكثّفتُ الاتصالات مع دول الاتحاد الأوروبي، سواء المتفقة أو المختلفة معنا، لأنها كانت حريصة على سماع وجهة نظرنا، خصوصاً فرنسا وإسبانيا وبريطانيا واليونان وإيطاليا وألمانيا. وتلقت مصر مساعدة مهمة من السعودية فيما يتعلق بعلاقتها مع فرنسا. فبعد أحداث 30 يونيو 2013 مباشرةً وبتعليمات من الملك عبد الله بن عبد العزيز، اتصل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بالقيادة الفرنسية، ليؤكد الدعم السعودي الكامل للنظام الجديد في مصر، ورفض الرياض القاطع لأي ضغوط من الاتحاد الأوروبي. وقد اتصل بي الأمير سعود الفيصل قبل حديثه مع الفرنسيين، وأعربت له عن ارتياحي الكامل للمنهج الذي اقترحه، ولجهوده المنفردة التي لم تكن تستدعي مشاركتي فيها، وهو جهد مشكور سمح لي بالتركيز على دول أخرى.
وبعد الاتصال السعودي، زارت الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، مصر عدة مرات بعد ثورة يونيو، وكنا مختلفين في وجهات النظر، لكنها سرعان ما أدركت عدم جدوى مواصلة السعي وراء اتفاق بين السلطات المصرية وجماعة «الإخوان»، بعدما اتضح لها أن مرسي ما زال مصرّاً على العودة إلى الرئاسة وغير مستعد للوصول إلى حل وسط.
تدريجياً، استقرت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من استمرار بعض التحفظات والتوترات العارضة، عندما حاول بعض أعضاء الاتحاد التراجع عن قرار المجلس الأوروبي إرسال وفد لمراقبة الانتخابات، ما دفعني إلى التحدث بحدة مع أشتون منوهاً إلى أن الاتحاد يتحدث كثيراً عن ضرورة بناء نظام ديمقراطي والآن يرفض المشاركة في البناء المجتمعي والمؤسسي الحقيقي. ويُحسب لها أنها تفهمت الموقف وتمسكت بمشاركة المراقبين على الرغم من ضغوط بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، خصوصاً من دول الشمال.
كان المقرر أن تستغرق المرحلة الانتقالية في مصر بعد الإطاحة بمرسي 12 شهراً، وبعد إقرار الدستور في يناير 2014، تفجرت أعمال عنف جديدة، فقرر الرئيس عدلي منصور إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتخابات البرلمانية على خلاف ما تضمنته خريطة الطريق الأصلية. وترشح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية وحصل على 96.91% من أصوات الناخبين الصحيحة، وأدى اليمين الدستورية لتولي منصب الرئيس في 8 يونيو 2014.
وبعد انتخاب السيسي، ظللت على اتصال مستمر معه، لمناقشة عدد من مواضيع السياسة الخارجية الملحة، وأبرزها عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقي وإعادة مركزة مصر إقليمياً ودولياً. وقد استغرق تشكيل الحكومة الجديدة وقتاً أطول من المتوقع، وتمت إضافة منصب وزير الخارجية إلى التغيير الوزاري في المرحلة الأخيرة من المداولات، وعلمت بخروجي من التشكيل من الإعلام الإلكتروني. وعلى الرغم من أن الخبر لم يكن متوقعاً فإنه كان مريحاً لي، إذ كنت سعيداً بما أنجزته في ظروف صعبة للغاية.

- كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»
كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.