فضل الاستشراق على العرب

إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


مقالات ذات صلة

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

«ساق تُحدِّق» لجمال العتابي... البحث عن معنى

ضمن إصداراته المتواصلة، صدرت حديثاً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، مجموعة قصصية جديدة، للكاتب العراقي جمال العتابي، بعنوان «ساق تُحدِّق»

فاضل النشمي (بغداد)
يوميات الشرق امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء.

شوقي بزيع

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».