كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين

فهمي: قضية السد الإثيوبي أصبحت تدريجياً محل اهتمام شعبي مما زاد من حساسيتها السياسية

المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
TT

كتاب «في قلب الأحداث» لوزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (الحلقة الأخيرة): النيل و«النهضة»... الأمن القومي المصري بين شاطئين

المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان
المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية نبيل فهمي خلال زيارته للسودان

في الحلقة الثالثة والأخيرة من كتابه «في قلب الأحداث»، يتناول وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، حكاية العلاقة بين مصر والنيل التؤامين منذ القدم بعدما طرأ عليها «سد النهضة الإثيوبي الكبير»، الذي هدّد حقوق مصر التاريخية واحتياجاتها الوجودية لمياه هذا النهر.
أصبح سد النهضة واقعاً منذ عام 2010. فيما كان اهتمام الرئيس حسني مبارك بأفريقيا تراجع بشدة في سنوات حكمه الأخيرة. كما أن الأوضاع التي مرت بها البلاد بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 أدت إلى تشتيت الانتباه عن هذا الملف.
ويؤكد فهمي أن التعاون مع دول حوض النيل، بشأن تقاسم مياه النهر، كان على رأس أولويات السياسة الخارجية لمصر خلال العام الذي قضاه وزيراً للخارجية.
يقول فهمي إن قضية السد صارت محل اهتمام شعبي متنام لدى المصريين، مما زاد من حساسيتها السياسية. وكان التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن كل عناصر مشروع سد النهضة، أولوية قصوى تحتاج إلى التفكير فيها بشكل فوري. لكنه يشير إلى أن السودان كان أقرب إلى إثيوبيا من مصر لأن السد يفيده في تجنيبه خطر فيضانات النيل عنده.
وبموازاة قضية السد، يستعرض فهمي مشكلة ثانية مع أفريقيا وتمثلت بتعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي. ويتحدث عن الجهود التي بذلها لحل هذه المشكلة، مشيراً إلى أن ذكريات فترة التحرر الوطني ما زالت توفر أساساً قوياً لإقامة علاقات جيدة بين القاهرة والعواصم الأفريقية.
كان التعاون مع دول حوض النيل، بشأن تقاسم مياه النهر، على رأس أولويات السياسة الخارجية لمصر خلال العام الذي قضيته وزيراً للخارجية. وكانت علاقات مصر بدول حوض النيل لها أولوية أكبر، وأعطى الرئيس المؤقت عدلي منصور وفريق الأمن القومي المصري اهتماماً كبيراً لزيادة التركيز على الشؤون الإقليمية.
على مدى قرون، كانت مصر تعيش على نحو 4 في المائة فقط من مساحتها الشاسعة، على ضفاف وادي ودلتا نهر النيل. مصر هبة النيل لأنه مصدر نحو 97 في المائة من احتياجاتها المائية، لذلك وقعت على العديد من الاتفاقات الدولية التي تنظم حقوقها في مياه النيل مثل اتفاقي 1929 و1959.
بمرور السنوات، استقلت الدول الأفريقية عن الاحتلال الأوروبي، وشهدت تغييرات ديموغرافية كبيرة، مع تزايد عدد السكان وارتفاع الأصوات المطالبة بتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو ما يعني تزايد الحاجة إلى المياه. خلقت هذه التغيرات تحديات صعبة بشأن كيفية المواءمة بين الاحتياجات التنموية لدول منابع النيل واحترام حقوق مصر التاريخية واحتياجاتها الوجودية لمياه النيل.

لذلك أصبح تفكير دول حوض النيل في إقامة مشاريع مياه على النهر من دون التشاور مع دول الحوض الأخرى مشكلة متكررة. وكانت المشكلة الأكبر مع إثيوبيا، التي ينبع منها النيل الأزرق الذي يمثل مصدرا لنحو 80 في المائة من مياه النيل. وأدت الحساسيات التاريخية وغياب الفكر التعاوني الاستراتيجي عن دول حوض النيل إلى إهدار فرص عديدة للوصول إلى حلول تحترم الحقوق التاريخية لدول المصب والاحتياجات التنموية لدول المنبع.
وفي مايو (أيار) 2010، أعلنت أديس أبابا عزمها بناء «سد النهضة الإثيوبي الكبير» على النيل الأزرق بطاقة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب وبارتفاع 155 متراً وطول يبلغ نحو كيلومترين. وهذه السعة التخزينية هي خمسة أمثال السعة الأصلية التي أعلنتها إثيوبيا عند الكشف عن مشروع السد للمرة الأولى قبل عشر سنوات. ويمثل هذا المشروع مشكلة كبيرة، وبخاصة بالنسبة لمصر التي تعاني بالفعل من الندرة المائية، وليس لديها مصادر كبرى أخرى للمياه.
كان اهتمام الرئيس مبارك بأفريقيا تراجع بشدة في سنوات حكمه الأخيرة. كما أن الأوضاع التي مرت بها البلاد بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 أدت إلى تشتيت الانتباه عن هذا الملف. وتدهورت الأوضاع بصورة أشد عام 2012 عندما عقد الرئيس السابق محمد مرسي مؤتمراً بمشاركة العديد من الأطياف السياسية في البلاد لمناقشة أزمة السد الإثيوبي. كان المؤتمر مذاعاً على الهواء مباشرة، وتحدث بعض المشاركين بطريقة عنصرية كارثية عن إثيوبيا، مثل اقتراح قصفها بالطائرات أو إثارة الفوضى فيها أو حتى الحديث بطريقة عنصرية عن الشعب الإثيوبي. وأثار هذا الاجتماع بالفعل غضباً قوياً في إثيوبيا وبقية دول شرقي أفريقيا. وشعرتُ بخجل شديد من هذه الإساءات واعتذرت بصفتي مواطناً مصرياً لعدد من الأصدقاء الأفارقة مع أني لم أكن في الحكومة أو مشاركاً في المؤتمر.
في ذلك الوقت، أمر وزير الخارجية محمد كامل عمرو السفارات المصرية في مختلف دول أفريقيا بإطلاق حملة علاقات عامة، وإجراء اتصالات مكثفة لاحتواء الموقف. كما أرسل مبعوثين شخصيين إلى دول شرقي أفريقيا بشكل خاص وحاول التوصل إلى اتفاق ثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان بعد سلسلة من الاجتماعات الفنية والسياسية، لكن لم يتم التوصل إلى شيء. فلم تكن إثيوبيا تثق في مصر، وفي الوقت نفسه ترى أن لديها فرصة قوية للمضي قدماً في تنفيذ مشروعها القومي الطموح من دون خوف شديد من رد الفعل المصري غير المدعوم أفريقياً والمشتت داخلياً.
كانت الاحتياجات الاستراتيجية لمصر من المياه وتداعيات استمرار بناء السد الإثيوبي، موضوعاً لعدد كبير من اجتماعات الأمن القومي المصري على المستويات الفنية والسياسية بمجرد تشكيل الحكومة المصرية الجديدة بعد الإطاحة بحكومة «الإخوان» في يوليو (تموز) 2013. وفي حين كانت مصر تحتاج إلى إعادة النظر في سياساتها المائية لوقف إهدار المياه، فإنه لم يكن هناك أي شك في أنها ستظل تعتمد بشكل كبير على نهر النيل، ولذلك فإن أي نقص أو اضطراب في تدفق مياه النهر، حتى لو بشكل مؤقت، سيلحق بها أضراراً فادحة. كما كانت هناك مخاوف فنية وبيئية تتعلق بتصميم السد الذي قد يؤثر على جودة المياه وخصائص الطمي في النهر.
تدريجياً، أصبحت قضية السد محل اهتمام شعبي متنام لدى المصريين، مما زاد من حساسيتها السياسية. وكان التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن كل عناصر مشروع سد النهضة، سواءً بالنسبة إلى حجم السد أو طاقته التخزينية أو تأثيراته البيئية أو اعتبارات الأمان والسلامة الإنشائية أو مدة التخزين، أولوية قصوى تحتاج إلى التفكير فيها بشكل فوري.
وكنت أثير موضوع سد النهضة في أغلب لقاءاتي مع نظيري السوداني علي كيرتي، الذي كان يحاول تهدئة مخاوفي بأن السودان سيحاول تضييق الفجوة بين مصر وإثيوبيا، وهو قال: «لا أتوقع أبداً أن يختار السودان حدوث أزمة بين مصر وأي دولة أخرى»، فقلت إنها لم تكن مصادفة أنني اخترت الخرطوم لتكون أول وجهة خارجية لي بعد تولي الوزارة.
مع ذلك، أدركت أن السودان يميل إلى إثيوبيا بدرجة كبيرة، فيما يتعلق بمشروع سد النهضة. فالسودان لا يعاني كثيراً من نقص المياه، لكنه يواجه مشكلات متكررة من الفيضانات، وبناء سد النهضة لن يؤثر عليه، بل سيحل مشكلة الفيضانات لديه. وهذا في تقديري سبب الموقف السوداني تجاه المشروع، وهو الموقف الذي كان بدأ قبل ذلك بسنوات واستمر خلال حكم جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، رغم وجود التيار الإسلامي أيضاً في حكم السودان.
المشكلة وحلولها كانت ثلاثية: مصر تريد المزيد من المياه؛ والسودان يحتاج إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه؛ وإثيوبيا تحتاج إلى المزيد من التنمية. ولم تكن الأطراف الثلاثة مستعدة لتحمل استمرار الأوضاع الاقتصادية والمائية والتنموية القائمة، والتي كانت منعدمة الكفاءة وتنطوي على عمليات هدر واسعة، ولم يكن إصلاح أخطاء الماضي كافياً. ففي هذا السياق واجهنا موقفاً: إما تحقيق المصلحة للجميع أو إلحاق الضرر بالجميع. وهذا لن يتوقف على جانبين فقط، وإنما يحتاج إلى مفاوضات فورية وشاقة وتفصيلية والوصول إلى اتفاق جماعي. في الوقت نفسه، فإن الخطابات التهديدية الحماسية من أي طرف تجاه الأطراف الأخرى أو المبالغة في تقدير احتياجات أي طرف لن يحقق الغرض المنشود. كما أن خلق انطباعات كاذبة بشأن الاتفاقات أو الترويج لتحقيق تقدم مهم لم يتحقق هو خطأ كبير أيضاً، فمثل هذه التحركات الخطأ ستضعف مواقف المعتدلين في مواجهة المتشددين لدى الأطراف الثلاثة. ومع أنّ من الصعب دائماً محاولة تحقيق نجاح ثلاثي، فإن هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع مفاوضات سد النهضة الثلاثية.
كررت الإشارة إلى هذه النقاط خلال مناقشاتي العديدة مع نظيري الإثيوبي تيدروس أدهانوم ومع علي كيرتي. وأوضحت لهما أن مصر على عكس السودان وإثيوبيا ليس لديها أي مصدر آخر كبير للمياه غير النيل، لذلك فمياه النيل قضية أمن قومي بالنسبة لنا، ولا توجد لدينا مساحة كبيرة للحركة عند التعامل معها. وأوضحت أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من حقوقنا التاريخية في مياه النيل، تماماً كما تحتاج إثيوبيا إلى المزيد من التنمية والسودان إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه. وأكدت حرص مصر على الوصول إلى حل يرضي كل الأطراف ويحقق مصالحها، مع استعدادها لتوفير الموارد المالية لكل من السودان وإثيوبيا لتحقيق أهدافهما إذا ما تم تحقيق مصالح مصر والاستجابة لمخاوفها. كما أوضحت أنني لا أتحرك مدفوعاً بالمشاعر العامة ولا ضغوط السياسات الداخلية، لكنني أيضاً أكدت أنني شخصياً سأضغط من أجل منع أي دعم دولي لمشاريع المياه في إثيوبيا والسودان على النيل إذا لم نصل إلى توافق بشأن كيفية التعامل مع المواضيع المتعلقة بمشروع سد النهضة.
وهذا بالضبط ما فعلته في ضوء خطورة الموضوع. وعرضت الموقف المصري تجاه استمرار البناء في سد النهضة، خلال أي لقاء عقدته مع الأطراف الدولية المؤثرة، بما في ذلك البنك الدولي وبعض الدول العربية، وطالبت هذه الأطراف بعدم تمويل المشروع أو مشاريع ترتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق بشأنه. وأوضحت ذلك لنظيري الإثيوبي وأكدت أنني سأواصل التحرك لمنع أي تمويل دولي عن المشروع حتى نتوصل إلى اتفاق. وقد أغضب هذا الإثيوبيين وإن كانوا احترموا كثيراً عدم تأثري بضغوط السياسيين والشعبويين المعنيين باسترضاء الرأي العام.
في 9 يونيو (حزيران) 2014. استقبل الرئيس السيسي المنتخب حديثاً الوزير الإثيوبي تيدروس أدهانوم. وقبل ذلك بيوم واحد، ألقى السيسي خطاباً في حفل تنصيبه تحدث فيه عن مستقبل مصر بما في ذلك سياستها الخارجية، مشدداً على الحاجة إلى التعاون مع الدول الأفريقية بما في ملف النيل. وهنأ أدهانوم الرئيس السيسي بانتخابه، ثم أشاد برؤيته بشأن ملف حوض النيل التي عكسها خطابه. ثم أشار أدهانوم ناحيتي وشكرني لأنني لم أشارك في الجدل الساخن والتصريحات الحماسية بشأن سد النهضة، قبل أن يقول إنه يشكو من نجاحي في تعليق الدعم الدولي لمشروع بناء السد طوال العام الماضي، وضحكت أنا والرئيس. واعترفت بالفعل بأنني فعلت ذلك، لكنني أعربت عن أملي في المشاركة بحملة لجمع التمويل لصالح السد الإثيوبي بما في ذلك توفير دعم مالي من مصر له، شريطة أن يكون هناك اتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن تفاصيل المشروع، بما يضمن الحفاظ على الحقوق المصرية. واستمرت ابتسامة الرئيس السيسي قبل أن يقول مخاطباً الوزير الإثيوبي: «كما ترى نحن متعاونون ونريد العمل معاً». ودعا أدهانوم الرئيس السيسي إلى زيارة إثيوبيا وإلقاء خطاب أمام البرلمان هناك، وهي الدعوة التي قبلها السيسي، مع التأكيد على الحاجة إلى حل مشكلة السد.
قادة مصر وإثيوبيا والسودان وقّعوا فيما بعد على إعلان مبادئ في مارس (آذار) 2015. في العاصمة السودانية، لكن لم يحدث أي تقدم ملموس خلال السنوات الثلاث التالية، من المفاوضات الفنية والتي كانت تتعلق بشكل أساسي بآليات تشغيل السد وإدارة تدفق المياه منه. ورغم الإشارات إلى حسن النوايا التي كانت وراء إعلان المبادئ، فإنه لم يكن ملزماً وفتح الباب أمام التفسيرات المتضاربة وسوء الفهم، كما شهدنا بعد ذلك. والأهم، أنه أعطى انطباعاً للمجتمع الدولي بأن هناك تقدماً تحقق على صعيد المفاوضات بين الدول الثلاث، مما فتح الباب أمام وصول التمويل الدولي للمشروع. والحقيقة أنّ هناك عدداً محدوداً للغاية من القضايا الوجودية، التي لا يجب التعامل معها بلغة غامضة ولا بافتراض حسن نوايا الأطراف الأخرى. ومن هذه القضايا الحرب والسلام وضمان الحد الأدنى من الموارد الطبيعية، على رأسها المياه.
ومع الأولوية القصوى لملف مياه نهر النيل والعلاقات بدول حوض النهر، كانت العلاقات مع دول القارة الأفريقية ككل على رأس أولوياتي كوزير للخارجية، بعدما تم تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز) 2013 بعد الإطاحة بالرئيس مرسي.
وفور تسلمي منصب وزير الخارجية، أجريت سلسلة اتصالات هاتفية مع وزراء الخارجية في مختلف دول القارة وأمانة الاتحاد الأفريقي، بهدف إعادة تفعيل عضوية مصر في الاتحاد ووضع سياستنا الخارجية على المسار الصحيح. ولتحقيق هذا الهدف، وضعت خطة عمل وقمت بزيارات مكثفة لدول شرق وغرب ووسط وشمال أفريقيا، وكنت أبدأ دائماً بالحديث عن التنمية ومستقبل القارة، ثم أتجه للحديث عن عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقي. وكانت محادثاتي مع دول شرق أفريقيا تتضمن أيضاً موضوع حصة مصر السنوية من مياه النيل وعزم إثيوبيا بناء سد ضخم جديد على النيل.
ولوحظ فوراً أن أغلب المسؤولين الأفارقة، الذين التقيتهم، أعربوا عن تقديرهم بأنني أتحدث عن المستقبل وليس عن الماضي. وأتذكر لقائي مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في حديقة منزله الريفي. بدأ موسيفيني المقابلة الممتدة بحديث الذكريات عن علاقاته بقادة مصر السابقين، ثم سألني بشكل مفاجئ، عما إذا كنت أود الحديث عن قضايا المياه، ولماذا لم يصحبني وزير الري كما جرت العادة؟، وقد ابتسم بود عندما قلت له إن وزيري الإسكان إبراهيم محلب والزراعة أيمن أبو حديد حضرا معي ويجتمعان الآن مع رئيس وزراء بلاده، وإنني أود التحدث معه حول التعاون التنموي المشترك، وأدى هذا إلى ذوبان الجليد.
وعند زيارتي السنغال عام 2014، رتبت الحكومة السنغالية كل الاجتماعات المناسبة لي، بما في ذلك اجتماع مع رئيس البرلمان ورئيس الدولة. ورغم أن السلطات السنغالية علقت الأعلام المصرية في عدد من الشوارع الرئيسية كما جرت العادة عند استقبال مسؤولين بارزين، فإن الاجتماعات بدأت في أول الأمر شكلية وتقليدية، حيث تحدث المضيفون السنغاليون باحترام، لكن بطريقة رسمية عن العلاقات التاريخية بين البلدين، قبل الانتقال إلى طرح الأسئلة عن تطورات الأوضاع في مصر.
بعد ذلك اتسم لقائي مع رئيس البرلمان السنغالي مصطفى نياسي بالدفء عندما علم أنني ابن إسماعيل فهمي؛ حيث كان مساعداً شاباً لمسؤولين سنغاليين كبار في السبعينات، وزار القاهرة في ذلك الوقت والتقى والدي في منزلنا. وعندما التقيت مع الرئيس السنغالي ماكي سال، بدأ الحديث بالذكريات أيضاً قبل أن يسألني بشكل عارض عن الدول الأفريقية التي زرتها في طريقي إلى السنغال، وعن الدول التي سأزورها في طريق عودتي إلى القاهرة. وفوجئ الرئيس السنغالي عندما قلت له إنني آتٍ من القاهرة إلى داكار وأعود منها إلى القاهرة مباشرة، وإنني أريد أن تكون السنغال هي نقطة بداية إعادة تواصل مصر مع دول غرب أفريقيا. وأصبح اللقاء مع الرئيس سال أكثر تفاعلاً ومرحاً وحماسة عندما قلت له إن رجل الأعمال المصري سميح ساويرس يعتزم إقامة مشروع سياحي جديد في السنغال.
وبالمثل جاء لقائي مع الرئيس التنزاني جاكايا كيكويتي ووزير الخارجية برنارد ميمبي دافئاً بشكل استثنائي، وفوجئا عندما قلت لهما إن القطاع الخاص المصري مهتم بالاستثمار في بلدهما، وزادت المفاجأة عندما قلت لهما إن هناك رجال أعمال مصريين يرافقونني بالفعل في هذه الزيارة.
وكان القاسم المشترك بين لقاءاتي مع رؤساء أوغندا وتنزانيا والسنغال، أنّ كلهم أنهوا اللقاء بالسؤال عما إذا كنت سأعود إلى زيارة بلادهم مرة أخرى، وأعربوا عن أملهم في ألا تكون هي الزيارة الأولى والأخيرة كما كان يحدث مع المسؤولين المصريين من قبل. والحقيقة أنني بصفتي وزيراً للخارجية كنت أركز باستمرار على قارة أفريقيا، وزرت دول القارة أكثر من أي منطقة أخرى في العالم.
ومن المواضيع التي شكلت أولوية خلال المحادثات الأفريقية، كان رفع تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي. فقد أرسل الاتحاد لجنة رفيعة المستوى إلى مصر في أعقاب الإطاحة بمرسي، برئاسة الرئيس المالي الأسبق ألفا عمر كوناري، وحث الوفد الأفريقي السلطات المصرية على تطبيق خريطة الطريق التي أعلنت يوم 3 يوليو (تموز) 2013 وتشكيل السلطات التنفيذية والتشريعية، من أجل استئناف عضوية مصر في الاتحاد. وبات واضحاً أن جنوب أفريقيا تلعب دوراً مهماً في تعطيل العدول عن هذا القرار، وتردّد أن التيار السياسي الإسلامي كان له نفوذ قوي هناك.
وخلال رحلاتي إلى الدول الأفريقية، لمست أن أغلب القادة الأفارقة يشعرون بالمأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه بتعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وهم أكدوا أن هذا التعليق خسارة للاتحاد بقدر ما هو خسارة لمصر، واتفقوا على أن هذا الموقف يحتاج إلى المعالجة السريعة، في الوقت نفسه كانوا يشعرون بضرورة الالتزام بقرار الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية أي دولة أفريقية تطيح برئيس منتخب. وأكد عدد كبير من القادة الأفارقة أنهم سيلعبون دوراً نشطاً لرفع تعليق عضوية مصر، مع المطالبة بضرورة تطبيق خطة المرحلة الانتقالية، وخصوصاً إجراء الانتخابات الرئاسية.
وقبيل تولي إبراهيم محلب رئاسة الوزراء، كنت أشارك في احتفالات نيجيريا بذكرى مرور مائة عام على تأسيسها، واستقبلني الرئيس النيجيري جودلك جوناثان في جناحه بالفندق. وفي البداية شكرني على الحضور للمشاركة في الاحتفالات، كما شكرني بطريقة مرحة لحضوري لمقابلته في الواحدة صباحاً، وأكد أن بلاده ستلعب دوراً نشطاً من أجل إلغاء تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي بمجرد انتهاء الانتخابات الرئاسية.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، أكد لي الرئيسان الأوغندي يوري موسيفيني والجزائري عبد العزيز بوتفليقة في مناسبات أخرى ضرورة إنهاء التجميد بمجرد انتخاب رئيس لمصر. وكان بوتفليقة بصورة خاصة قوياً للغاية في الحديث عن هذا الموضوع خلال زيارتي للجزائر في يناير (كانون الثاني) 2014؛ حيث أصدر تعليماته لوزير خارجيته رمطان العمامرة، خلال اللقاء، بضرورة العدول عن القرار السابق في مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي. وكان كل شيء معدّاً لعودة مصر إلى الاتحاد، لذلك جهزت مسودة الخطاب الذي سيلقيه الرئيس السيسي بعد انتخابه خلال القمة الأفريقية التي كانت ستعقد بعد انتخابات الرئاسة المصرية مباشرة. وفي 17 يونيو (حزيران) 2014 وبعد يومين من تركي الوزارة، تم إلغاء تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وزار الرئيس السيسي الجزائر، كما كنت اقترحت عليه في طريق عودته من مؤتمر قمة الاتحاد التي استضافتها مدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية؛ لكي يعبر عن تقدير مصر لموقف الرئيس بوتفليقة.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- كتاب «في قلب الأحداث» (1 ـ 3): بحث الأميركيون عن خليفة لمبارك يضمن «المصالح» و{الاستقرار»
- كتاب «في قلب الأحداث» (2 ـ 3): فهمي: مصر هدأت عقوداً ثم صحت على ثورتين


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.