خيارات مطورة لمواجهة التحديات المناخية في السعودية

أبحاث «كاوست» للتكيّف مع آثار التغيّر المناخي في البيئات الصحراوية

تسعى الأبحاث التي تجريها «كاوست» لتقديم حلول علمية لقضايا التغيّر المناخي ضمن «رؤية 2030»
تسعى الأبحاث التي تجريها «كاوست» لتقديم حلول علمية لقضايا التغيّر المناخي ضمن «رؤية 2030»
TT

خيارات مطورة لمواجهة التحديات المناخية في السعودية

تسعى الأبحاث التي تجريها «كاوست» لتقديم حلول علمية لقضايا التغيّر المناخي ضمن «رؤية 2030»
تسعى الأبحاث التي تجريها «كاوست» لتقديم حلول علمية لقضايا التغيّر المناخي ضمن «رؤية 2030»

وضع زعماء العالم قضية التغيّر المناخي بقوة ضمن الأجندة العالمية، إبان انعقاد قمة مجموعة العشرين في الرياض عام 2020. وأكدت توصيات القمة ضرورة التصدي لقضايا الأمن الغذائي، والأمن المائي، وأهمية الدمج بين تخفيف حدة الآثار المترتبة على التغيّر المناخي والتكيّف معه، وكذلك التوصل إلى حلول تعتمد على الطبيعة ومناهج مستقاة من النظم البيئية من جهة أخرى.
مبادرات السعودية
وتزامناً مع عقد الجولة الأخيرة في محادثات التغير المناخي برعاية الأمم المتحدة في دورتها السادسة والعشرين باسكوتلندا هذا العام، أكدت السعودية اهتمامها ضمن رؤيتها 2030 بقضايا البيئة، والطاقة النظيفة، والتغير المناخي. كما رحبت الأمم المتحدة بمبادرتي «السعودية الخضراء»، و«الشرق الأوسط الأخضر» التي أعلنهما ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، باعتبارهما خطوة كبيرة لحماية البيئة ومواجهة تحديات التغيُّر المناخي.
ويراقب العلماء من شتى بقاع العالم التغيرات في مناخ الأرض في كل منطقة وعلى مستوى النظام المناخي بأكمله، ومن ضمن ذلك المنطقة العربية التي تواجه تحديات بيئية كبيرة مثل أخطار التصحر والعواصف الساحلية وجودة الماء والهواء والحفاظ على التنوع الأحيائي.
وفي المملكة العربية السعودية التي تتصف ببيئة صحراوية ذات مناخ قاحل في الأغلب، ويحدها البحر الأحمر من جهة الغرب، تشير التوقعات المناخية إلى أن المستقبل سوف يشهد مزيداً من الارتفاع في درجات حرارة البحار واليابسة، والإجهاد المائي، والتصحّر. وباعتبارها كانت البلد المضيف لقمة مجموعة العشرين، أدمجت المملكة العربية السعودية أولويات مجموعة العشرين ضمن «رؤية 2030» الطموحة للبلاد. كما تسهم هذه الأولويات في توجيه تركيز الأبحاث التي تجريها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، والتي تسعى لتقديم حلول علمية لقضايا التغيّر المناخي. وحيث إن التحديات المناخية التي تواجه المملكة ليست قاصرة عليها وحدها، فسوف تدعم هذه الأبحاث جهود التكيّف التي تبذلها بلدان أخرى ذات مناخ حارّ وجاف.
الطاقة والمياه
يتسبب تغير المناخ والارتفاع الحاد في الطلب على المياه النقية في تفاقم العجز العالمي في المياه التي يحتاج إليها البشر. ومن شأن عمليات تحلية الماء أن تسهم في تخفيف الفجوة في إمدادات المياه. وبوصف المملكة العربية السعودية بلداً صحراوياً قاحلاً، فهي توفّر بالفعل نحو 90 في المائة من إمداداتها المائية عن طريق المياه الجوفية أو من محطات تحلية المياه. ولكن على الرغم من أن عمليات التحلية تعد أحد حلول التكيّف مع مشكلة تغير المناخ، فإنها تُعد أيضاً جزءاً من المشكلة في الوقت نفسه.
يقول البروفسور يوهانس فرووينفيلدير، مدير مركز تحلية وإعادة استخدام المياه في «كاوست»: «يمكن لعمليات التحلية أن تفي باحتياجات السكان من الماء، ولكنها تسهم أيضاً في ازدياد تعداد السكان والتحضر في المناطق الساحلية، إضافة إلى أنها تتطلب كميات مهولة من الطاقة. ويسعى مركز تحلية وإعادة استخدام المياه إلى خفض استهلاك الطاقة وخلق موارد مفيدة من النفايات»، مشيراً إلى أن المركز يتعاون مع كبرى الجهات الفاعلة في قطاع المياه بالسعودية، مثل شركات «أكوا باور» و«المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة»، و«شركة المياه الوطنية»؛ لتحقيق الاستفادة القصوى من أثر الأبحاث التي يقومون بها. وتعتمد أكثر عمليات تحلية المياه شيوعاً على تقنية التناضح العكسي في تنقية مياه البحر من خلال استخدام غشاء شبه نفّاذ. والتناضح العكسي هي طريقة متَّبعة لتنقية المياه بمرورها بعدد من المراحل يفصل بعدها الماء عن الأملاح والمعادن الأخرى.
ويعلّق فرووينفيلدير قائلاً: «يجب الحفاظ على نظافة الغشاء لكي نضمن تدفق المياه عبر النظام، ولكن في الوقت ذاته، يجب أن تستهلك عملية التنظيف أدنى قدر من الطاقة والمواد الكيميائية؛ حتى تتحقق غاية الاستدامة. كما سيتسبب الارتفاع المتزايد في درجات حرارة مياه البحر في إفساد تلك الأغشية، ما سيزيد من استهلاك الطاقة والمواد الكيميائية المستخدمة في عمليات التحلية». ويضيف قائلاً: «نحن بصدد تطوير أساليب فعّالة تمكننا من إعادة استخدام مادة التنظيف لتقليل تسرب المواد الكيميائية». وهذا يؤدى إلى زيادة قدرة عملية التحلية على التعامل مع تغير المناخ، كما يقلل من آثارها السلبية على تغير المناخ.
الزراعة في المستقبل
يقول الدكتور سايمون كراتينجر، عالم النبات بمركز الزراعة الصحراوية في «كاوست»: «تؤثر ندرة المياه أيضاً على الزراعة في السعودية وفي منطقة الخليج بصفة عامة. وبحلول عام 2040، ستصبح ست من دول الخليج السبع ضمن أكثر 10 دول تعاني من الإجهاد المائي في العالم».
ويُعد الأمن المائي أحد التحديات العديدة التي يفرضها تغير المناخ على إنتاج الغذاء. ويقول كراتينجر: «بالرغم من توافر الأبحاث التي درست باستفاضة بعض التهديدات، مثل موجات الجفاف، والفيضانات، والعواصف الشديدة، فإننا نشهد أخيراً تنامي الوعي بتحديات غير مباشرة أكثر». فعلى سبيل المثال، نلاحظ انتقال النطاق الجغرافي لأمراض النباتات إلى مناطق جديدة، أصبحت الآن أكثر دفئاً، ولكنها بطبيعتها غير مؤهلة للتعامل مع مثل هذه الأمراض. ويوضح كراتينجر قائلاً: «إن برامج تحسين النوع النباتي لم تكن في الماضي بحاجة إلى أن تضع في حسبانها آليات مقاومة هذه الأمراض». ويعمل الفريق البحثي الذي يرأسه كراتينجر على تحسين فهم مقاومة محاصيل القمح والشعير للأمراض، على المستويين الجيني والجزيئي، بهدف مساعدة منتجي هذه المحاصيل في الاستجابة سريعاً لمسببات الأمراض الجديدة حال ظهورها.
كما يستخدم كراتينجر وفريقه خبراتهم الوراثية والجزيئية في تحقيق تنوّع أكبر في خيارات المحاصيل في المستقبل.
وتفتقر الزراعة الحديثة إلى التنوّع افتقاراً شديداً؛ حيث تمثل ثلاثة محاصيل فقط - هي الأرز والقمح والذرة - ما يزيد على 50 في المائة من السعرات الحرارية التي يستهلكها الإنسان على مستوى العالم، وذلك على الرغم من توفر أكثر من 30 ألف نوع قابل للأكل. لذا يسعى الفريق إلى تدجين محاصيل جديدة تماماً تكون أكثر قدرة على التكيّف مع أجواء المناخ المستقبلية، إلى جانب تحقيق استفادة أكبر بتكلفة أقل من خلال زيادة إنتاجية المحاصيل باستخدام موارد أقل.
ويمكن أن تثمر الأساليب الحالية عن الإسراع في عملية التدجين. يقول كراتينجر: «إن علم الجينوم، والتحرير الجيني، والأدوات الجزيئية، تتيح الآن تدجين النباتات البرية خلال فترة تترواح بين 10 و15 عاماً. سنبدأ بالنباتات البرية التي تتمتع بقدرة كبيرة على التكيّف مع البيئات الحارّة والجافة والمالحة، وندجنها؛ لتكون قادرة على إنتاج أنواع جديدة من المحاصيل التي يمكن زراعتها بآلية مستدامة في البيئات القاسية». وتبشّر نتائج التجارب التي يجريها الفريق البحثي حالياً على حبوب دخن «الفونيو» المغذية بنجاح استزراعها في البلدان الصحراوية الجافة.
الشعاب المرجانية
يتيح الموقع الذي تشغله «كاوست» على ساحل البحر الأحمر الفرصة لدراسة آليات التكيّف في النظم البيئية البحرية، مثل المانجروف، والأعشاب البحرية، والشعاب المرجانية. فعلى سبيل المثال، يُعرَف المانجروف بقدرته على تخزين الكربون، ما يساعد في التخفيف من حدة التغيّر المناخي، في الوقت الذي يشكل فيه حاجزاً طبيعياً أمام ارتفاع منسوب البحار والعواصف الساحلية، محققاً الحماية للمناطق الحضرية.
كما تؤدي النباتات البحرية دوراً حيوياً في حماية الحيوانات البحرية من الإجهاد الحراري، فعمليات البناء الضوئي التي تقوم بها داخل مياه البحر التي ترتفع درجة حرارتها بمرور الوقت تساعد في تلبية الحاجة المتزايدة للكائنات الساحلية إلى الأكسجين. ويُعد ابيضاض الشعاب المرجانية إحدى الظواهر المهمة المترتبة على تغير المناخ، وهي عملية تنجم عن التعرض للمياه الدافئة لفترات طويلة وارتفاع مستويات المغذيات. وقد تمكن مؤخراً فريق من الباحثين التابعين لـ«كاوست» من دحض الافتراضات السائدة حول الأسس الفسيولوجية التي يعتمد عليها الهولوبيونت المرجاني أثناء حدث الابيضاض، وهو ما سلط الضوء على الحاجة إلى مراقبة كل من حالة المرجان الغذائية وجودة المياه؛ للتعرّف على الشعاب الأكثر عرضة للإصابة بالابيضاض.
ويُقصد بالهولوبيونت أي تجمع لكائن مضيف والكثير من الأنواع الأخرى التي تعيش فيه أو حوله، تشكلوا معاً وحدة بيئية منفصلة.
كما يُبرز هذا الجهد اتجاهاً بحثياً جديداً تتبناه «كاوست»، وهو استخدام المعززات الحيوية (بروبيوتك) الطبيعية في التعامل مع الشعاب المرجانية المعرضة للإجهاد الحراري، التي تدرسها الدكتورة راكيل بيكسوتو - اختصاصية علوم البحار في مركز أبحاث البحر الأحمر - وهو ما من شأنه تعزيز مقاومة الشعاب المرجانية للإجهاد.
وتُعد عملية استعادة الشعاب خياراً جديداً في إطار جهود إصلاح الشعاب المرجانية، ولكنَّ التكاليف مرتفعة والاعتبارات اللوجيستية ضخمة. ويعكف فريق بيكسوتو على دراسة ما إذا كان استخدام المعززات الحيوية للمرجان يمكن أن يساعد في تسريع نموه ومقاومته للظروف غير المواتية وتعزيز جهود استعادة الشعاب المرجانية، أم لا. وإضافة إلى ذلك، يقترح العالم الباحث الدكتور سباستيان شميدت - روخ تبني نهج للسياحة البيئية يشجّع المجتمعات المحلية على الاضطلاع بالبستنة المرجانية في المواقع الساحلية الرئيسية، وذلك بهدف خفض تكلفة المشروع وبناء جبهة مجتمعية داعمة.
تقول بيكسوتو: «على الرغم مما يميّز البحر الأحمر من ارتفاع قدرته على الصمود في وجه ظروف الإجهاد بصفة عامة، فإن هذه الشعاب تتعرض أيضاً للتهديد؛ جراء الآثار المحلية والعالمية التي تتسارع وتيرتها يوماً بعد يوم؛ نتيجة لتزايد النشاط البشري. وعلينا التزام أخلاقي بالإسراع في دراسة وفهم السمات المميزة التي يتحلى بها البحر الأحمر لمقاومة التغيّر المناخي؛ حتى نتمكن من دعم مساعي التكيّف لتلك الأنظمة البيئية الفريدة والحفاظ عليها، وإنشاء معارف يمكن ترجمتها في صورة أدوات لإعادة التأهيل، تُستخدم في العالم أجمع».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية
TT

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة، إلا أن الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن يتحدث مع غريس ويد عن ثلاثة اتجاهات يجب الحذر منها، ويشير إلى أسبابها.

في عام 1893، قتل راعي البقر كلارك ستانلي أفاعي الجرس في معرض شيكاغو العالمي، ثم قام بغليها وبيع الدهون المستخلصة منها كمنشط لعلاج العديد من المشاكل الصحية، ما أدى إلى ظهور قصة «زيت الأفعى» الشهيرة. قد تبدو هذه الحيلة أقل إقناعاً اليوم، ومع ذلك، أصبح التمييز بين الدجل والطب أكثر صعوبة؛ إذ تتنافس الإرشادات الصحية الآن مع قطاع صناعة منتجات الصحة والعافية غير المحددة المعالم، التي تعززها إذاعات المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي.

رحلة لفهم عالم الصحة

في كتابه «اجعلني بصحة جيدة: رحلة لفهم عالم العافية المُربك» Make Me Well: A quest to understand the confusing world of wellness، يُحقق الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن Xand van Tulleken في هذه الصناعة غير الخاضعة للتنظيم القانوني إلى حد كبير. ويُوضح الأشياء التي تُحافظ على صحة الناس، والأشياء التي لا تُحافظ عليها.

• غريس ويد: ما «العافية» تحديداً؟

- زاند فان توليكن: تُعنى العافية بكيفية شعورنا: تحسين الأداء، وتحسين وظائف الجسم، وربما تقليل خطر الإصابة بالأمراض. لكن ممارسات تأمين العافية لا تقع في إطار الرعاية الصحية.

• إن قطاع صناع منتجات العافية الحديثة يحاول جاهداً طمس الحدود بين الصحة والعافية. ولكن ما الفرق؟

-الفرق أن العافية تعدُّ بمثابة تحسين الصحة. وقد دفعني تعمد هذا القطاع طمس الحدود بين الصحة والعافية، والالتباس الحاصل، لكتابة «اجعلني بصحة جيدة».عادةً ما تنطوي جوانب الصحة على مشكلة مُحددة وقابلة للقياس، بينما تُعنى الرعاية الصحية بالوقاية من حالات مُعينة أو علاجها. أما العافية فتركز على أهداف يصعب قياسها: الشعور بتحسن، وتحسين الأداء، وتحسين المظهر.

باستثناء الادعاءات الخاضعة لرقابة صارمة - مثل قدرة فيتامين سي على تقليل التعب - لا يُمكن لقطاع صناعات العافية الادعاء بأن المنتجات تُعالج مشاكل طبية. مع ذلك، لا تمنع قواعد الإعلان المؤثرين من تقديم آرائهم على أنها نصائح.

وبينما يحمي قطاع الرعاية الصحية «الحد الأدنى»، محافظاً على صحة الناس ضمن النطاق الطبيعي، يروج قطاع الصحة والعافية لـ«الحد الأقصى»، داعياً إياهم إلى تخيل أفضل نسخة من أنفسهم.

• هل توجد منتجات صحية تُحسّن الصحة؟

- بالتأكيد. لقد فحصتُ المكملات الغذائية، والأجهزة القابلة للارتداء، والاختبارات التجارية. تُشبه هذه المنتجات الأدوية، ولكن بالنسبة لمعظمها، تختفي الأدلة الداعمة عند التدقيق. وهذه المنتجات ليست مُصممة لعلاج الأمراض أو تشخيصها، ولا تتطلب عموماً أي دليل على فاعليتها أو سلامتها؛ لأن الشركات المصنعة تتجنب الادعاء بأنها تُقدم أي فائدة طبية.

والمشكلة أنه لا يزال بإمكان الشركات الإيحاء بفوائد صحية عبر قنوات أقل خضوعاً للتدقيق: فقد لا تحمل العبوة أي ادعاء، بينما يُمكن لمقدم بودكاست أن يُعلن عنه.

• هل هناك أي ضرر من تجربة هذه المنتجات، كالفيتامينات مثلاً؟

- نعم، الفيتامينات ضرورية، لكن الأصحاء عادةً لا يحتاجون إلى مكملات غذائية. وقد شكل قبول فكرة أن المكملات الغذائية لا تُفيد الأصحاء تحدياً لمعتقداتي الشخصية (بصفتي طبيباً).

كان الأطباء يعتقدون سابقاً أن المكملات الغذائية آمنة، وأن السيطرة على فائض العناصر الغذائية أمرٌ سهل. إلا أن تجارب سريرية واسعة النطاق أُجريت في العقد الثاني من الألفية الثانية أظهرت أن الفيتامينات المتعددة لا تُقلل الوفيات الناجمة عن الأمراض الخطيرة، بينما زادت بعض مكملات مضادات الأكسدة معدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 4 و16 في المائة، وذلك بحسب نوعها وجرعتها.

قد تُسهم مكملات مضادات الأكسدة في حماية الخلايا السرطانية من التلف. يبقى سبب عدم تسبب الفواكه والخضراوات في نفس المخاطر غير واضح؛ إذ يبدو أن الجسم يُعالج العناصر الغذائية في الأطعمة الكاملة بطريقة مختلفة.

لا تزال الفيتامينات علاجات قيّمة لحالات النقص المُشخّصة، بما في ذلك نقص فيتامين بي في مرض البري بري beriberi ونقص فيتامين دي في الكساح.

يُعدّ الاشتباه في نقص أي عنصر غذائي من اختصاص الرعاية الصحية. فالطبيب لا يُعالج نقص الحديد فحسب، على سبيل المثال، بل يبحث أيضاً عن أسباب أخرى مثل أمراض الأمعاء، وفقر الدم الخبيث، وعدم انتظام الدورة الشهرية، وهي أسئلة لا يُبدي مروجو المكملات الغذائية أي دافع لطرحها.

فحوصات منزلية وتقنيات قابلة للارتداء

• ماذا عن الفحوصات المنزلية؟ يبدو أنها ستكون مفيدة، وليست ضارة للكشف عن حالات النقص والأمراض.

- تُغطي الفحوصات التجارية السرطان، وانقطاع الطمث، والهرمونات، ومستويات الفيتامينات. مع ذلك، قد لا يُسفر الفحص الشامل دون وجود دواعٍ طبية عن إنقاذ الأرواح، بل قد يُؤدي إلى تدهور صحة الأفراد.

في تجربة سريرية فنلندية واسعة النطاق لاختبارات الدم للكشف عن سرطان البروستاتا، لم يتم تأكيد سوى ثلث النتائج الإيجابية تقريباً عن طريق الخزعة. قد يُؤدي إجراء الاختبارات دون وجود دواعٍ أخرى للشك، إلى إجراء فحوصات ضارة، وتلف الأعصاب، وقلق لا داعي له.

يُجري الأطباء الاختبارات بعد تقدير احتمالية إصابة الشخص بالمرض. ويعتمد تفسير النتائج على الأعراض والتاريخ المرَضي والسياق.

لستُ ضدّ الاهتمام بالصحة العامة، إنما أرغب فقط في توفير الوقت والمال للناس، ومنحهم حرية القيام بما يهمهم.

• وماذا عن التقنيات القابلة للارتداء؟

- ساعتي الذكية معي هنا، ورغم أنني أشك في مدى فائدة هذه البيانات المتعلقة بمعدل ضربات قلبي ومستويات التوتر والنوم، فإنني لا أعتقد أنها أضرتني.

تُبسّط الأرقام التي توفرها الأجهزة القابلة للارتداء تعقيدات الحياة إلى نتيجة مطمئنة. مثلاً على دراجة التمرين، أعرف معدل ضربات قلبي ومستوى قوتي بدقة، بينما لا توفر التجارب العادية مقياساً موضوعياً مماثلاً.

قد تُشجع الأجهزة القابلة للارتداء على التركيز المفرط على البيانات، أو السعي وراء عدد الخطوات، أو الاعتماد على التمارين الرياضية. وبالنسبة لمعظم الناس فإنها ببساطة تُقدم أرقاماً، ولا يوجد دليل على أنها تُحسّن لياقة المستخدمين.

مع ذلك، أؤيد توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات الصحية الشخصية. مثل موازين الحمام؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء أن تُظهر ما إذا كان الأمر يسير في اتجاه مفيد بشكل عام.

يبدأ الخطر عندما تقوم الأجهزة الاستهلاكية بفحص الأمراض. على الرغم من أن بعض الأجهزة القابلة للارتداء مُعتمدة كأجهزة طبية، فإن الأطباء وشركات الصحة يستخدمونها بشكل مختلف تماماً. قد يكون جهاز مراقبة الغلوكوز منقذاً لحياة مرضى السكري، لكن مستخدمي تطبيقات الصحة والعافية قد يعتبرون ارتفاعات سكر الدم الطبيعية خطيرة. ولكي يتجنبوا هذه الارتفاعات فإنهم قد يندفعون للابتعاد عن الفاكهة والبقوليات والحبوب الكاملة، والتوجه نحو تناول المزيد من الجبن واللحوم، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

اختبرتُ إحدى خدمات التغذية الشخصية مرتين في الوقت نفسه، باستخدام جهازين لمراقبة الغلوكوز، وعينات براز متطابقة، وعينات دم من كل ذراع، وبيانات شخصية متطابقة. أظهرت الخدمة نتائج مختلفة لسكر الدم والميكروبيوم، ونصائح غذائية متضاربة، ما يشير إلى عدم موثوقية النتائج.

خرافات صحية

• إذا كانت صناعة الصحة والعافية مليئة بالخرافات، فلماذا برأيك ازداد الاهتمام بها بشكل كبير في السنوات الأخيرة؟

- يتحمل القطاع الطبي جزءاً من مسؤولية ازدياد الاهتمام بالصحة والعافية. قد يكون الوصول إلى الرعاية الصحية صعباً؛ فحتى في المملكة المتحدة، المواعيد نادرة وقصيرة بسبب قلة عدد الأطباء.

كما أن الرعاية الصحية لا تلبي احتياجات بعض الفئات، وخاصة النساء والأقليات، الذين قد يجدون صعوبة في الحصول على العلاج المناسب.

يُظهر انقطاع الطمث هذه الفجوة بوضوح: ينفق المستهلكون مليارات على المكملات الغذائية، بينما لا يحظى البحث العلمي إلا بتمويل ضئيل نسبياً.

تنفق الولايات المتحدة نحو 57 مليون دولار سنوياً على أبحاث انقطاع الطمث، وهو مبلغ أقل بكثير من المطلوب وهو 100 مليون دولار، بينما لا يُسجّل الإنفاق في المملكة المتحدة أصلاً، وهو في الواقع ضئيل جداً.

عندما تشتدّ أعراض انقطاع الطمث ويبدو العلم غير مهتم، يصبح اللجوء إلى «منتجات العافية» أمراً مفهوماً. قد تبدو الرعاية الصحية أبوية ومُقيّدة، بينما تُوفّر العافية شعوراً بالسيطرة.

كما أن الطب يُعبّر عن عدم اليقين بصدق. وهنا يُقدّم المُكمّل الغذائي وعوداً بإمكانية حدوث شيء ما؛ بينما قد يُوضّح الطبيب أن الدواء يُقدّم فقط تقليلاً محدوداً للمخاطر المُستقبلية وله آثار جانبية.

• ما نصيحتك لمن يرغبون في تحسين صحتهم؟

- استشر مُختصّي الرعاية الصحية قبل شراء مُنتجات العافية. احرص على حضور الفحوصات المُوصى بها، واعرف ضغط دمك، وتناول الخضراوات؛ فهذه الأساسيات البسيطة تُحسّن الصحة.

يجب أن تتجاوز مُنتجات الصحة. يُمكن أن يأتي الشعور بالرضا من المجتمع، والعائلة، والصداقة، والنمو الشخصي. أنا لست ضد منتجات العافية؛ أريد أن يوفر الناس وقتهم وأموالهم ويركزوا على ما يهم حقاً.

ابحث عن شيء تحبه - فنون قتالية، حياكة، رقص، أو صناعة فخار - وانخرط فيه بشغف. قد يكون هذا أنجع وسيلة للحفاظ على صحتك. لا بأس بممارسة التعديل الحيوي كهواية، لكن لا تتوقع أن تُطيل المنتجات، أو المكملات الغذائية، أو العلاجات الخاصة، أو برامج الخلايا الجذعية، عمرك.

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»

من حيلة فوائد «زيت الحية» إلى إذاعات المؤثرين لا تتوقع أن تُطيل المنتجات عمرك


خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين
TT

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد على مستوى الخلية لجينوم اللوزتين البشريتين.

ويأمل العلماء أن تساعد هذه الخريطة التي تصف التنظيم المعقد للمادة الوراثية داخل آلاف الخلايا في فهم الطريقة التي تتطور بها المناعة ولماذا يمكن أن تتحول بعض العمليات المناعية الطبيعية أحياناً إلى مصدر للطفرات المرتبطة بالسرطان. ونشرت الدراسة في مجلة «Science» في 23 يوليو (تموز) 2026، وأجراها فريق بحثي من كلية الطب بجامعة ييل في الولايات المتحدة بقيادة عالم المناعة ديفيد شاتز من قسم البيولوجيا المناعية بالتعاون مع عالم الوراثة سيوان (ستيفن) وانغ من قسم علم الوراثة في الكلية نفسها.

«معكرونة» داخل نواة الخلية

ورغم أن الحمض النووي في خلايا الجسم يمكن أن يصل طوله إلى نحو مترين، فإنه يجب أن يُحشر داخل نواة مجهرية؛ ولذلك لا يكون الحمض النووي مستقيماً، بل يلتف وينثني ويتشابك في بنية معقدة تشبه بحسب الباحثين «كرة ضخمة من المعكرونة». لكن هذه الفوضى الظاهرية ليست عشوائية، فطريقة طي المادة الوراثية وتنظيمها تختلف من نوع خلية إلى آخر ويمكن أن تحدد أي الجينات تعمل ومتى تعمل ومدى نشاطها.

ولفهم هذا التنظيم استخدم فريق وانغ تقنية تصوير متقدمة طورها في مختبره تُعرف باسم التصوير المتعدد لبنى النوكليوم Multiplexed Imaging of Nucleome Architectures (MINA) وتتيح التقنية تصوير الحمض النووي (دي إن إيه) DNA والحمض النووي الريبي RNA والبروتينات داخل الخلايا، وهي لا تزال في بيئتها الطبيعية داخل نسيج اللوزتين.

ويقول الباحثون إن هذه الطريقة مكّنتهم من بناء أول أطلس ثلاثي الأبعاد لجينوم اللوزتين البشري على مستوى الخلية، كما تمثل أول خريطة جينومية ثلاثية الأبعاد قائمة على التصوير لنسيج عضو بشري.

كيف تصنع الخلايا أجساماً مضادة أفضل؟ تؤدي اللوزتان دوراً مهماً في جهاز المناعة؛ إذ تستقر فيهما خلايا مناعية متخصصة تساعد الجسم على التعرف إلى مسببات الأمراض ومواجهتها.

كما ركز العلماء بشكل خاص على الخلايا البائية cells B التي تنتج الأجسام المضادة. وبعد تعرض هذه الخلايا لمحفزات مناعية يمكن أن تخضع عملية تعرف باسم فرط الطفرات الجسدية somatic hypermutation حيث تحدث تغييرات عشوائية في الجينات المسؤولة عن تصنيع الأجسام المضادة.

وقد تكون بعض هذه التغييرات مفيدة؛ لأنها تجعل الجسم المضاد أكثر قدرة على التعرف إلى العامل الممرض، ومن ثم تساعد على تكوين استجابة مناعية أقوى.

لكن السؤال الذي حير العلماء هو لماذا تحدث هذه الطفرات في مناطق معينة من الجينوم أكثر من غيرها؟

وقف الطفرات الجينية

وأظهرت الخريطة الجديدة أن المناطق التي تكون أكثر عرضة للطفرات تبدو مرتبطة بتنظيم ثلاثي الأبعاد خاص للحمض النووي حيث تنثني أجزاء منه لتشكّل حلقات تحافظ عليها بروتينات متخصصة. وعندما عطّل الباحثون بسرعة أحد البروتينات المسؤولة عن تشكيل هذه الحلقات توقفت عملية فرط الطفرات الجسدية تماماً.

وتشير النتيجة إلى أن التنظيم المكاني للحمض النووي داخل النواة ليس مجرد طريقة لترتيب المادة الوراثية، بل قد يكون جزءاً أساسياً من الآلية التي تسمح للخلايا المناعية بتطوير أجسام مضادة أكثر فاعلية. ومع ذلك اكتشف العلماء مفاجأة مهمة هي أن اختفاء الطفرات لم يؤدِّ إلى اختفاء جميع الحلقات الجينية، بل ظلت بعض التفاعلات موجودة لمدة أطول. وهذا يعني أن الحلقات وحدها لا تفسر العملية كاملة وأن هناك آليات أخرى لم تُكتشف بعد.

وقد تحمل النتائج أهمية خاصة لفهم بعض سرطانات الخلايا البائية مثل الأورام اللمفاوية؛ فعلى الرغم من أن فرط الطفرات الجسدية يستهدف عادة الجينات الخاصة بالأجسام المضادة فإنه قد يصيب أحياناً مناطق أخرى من الجينوم ما يؤدي إلى طفرات غير ضرورية وربما خطرة يمكن أن تسهم في نشوء السرطان.

ويأمل الباحثون أن يساعد الأطلس الجديد في تحديد العوامل التي تتحكم في هذه العملية وفهم ما يحدث عندما تخرج آليات الطفرات عن السيطرة.

وبالنسبة للعلماء، فإن فك لغز «المعكرونة الجينية» genetic spaghetti داخل الخلايا لا يتعلق بفهم شكل الحمض النووي فحسب بل بكشف الطريقة التي تتحكم بها هندسة الجينوم في المناعة والتعبير الجيني وتكاثر الخلايا وهو ما قد يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة في الطب والأمراض مستقبلاً.


كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
TT

كيف تنجو الدول من أزمات الغذاء بعد الكوارث الطبيعية؟

مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)
مزارعون يجمعون المياه خلال فترة جفاف في وسط إثيوبيا (تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية)

في عالم باتت فيه الفيضانات والحرائق والزلازل والأوبئة أحداثاً متكررة تهدد حياة الملايين، قد لا تقتصر الخسائر على المنازل والبنية التحتية؛ بل تمتد إلى الغذاء الذي تعتمد عليه المجتمعات للبقاء؛ فقد تدمر الفيضانات المحاصيل، ويهدد الجفاف الثروة الحيوانية، بينما تؤدي الصراعات إلى قطع طرق الإمداد وتعطيل وصول الغذاء إلى الأسواق، ما قد يحول الصدمة المفاجئة إلى أزمة غذائية واسعة. لكن دراسة دولية تقدم إجابة أكثر تفاؤلاً؛ إذ تشير إلى أن استعداد الدول وقدرتها على الصمود يمكن أن يساعدا في الحد من آثار الكوارث والحماية من تدهور الأمن الغذائي.

قدرات واستعدادات

حلل فريق دولي من الباحثين بيانات عشرات الدول جُمعت على مدى أكثر من عقد، وخلص إلى أن قدرة الدول على التعامل مع الصدمات لا تتحدد فقط بمستوى تطورها الاقتصادي، أو بعدد الكوارث التي تتعرض لها وشدتها، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بالقدرات التي تبنيها مسبقاً لمواجهة الاضطرابات.

ولاحظ الباحثون أن عدداً من الدول، خصوصاً في آسيا، تمكن من تحسين أمنه الغذائي رغم تعرضه للكوارث بدرجة أكبر من مناطق أخرى. وأظهرت النتائج أن تعدد طرق الحصول على الغذاء، إلى جانب فاعلية الحكومات ورأس المال الاجتماعي، يمكن أن يقللا من مخاطر تحول الصدمات إلى أزمات غذائية. ونُشرت الدراسة في سبتمبر (أيلول) الماضي بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم».

ويعرّف الباحثون «القدرة على الصمود» بأنها قدرة الأفراد والمجتمعات والنظم الغذائية على تحمل الاضطرابات ومواصلة أداء وظائفها رغم الصدمات والكوارث. ويقول كريستوف بينيه، كبير العلماء ومستشار السياسات الأول في «تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية» في روما والباحث الرئيسي للدراسة، إن القدرة على الصمود لا يمكن اختزالها في ثراء الدولة، موضحاً أن التحليل لم يجد علاقة مباشرة تعني أن الدول الأكثر ثراءً تكون بالضرورة أكثر قدرة على تحمل الصدمات.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «التنمية الاقتصادية تظل مهمة، خصوصاً أن تحسن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي داخل الدولة ارتبط بتحسن نتائج الأمن الغذائي، لكن الثروة وحدها لا تضمن الصمود».

وأوضح بينيه أن فاعلية الحكومات وتنويع مصادر الإمدادات الغذائية من أبرز العوامل المرتبطة بقدرة الدول على مواجهة الأزمات؛ فالمؤسسات الفعالة تساعد في تنسيق الاستجابة، والحفاظ على الخدمات الأساسية، والتحرك سريعاً عند وقوع الكارثة، والاستثمار مسبقاً في القدرات اللازمة لمواجهة المخاطر.

وفي الوقت نفسه، يقلل تنوع مصادر الغذاء من الاعتماد على مصدر أو مسار واحد؛ إذ يتيح للدول الجمع بين الإنتاج المحلي والواردات والمخزونات وقنوات الإمداد البديلة عند تعطل أحدها.

وعن الأولوية التي ينبغي للحكومات التركيز عليها، قال بينيه إن تعزيز فاعلية المؤسسات وبناء القدرات الحكومية يمثلان نقطة بداية مهمة، مع التأكيد على أن تحليل الدراسة لا يسمح بترتيب عوامل المرونة إحصائياً، والقول إن أحدها أهم بصورة قاطعة من غيره.

استراتيجيات «مرنة»

يرى وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بكلية العلوم في جامعة عين شمس، أن الدراسة تبرز أهمية الاستعداد والمرونة في الحد من تداعيات الكوارث على الأمن الغذائي، لكن لا يمكن عدّها حلاً موحداً لجميع الدول؛ إذ تختلف المخاطر والظروف البيئية والموارد المائية والزراعية والبنية التحتية والقدرات المؤسسية، ما يستدعي تصميم استراتيجيات مرنة تتناسب مع طبيعة كل منطقة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «التركيز على الاستجابة للصدمات يجب ألا يأتي على حساب الوقاية من أسباب زيادة هشاشة النظم الغذائية؛ مثل تدهور التربة، وشح المياه، وفقد التنوع الحيوي، والاعتماد المفرط على مصدر واحد للإنتاج أو الاستيراد»، مشيراً إلى أن تعزيز أمن الغذاء يتطلب الجمع بين الإنذار المبكر، وتنويع الإنتاج ومصادر الإمداد، وتحسين إدارة المياه والموارد الطبيعية، ورفع كفاءة المؤسسات، بحيث تصبح المرونة جزءاً من التخطيط طويل الأجل وليست مجرد استجابة مؤقتة بعد وقوع الكارثة.

وتدعم أبحاث حديثة أخرى هذه الرؤية بإضافة أدوات عملية للوقاية والاستجابة؛ فقد بحث فريق دولي بقيادة جامعة أكسفورد البريطانية كيفية استخدام نماذج التحسين لتوجيه الموارد قبل وقوع الكوارث، بما في ذلك التحويلات النقدية وتوزيع الموارد، بحيث يتحول الإنذار المبكر إلى إجراءات فعلية.

وفي جانب آخر، تشير أبحاث إلى أهمية مرونة سلاسل الإمداد والنقل؛ فقد خلص فريق من جامعة نانجينغ الزراعية في الصين إلى أن الاعتماد الكبير على نقل الغذاء لمسافات طويلة يمثل أحد التحديات أمام مرونة النظام الغذائي، واقترح شبكة تجمع بين التنسيق المركزي والتوزيع المحلي.

كما وجد باحثون من كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة بالولايات المتحدة، أن الاستعداد المسبق والاحتياطيات المالية وتنوع مصادر الاستجابة والمرونة وقوة العلاقات والاتصالات بين الجهات المختلفة، ارتبطت بقدرة أفضل على الاستجابة لاضطرابات الغذاء خلال المراحل الأولى من جائحة «كوفيد-19».