الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

غومبريخت يكتب عن طبيعتها وديناميتها منطلقاً من تجاربه الشخصية

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
TT

الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)

لا يسهل وصف التّجربة الشعوريّة التي يمرّ بها المرء عندما يشهد حدثاً رياضياً في ملعب كبير؛ إذ لا بدّ من الوجود مباشرة في قلب الأجواء الحماسيّة للملعب كي يمكن للإنسان الإحساس بكمّ الطاقة التي تنبع من مدرجات الجماهير وهي مزدانة بالمشجعين وهم يهتفون لفرقهم. ومع أنّ مفهوم «الحشود» عامّة - والرياضيّة خاصّة - اكتسب منذ فترة طويلة سمعة سيئة تماماً في السياسة والثّقافة، فإن الناقد الأدبي والمشجّع الرياضي وأستاذ الأدب الفخري في جامعة ستانفورد، هانز أولريش غومبريخت، معتمداً على تجاربه الشخصيّة مشاهِداً في ملاعب أميركا الجنوبية وألمانيا والولايات المتحدة، يقدّم في كتابه الأحدث: «الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحد»، مجادلة قويّة للإشادة بتجربة الحشود ومحاولة تفكيك أسرار تأثيرها الطاغي على الأفراد المنخرطين فيها، عادّاً «الاستاد الرياضيّ» نوعاً من فضاء لطقوس تجربة وجوديّة من التكثيف والتوحّد العابر للأفراد والأشبه بحالة صوفيّة جمعيّة، طارحاً بذلك زاوية رؤية مختلفة يمكن من خلالها التقاط طبيعة الديناميّات التي تحكم سلوك الجماهير.
في مقاربة هذا الرأي النقيض للاتجاه الغالب بالتعامل مع الحشود بوصفها تجمعات للغوغاء ووحشاً هائلاً بلا عقل تتلاعب به العواطف الجامحة، يدخل غومبريخت في محادثة مطوّلة مع أجيال من المفكرين الذين كانوا أكثر تشكيكاً في إمكانات الحشود ومالوا للخشية منها ومن عنفها المتفلّت الذي يسهل التلاعب به، أمثال غوستاف لوبون، وفريدريك نيتشه، وسيغموند فرويد، وخوسيه أورتيغا ذي غاسيت، وإلياس كانيتي، وسيغفريد كراكاور، وثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر. وهو في محادثته تلك يأخذ قارئه في رحلة تاريخيّة شيّقة لتفكيك التوقعات السياسية من حراكات الجماهير: من الثورة الفرنسية إلى سقوط جدار برلين، ومن موسيلليني إلى مارادونا، ومن الثّورة الروسية إلى «حزب الشاي» في بوسطن، ومن أجواء الكليّات الجامعيّة الأميركيّة إلى ميدان التحرير بالقاهرة، ومن يسوع الناصري إلى كارل ماركس.
يقرن غومبريخت مع حماسه الظاهر لخبرة «الاستاد» بكثير من الصرامة الفلسفيّة، مستكشفاً أبعاد تجربة الانخراط في الجمهور كأنّه جالس بينهم، جازماً بأنّها تجربة استثنائيّة تتيح للناس العاديين اختبار شعور الانتماء لما هو أكبر وأبعد من حدود ذواتهم الفرديّة. لكنّه مع ذلك يتجنّب اتخاذ مواقف متطرّفة، مدركاً أن مفكرين كباراً عدّوا الحشد مساحة للغوغاء وأن الطاقة التي تنتج عنها دائماً تصرف في التفاهات والعبث. وفي ذلك يقول إن المنظّرين الناقدين المعروفين أدورنو وهوركهايمر «كانا ليجدا فكرة أن الموسيقى ذات الاثنتي عشرة نغمة يمكن أن تسهم في الصراع الطبقي أقل عبثية من التفكير الجاد فلسفياً حول سلوك الجمهور في الاستاد». يعمد غومبريخت لذلك إلى بناء تاريخ بديل للحشود كمتفرجين، في جزء لا يتجزّأ وعنصر أساسي من مكونات الحدث الرياضي، من سباقات عربات سيرك ماكسيموس في روما (التي كان يشاهدها 250 ألف شخص)، والمصارعين في الكولوسيوم (70 ألف شخص)، ثم فترة الهدوء في العصور الوسطى، إلى إحياء رياضات الملاعب في القرن الثامن عشر لحظة أقلعت نزالات الملاكمة بداية من لندن (10 آلاف شخص).
يستفيد تحليل غومبريخت لديناميّات حشود «الاستاد» من أعماله الفلسفيّة السابقة في علم الجمال، حيث يتقدّم عنده الوجود الحسي للفن محلّ تفسيرات المعنى. وفي ذلك يقول: «نحن ننتمي إلى الحشد بأجسادنا، ونصبح فيه جزءاً من علاقة تشابك بأجساد أخرى» على نحو أقرب ما يكون - وفق تعبيره – إلى «الحلقات الصوفية الوجدانيّة» التي يشكلها تجمع المصلين في الكنائس والمعابد والزوايا. والمشجعون في «الاستاد» «تنشأ لديهم علاقة أفقية بعضهم مع بعض تتجاوز الوجود الذاتي الفردي إلى كائن جمعي من الاهتمام المشترك، وتتصاعد عمودياً من خلال التعبير متصاعد الوتيرة للغبطة أو التّعالي».
ذلك الشعور بالغبطة يبدو في نص غومبريخت مركزيّاً أكثر من جوانب أخرى يوظّفها في محاولة تفسيره تجربة الأفراد ضمن الحشد في «الاستاد»، وعنده أن نقطة الانطلاق تكمن في تقارب الناس بشكل مقيّد للحركة من قبل أجساد بعضهم بعضاً في كتلة موحدة كأنهم أسراب من النمل أو النحل مثلاً التي تتحرك في إطار محلي بحركة منسقة تستهدف ديمومة النشاط الجمعي مع تجنّب تصادم الأفراد (وهي عملية معقّدة يدرسها علماء الأحياء المختصون). وينغرس الأفراد داخل كتلة الحشد الواحدة في حالة من التّوتر البدني والعصبي المكبوت يضيف إليها التركيز المشترك على اللاعبين أمامهم، الذين تؤدي أعمالهم في الملعب إلى استثارة الخلايا العصبية للأفراد باتجاه مطابقة حركات اللاعبين، وبالتالي قمع الحركة، ولكن محاكاتها في أعصاب المشجعين. والنتيجة هي كميّة هائلة من الطاقة الحركية التي يتم تصريفها في العنف والهتاف، أو تساميها في حالة تكثّف وتوحد صوفي لا يمكن الوصول إليها فردياً.
هذا التحليل لطبيعة تجربة الحشد يبدو انتقائياً يغرف من جهة المفاهيم العلمية المتقدّمة - لا سيّما مجال علم الأعصاب الذي تقدّم في العقدين الأخيرين بأكثر مما تقدّم طوال تاريخ البشريّة بأجمعه - ثمّ يمزجها بتعابير مجازيّة أقرب ما تكون إلى محاولة وصف شعور ذاتي استعصت المعرفة عن شرحه. ولذلك قد يجد القارئ نفسه في النهاية يميل للموافقة على وصف غومبريخت لتجربة التشجيع الجماهيري التي عاشها شخصياً عندما يقول إن «أحداث الاستاد التي شهدتها وسط حشد من الناس هي من بين أفضل الأشياء التي تقدمها الحياة»، لكن ربّما دون أن يتمكن من القبض على نظريّة علميّة محددة وتامّة لتفسير حالة (التكثّف والتوحّد الصوفيّ) التي يتحدّث عنها. ومع ذلك، فإن النصّ يبدو كأنّه دعوة صريحة من فيلسوف في فضاء المعارف النظريّة الإنسانيّة إلى العلماء لتفسير مشاعر حقيقيّة وحالات تسام على الذات في أجواء الحشد أصبحت في أيامنا المعاصرة وبشكل متزايد مساحة تجتذب أعداداً هائلة من البشر وتخضع في أجواء الرأسماليّة المتأخرّة إلى كثير من الاعتبارات التنظيميّة والتجاريّة، وتعنى بإدارتها سلطات معولمة عابرة للسيادة المحليّة للدّول، وتكتسب أدوراً محوريّة في تشكيل الهويّات الإقليميّة والقوميّة في لاوعي الجماهير. ولعل دعوة غومبريخت تلك تكتسب أهميّة مضاعفة بعد الزلزال السياسي الذي ضرب المجتمعات الغربيّة إثر الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وأفرز تصدعات سمحت بعودة أجواء التحشيد الشعبوي إلى الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، واستفادة الاتجاهات اليمينيّة من أجواء «الاستاد» لتمرير شعارات مفعمة بمعان سياسيّة عنصريّة غالباً ضد الآخر المختلف، وأيضاً بعد وباء «كوفيد19» الذي فرض إيقاعات مستجدة على عالم الرياضة؛ ومنها المباريات «الشبح» المفتقدة الروح في ظل غياب الجماهير عن أراضي الملاعب، وكذلك تمكّن جماهير الأندية الأوروبيّة من أخذ زمام المبادرة والتصدي بشكل جماعي فاعل ومؤثر لمؤامرة خلق دوري كرة قدم «أوروبيّ» خاص للأثرياء.
وإذا كانت هذه حال المقاربة النظريّة التي يطرحها غومبريخت، فإن أمتع أجزاء كتابه تقع في مساحة الملاحظة والخبرات الشخصيّة وحكايا الملاعب التي يسوقها لشرح وجهة نظره. هناك وصف مثير لأجواء الحشد في مباريات فاصلة؛ بوروسيا دورتموند ضد ميلان (12 فبراير/ شباط 1958) عندما نجح الفريق الألماني في تحقيق التعادل في الثواني الأخيرة من اللقاء، ومباراة أستراليا ضد نيوزيلندا في مباراة الرغبي بالاستاد الأولمبي في سيدني عام 2000 التي يذكرها المشجعون كأسطورة الآن. إضافة إلى المقدّمة التي تستكشف حشود فرق الجامعات بوصفها ظاهرة فريدة من نوعها في تكوين الثقافة الأميركية.

Crouds:The stadium as a ritual of intensity
«الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحّد»
المؤلف: أولريش غومبريخت
الناشر: مطبعة
جامعة ستانفورد 2021


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).