الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

غومبريخت يكتب عن طبيعتها وديناميتها منطلقاً من تجاربه الشخصية

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
TT

الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)

لا يسهل وصف التّجربة الشعوريّة التي يمرّ بها المرء عندما يشهد حدثاً رياضياً في ملعب كبير؛ إذ لا بدّ من الوجود مباشرة في قلب الأجواء الحماسيّة للملعب كي يمكن للإنسان الإحساس بكمّ الطاقة التي تنبع من مدرجات الجماهير وهي مزدانة بالمشجعين وهم يهتفون لفرقهم. ومع أنّ مفهوم «الحشود» عامّة - والرياضيّة خاصّة - اكتسب منذ فترة طويلة سمعة سيئة تماماً في السياسة والثّقافة، فإن الناقد الأدبي والمشجّع الرياضي وأستاذ الأدب الفخري في جامعة ستانفورد، هانز أولريش غومبريخت، معتمداً على تجاربه الشخصيّة مشاهِداً في ملاعب أميركا الجنوبية وألمانيا والولايات المتحدة، يقدّم في كتابه الأحدث: «الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحد»، مجادلة قويّة للإشادة بتجربة الحشود ومحاولة تفكيك أسرار تأثيرها الطاغي على الأفراد المنخرطين فيها، عادّاً «الاستاد الرياضيّ» نوعاً من فضاء لطقوس تجربة وجوديّة من التكثيف والتوحّد العابر للأفراد والأشبه بحالة صوفيّة جمعيّة، طارحاً بذلك زاوية رؤية مختلفة يمكن من خلالها التقاط طبيعة الديناميّات التي تحكم سلوك الجماهير.
في مقاربة هذا الرأي النقيض للاتجاه الغالب بالتعامل مع الحشود بوصفها تجمعات للغوغاء ووحشاً هائلاً بلا عقل تتلاعب به العواطف الجامحة، يدخل غومبريخت في محادثة مطوّلة مع أجيال من المفكرين الذين كانوا أكثر تشكيكاً في إمكانات الحشود ومالوا للخشية منها ومن عنفها المتفلّت الذي يسهل التلاعب به، أمثال غوستاف لوبون، وفريدريك نيتشه، وسيغموند فرويد، وخوسيه أورتيغا ذي غاسيت، وإلياس كانيتي، وسيغفريد كراكاور، وثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر. وهو في محادثته تلك يأخذ قارئه في رحلة تاريخيّة شيّقة لتفكيك التوقعات السياسية من حراكات الجماهير: من الثورة الفرنسية إلى سقوط جدار برلين، ومن موسيلليني إلى مارادونا، ومن الثّورة الروسية إلى «حزب الشاي» في بوسطن، ومن أجواء الكليّات الجامعيّة الأميركيّة إلى ميدان التحرير بالقاهرة، ومن يسوع الناصري إلى كارل ماركس.
يقرن غومبريخت مع حماسه الظاهر لخبرة «الاستاد» بكثير من الصرامة الفلسفيّة، مستكشفاً أبعاد تجربة الانخراط في الجمهور كأنّه جالس بينهم، جازماً بأنّها تجربة استثنائيّة تتيح للناس العاديين اختبار شعور الانتماء لما هو أكبر وأبعد من حدود ذواتهم الفرديّة. لكنّه مع ذلك يتجنّب اتخاذ مواقف متطرّفة، مدركاً أن مفكرين كباراً عدّوا الحشد مساحة للغوغاء وأن الطاقة التي تنتج عنها دائماً تصرف في التفاهات والعبث. وفي ذلك يقول إن المنظّرين الناقدين المعروفين أدورنو وهوركهايمر «كانا ليجدا فكرة أن الموسيقى ذات الاثنتي عشرة نغمة يمكن أن تسهم في الصراع الطبقي أقل عبثية من التفكير الجاد فلسفياً حول سلوك الجمهور في الاستاد». يعمد غومبريخت لذلك إلى بناء تاريخ بديل للحشود كمتفرجين، في جزء لا يتجزّأ وعنصر أساسي من مكونات الحدث الرياضي، من سباقات عربات سيرك ماكسيموس في روما (التي كان يشاهدها 250 ألف شخص)، والمصارعين في الكولوسيوم (70 ألف شخص)، ثم فترة الهدوء في العصور الوسطى، إلى إحياء رياضات الملاعب في القرن الثامن عشر لحظة أقلعت نزالات الملاكمة بداية من لندن (10 آلاف شخص).
يستفيد تحليل غومبريخت لديناميّات حشود «الاستاد» من أعماله الفلسفيّة السابقة في علم الجمال، حيث يتقدّم عنده الوجود الحسي للفن محلّ تفسيرات المعنى. وفي ذلك يقول: «نحن ننتمي إلى الحشد بأجسادنا، ونصبح فيه جزءاً من علاقة تشابك بأجساد أخرى» على نحو أقرب ما يكون - وفق تعبيره – إلى «الحلقات الصوفية الوجدانيّة» التي يشكلها تجمع المصلين في الكنائس والمعابد والزوايا. والمشجعون في «الاستاد» «تنشأ لديهم علاقة أفقية بعضهم مع بعض تتجاوز الوجود الذاتي الفردي إلى كائن جمعي من الاهتمام المشترك، وتتصاعد عمودياً من خلال التعبير متصاعد الوتيرة للغبطة أو التّعالي».
ذلك الشعور بالغبطة يبدو في نص غومبريخت مركزيّاً أكثر من جوانب أخرى يوظّفها في محاولة تفسيره تجربة الأفراد ضمن الحشد في «الاستاد»، وعنده أن نقطة الانطلاق تكمن في تقارب الناس بشكل مقيّد للحركة من قبل أجساد بعضهم بعضاً في كتلة موحدة كأنهم أسراب من النمل أو النحل مثلاً التي تتحرك في إطار محلي بحركة منسقة تستهدف ديمومة النشاط الجمعي مع تجنّب تصادم الأفراد (وهي عملية معقّدة يدرسها علماء الأحياء المختصون). وينغرس الأفراد داخل كتلة الحشد الواحدة في حالة من التّوتر البدني والعصبي المكبوت يضيف إليها التركيز المشترك على اللاعبين أمامهم، الذين تؤدي أعمالهم في الملعب إلى استثارة الخلايا العصبية للأفراد باتجاه مطابقة حركات اللاعبين، وبالتالي قمع الحركة، ولكن محاكاتها في أعصاب المشجعين. والنتيجة هي كميّة هائلة من الطاقة الحركية التي يتم تصريفها في العنف والهتاف، أو تساميها في حالة تكثّف وتوحد صوفي لا يمكن الوصول إليها فردياً.
هذا التحليل لطبيعة تجربة الحشد يبدو انتقائياً يغرف من جهة المفاهيم العلمية المتقدّمة - لا سيّما مجال علم الأعصاب الذي تقدّم في العقدين الأخيرين بأكثر مما تقدّم طوال تاريخ البشريّة بأجمعه - ثمّ يمزجها بتعابير مجازيّة أقرب ما تكون إلى محاولة وصف شعور ذاتي استعصت المعرفة عن شرحه. ولذلك قد يجد القارئ نفسه في النهاية يميل للموافقة على وصف غومبريخت لتجربة التشجيع الجماهيري التي عاشها شخصياً عندما يقول إن «أحداث الاستاد التي شهدتها وسط حشد من الناس هي من بين أفضل الأشياء التي تقدمها الحياة»، لكن ربّما دون أن يتمكن من القبض على نظريّة علميّة محددة وتامّة لتفسير حالة (التكثّف والتوحّد الصوفيّ) التي يتحدّث عنها. ومع ذلك، فإن النصّ يبدو كأنّه دعوة صريحة من فيلسوف في فضاء المعارف النظريّة الإنسانيّة إلى العلماء لتفسير مشاعر حقيقيّة وحالات تسام على الذات في أجواء الحشد أصبحت في أيامنا المعاصرة وبشكل متزايد مساحة تجتذب أعداداً هائلة من البشر وتخضع في أجواء الرأسماليّة المتأخرّة إلى كثير من الاعتبارات التنظيميّة والتجاريّة، وتعنى بإدارتها سلطات معولمة عابرة للسيادة المحليّة للدّول، وتكتسب أدوراً محوريّة في تشكيل الهويّات الإقليميّة والقوميّة في لاوعي الجماهير. ولعل دعوة غومبريخت تلك تكتسب أهميّة مضاعفة بعد الزلزال السياسي الذي ضرب المجتمعات الغربيّة إثر الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وأفرز تصدعات سمحت بعودة أجواء التحشيد الشعبوي إلى الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، واستفادة الاتجاهات اليمينيّة من أجواء «الاستاد» لتمرير شعارات مفعمة بمعان سياسيّة عنصريّة غالباً ضد الآخر المختلف، وأيضاً بعد وباء «كوفيد19» الذي فرض إيقاعات مستجدة على عالم الرياضة؛ ومنها المباريات «الشبح» المفتقدة الروح في ظل غياب الجماهير عن أراضي الملاعب، وكذلك تمكّن جماهير الأندية الأوروبيّة من أخذ زمام المبادرة والتصدي بشكل جماعي فاعل ومؤثر لمؤامرة خلق دوري كرة قدم «أوروبيّ» خاص للأثرياء.
وإذا كانت هذه حال المقاربة النظريّة التي يطرحها غومبريخت، فإن أمتع أجزاء كتابه تقع في مساحة الملاحظة والخبرات الشخصيّة وحكايا الملاعب التي يسوقها لشرح وجهة نظره. هناك وصف مثير لأجواء الحشد في مباريات فاصلة؛ بوروسيا دورتموند ضد ميلان (12 فبراير/ شباط 1958) عندما نجح الفريق الألماني في تحقيق التعادل في الثواني الأخيرة من اللقاء، ومباراة أستراليا ضد نيوزيلندا في مباراة الرغبي بالاستاد الأولمبي في سيدني عام 2000 التي يذكرها المشجعون كأسطورة الآن. إضافة إلى المقدّمة التي تستكشف حشود فرق الجامعات بوصفها ظاهرة فريدة من نوعها في تكوين الثقافة الأميركية.

Crouds:The stadium as a ritual of intensity
«الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحّد»
المؤلف: أولريش غومبريخت
الناشر: مطبعة
جامعة ستانفورد 2021


مقالات ذات صلة

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.