الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

غومبريخت يكتب عن طبيعتها وديناميتها منطلقاً من تجاربه الشخصية

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
TT

الحشود في الملاعب الرياضية... غوغاء أم حالة توحد صوفية؟

جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)
جماهير كرة القدم خلال بطولة كأس أوروبا الأخيرة (غيتي)

لا يسهل وصف التّجربة الشعوريّة التي يمرّ بها المرء عندما يشهد حدثاً رياضياً في ملعب كبير؛ إذ لا بدّ من الوجود مباشرة في قلب الأجواء الحماسيّة للملعب كي يمكن للإنسان الإحساس بكمّ الطاقة التي تنبع من مدرجات الجماهير وهي مزدانة بالمشجعين وهم يهتفون لفرقهم. ومع أنّ مفهوم «الحشود» عامّة - والرياضيّة خاصّة - اكتسب منذ فترة طويلة سمعة سيئة تماماً في السياسة والثّقافة، فإن الناقد الأدبي والمشجّع الرياضي وأستاذ الأدب الفخري في جامعة ستانفورد، هانز أولريش غومبريخت، معتمداً على تجاربه الشخصيّة مشاهِداً في ملاعب أميركا الجنوبية وألمانيا والولايات المتحدة، يقدّم في كتابه الأحدث: «الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحد»، مجادلة قويّة للإشادة بتجربة الحشود ومحاولة تفكيك أسرار تأثيرها الطاغي على الأفراد المنخرطين فيها، عادّاً «الاستاد الرياضيّ» نوعاً من فضاء لطقوس تجربة وجوديّة من التكثيف والتوحّد العابر للأفراد والأشبه بحالة صوفيّة جمعيّة، طارحاً بذلك زاوية رؤية مختلفة يمكن من خلالها التقاط طبيعة الديناميّات التي تحكم سلوك الجماهير.
في مقاربة هذا الرأي النقيض للاتجاه الغالب بالتعامل مع الحشود بوصفها تجمعات للغوغاء ووحشاً هائلاً بلا عقل تتلاعب به العواطف الجامحة، يدخل غومبريخت في محادثة مطوّلة مع أجيال من المفكرين الذين كانوا أكثر تشكيكاً في إمكانات الحشود ومالوا للخشية منها ومن عنفها المتفلّت الذي يسهل التلاعب به، أمثال غوستاف لوبون، وفريدريك نيتشه، وسيغموند فرويد، وخوسيه أورتيغا ذي غاسيت، وإلياس كانيتي، وسيغفريد كراكاور، وثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر. وهو في محادثته تلك يأخذ قارئه في رحلة تاريخيّة شيّقة لتفكيك التوقعات السياسية من حراكات الجماهير: من الثورة الفرنسية إلى سقوط جدار برلين، ومن موسيلليني إلى مارادونا، ومن الثّورة الروسية إلى «حزب الشاي» في بوسطن، ومن أجواء الكليّات الجامعيّة الأميركيّة إلى ميدان التحرير بالقاهرة، ومن يسوع الناصري إلى كارل ماركس.
يقرن غومبريخت مع حماسه الظاهر لخبرة «الاستاد» بكثير من الصرامة الفلسفيّة، مستكشفاً أبعاد تجربة الانخراط في الجمهور كأنّه جالس بينهم، جازماً بأنّها تجربة استثنائيّة تتيح للناس العاديين اختبار شعور الانتماء لما هو أكبر وأبعد من حدود ذواتهم الفرديّة. لكنّه مع ذلك يتجنّب اتخاذ مواقف متطرّفة، مدركاً أن مفكرين كباراً عدّوا الحشد مساحة للغوغاء وأن الطاقة التي تنتج عنها دائماً تصرف في التفاهات والعبث. وفي ذلك يقول إن المنظّرين الناقدين المعروفين أدورنو وهوركهايمر «كانا ليجدا فكرة أن الموسيقى ذات الاثنتي عشرة نغمة يمكن أن تسهم في الصراع الطبقي أقل عبثية من التفكير الجاد فلسفياً حول سلوك الجمهور في الاستاد». يعمد غومبريخت لذلك إلى بناء تاريخ بديل للحشود كمتفرجين، في جزء لا يتجزّأ وعنصر أساسي من مكونات الحدث الرياضي، من سباقات عربات سيرك ماكسيموس في روما (التي كان يشاهدها 250 ألف شخص)، والمصارعين في الكولوسيوم (70 ألف شخص)، ثم فترة الهدوء في العصور الوسطى، إلى إحياء رياضات الملاعب في القرن الثامن عشر لحظة أقلعت نزالات الملاكمة بداية من لندن (10 آلاف شخص).
يستفيد تحليل غومبريخت لديناميّات حشود «الاستاد» من أعماله الفلسفيّة السابقة في علم الجمال، حيث يتقدّم عنده الوجود الحسي للفن محلّ تفسيرات المعنى. وفي ذلك يقول: «نحن ننتمي إلى الحشد بأجسادنا، ونصبح فيه جزءاً من علاقة تشابك بأجساد أخرى» على نحو أقرب ما يكون - وفق تعبيره – إلى «الحلقات الصوفية الوجدانيّة» التي يشكلها تجمع المصلين في الكنائس والمعابد والزوايا. والمشجعون في «الاستاد» «تنشأ لديهم علاقة أفقية بعضهم مع بعض تتجاوز الوجود الذاتي الفردي إلى كائن جمعي من الاهتمام المشترك، وتتصاعد عمودياً من خلال التعبير متصاعد الوتيرة للغبطة أو التّعالي».
ذلك الشعور بالغبطة يبدو في نص غومبريخت مركزيّاً أكثر من جوانب أخرى يوظّفها في محاولة تفسيره تجربة الأفراد ضمن الحشد في «الاستاد»، وعنده أن نقطة الانطلاق تكمن في تقارب الناس بشكل مقيّد للحركة من قبل أجساد بعضهم بعضاً في كتلة موحدة كأنهم أسراب من النمل أو النحل مثلاً التي تتحرك في إطار محلي بحركة منسقة تستهدف ديمومة النشاط الجمعي مع تجنّب تصادم الأفراد (وهي عملية معقّدة يدرسها علماء الأحياء المختصون). وينغرس الأفراد داخل كتلة الحشد الواحدة في حالة من التّوتر البدني والعصبي المكبوت يضيف إليها التركيز المشترك على اللاعبين أمامهم، الذين تؤدي أعمالهم في الملعب إلى استثارة الخلايا العصبية للأفراد باتجاه مطابقة حركات اللاعبين، وبالتالي قمع الحركة، ولكن محاكاتها في أعصاب المشجعين. والنتيجة هي كميّة هائلة من الطاقة الحركية التي يتم تصريفها في العنف والهتاف، أو تساميها في حالة تكثّف وتوحد صوفي لا يمكن الوصول إليها فردياً.
هذا التحليل لطبيعة تجربة الحشد يبدو انتقائياً يغرف من جهة المفاهيم العلمية المتقدّمة - لا سيّما مجال علم الأعصاب الذي تقدّم في العقدين الأخيرين بأكثر مما تقدّم طوال تاريخ البشريّة بأجمعه - ثمّ يمزجها بتعابير مجازيّة أقرب ما تكون إلى محاولة وصف شعور ذاتي استعصت المعرفة عن شرحه. ولذلك قد يجد القارئ نفسه في النهاية يميل للموافقة على وصف غومبريخت لتجربة التشجيع الجماهيري التي عاشها شخصياً عندما يقول إن «أحداث الاستاد التي شهدتها وسط حشد من الناس هي من بين أفضل الأشياء التي تقدمها الحياة»، لكن ربّما دون أن يتمكن من القبض على نظريّة علميّة محددة وتامّة لتفسير حالة (التكثّف والتوحّد الصوفيّ) التي يتحدّث عنها. ومع ذلك، فإن النصّ يبدو كأنّه دعوة صريحة من فيلسوف في فضاء المعارف النظريّة الإنسانيّة إلى العلماء لتفسير مشاعر حقيقيّة وحالات تسام على الذات في أجواء الحشد أصبحت في أيامنا المعاصرة وبشكل متزايد مساحة تجتذب أعداداً هائلة من البشر وتخضع في أجواء الرأسماليّة المتأخرّة إلى كثير من الاعتبارات التنظيميّة والتجاريّة، وتعنى بإدارتها سلطات معولمة عابرة للسيادة المحليّة للدّول، وتكتسب أدوراً محوريّة في تشكيل الهويّات الإقليميّة والقوميّة في لاوعي الجماهير. ولعل دعوة غومبريخت تلك تكتسب أهميّة مضاعفة بعد الزلزال السياسي الذي ضرب المجتمعات الغربيّة إثر الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وأفرز تصدعات سمحت بعودة أجواء التحشيد الشعبوي إلى الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، واستفادة الاتجاهات اليمينيّة من أجواء «الاستاد» لتمرير شعارات مفعمة بمعان سياسيّة عنصريّة غالباً ضد الآخر المختلف، وأيضاً بعد وباء «كوفيد19» الذي فرض إيقاعات مستجدة على عالم الرياضة؛ ومنها المباريات «الشبح» المفتقدة الروح في ظل غياب الجماهير عن أراضي الملاعب، وكذلك تمكّن جماهير الأندية الأوروبيّة من أخذ زمام المبادرة والتصدي بشكل جماعي فاعل ومؤثر لمؤامرة خلق دوري كرة قدم «أوروبيّ» خاص للأثرياء.
وإذا كانت هذه حال المقاربة النظريّة التي يطرحها غومبريخت، فإن أمتع أجزاء كتابه تقع في مساحة الملاحظة والخبرات الشخصيّة وحكايا الملاعب التي يسوقها لشرح وجهة نظره. هناك وصف مثير لأجواء الحشد في مباريات فاصلة؛ بوروسيا دورتموند ضد ميلان (12 فبراير/ شباط 1958) عندما نجح الفريق الألماني في تحقيق التعادل في الثواني الأخيرة من اللقاء، ومباراة أستراليا ضد نيوزيلندا في مباراة الرغبي بالاستاد الأولمبي في سيدني عام 2000 التي يذكرها المشجعون كأسطورة الآن. إضافة إلى المقدّمة التي تستكشف حشود فرق الجامعات بوصفها ظاهرة فريدة من نوعها في تكوين الثقافة الأميركية.

Crouds:The stadium as a ritual of intensity
«الحشود: الملعب (الاستاد الرياضي) كطقس توحّد»
المؤلف: أولريش غومبريخت
الناشر: مطبعة
جامعة ستانفورد 2021


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً