خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن الرئيس العراقي أراد التهدئة مع إيران قبل غزو الكويت

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
TT

خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)

صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب)  -  المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب)  -  الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)
صدام حسين يستقبل وزير الصحة الإيراني في 21 يونيو 1997 (غيتي - أ.ف.ب) - المرشد الإيراني علي خامنئي في 21 مارس الماضي (أ.ف.ب) - الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (غيتي)

في الحلقة السادسة من مذكرات نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، تنشر «الشرق الأوسط» رسائل متبادلة بين الرئيس العراقي صدام حسين، و«المرشد» الإيراني علي خامنئي والرئيس هاشمي رفسنجاني، قبل الغزو العراقي للكويت في عام 1990.
لا يتحدث خدام عن كيفية حصوله على هذه الرسائل السرية، التي يُنشر بعضها للمرة الأولى، لكنه يقدم قراءة فيها، حيث يقول في مسودة كتابه عن العلاقة السورية - الإيرانية، إن صدام «وفي إطار تحضيره لاجتياح الكويت، اتخذ الخطوة التالية، وهي تهدئة الوضع مع إيران، ليتمكن من سحب قواته من الحدود العراقية - الإيرانية من جهة، وحتى لا يتيح لإيران فرصة الانقضاض عليه في حال إقدامه على شن الحرب ضد الكويت».
وبين 21 أبريل (نيسان) و4 أغسطس (آب) 1990، جرى تبادل العديد من الرسائل بين صدام وإيران.
ويعلق خدام: «أضع أمام القارئ هذه الرسائل المتبادلة بين الأطراف، ليدرك أن اجتياح الكويت لم يكن حالة عابرة، وأن الهدف كان أوسع مما أُعلن من خلافات حول الديون وأسعار النفط». وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم الرسائل المتبادلة قبل اجتياح الكويت:
سيادة علي خامنئي،
سيادة هاشمي رفسنجاني،
السلام عليكم،
سبق لي وأن خاطبتكم في مناسبات سابقة، أثناء الحرب (العراقية - الإيرانية 1980 - 1990)، بصورة غير مباشرة، عبر وسائل إعلام العراق، التي كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة (...)، كما كنت أستمع إلى ما تقولونه عبر وسائل إعلامكم بالمقابل. وكانت آخر مبادرة توجهنا بها إليكم، بنية لا ريب فيها لتحقيق السلام الكامل والشامل، أعلناها في 5 من يناير (كانون الثاني) 1990، غير أننا لم نهتدِ معاً حتى الآن إلى ما نرجوه من سلام بين بلدينا، لنغادر سوية مآسي الحرب واحتمالات اندلاعها من جديد. إنه لأمر مفهوم أن تحيط الظنون والهواجس والتفسيرات المتشككة بما هو خير وما يمكن البناء عليه من آمال. والآن، ومن غير إعادة لما سبق أن قلناه من وجهة نظر كي تقولوا أنتم بالمقابل ما لديكم من وجهة، ولكي لا يندفع الحوار بعيداً عن ميدانه وأغراضه البناءة ويتجه نحو المجادلة وتبرز فيه عوامل الاختلاف لتتغلب على ما نرجوه من اتفاق على تحقيق السلام الفعلي والشامل والفوري، لا بين العراق وإيران وحسب، بل بين الأمة العربية وإيران، إن شاء الله.
أخاطبكم هذه المرة مباشرة، لأقترح عليكم، في هذا الشهر المبارك الذي يصوم فيه المسلمون وهم يتجهون إلى الفوز برضا الرحمن سبحانه وتعالى، عقد لقاء مباشر بيننا، يمثلنا فيه عبد الله صاحب هذه الرسالة (صدام)، و(نائبه) عزت إبراهيم (الدوري) وفريق من معاونينا، ويمثلكم فيه السيدان علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني وفريق من معاونيكم. كما أقترح أن يُعقد اللقاء في مكة المكرمة، قِبلة المسلمين في الصلاة إلى الله والبيت العتيق الذي بناه سيدنا إبراهيم عليه السلام، أو في أي مكان آخر يتم الاتفاق عليه بيننا، لنعمل بعون الله على تحقيق السلام الذي تنتظره شعوبنا والأمة الإسلامية جمعاء، ونوفر بذلك دماء قد تسيل مرة أخرى لأي سبب كان. من بين الاحتمالات التي يحملها الموقف، أن تسعى القوى التي كان لها يد في الفتنة التي وقعت بين إيران والعراق، إلى تجديد الحرب مرة أخرى بما يبعد السلام عن بلدينا.
إنكم لا بد تتابعون التهديدات التي يتعرض إليها العراق والأمة العربية من جانب الصهيونية وبعض الدول العظمى والكبرى، ولا شك أنكم تعرفون بأن الهدف الأساس من هذه التهديدات هو إبقاء يد الكيان الصهيوني طليقة لتعيث في الأرض فساداً، ولتكون قادرة على البطش بمن يعترض سبيل الباطل وينهره ويصده عن رغباته وأطماعه الشريرة في المنطقة، ويسعى لإزالة احتلاله لأرض فلسطين العربية والقدس الشريف العزيز على كل مسلم، بل وعلى كل من يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
إن هذه القوى الشريرة، التي نأمل أن تَخيب آمالها وتطيش سهامها بعون الله، لا بد أن تعمل على إعادة الصراع الدامي المسلح بين إيران من جانب، والعراق والأمة العربية من جانب آخر، ولديها ما لديها من وسائل لتحقيق ذلك. وعند ذلك، لن يخسر المسلمون جميعاً فرصة توجيه إمكاناتهم وما لديهم من قدرات لتحرير مقدساتهم في فلسطين وحسب، بل سيخسرون الكثير والكثير مما عندهم.
إننا نرى بلوغ ما يعتبره العراق حقاً، وبلوغ ما تراه إيران حقاً، متاحاً لنا في اللقاء المباشر بيننا، الذي يقطع الطريق على المتربصين الساعين إلى تعكير الرغبة في السلام، إذا ما اتجهت النيات باتجاه صِدق إلى السلام وفق ما يرضاه الله لنا وترضاه شعوبنا. ومن جانبنا، فإن هذه النية متوفرة لدينا، بإيمان عميق ومستقر، وليس فيها غير الرغبة في الحصول على حقنا الثابت المتوازن مع حقكم الثابت.
وإنني لأقترح عليكم، وعلى قاعدة خير البر عاجله، أن يتم اللقاء في ثاني أيام عيد الفطر المبارك، أو في أي موعد آخر.
أما بشأن زيارتكم لمكة وما يتصل بها من مستلزمات المراسم من جانب الدولة المضيفة، فإننا، وعلى أساس ما يجمعنا وإخواننا في المملكة العربية السعودية من وشائج الأخوة والاحترام المتبادل، سنتمنى على أخينا الملك فهد بن عبد العزيز، لأن يوفر ما هو ضروري ومناسب لمثل هذا الأمر، مع العلم أننا لم نبلغه حتى الآن بمضمون رسالتنا هذه.
وتسهيلاً وتحضيراً لمتطلبات اللقاء، قد ترون مثلما نرى أن يتواجد في طهران من يمثلنا ويتواجد في بغداد من يمثلكم، وأن تفتح خطوط الهاتف المباشر بين العاصمتين لتأمين الاتصالات اللازمة.
اللهم اشهد أني قد بلغت،
والسلام عليكم.
صَدام حسين
بغداد 21 نيسان 1990
ولم تمضِ أيام حتى تلقى صدام الجواب من رفسنجاني:
جناب السيد صَدام حسين،
لقد اطلعت على رسالتكم. وفي الحقيقة، إذا كانت موضوعات هذه الرسالة قد حظيت بالاهتمام قبل ثمان سنوات، وكان إرسال الرسالة مكان إرسال الجندي، لما كانت إيران والعراق وربما جميع الأمة الإسلامية تواجه كل هذه الخسائر والضحايا اليوم. والكل يعلم بأن الثورة الإسلامية، ومنذ البداية ودائماً، وضعت قضايا تَقارُب الدول الإسلامية ومجد وعظمة الإسلام والمسلمين والنضال ضد الحكومة الإسرائيلية الغاصبة وتحرير فلسطين، في أول سلم أولوياتها. وإذا كانت جميع حكومات المنطقة العربية، وكما فعلت بعضها، قد عرفت مكانة هذه الثورة المضادة للصهيونية والاستكبار وتعاونت معها، لكانت الآن معادلة القدرة والقوة في الشرق الأوسط هي في نفع الإسلام، ولما وجدت إسرائيل والاستكبار مثل هذه الفرصة لبسط وجودها وتوسعها. وإننا بطبيعة الحال ليس لدينا مشاكل مع الأمة العربية، ومن المؤسف أن فرصة تاريخية ذهبت خلال السنوات العشر الماضية، ومن بداية الثورة فُرضت علينا حرب مدمرة ما أردناها، واحتلت مناطق واسعة من أراضينا في الحدود الغربية للبلاد، وهُدرت طاقات وإمكانات بشرية واقتصادية وعسكرية لإيران والعراق والتي كان يجب أن توظف للنضال. وقد انتفع أعداء الإسلام والقوى العظمى بذريعة حمايتها، أو أنها زادت من تدخلاتها. كما أن إسرائيل استطاعت أن تربح من هذه الفرصة وتقوم بتنفيذ قسم من برامجها التوسعية العدوانية، وكان من نتائجها أن أصبح (اتفاق) كامب ديفيد (بين مصر وإسرائيل) ومساومة بعض دول المنطقة مع إسرائيل أمراً عادياً.
لقد قُلنا مراراً إنه لو لم تبدأ الحرب وتمت الاستفادة من الإمكانات المتاحة لشعبي إيران والعراق من أجل الوحدة وحفظ مصالح المسلمين، لما تجرأ الاستكبار الغربي والصهيونية على القيام بذلك.
وعلى أي حال، فلا بد من أخذ العبرة من كل ما حدث، والانتباه إلى أن مواصلة حالة اللا سلم واللا حرب، أو اشتعال الحرب ثانية، سيكون وبالاً وتدميراً أكثر للبلدين والشعبين الإيراني والعراقي، وضعفاً للأمة الإسلامية، وسروراً وفرصة لكسب الامتيازات للكفر العالمي. وطبعاً، فإن تجربة الحرب المفروضة قد أفهمت أولئك الذين لا يصدقون بسرعة بأن الهجوم العسكري لن يكون قادراً على زعزعة أسس وأعمدة الثورة المعتمدة على إرادة الجماهير الإسلامية.
وهنا يجب أن نؤكد، وكما أعلن قائد الثورة ومؤسسها الإمام الخميني ذلك، بعد قبول القرار، حيث قال: «إننا نتحدث إلى شعبنا بكل صدق، وإننا في إطار القرار 598 نفكر في سلام صامد، وهذا ليس تكتيكاً بأي شكل من الأشكال». إننا في سعينا من أجل الوصول إلى سلام حقيقي وشامل، لن نسمح لأي شك أن يساورنا، وإن سماحة خامنئي يواصل بحزم الطريق نفسها التي رسمها إمامنا الراحل للوصول إلى سلام شامل. وعلى هذا الأساس، فإننا نرحب بأي نوع من المبادرة أو الاقتراح الذي يُوصل البلدين إلى السلام الشامل، خاصة في الظرف الحالي الذي يحاول حماة إسرائيل الغاصبة الاستفادة من تمزق العالم الإسلامي، من أجل الحصول على امتيازات أكثر وتضعيف المسلمين وتقوية الصهاينة. إننا لا نرغب في حالة اللا حرب واللا سلم، ولكننا نختار، وبكل حزم، طُرق السلام الحقيقي والشامل، الذي يحفظ مصالح الأمة الإسلامية.
وإنني أجلب انتباهكم إلى هذه الحقيقة، وهي أن مواصلة احتلال قسم من أراضينا الإسلامية سيجعل حركتنا في طريق الوصول إلى صلح شامل بطيئة أو غير مثمرة. وأنتم تعلمون بأننا، وبعد قرارنا بإيقاف الحرب، سحبنا جميع قواتنا في داخل العراق إلى حدودنا بدون إبطاء. وكونوا واثقين بأن هذه الوضعية بالنسبة للشعب الإيراني، الذي نذر نفسه للإسلام والثورة، تخلق شكاً جدياً لديه في حُسن نية الطرف الآخر. نحن مصممون على أن نحظى بثقة الشعب خلال مسيرتنا في طريق السلم كما في مرحلة الدفاع.
والنقطة الأخرى، وهي قبل الإقدام على إجراء الاتصال بين رئيسي جمهوريتي البلدين، لا بد من جلوس ممثل من جانبنا وممثل من جانبكم في إحدى الدول التي لها علاقات ودية مع الجانبين، ليتحدثا عن الأمور التي يجب إنجازها، كي تتوفر الأرضية اللازمة والخطوات التمهيدية للقرار النهائي بدون فوات الأوان.
ومن جهة أخرى، يجب أن يكون أسلوب الإجراءات، بحيث لا يوجد أي خلل في اعتماد القرار 598 باعتباره الإطار المناسب لحل النزاعات.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام على من اتبع الهدى
أكبر هاشمي رفسنجاني
6 شوال 1410

وحَمَل مندوب بعث به الرئيس ياسر عرفات رسالة صدام إلى طهران:
سماحة علي خامنئي،
سماحة الرئيس هاشمي رفسنجاني،
تحية الجهاد والثورة،
فإنني أغتنم فرصة وصول مبعوثنا إليكم، الأخ أبو خالد، وهو يحمل رسالة خاصة من الرئيس صَدام حسين والتي قمت بتسليمها له، وهذه الرسالة المفاجئة والمهمة هي مبادرة حُسن نية من العراق إلى إيران، بل من القيادة العراقية إلى إخوانهم في القيادة الإيرانية، التي أَمْلَتها الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية بشكل عام والأمة العربية بشكل خاص (...)
وأمام المستجدات الأخرى المتمثلة بالتهديدات الإسرائيلية والأميركية وبعض الدول الأوروبية للدول العربية وللأمة الإسلامية وللمنطقة كلها، التي يحاولون بها السيطرة من خلال إسرائيل التي تمثل رأس الجسر والحربة الاستعمارية لقوى الاستكبار العالمي في الشرق الأوسط، أهم مراكز احتياطي النفط في العالم، بجانب الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به.
إن العالمين العربي والإسلامي بل وشعوب ودول العالم الثالث وشعب فلسطين بالخصوص، لينتظر منكم المبادرة الإيجابية والبناءة أمام هذه المبادرة التي يرسلها إليكم السيد الرئيس صَدام حسين (...)
أناشدكم بكل المحبة، وبكل الأخوة وبكل المقدسات، أن نسارع بهذه الخطوة المباركة، فأفئدة المسلمين ترنو إليكم وتهفو لنجاحها (...)
أخوكم
ياسر عرفات الحسيني
رئيس دولة فلسطين
22 مايو (أيار) 1990
وهنا نص رسالة صدام المؤرخة في 19 مايو:
بعد التحيات: تسلمت رسالتكم الخطية الجوابية (...). قرأتها وأعَدْت قراءتها أكثر من مرة، أنا وإخواني في القيادة. ورغم أننا فهمنا منها أنكم توافقون على اقتراحنا لعقد لقاء بيننا وبينكم على مستوى القمة لإعطاء حل حاسم ونهائي للمشاكل المعلقة بين بلدينا، والتي كانت سبباً للنزاع أو نتيجة له، وإننا قد سُررنا بذلك، لكن روح الرسالة لم تكن كما كنا نأمل. ذلك أنها قد انطوت على عبارات مبطنة في بدايتها وحيثما وجدت فرصة لذلك، وخشنة في خاتمتها.
إننا أيها السادة، عندما فكرنا في الكتابة المباشرة إليكم، قلبنا كل ما تكتنفه العلاقة بيننا من وضع خاص، ووجدنا أن أسلوب الكتابة مباشرة، وما يتأسس عليه من صلة، هو الأسلوب الأكثر جدوى لتحقيق لقاء مباشر وحوار مباشر، ليس هناك ما هو أكثر فائدة منه وأقدر على إنجاز السلام المنشود بين العراق وإيران، بل بين الأمة العربية وإيران.
وإننا نعرف ونفترض، بأنكم تعرفون أيضاً، أن السلام بيننا لا يتحقق باقتناع طرف من غير أن يقترن باقتناع الطرف الآخر، ولا تفيده رعاية يقدمها طرف واحد من غير أن تشير مبادرة الرعاية هذه، رعاية مقابلة للأفكار والمعاني والأساليب أيضاً عند الطرف الآخر.
وقد استذكرنا قبل أن نكتب رسالتنا الأولى، بأننا قد استخدمنا واستخدمتم، وأسمعَ كل طرف الطرف الآخر أقوى العبارات وربما أخشنها طوال السنوات العشر الماضية. وبغض النظر عن تأثير ذلك الأسلوب ونوع ذلك التأثير الذي كان من صفحات النزاع والحرب بيننا، فإنه لم يحقق السلام.
ومن ضمن ما ورد في رسالتكم من عبارات ومصطلحات «الحرب المفروضة» و«بطء الفهم» واختتام رسالتكم بجملة «والسلام على من اتبع الهدى» بدلاً من «والسلام عليكم»، كما هو معتاد استخدامه في رسائل كهذه.
ولأننا نريد السلام ليس لأي سبب إلا لمعانيه العظيمة في نفوسنا وفيما نؤمن، وضعنا في رسالتنا، مفاهيم وتعابير مع قياساتنا الإنسانية ونُبل مقاصدنا، فلم نستخدم إلا ما يرضي الله والناس من عبارات، ولا يعني ذلك ابتداء تغييراً في كل مفاهيمنا وآرائنا، بل يعني أننا نرغب في أن نفتح باباً جديداً أقرب للنفس المقابلة، وأكثر قدرة على التأثير فيها لصالح منهج السلام الذي نُعده مقصداً شريفاً، ويخدم شعبنا والإنسانية، ولأن هذا الأسلوب هو الأسلوب اللائق والمناسب لمثل هذه المقاصد والسبل. فالواجب يقتضي أن نجرب أسلوباً جديداً في التخاطب، هو غير أسلوب الحرب أو الزمن الذي سبقها، ثم إن استخدام العبارات والتعابير التي استخدمت أثناء الحرب، لا يوهم أياً من الطرفين بأنه يعني اقتداراً إضافياً على ما هو معروف عن اقتدار كل طرف من طرفي النزاع، وهو لا يُعين على إثبات أمر على أنه حق، وإن استخدام عبارات مناسبة لمخاطبة كهذه، إن لم يقو اقتدار المقتدر ويُعينه بعد التوكل على الله، فإنه في كل الأحوال لا يحذف من اقتداره شيئاً، ولا يُنقص منه حقاً ثابتاً، بل سيكون مدخل ضوء إلى قلوب حَملتها الحرب الكثير حتى أثخنت جراحها، وبما يجعلها، عندما تتجه اتجاه صدق، مهيأة لعمل الخير الذي يحقق السلام.
لذلك وجدنا أن الذي يناسب المكاتبة بيننا، هو عدم تثبيت ما نراه حقاً لنا، لكي لا تندفعوا إلى تثبيت ما ترونه حقاً لكم، وبذلك قد لا تتوفر فرصة للتهيؤ النفسي كما ينبغي ليستقبل كل منا الحوار المباشر. وإننا في هذا لا نقصد سد باب الحوار الذي ينفتح في الصلة المباشرة على ما يراه كل منا مفيداً، ليتعرف كل طرف على صلة الخطوة الأولى بآخر خطوة على طريق السلام، وليرى عملية السلام ككل من خطواتها الأولى، وصلة ما يراه حقاً لنفسه، مع ما يراه المقابل حقاً له، ويُستحسن ونحن نسعى سوية إلى ما يحقق السلام أن لا ينشغل أي طرف منا بما هو ماضٍ على حساب ما هو مستقبل، لأن البقاء عند سياسة مضغ أحداث الماضي يجعل من ينطبق عليه هذا الوصف متهماً من قِبل شعوبنا، وهي الأقدر على معرفة خواص كل واحد منا بأنه بطيء الفهم، وإننا في هذا لا نريد أن نتهرب من الماضي، لأنكم تعرفون، أو تقدرون، بأننا قادرون على أن نُبرِز إلى ميدان مناظرة (من بدأ الحرب والعداوة وكيف بدأت) وثائق كافية تدعم وجهة نظرنا بصورة تفصيلية، وتعرفون أن الوثائق ستكون أكثر تأثيراً في إقناع المحيط الأوسع من شعوبنا والإنسانية، مما ستكون عليه الأقوال والآراء المسبقة لأي طرف في قيادتي البلدين، وتعرفون أن التساؤل حول هذا الموضوع والخوض فيه، إذا ما عُد مدخلاً لبحثنا على أساس أنه الأسبق في تسلسله الزمني، كما كنتم تقولون قبل يوليو (تموز) 1988، يتطلب زمناً وجهداً لإثبات الحجة يوازي زمن الحرب ويتعداه إلى الزمن الذي سبقها أو يتناظر معه. وتعرفون أن كل واحد من طرفي النزاع يحتفظ بتوقيت لبدايته، ويستند إلى حجج ووقائع عملية وقانونية، غير الحجج والوقائع التي يستند إليها الطرف الآخر. ومن ذلك سيتضح من هو الأحق في أن يصف الحرب بالحرب المفروضة، ومن هو الأحق في أن يشير إلى إرسال الرسائل بدلاً من إرسال الجنود... إلخ.
أما عن قرار مجلس الأمن رقم 598 فهو في نظرنا، منذ أن قبلناه بعد صدوره في يوليو 1987 خطة سلام شامل ودائم بين البلدين وفق ما يتفقان عليه، مستعينين بما ورد فيه من مبادئ وأحكام.
لذلك التزمنا بالقرار - ولا نزال نلتزم بتطبيقه - على أساس هذا الفهم، وإننا نفترض ونحن نسعى إلى السلام أن رغبتنا في البلدين فيه وفائدتنا منه تحظى بنفس المستوى والدرجة من الحماسة. ليس مطلوباً من أي من طرفي النزاع أن يقدم ثمناً مسبقاً لخطوة اللقاء المباشر، غير الرغبة الجادة في تحقيق السلام، وبمفردات عملية ذات دلالة. وعندما يتحقق السلام، فإنه من تحصيل الحاصل أن يكون جيش كل بلد داخل بلده، وأن لا يكون له امتداد على أي تلة أو شبر أرض أو في مياه أي من البلدين، مما فرضته ظروف خاصة واعتبارات وقف إطلاق النار وحالة اللا حرب واللا سلم.
ذكرتم في رسالتكم بأنكم انسحبتم من الأراضي العراقية، وتعنون بذلك انسحابكم من حلبجة في ظروف خاصة معروفة، إلى آخر الجملة.
وتعليقنا على ذلك، أننا انسحبنا من أراضيكم التي دخلت إليها جيوشنا في ظروف معروفة في بداية النزاع المسلح في عام 1980، وتم ذلك في 20 يونيو (حزيران) 1982، بعد أن كنا قد أعلنا قرار الانسحاب ذاك في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في 10 يونيو 1982، والذي قلنا فيه إننا سننسحب في مدة أقصاها عشرة أيام، وقد طبق فعلاً، بينما انسحبت قواتكم من حلبجة في ظروف قتال خاصة، هي غير الظروف التي انسحبت فيها جيوشنا.
لذلك، فإذا كنتم تُعدون انسحابكم من حلبجة الذي حصل في ظروف خاصة دليلاً على إثبات حسن النية الذي ينفي عنكم الطمع، أو الرغبة في الاحتفاظ بأراضي الغير، فإن الأدعى أن يُعد انسحابنا من أراضيكم عام 1982 وانسحابنا من أراضيكم بعد معارك «توكلنا على الله» الرابعة في قاطعي الجنوب والأوسط في يوليو 1988 دليلاً إضافياً مع الدلائل الأخرى على حُسن نيتنا، وعدم رغبتنا في احتفاظ العراق بأي شبر من أرض إيران.
وفي كل الأحوال، فإن السلام يعني فيما يعنيه من جانبنا، أن لا يغتصب أي طرف حقا ثابتاً لطرف آخر، وأن لا يغتصب أو يحتفظ أحد أطراف النزاع بشبر أرض أو مياه للطرف الآخر، وهو منهج طالما أكدنا عليه، وتمسكنا به في أكثر الظروف تعقيداً وعداوة، ولذلك فمن البديهي أن نتمسك به في نفس الوقت الذي نحثكم فيه على التمسك به في ظروف مباحثات السلام وكطريق لبلوغه، إن شاء الله.
لقد عَلِمنا من إجابتكم على الاستفسارات التي عرضها سفيرنا في جنيف على سفيركم هناك حول ما جاء في رسالتكم إلينا بشأن لقاء تمهيدي بين مندوبين عن الطرفين، أنكم تُحبذون هذا الأسلوب للتحضير للقاء القمة. إننا نوافق على هذا الترتيب، وقد خولنا سفيرنا في جنيف برزان التكريتي بإجراء المحادثات مع سفيركم سيروس ناصري لتبادل وجهات النظر حول مواقف الطرفين، ليتعرف كل طرف على رأي الطرف الآخر إزاء القضايا التي تهمنا، بما يوضح لنا الصورة عند اللقاء على مستوى القمة ويُسهل مهمتنا.
أما عن مكان انعقاد القمة، فإننا لا نزال بانتظار تحديد مقترحكم بشأنه، لأننا لم نجد في جوابكم رأياً قاطعاً في المكان الذي اقترحناه وهو مكة المكرمة، وقد يكون ذلك من الأمور التي يبحثها المندوبان.
أما بشأن من يحضر القمة، فإننا ما نزال نرى بأن اللقاء على مستوى القمة، ينبغي أن يضم مصادر القرار الأساسية في البلدين. إذا ما قبلتم فعلياً فكرة اللقاء على مستوى القمة، توكلنا على الله لتحقيقها معناً، لأن حضورنا معاً على مستوى القمة هو اختبار لجدية التوجه لحسم الأمور بحلول نهائية مقبولة للطرفين، إذا ما تحققت بعون من الله، سيكون بعدها السلام الدائم والشامل، وإن بقاء مصادر قرار أساسية خارج لقاء القمة، قادرة على أن تقول لا أو نعم، سيؤثر على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه وعلى مستوى الالتزام به (...).
ثم إن السلام يبدأ فعلياً من حيث تبدأ بدايته النفسية داخل من ينسجون خيوطه، حتى يتكون كحالة مستقرة في الصدور. لذلك، فإن من يشارك في صنعه منذ البداية سيجد أنه مسؤول مسؤولية أخلاقية ونفسية عن تطبيقه والالتزام به، بالإضافة إلى أن حضور كل ثقل مركز القرار يقطع أي حجة قد تبرز بما يعقد أو يؤخر مسار السلام بعد الاتفاق عليه. لذلك نعيد التمسك بمقترحنا بأن يحضر لقاء القمة من جانبنا رئيس مجلس قيادة الثورة، رئيس الجمهورية، ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ويحضر من جانب إيران خامنئي ورفسنجاني.
صَدام حسين
بغداد في 24 شوال 1410
الموافق 19 مايو 1990
رد عليه رفسنجاني بالرسالة التالية، وبعد التحيات، هنا نصها:
تسلمت رسالتكم (...) ونظراً لاحتمال أن تكون حكومتكم جادة في طريق السلم، كما ظهر من رسالتكم، فإننا نرسل لكم جواب هذه الرسالة الثانية، ولكننا نأمل أن لا نضيع الوقت من الآن فصاعداً، في تبادل الرسائل إلا في الحالات الضرورية، وأن لا يعاني الشعبان وجماهير المنطقة أكـثر مما عانوا من تأثير حالة اللا حرب واللا سلم، وأدعو الله أن تكون هذه آخر رسالة، وأن نشهد خطوات عملية جدية في طريق السلام.
في رسالتكم هناك شكوى لبعض عبارات ومضامين رسالتنا الجوابية، ونحن أيضاً لا نرضى في رسائل السلم أن تُطرح موضوعات مؤذية أو مؤلمة. ولكن، مع الأسف، فإن حجر أساس هذا البناء قد تم وضعه في أول رسالة كتبتموها، وهي في رأيكم من أجل إزالة ترسبات الصراع وتمهيد طريق الصداقة، ومن ضمنها في الرسالة الأولى الادعاء وكأن الجانب الذي يواجهنا هو «الأمة العربية»، الشيء الذي بُذِلت من أجله جهود جمة وبقي بلا طائل ولا نتيجة.
أنتم وحزبكم الذين كنتم تتحدثون في تلك الأيام عن موقف «تيار التقدمية» و«جبهة المواجهة»، وقلتم بأن أفراداً (...) كانوا يساندونكم طوال فترة الحرب هم ليسوا من «الأمة العربية»، وبُذلت جهود كافية إلى حد ما في إفشاء ماهيتهم كتابة ونشراً، وأحياناً عرض بعض الوثائق. واستبعد أن تكونوا قد نسيتم أن أغلب الحكومات التقدمية والذين كانوا معكم في خندق واحد في «جبهة المواجهة» كانوا معنا في هذا الصراع، أو على الأقل لم يكونوا منحازين. أما وضع الجماهير، وبخاصة القوى الإسلامية المخلصة، فتعرفونه جيداً.
في رسالتكم الأولى، تحدثتم عن موقف من تبنى شؤون فلسطين والفلسطينيين والقوى المقاومة ضد هجمة الإمبريالية، مع أنه يستبعد أن يكون منظمو تلك الرسالة غافلين عن تعاطف الجمهورية الإيرانية مع القضية، وكونها طليعة في هذا المجال، ولا يعلمون أن الهدف الأول للهجمة الاستكبارية هو الثورة الإيرانية، وكان من الأفضل أن لا يتم تجاهل هذه الحقيقة إذا كانت الرسالة قد كُتبت من أجل بناء الثقة.
إضافة إلى أن الآداب المتبعة في المراسلات الرسمية، لم يتم رعايتها في رسالتكم الأولى والثانية، ووجدت فيها عبارات وتعبيرات تحتوي على نقاط سلبية ومؤلمة تشابه تلك التي اتبعتموها في رسالتنا، ومن الأفضل أن نتجاوزها. وإذا لم تكونوا قد فتحتم أنتم باب الشكوى لما كتبنا هذه الأشياء، لأننا الآن نتطلع إلى السلام وليس إلى المشاجرة وحرب الرسائل.
وفيما يخص مستوى المسؤولين في المحادثات، فمن الأفضل أن يكون الأمر الآن واضحاً بأن السيد خامنئي لن يشارك في المحادثات. وطبيعي أن رئيس الجمهورية وسائر المسؤولين لن يُقدموا على شيء يخالف نظر القائد، وإذا شارك رئيس الجمهورية ستكون حتماً لديه كامل الصلاحيات، حيث سينفذ القرار بالتأكيد، ولا مجال للقلق الذي أبديتموه في رسالتكم.
ومن أجل إثبات حُسن النية والجدية في طريق السلام، تمت المقارنة في الرسالة الثانية بين انسحاب قواتنا بعد قبول القرار 598 والوضعية بعد عمليات بيت المقدس واستعادة خرمشهر والانسحاب التكتيكي في نهاية الحرب.
حبذا لو لم تكونوا قد دخلتم في هذا البحث الذي لا يحتاج إلى توضيح أكثر، وأنتم أنفسكم تعلمون أنه حتى بعد فتح خرمشهر، بقيت قواتكم العسكرية في الجبهة الوسطى في مواقع كثيرة من الأراضي الإيرانية، من ضمنها مدن نفت شهر وخسروي ومهران وعشرات القوى والمرتفعات التي كانت لها ظروف متباينة مع الجبهة الجنوبية، حيث كانت أكثر المناطق منذ اليوم الأول للحرب، وإلى الآن، تحت احتلال قواتكم، ومن المستبعد أن يكون قادتكم العسكريون قد أخفوا وكتموا هذه الحقائق عنكم.
ومع أنه قد تم التأكيد مراراً في الرسائل على ضرورة الاجتناب من اتخاذ المواقف المثيرة والتي تؤدي إلى ردود فعل، فقد وردت إشارات إلى بعض الادعاءات التي تتناقض مع تلك التأكيدات، وتعلمون بأن تعريف الحقوق ليس على أساس الانطباعات والرغبات الشخصية، بل وفق القوانين والأنظمة المعروفة. إن أحد المبادئ المهمة لضمان إحلال السلام بين دولتين، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الضمانات الدولية. إن تأكيدكم على اعتماد القرار 598 نتلقاه بشكل إيجابي، ولكن من الجدير بالذكر أن هذا القرار واضح وخالٍ من الغموض ويمكن أن يتم تنفيذه، وعلى أساس الأساليب المقترحة من قِبل الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتحمل مسؤولية تطبيقه.
إن تكرار المواقف غير المفيدة أظهر عدم جدواها العملي خلال عدة دورات من المحادثات تحت إشراف الأمين العام، وإن ما تظهرونه من وجود مشكلة في تعيين البادئ بالحرب، والذي هو من واجبات الأمين العام الأساسية حسب القرار 598 لتثبيت سلام شامل وصامد بين البلدين، وسد الطريق أمام الإجراءات التدريجية والخطوات العملية للوصول إلى سلام شامل ونهائي. وكذلك طرح الادعاءات التي ليس لها دليل، وكل شيء من هذا القبيل والذي يتنافى مع حُسن النية، نعتبرها ليست متناسبة مع الأهداف السلمية لأي من الطرفين. ومن المؤسف أن التصريحات غير المناسبة التي انعكست في قرار اجتماع القمة في بغداد حول قضايا القرار 598 وحقوق العراق وإيران، يمكنها أن تَخلق مشاكل في طريق نيل الثقة والاطمئنان لحسن النية والسلام والصداقة والتي يجب تداركها.
إن السفير ناصري ممثلنا في المحادثات مع ممثلكم (برزان التكريتي)، وإن مهمته هي المحادثات في القضايا الجوهرية لتنفيذ القرار وتهيئة الأرضية لاستئناف العلاقات السلمية بين البلدين. طلبنا منه أن يتحاشى الاشتراك في بحث القضايا الشكلية والهامشية التي تؤدي إلى قتل الوقت وإطالة الوضع الحالي. ولا بد من أن نؤكد بأن لقاء رئيسي الجمهوريتين سيكون مناسباً وصالحاً فقط في حالة أن يثق الطرفان من نتائجها الإيجابية، وبعكس ذلك فإن من الممكن أن تكون لها آثار سلبية وخسائرها أكثر من الوضع الحالي.
وبالنسبة لمكان القمة، فإن أراضي السعودية ليست في الوقت الحاضر مكاناً مناسباً لمحادثات السلام. ومع الانتباه إلى وجود أماكن متعددة، فإن انتخاب المكان المناسب للطرفين سوف لا يمثل مشكلة بالنسبة لنا (...) وطبيعي أن يطلع الأمين العام على سير المحادثات التمهيدية، وفي الحالات الضرورية يمكن الاستفادة من وجهات نظره ومبادراته حول تعزيز السلام (...)
وفي الختام، أسأل الله تبارك وتعالى أن يَمُن علينا بالتوفيق التام من أجل إزالة الخصام وقلع جذور الصراع وتعبيد وتسوية طريق الشعبين (...)
طهران، أكبر هاشمي رفسنجاني

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)
خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)

خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.