خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

روى عبر مذكراته في «الشرق الأوسط» أنه نصح الحريري بمغادرة لبنان سريعاً والاستقالة من الخارج

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
TT

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في حلقة اليوم، من مذكراته، تفاصيل قرار الرئيس بشار الأسد التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والاتصالات التي جرت وقتذاك مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإقناعه بالموافقة على التمديد.
ويقول خدام إن موضوع التمديد للحود كان في 2004. «يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وأقلية مؤيدة، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004، بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية».
ويشير إلى أنه مع اتساع «حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية»، كان واضحاً أمامه أن «أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد». ويضيف خدام: «كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد».
ويتحدث خدام بالتفصيل عن لقاءاته مع الرئيس الأسد لإقناعه بعدم التمديد ثم الطلب من لحود تقديم استقالته ورعاية سوريا لحوار وطني لبناني. ويتوقف عند لقاء الأسد والحريري في 22 سبتمبر (أيلول) 2004، حيث أكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد، و«لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
ويضيف أن الحريري خرج «مرتاحاً» من اللقاء، لكن المفاجأة كانت أن وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، قال في اجتماع حزبي إن تشكيل الحريري للحكومة «غير وارد، لأنه متآمر على سوريا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». وهنا نص الحلقة الثانية من مذكرات خدام:
كان موضوع التمديد للعماد إميل لحود يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وبين أقلية مؤيدة له، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004. بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
اتسعت حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية.
وكان واضحاً أمامي أن أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد. لذلك، كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد، لا سيما بعد الضغوط الكبرى التي مارسها على رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، إذ استدعاه في شهر يوليو (تموز)، بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة الكلام إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف في أنفه.
في صباح ذلك اليوم، كان لي موعد مع الدكتور بشار. وعندما ذهبت إليه، كان منفعلاً ومتوتراً، وقال: «كان لدي رفيق الحريري، واستقبلته الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقلت له كلاماً واضحاً وصريحاً وبحضور الضباط، وأبلغته أنه من غير المسموح له العمل على مجيء رئيس للجمهورية، فأنا الذي أختار، ومن يخالفني سأكسر عظمه».
فوجئت بالحديث، وقلت له: «ماذا فعلت؟، أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين في لبنان. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر؟ وهل حسبت نتائج مثل هذا الكلام؟ لقد عملنا خلال سنوات طويلة ليكون لرئيس الحكومة ولرئيس المجلس النيابي دور أساسي، وأنت تعمل من أجل إميل لحود على إضعاف هذا الدور. ليس لك مصلحة في ذلك. وكيف تخاطب رئيس وزراء بحضور هؤلاء الضباط؟ ما مصلحتك ومصلحة البلد بتحجيم رئيس الوزراء أو رئيس المجلس النيابي؟». هنا هدأ، وقال: «وجّه دعوة للرئيس الحريري لزيارتك، واعمل على مسح ما ترتّب من لقائي». أجبته: «سأفعل ذلك».
بالفعل، اتصلتُ بالرئيس الحريري هاتفياً، وعاتبته على أنه جاء إلى دمشق ولم يتصل بي. وقلت: «انتظرك أن تأتي إلى دمشق خلال أيام»، فأجابني: «كانت ظروفي سيئة جداً، لذلك لم أتصل بك، وبعد تلك الزيارة لن أزور دمشق».
تناقشت معه طويلاً، وبنهاية النقاش اقتنع بأن يزورني في بلودان (قرب دمشق). وبالفعل، استقبلته يوم الخميس، وحدّثني عما حصل معه، وكان مجروحاً، وقال: «لا أنسى لقائي مع بشار الأسد ما دمت حياً». تدخّلت مقاطعاً إياه: «أنت رجل سياسي، ولا يجب أن تأخذ الأمور بهذا الشكل، والرجل عندما حدّثك كان منفعلاً، وقد اجتمعت به يوم لقائك، وحدّثني وتناقشنا في الموضوع، وشعرتُ أنه متألم من انفعاله». قلت له: «خذ الأمر برويّة». وفعلاً، حاولت بهذا الحديث التخفيف من حدة التوترات بينه وبين الدكتور بشار الأسد.
في 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعتُ بالرئيس الأسد لأودّعه بمناسبة سفري إلى فرنسا لإجراء فحوصاتي الطبية السنوية، وخلال ذلك اللقاء ناقشنا موضوع التمديد للعماد لحود، وسألته: «إلى أين وصل هذا الأمر؟»، فأجابني: «قررتُ عدم التمديد. لا أحد في العالم موافق عليه، والدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون، وأبلغتُ الرئيس لحود أن لا نية لدينا في التمديد له، والرجل عرف موقفنا بشكل واضح».
علّقت على كلامه، قائلاً: «أتمنى ألا يحاول أحد دفعك إلى تغيير موقفك. أنت لا تستطيع أن تتحمّل عواقب التمديد، وسوريا لا تستطيع أن تتحمل ما يمكن أن يحدث بسبب التمديد»، فأجابني: «لقد كنتُ حازماً مع الرئيس لحود في هذا الأمر». ودّعته وانصرفت.
بعد بضعة أيام، وأثناء وجودي في فرنسا، اتصل بي الرئيس الحريري وأبلغني أن الدكتور بشار غيّر رأيه فيما يتعلق بالتمديد، واستدعاه إلى دمشق، وكانت المقابلة قصيرة، وكان الأسد متوتّراً، وأبلغه أنه قرر دعم التمديد للعماد لحود، كما قال له: «عليك أن تحدد موقفك: هل أنت مع سوريا أو ضدها؟»، اذهب وفكّر في الموضوع وأبلغني قرارك بالموافقة أو الرفض». وتابع الرئيس الحريري في اتصاله معي: «أريد نصيحتك». فسألته: «هل اجتمعت إلى وليد جنبلاط؟ وماذا كان رأيه؟»، فأجابني: «اجتمعت به ونصحني بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة بعد ذلك». فقلت له: «أنت لا تستطيع أن تتحمل نتائج الرفض، نصيحة وليد لك صحيحة. من الأفضل أن توافق، وبعدها تغادر لبنان وتعلن استقالتك من الخارج».
أبلغ الرئيس الحريري العميد رستم الغزالي بموافقته، وغادر إلى جزيرة سردينيا للقاء عائلته هناك. وبعد أيام اتصل بي، وكنت لا أزال في فرنسا، وسألني: «إذا عدت إلى لبنان، هل هناك خطر على حياتي؟»، فأجبته: «لقد وافقتَ على كل ما طلبه منك الدكتور بشار الأسد، ولا يزال بحاجة لك، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد. ولكن، كما نصحتُك، بعد الانتهاء من الإجراءات غادر لبنان مباشرة وأعلن استقالتك».
في تلك الفترة، نشطت الدول الأوروبية لعقد اجتماع لمجلس الأمن واتخاذ قرارات حول لبنان والوجود السوري فيه، واتفقت تلك الدول على صيغة للمشروع، ورتّبت الوضع في مجلس الأمن. وقد تم تحديد موعد لعقد جلسة مجلس الأمن في تلك الظروف.
طلب الأسد من وزير الخارجية فاروق الشرع الاتصال بوزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتيونوس، وطلب منه مساعدة سوريا مع الدول الغربية لإلغاء جلسة مجلس الأمن، وأن سوريا ستعمل على إلغاء التمديد للرئيس لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
اتصل الشرع بنظيره الإسباني وعرض عليه الموضوع، فطلب الوزير الإسباني من الشرع أن يطلب من رئيسه الاتصال برئيس وزراء إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو. وبالفعل، اتصل الأسد به، متمنياً عليه المساعدة في إلغاء جلسة مجلس الأمن، وأبلغه أن سوريا جاهزة للعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة والتخلي عن التمديد للحود.
بذل رئيس وزراء إسبانيا جهوداً كبيرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبعد خمس ساعات من الاتصالات، تمت الموافقة على إلغاء جلسة مجلس الأمن إذا نفّذ الجانب السوري التزامه.
اتصل موراتينوس بالشرع، وأبلغه موافقة الدول الغربية على الاقتراح السوري، وتمنى عليه أن يتصل الجانب السوري برئيس المجلس النيابي نبيه بري لإلغاء جلسة المجلس النيابي المخصصة لتعديل الدستور. فأجابه الوزير الشرع: «لبنان دولة مستقلة، ولا علاقة لنا بالأمر. اتصل أنت بالرئيس نبيه بري».
فوجئ الوزير الإسباني بهذا الجواب، ومع ذلك اتصل مواتينوس بالرئيس نبيه بري، وعرض عليه ما جرى، وكان جواب بري: «إن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لسوريا بهذا الموضوع».
وفي 2 سبتمبر (أيلول)، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 1559. الذي تضمّن قراراً يدعو سوريا إلى سحب قواتها من لبنان، وعدم التدخّل في شؤونه الداخلية. كما تضمّن دعوة لبنان إلى إجراء انتخابات رئاسية دون تدخّل خارجي. وأكد القرار على استقلال وسيادة لبنان وإنهاء التنظيمات المسلّحة غير الحكومية. وصدر القرار وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا أصبح النظام في سوريا تحت رقابة مجلس الأمن.
أسئلة كثيرة طرحت نفسها آنذاك: لماذا غيّر الدكتور بشار الأسد قراره باتجاه دعم التمديد للعماد لحود؟ ثم، لماذا غيّر قراره باتجاه عدم التمديد للحود وتوسّط إسبانيا، وبعد خمس ساعات غيّر قراره وعاد إلى تبنّي التمديد للعماد لحود؟ هل الأمر ناجم عن ضغوط من قبل قريبين منه كان لهم حجم كبير من المصالح في لبنان؟ أم أنه ناجم عن أمور ذات صلة بأجهزة الأمن في لبنان، الشريكة في النظام الأمني؟ أم أن الموضوع مجرد انفعالات شخصية ناجمة عن حالات من الخوف والتردُّد تحكّمت بقراره؟

عدت من فرنسا في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2004. وفي اليوم التالي، استقبلني الرئيس الأسد، وبعد حديث قصير عن فحوصاتي الطبية، تحدث عن لقائه مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى، الذي أبدى استعداده لبذل الجهود لتحسين العلاقات السورية - الأميركية، ثم تحدث عن لقائه مع مارتن إنديك، المستشار الأمني السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي انتقد بشدة سياسة الرئيس جورج بوش.
فعلّقتُ قائلاً: «ليس للاثنين دور في صنع السياسة الأميركية»، ثم تابع: «سيأتينا وفد أميركي كبير برئاسة وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط». وأضاف: «الولايات المتحدة الأميركية لا يهمها لبنان، وإنما العراق». فعقّبت على كلامه، أن هذا الوفد «سيطلب من سوريا وقف التدخل في العراق وتسليم جماعة صدام حسين وإعادة الأموال العراقية إلى حكومة بغداد».
سألني: «هل كنت تتابع الأخبار؟»، فأجبته: «نعم، وقناعتي وقراءتي للوضع أن سوريا كانت على طرف دائرة الخطر، فأصبحت الآن في قلبها. وقد فوجئت عندما أبلغني الرئيس رفيق الحريري باتصالك معه، وأنك أبلغته قرارك بالتمديد للعماد لحود، علماً بأنك أكدت لي رفضك للتمديد». أجابني: «جاءتنا معلومات بأن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إخراج سوريا من لبنان، وأن الحريري لعب دوراً كبيراً في هذا الاتفاق». أجبته: «أستغرب ذلك. هل يُعقل أن يكون للحريري دور في تحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في الشرق الأوسط؟ لقد أبلغني الحريري بعد اتصالك به أنه رغم عدم قناعته بعدم التمديد فإنه سيوافق، ولا يريد أن يتخذ موقفاً يؤدي إلى هزيمة سوريا في لبنان. الموقف الأميركي متوقّع لأسباب تتعلق بالعراق من جهة، وبالصراع العربي - الإسرائيلي من جهة ثانية، أما فرنسا فقد كانت دائماً تساند سوريا، غير أنك تذكر مشكلة عقد الغاز وما جرى خلال زيارتي الأخيرة لفرنسا ومحاولة الرئيس شيراك احتواء المشكلة، وذلك بدعوتي لزيارة فرنسا، لكنك رفضت، وقد تم إبلاغ سفيرتنا في باريس، صبا ناصر، أن الرئيس الأسد هو الذي منع نائب الرئيس عبد الحليم خدام من قبول دعوة الرئيس شيراك. إن الموقف الفرنسي تغيّر بعد استبعاد الشركة الفرنسية وإعطاء العقد لشركة كندية، أحد مالكيها شركة نفط أميركية كبرى».
سألني الأسد: «أيهما أفضل: التركيز على العلاقات الأميركية - السورية أم العلاقات السورية - الأوروبية؟»، فأجبته: «الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الأكثر تأثيراً في العالم، ومن الناحية النظرية فإن التركيز على العلاقات معها أفضل، ولكن العقبة الكبرى هي موقع إسرائيل في السياسة الأميركية. أما بالنسبة لأوروبا فإن تأثيرها محدود، ولكن العمل معها أكثر سهولة من العمل مع الأميركيين».
قال الأسد: «طلبتُ من الشرع القيام بزيارات إلى دول أوروبية عدة، وشرح وجهة نظرنا، وأن يطلب من وزير الخارجية الإسباني المساعدة في ترتيب الزيارات»، فأجبته: «إسبانيا لا تستطيع أن تنفصل في سياستها عن الاتحاد الأوروبي، والسفير الإسباني في الأمم المتحدة كان يرأس مجلس الأمن عندما أقر القرار 1559. ونصيحتي عدم القيام بهذه الزيارة والزيارات الأخرى، لأن أوروبا في حالة احتقان ضدنا».
وهنا قلت له: «كيف يمكن لهذا الطاقم أن يشرح وجهة نظرنا في حين يصرّح كل من الشرع ووزير الإعلام أحمد الحسن وبشرى كنفاني مديرة الإعلام في وزارة الخارجية بعد صدور القرار 1559 أنه يشكل انتصاراً لسوريا؟».
سألني الأسد: «متى كان ذلك؟»، فأجبته: «بعد صدور القرار 1559. والمواطن يصدّق مَن؟ هل يصدّق هؤلاء أم يصدق حلفاء سوريا في لبنان الذين اعتبروا القرار 1559 تآمراً على سوريا وعلى لبنان؟». في الواقع، لقد فوجئ الدكتور بشار بتلك التصريحات وأبدى امتعاضه.
انتقلنا إلى الحديث عن انعكاسات ذلك القرار، ووجهة نظري حول كيفية التعامل مع الموضوع، فأجبته: «الأمر السليم تقديم الرئيس لحود استقالته وانتخاب رئيس جديد. لكن، قد يكون في هذا الأمر صعوبة لك وللرئيس لحود، وتتسارع بعدها التطورات. ولذلك، فالحل الآخر الذي يقلل الخسائر يتطلب تقديم تنازلات للمصالحة مع الجانب المسيحي والحوار مع البطريرك صفير ومع قرنة شهوان، بدعوتهم كمجموعة أشخاص، ومن هؤلاء بطرس حرب وفارس سعيد ونسيب لحود، إضافة إلى توجيه رسالة تطمين للرئيس أمين الجميل الموجود في فرنسا». وقلت: «يجب أن تتولى شخصياً عملية الحوار».
سألني الأسد: «الآخرون ممكن دعوتهم، كيف يكون الحوار مع البطريرك؟»، فأجبته: «أقترح دعوة الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله والسيد وليد جنبلاط بعد المصالحة معه، ونفوّضهم الحوار مع الجانب المسيحي وفي مقدمتهم البطريرك صفير، على أن يوافق الجانب الإسلامي على تشكيل حكومة اتحاد وطني بالتساوي بين الجانبين، وتكون لها مهمة واحدة هي وضع قانون انتخابات يرضى عنه الجانب المسيحي، ويلي ذلك إجراء الانتخابات في البلاد، وعندئذٍ يأتي مجلس لا يستطيع أحد أن يطعن بشرعيته».
وقلت: «معلوماتي أن الجانب المسيحي لا يسعى إلى تدمير العلاقات مع سوريا، وإنما إلى علاقات متوازنة تؤدي إلى إنهاء الممارسات التي تقوم بها أجهزة الأمن السورية في لبنان. تعامل الأجهزة مع اللبنانيين أكثر سوءاً من تعامل الأجنبي الذي حكم لبنان في الماضي. عندما يجرؤ رئيس فرع الأمن على توجيه الشتائم إلى المجلس النيابي ورئيس الحكومة، وكلاهما صديق لسوريا، فتصور تعامله مع الآخرين». قال: «الجانب المسيحي يريد قانون انتخابات على أساس القضاء، وأنا موافق على ذلك». تابعتُ حديثي: «السير في هذا الطريق يضمن مصالح سوريا، كما يساعد في إقامة علاقات حقيقية مع جميع الأطراف اللبنانية».
تطرق الحديث إلى وضع جنبلاط، فانتقده الدكتور بشار بشدة بسبب موقفه من التمديد للعماد لحود. وكان ردي على انتقاده أن «جنبلاط كان أجرأ من غيره في التعبير عن موقفه، ولو تُرك النواب لخيارهم لما تم تعديل الدستور. يجب ألا ننسى تاريخ جنبلاط ووقوفه معنا، وليس لسوريا مصلحة في خسارته»، فوافق على إبداء المرونة معه، كما وافق على استقباله.
خرجتُ من اللقاء متوقّعاً أن الدكتور بشار سيخطو خطوات فاعلة باتجاه المصالحة.
استقبلتُ في مساء الثلاثاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2004 رفيق الحريري، وكان متوتراً بسبب جلسة مجلس الوزراء اللبناني، حيث لم يلتزم الرئيس لحود بالاتفاق على إقرار عدد من المواضيع التي سبق الاتفاق عليها، ومنها استملاك أراضي في بيروت لبناء المدارس. وبعد استعراض مراحل التعاون بينه وبين الحكم في سوريا، تحدث عن موافقته على قرار تعديل الدستور رغم عدم قناعته، وأن التعديل كان مرفوضاً شعبياً وعربياً ودولياً، وأكد أنه لا إمكانية للتعاون مع لحود، وليس من مصلحة سوريا أن يشكّل الحكومة لأن الوضع سيء، وسيزداد سوءاً، وقال إنه سيبقى مع سوريا داخل لبنان وخارجه، وهو ابن صيدا المسلم والعربي، ولا يمكن أن يخطو أي خطوة تؤذي سوريا أو تكسر شوكتها في لبنان. وشكا بمرارة من ممارسات أجهزة الأمن السوري واللبناني، وأكد أن الرفض الشعبي هو بسبب تلك الممارسات.
بعد أن أنهى عرض موقفه، أخذتُ الحديث، وقلت: «أنا معك بعدم تشكيل الحكومة إذا استمرت الظروف السابقة من الممارسات على الحكومة، كما على غرار الحكومات السابقة». سألته: «كيف يمكن تجاوز الوضع في لبنان؟»، فأبدى تشاؤماً من الوضع العام في البلد وعدم الثقة بالرئيس لحود. سألته: «إذا توافرت الشروط، ألا يَسهُل تجاوز الوضع؟»، فأجاب: «ممكن، لكن بصعوبة». سألته: «كيف؟»، فأجاب: «لا بد من حكومة تتمتع بمصداقية أمام الناس وأن يكون لها برنامج، وأن يوضع قانون انتخاب جديد، وأن تتوقف الممارسات الخاطئة، وأن يطبّق اتفاق الطائف».
أجبته: «أتفق معك تماماً. أولاً، لا بد من الحوار مع المعارضة المسيحية وعلى رأسها البطريرك صفير، ولا بد من تشكيل حكومة اتحاد وطني تضم ممثلين عن المعارضة المسيحية، أمثال بطرس حرب ونسيب لحود وفارس سعيد، ويترك للمعارضة اختيار ممثليها، ومهمة هذه الحكومة وضع قانون انتخابات عادل والإشراف على إجراء الانتخابات».
وهنا سألت الحريري: «كيف تتصور قانون الانتخابات؟». أجاب: «المعارضة المسيحية تريد الدائرة الصغيرة وجنبلاط يحبّذ ذلك». فعقّبت: «إن الدائرة الصغيرة تأتي بالتطرف، والدستور تبنّى المحافظة كدائرة انتخابية». أجابني: «هذا صحيح، لكن لا بد من وجود صيغة توفّق بين مطلب المعارضة المسيحية وبين الدستور».
اتفقنا على التمسّك بما ورد في الطائف، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. ونظراً لأن الشمال والجنوب والبقاع قُسِّما إلى محافظتين، يمكن تقسيم محافظة جبل لبنان إلى محافظتين: الأولى، تضم المتن الشمالي وكسروان وجبيل، والثانية تضم المتن الجنوبي وعاليه والشوف. أما بيروت فتبقى محافظة واحدة.
أكد الحريري على ضرورة تمثيل جنبلاط والمعارضة المسيحية، كما أكد صعوبة تشكيل حكومة في غياب هذه المشاركة. وافقته في وجهة نظره أن هذه الحكومة ستكون حكومة انتقالية مؤقتة بسبب قرب الانتخابات التي ستجري بعد أشهر، وبعدها ستأتي حكومة في ضوء نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة وحدة وطنية تعطي مصداقية للانتخابات.
ومن الأمور التي أكد عليها الحريري، مسألة تجاوز رئيس الجمهورية للدستور واتفاق الطائف، بإصراره على ترؤس جلسات مجلس الوزراء، فوافقته على عدم جواز ذلك، وأبلغته أني سأعرض على الرئيس الأسد مناقشاتنا، وتركته وذهبت إلى غرفة ثانية، وعرضت تفاصيل المناقشات، وناقشنا إيجابياتها، وكان رد الرئيس الأسد على النحو التالي:
«أولاً، الموافقة على حكومة الوحدة الوطنية ومشاركة المعارضة المسيحية وجنبلاط.
ثانياً، أيد وجهة نظرنا حول التمسك بالطائف، لا سيما بالنسبة لقانون الانتخابات.
ثالثاً، أكد عدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية إلا في الحالات الوارد ذكرها في اتفاق الطائف وفي الدستور، أي عند مناقشة قضايا كبرى تتعلق بالبلاد».
سألني الرئيس الأسد: «هل الرئيس الحريري ملتزم بذلك؟». أجبته: «نعم».
وفيما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أبدى الدكتور بشار استياءه من تصرفات الرئيس لحود، وأبلغني أنه أرسل له رسالة بهذا الخصوص.
في يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2004، استقبل الدكتور بشار في دمشق الحريري، وجرت مناقشة كل المواضيع المشار إليها، وتمت الموافقة عليها. وأكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد للرئيس لحود. وهنا كرر الرئيس الحريري ما كان قاله لي حول موقفه من سوريا. قال الأسد: «لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
خرج الرئيس الحريري مرتاحاً من اللقاء، وعند عودته إلي كان واضحاً عليه ارتياحه من مقابلة الأسد، وكان مختلفاً في حديثه وتعبيراته عما كان عليه قبل ذلك اللقاء.
بعد أيام من تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، عقدت «الجبهة الوطنية التقدّمية» (ائتلاف يضم الأحزاب المرخصة بقيادة «البعث») في سوريا، اجتماعاً قدّم خلاله وزير الخارجية فاروق الشرع عرضاً سياسياً حول الوضع في المنطقة وفي لبنان. سأله أحد أعضاء «الجبهة» إذا كان الحريري سيشكل الحكومة، فأجابه: «هذا الأمر غير وارد، وأنه متآمر على سوريا مع الرئيس جاك شيراك الذي يقبض أموالاً من رفيق الحريري».
فوجئ معظم أعضاء الجبهة بهذا الحديث، لا سيما أنه منذ أيام كان الرئيس الحريري مع الرئيس السوري. وأعلمني أحد أعضاء «الجبهة» بهذا الحديث، وكان مستغرباً من كلام وزير الخارجية. اتصلت بالرئيس الأسد وسألته: «هل أنت أعطيت توجيهاً للشرع ليقول إن الحريري لن يشكل الحكومة وأنه يدفع أموالاً للرئيس جاك شيراك، وأنت تعلم أن هذا الكلام سيصل إلى الفرنسيين وسيزيد الوضع تعقيداً؟».
أجابني الرئيس بشار: «لم أعطِ توجيهاً، ومن طلب منه أن يتحدث عن لبنان؟ وما هي علاقته بلبنان؟ هذا الإنسان لا يفهم». وتحدّث بعبارات أكثر قسوة، وطلب مني الاتصال بالحريري وإبلاغه باسمه أنه لا رئيس وزراء في لبنان غيره، وأن أي كلام يصل إليه غير ذلك غير صحيح ونحن متمسكون به.
 

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.