خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

روى عبر مذكراته في «الشرق الأوسط» أنه نصح الحريري بمغادرة لبنان سريعاً والاستقالة من الخارج

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
TT

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في حلقة اليوم، من مذكراته، تفاصيل قرار الرئيس بشار الأسد التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والاتصالات التي جرت وقتذاك مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإقناعه بالموافقة على التمديد.
ويقول خدام إن موضوع التمديد للحود كان في 2004. «يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وأقلية مؤيدة، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004، بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية».
ويشير إلى أنه مع اتساع «حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية»، كان واضحاً أمامه أن «أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد». ويضيف خدام: «كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد».
ويتحدث خدام بالتفصيل عن لقاءاته مع الرئيس الأسد لإقناعه بعدم التمديد ثم الطلب من لحود تقديم استقالته ورعاية سوريا لحوار وطني لبناني. ويتوقف عند لقاء الأسد والحريري في 22 سبتمبر (أيلول) 2004، حيث أكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد، و«لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
ويضيف أن الحريري خرج «مرتاحاً» من اللقاء، لكن المفاجأة كانت أن وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، قال في اجتماع حزبي إن تشكيل الحريري للحكومة «غير وارد، لأنه متآمر على سوريا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». وهنا نص الحلقة الثانية من مذكرات خدام:
كان موضوع التمديد للعماد إميل لحود يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وبين أقلية مؤيدة له، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004. بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
اتسعت حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية.
وكان واضحاً أمامي أن أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد. لذلك، كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد، لا سيما بعد الضغوط الكبرى التي مارسها على رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، إذ استدعاه في شهر يوليو (تموز)، بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة الكلام إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف في أنفه.
في صباح ذلك اليوم، كان لي موعد مع الدكتور بشار. وعندما ذهبت إليه، كان منفعلاً ومتوتراً، وقال: «كان لدي رفيق الحريري، واستقبلته الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقلت له كلاماً واضحاً وصريحاً وبحضور الضباط، وأبلغته أنه من غير المسموح له العمل على مجيء رئيس للجمهورية، فأنا الذي أختار، ومن يخالفني سأكسر عظمه».
فوجئت بالحديث، وقلت له: «ماذا فعلت؟، أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين في لبنان. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر؟ وهل حسبت نتائج مثل هذا الكلام؟ لقد عملنا خلال سنوات طويلة ليكون لرئيس الحكومة ولرئيس المجلس النيابي دور أساسي، وأنت تعمل من أجل إميل لحود على إضعاف هذا الدور. ليس لك مصلحة في ذلك. وكيف تخاطب رئيس وزراء بحضور هؤلاء الضباط؟ ما مصلحتك ومصلحة البلد بتحجيم رئيس الوزراء أو رئيس المجلس النيابي؟». هنا هدأ، وقال: «وجّه دعوة للرئيس الحريري لزيارتك، واعمل على مسح ما ترتّب من لقائي». أجبته: «سأفعل ذلك».
بالفعل، اتصلتُ بالرئيس الحريري هاتفياً، وعاتبته على أنه جاء إلى دمشق ولم يتصل بي. وقلت: «انتظرك أن تأتي إلى دمشق خلال أيام»، فأجابني: «كانت ظروفي سيئة جداً، لذلك لم أتصل بك، وبعد تلك الزيارة لن أزور دمشق».
تناقشت معه طويلاً، وبنهاية النقاش اقتنع بأن يزورني في بلودان (قرب دمشق). وبالفعل، استقبلته يوم الخميس، وحدّثني عما حصل معه، وكان مجروحاً، وقال: «لا أنسى لقائي مع بشار الأسد ما دمت حياً». تدخّلت مقاطعاً إياه: «أنت رجل سياسي، ولا يجب أن تأخذ الأمور بهذا الشكل، والرجل عندما حدّثك كان منفعلاً، وقد اجتمعت به يوم لقائك، وحدّثني وتناقشنا في الموضوع، وشعرتُ أنه متألم من انفعاله». قلت له: «خذ الأمر برويّة». وفعلاً، حاولت بهذا الحديث التخفيف من حدة التوترات بينه وبين الدكتور بشار الأسد.
في 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعتُ بالرئيس الأسد لأودّعه بمناسبة سفري إلى فرنسا لإجراء فحوصاتي الطبية السنوية، وخلال ذلك اللقاء ناقشنا موضوع التمديد للعماد لحود، وسألته: «إلى أين وصل هذا الأمر؟»، فأجابني: «قررتُ عدم التمديد. لا أحد في العالم موافق عليه، والدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون، وأبلغتُ الرئيس لحود أن لا نية لدينا في التمديد له، والرجل عرف موقفنا بشكل واضح».
علّقت على كلامه، قائلاً: «أتمنى ألا يحاول أحد دفعك إلى تغيير موقفك. أنت لا تستطيع أن تتحمّل عواقب التمديد، وسوريا لا تستطيع أن تتحمل ما يمكن أن يحدث بسبب التمديد»، فأجابني: «لقد كنتُ حازماً مع الرئيس لحود في هذا الأمر». ودّعته وانصرفت.
بعد بضعة أيام، وأثناء وجودي في فرنسا، اتصل بي الرئيس الحريري وأبلغني أن الدكتور بشار غيّر رأيه فيما يتعلق بالتمديد، واستدعاه إلى دمشق، وكانت المقابلة قصيرة، وكان الأسد متوتّراً، وأبلغه أنه قرر دعم التمديد للعماد لحود، كما قال له: «عليك أن تحدد موقفك: هل أنت مع سوريا أو ضدها؟»، اذهب وفكّر في الموضوع وأبلغني قرارك بالموافقة أو الرفض». وتابع الرئيس الحريري في اتصاله معي: «أريد نصيحتك». فسألته: «هل اجتمعت إلى وليد جنبلاط؟ وماذا كان رأيه؟»، فأجابني: «اجتمعت به ونصحني بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة بعد ذلك». فقلت له: «أنت لا تستطيع أن تتحمل نتائج الرفض، نصيحة وليد لك صحيحة. من الأفضل أن توافق، وبعدها تغادر لبنان وتعلن استقالتك من الخارج».
أبلغ الرئيس الحريري العميد رستم الغزالي بموافقته، وغادر إلى جزيرة سردينيا للقاء عائلته هناك. وبعد أيام اتصل بي، وكنت لا أزال في فرنسا، وسألني: «إذا عدت إلى لبنان، هل هناك خطر على حياتي؟»، فأجبته: «لقد وافقتَ على كل ما طلبه منك الدكتور بشار الأسد، ولا يزال بحاجة لك، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد. ولكن، كما نصحتُك، بعد الانتهاء من الإجراءات غادر لبنان مباشرة وأعلن استقالتك».
في تلك الفترة، نشطت الدول الأوروبية لعقد اجتماع لمجلس الأمن واتخاذ قرارات حول لبنان والوجود السوري فيه، واتفقت تلك الدول على صيغة للمشروع، ورتّبت الوضع في مجلس الأمن. وقد تم تحديد موعد لعقد جلسة مجلس الأمن في تلك الظروف.
طلب الأسد من وزير الخارجية فاروق الشرع الاتصال بوزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتيونوس، وطلب منه مساعدة سوريا مع الدول الغربية لإلغاء جلسة مجلس الأمن، وأن سوريا ستعمل على إلغاء التمديد للرئيس لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
اتصل الشرع بنظيره الإسباني وعرض عليه الموضوع، فطلب الوزير الإسباني من الشرع أن يطلب من رئيسه الاتصال برئيس وزراء إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو. وبالفعل، اتصل الأسد به، متمنياً عليه المساعدة في إلغاء جلسة مجلس الأمن، وأبلغه أن سوريا جاهزة للعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة والتخلي عن التمديد للحود.
بذل رئيس وزراء إسبانيا جهوداً كبيرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبعد خمس ساعات من الاتصالات، تمت الموافقة على إلغاء جلسة مجلس الأمن إذا نفّذ الجانب السوري التزامه.
اتصل موراتينوس بالشرع، وأبلغه موافقة الدول الغربية على الاقتراح السوري، وتمنى عليه أن يتصل الجانب السوري برئيس المجلس النيابي نبيه بري لإلغاء جلسة المجلس النيابي المخصصة لتعديل الدستور. فأجابه الوزير الشرع: «لبنان دولة مستقلة، ولا علاقة لنا بالأمر. اتصل أنت بالرئيس نبيه بري».
فوجئ الوزير الإسباني بهذا الجواب، ومع ذلك اتصل مواتينوس بالرئيس نبيه بري، وعرض عليه ما جرى، وكان جواب بري: «إن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لسوريا بهذا الموضوع».
وفي 2 سبتمبر (أيلول)، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 1559. الذي تضمّن قراراً يدعو سوريا إلى سحب قواتها من لبنان، وعدم التدخّل في شؤونه الداخلية. كما تضمّن دعوة لبنان إلى إجراء انتخابات رئاسية دون تدخّل خارجي. وأكد القرار على استقلال وسيادة لبنان وإنهاء التنظيمات المسلّحة غير الحكومية. وصدر القرار وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا أصبح النظام في سوريا تحت رقابة مجلس الأمن.
أسئلة كثيرة طرحت نفسها آنذاك: لماذا غيّر الدكتور بشار الأسد قراره باتجاه دعم التمديد للعماد لحود؟ ثم، لماذا غيّر قراره باتجاه عدم التمديد للحود وتوسّط إسبانيا، وبعد خمس ساعات غيّر قراره وعاد إلى تبنّي التمديد للعماد لحود؟ هل الأمر ناجم عن ضغوط من قبل قريبين منه كان لهم حجم كبير من المصالح في لبنان؟ أم أنه ناجم عن أمور ذات صلة بأجهزة الأمن في لبنان، الشريكة في النظام الأمني؟ أم أن الموضوع مجرد انفعالات شخصية ناجمة عن حالات من الخوف والتردُّد تحكّمت بقراره؟

عدت من فرنسا في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2004. وفي اليوم التالي، استقبلني الرئيس الأسد، وبعد حديث قصير عن فحوصاتي الطبية، تحدث عن لقائه مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى، الذي أبدى استعداده لبذل الجهود لتحسين العلاقات السورية - الأميركية، ثم تحدث عن لقائه مع مارتن إنديك، المستشار الأمني السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي انتقد بشدة سياسة الرئيس جورج بوش.
فعلّقتُ قائلاً: «ليس للاثنين دور في صنع السياسة الأميركية»، ثم تابع: «سيأتينا وفد أميركي كبير برئاسة وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط». وأضاف: «الولايات المتحدة الأميركية لا يهمها لبنان، وإنما العراق». فعقّبت على كلامه، أن هذا الوفد «سيطلب من سوريا وقف التدخل في العراق وتسليم جماعة صدام حسين وإعادة الأموال العراقية إلى حكومة بغداد».
سألني: «هل كنت تتابع الأخبار؟»، فأجبته: «نعم، وقناعتي وقراءتي للوضع أن سوريا كانت على طرف دائرة الخطر، فأصبحت الآن في قلبها. وقد فوجئت عندما أبلغني الرئيس رفيق الحريري باتصالك معه، وأنك أبلغته قرارك بالتمديد للعماد لحود، علماً بأنك أكدت لي رفضك للتمديد». أجابني: «جاءتنا معلومات بأن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إخراج سوريا من لبنان، وأن الحريري لعب دوراً كبيراً في هذا الاتفاق». أجبته: «أستغرب ذلك. هل يُعقل أن يكون للحريري دور في تحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في الشرق الأوسط؟ لقد أبلغني الحريري بعد اتصالك به أنه رغم عدم قناعته بعدم التمديد فإنه سيوافق، ولا يريد أن يتخذ موقفاً يؤدي إلى هزيمة سوريا في لبنان. الموقف الأميركي متوقّع لأسباب تتعلق بالعراق من جهة، وبالصراع العربي - الإسرائيلي من جهة ثانية، أما فرنسا فقد كانت دائماً تساند سوريا، غير أنك تذكر مشكلة عقد الغاز وما جرى خلال زيارتي الأخيرة لفرنسا ومحاولة الرئيس شيراك احتواء المشكلة، وذلك بدعوتي لزيارة فرنسا، لكنك رفضت، وقد تم إبلاغ سفيرتنا في باريس، صبا ناصر، أن الرئيس الأسد هو الذي منع نائب الرئيس عبد الحليم خدام من قبول دعوة الرئيس شيراك. إن الموقف الفرنسي تغيّر بعد استبعاد الشركة الفرنسية وإعطاء العقد لشركة كندية، أحد مالكيها شركة نفط أميركية كبرى».
سألني الأسد: «أيهما أفضل: التركيز على العلاقات الأميركية - السورية أم العلاقات السورية - الأوروبية؟»، فأجبته: «الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الأكثر تأثيراً في العالم، ومن الناحية النظرية فإن التركيز على العلاقات معها أفضل، ولكن العقبة الكبرى هي موقع إسرائيل في السياسة الأميركية. أما بالنسبة لأوروبا فإن تأثيرها محدود، ولكن العمل معها أكثر سهولة من العمل مع الأميركيين».
قال الأسد: «طلبتُ من الشرع القيام بزيارات إلى دول أوروبية عدة، وشرح وجهة نظرنا، وأن يطلب من وزير الخارجية الإسباني المساعدة في ترتيب الزيارات»، فأجبته: «إسبانيا لا تستطيع أن تنفصل في سياستها عن الاتحاد الأوروبي، والسفير الإسباني في الأمم المتحدة كان يرأس مجلس الأمن عندما أقر القرار 1559. ونصيحتي عدم القيام بهذه الزيارة والزيارات الأخرى، لأن أوروبا في حالة احتقان ضدنا».
وهنا قلت له: «كيف يمكن لهذا الطاقم أن يشرح وجهة نظرنا في حين يصرّح كل من الشرع ووزير الإعلام أحمد الحسن وبشرى كنفاني مديرة الإعلام في وزارة الخارجية بعد صدور القرار 1559 أنه يشكل انتصاراً لسوريا؟».
سألني الأسد: «متى كان ذلك؟»، فأجبته: «بعد صدور القرار 1559. والمواطن يصدّق مَن؟ هل يصدّق هؤلاء أم يصدق حلفاء سوريا في لبنان الذين اعتبروا القرار 1559 تآمراً على سوريا وعلى لبنان؟». في الواقع، لقد فوجئ الدكتور بشار بتلك التصريحات وأبدى امتعاضه.
انتقلنا إلى الحديث عن انعكاسات ذلك القرار، ووجهة نظري حول كيفية التعامل مع الموضوع، فأجبته: «الأمر السليم تقديم الرئيس لحود استقالته وانتخاب رئيس جديد. لكن، قد يكون في هذا الأمر صعوبة لك وللرئيس لحود، وتتسارع بعدها التطورات. ولذلك، فالحل الآخر الذي يقلل الخسائر يتطلب تقديم تنازلات للمصالحة مع الجانب المسيحي والحوار مع البطريرك صفير ومع قرنة شهوان، بدعوتهم كمجموعة أشخاص، ومن هؤلاء بطرس حرب وفارس سعيد ونسيب لحود، إضافة إلى توجيه رسالة تطمين للرئيس أمين الجميل الموجود في فرنسا». وقلت: «يجب أن تتولى شخصياً عملية الحوار».
سألني الأسد: «الآخرون ممكن دعوتهم، كيف يكون الحوار مع البطريرك؟»، فأجبته: «أقترح دعوة الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله والسيد وليد جنبلاط بعد المصالحة معه، ونفوّضهم الحوار مع الجانب المسيحي وفي مقدمتهم البطريرك صفير، على أن يوافق الجانب الإسلامي على تشكيل حكومة اتحاد وطني بالتساوي بين الجانبين، وتكون لها مهمة واحدة هي وضع قانون انتخابات يرضى عنه الجانب المسيحي، ويلي ذلك إجراء الانتخابات في البلاد، وعندئذٍ يأتي مجلس لا يستطيع أحد أن يطعن بشرعيته».
وقلت: «معلوماتي أن الجانب المسيحي لا يسعى إلى تدمير العلاقات مع سوريا، وإنما إلى علاقات متوازنة تؤدي إلى إنهاء الممارسات التي تقوم بها أجهزة الأمن السورية في لبنان. تعامل الأجهزة مع اللبنانيين أكثر سوءاً من تعامل الأجنبي الذي حكم لبنان في الماضي. عندما يجرؤ رئيس فرع الأمن على توجيه الشتائم إلى المجلس النيابي ورئيس الحكومة، وكلاهما صديق لسوريا، فتصور تعامله مع الآخرين». قال: «الجانب المسيحي يريد قانون انتخابات على أساس القضاء، وأنا موافق على ذلك». تابعتُ حديثي: «السير في هذا الطريق يضمن مصالح سوريا، كما يساعد في إقامة علاقات حقيقية مع جميع الأطراف اللبنانية».
تطرق الحديث إلى وضع جنبلاط، فانتقده الدكتور بشار بشدة بسبب موقفه من التمديد للعماد لحود. وكان ردي على انتقاده أن «جنبلاط كان أجرأ من غيره في التعبير عن موقفه، ولو تُرك النواب لخيارهم لما تم تعديل الدستور. يجب ألا ننسى تاريخ جنبلاط ووقوفه معنا، وليس لسوريا مصلحة في خسارته»، فوافق على إبداء المرونة معه، كما وافق على استقباله.
خرجتُ من اللقاء متوقّعاً أن الدكتور بشار سيخطو خطوات فاعلة باتجاه المصالحة.
استقبلتُ في مساء الثلاثاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2004 رفيق الحريري، وكان متوتراً بسبب جلسة مجلس الوزراء اللبناني، حيث لم يلتزم الرئيس لحود بالاتفاق على إقرار عدد من المواضيع التي سبق الاتفاق عليها، ومنها استملاك أراضي في بيروت لبناء المدارس. وبعد استعراض مراحل التعاون بينه وبين الحكم في سوريا، تحدث عن موافقته على قرار تعديل الدستور رغم عدم قناعته، وأن التعديل كان مرفوضاً شعبياً وعربياً ودولياً، وأكد أنه لا إمكانية للتعاون مع لحود، وليس من مصلحة سوريا أن يشكّل الحكومة لأن الوضع سيء، وسيزداد سوءاً، وقال إنه سيبقى مع سوريا داخل لبنان وخارجه، وهو ابن صيدا المسلم والعربي، ولا يمكن أن يخطو أي خطوة تؤذي سوريا أو تكسر شوكتها في لبنان. وشكا بمرارة من ممارسات أجهزة الأمن السوري واللبناني، وأكد أن الرفض الشعبي هو بسبب تلك الممارسات.
بعد أن أنهى عرض موقفه، أخذتُ الحديث، وقلت: «أنا معك بعدم تشكيل الحكومة إذا استمرت الظروف السابقة من الممارسات على الحكومة، كما على غرار الحكومات السابقة». سألته: «كيف يمكن تجاوز الوضع في لبنان؟»، فأبدى تشاؤماً من الوضع العام في البلد وعدم الثقة بالرئيس لحود. سألته: «إذا توافرت الشروط، ألا يَسهُل تجاوز الوضع؟»، فأجاب: «ممكن، لكن بصعوبة». سألته: «كيف؟»، فأجاب: «لا بد من حكومة تتمتع بمصداقية أمام الناس وأن يكون لها برنامج، وأن يوضع قانون انتخاب جديد، وأن تتوقف الممارسات الخاطئة، وأن يطبّق اتفاق الطائف».
أجبته: «أتفق معك تماماً. أولاً، لا بد من الحوار مع المعارضة المسيحية وعلى رأسها البطريرك صفير، ولا بد من تشكيل حكومة اتحاد وطني تضم ممثلين عن المعارضة المسيحية، أمثال بطرس حرب ونسيب لحود وفارس سعيد، ويترك للمعارضة اختيار ممثليها، ومهمة هذه الحكومة وضع قانون انتخابات عادل والإشراف على إجراء الانتخابات».
وهنا سألت الحريري: «كيف تتصور قانون الانتخابات؟». أجاب: «المعارضة المسيحية تريد الدائرة الصغيرة وجنبلاط يحبّذ ذلك». فعقّبت: «إن الدائرة الصغيرة تأتي بالتطرف، والدستور تبنّى المحافظة كدائرة انتخابية». أجابني: «هذا صحيح، لكن لا بد من وجود صيغة توفّق بين مطلب المعارضة المسيحية وبين الدستور».
اتفقنا على التمسّك بما ورد في الطائف، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. ونظراً لأن الشمال والجنوب والبقاع قُسِّما إلى محافظتين، يمكن تقسيم محافظة جبل لبنان إلى محافظتين: الأولى، تضم المتن الشمالي وكسروان وجبيل، والثانية تضم المتن الجنوبي وعاليه والشوف. أما بيروت فتبقى محافظة واحدة.
أكد الحريري على ضرورة تمثيل جنبلاط والمعارضة المسيحية، كما أكد صعوبة تشكيل حكومة في غياب هذه المشاركة. وافقته في وجهة نظره أن هذه الحكومة ستكون حكومة انتقالية مؤقتة بسبب قرب الانتخابات التي ستجري بعد أشهر، وبعدها ستأتي حكومة في ضوء نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة وحدة وطنية تعطي مصداقية للانتخابات.
ومن الأمور التي أكد عليها الحريري، مسألة تجاوز رئيس الجمهورية للدستور واتفاق الطائف، بإصراره على ترؤس جلسات مجلس الوزراء، فوافقته على عدم جواز ذلك، وأبلغته أني سأعرض على الرئيس الأسد مناقشاتنا، وتركته وذهبت إلى غرفة ثانية، وعرضت تفاصيل المناقشات، وناقشنا إيجابياتها، وكان رد الرئيس الأسد على النحو التالي:
«أولاً، الموافقة على حكومة الوحدة الوطنية ومشاركة المعارضة المسيحية وجنبلاط.
ثانياً، أيد وجهة نظرنا حول التمسك بالطائف، لا سيما بالنسبة لقانون الانتخابات.
ثالثاً، أكد عدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية إلا في الحالات الوارد ذكرها في اتفاق الطائف وفي الدستور، أي عند مناقشة قضايا كبرى تتعلق بالبلاد».
سألني الرئيس الأسد: «هل الرئيس الحريري ملتزم بذلك؟». أجبته: «نعم».
وفيما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أبدى الدكتور بشار استياءه من تصرفات الرئيس لحود، وأبلغني أنه أرسل له رسالة بهذا الخصوص.
في يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2004، استقبل الدكتور بشار في دمشق الحريري، وجرت مناقشة كل المواضيع المشار إليها، وتمت الموافقة عليها. وأكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد للرئيس لحود. وهنا كرر الرئيس الحريري ما كان قاله لي حول موقفه من سوريا. قال الأسد: «لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
خرج الرئيس الحريري مرتاحاً من اللقاء، وعند عودته إلي كان واضحاً عليه ارتياحه من مقابلة الأسد، وكان مختلفاً في حديثه وتعبيراته عما كان عليه قبل ذلك اللقاء.
بعد أيام من تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، عقدت «الجبهة الوطنية التقدّمية» (ائتلاف يضم الأحزاب المرخصة بقيادة «البعث») في سوريا، اجتماعاً قدّم خلاله وزير الخارجية فاروق الشرع عرضاً سياسياً حول الوضع في المنطقة وفي لبنان. سأله أحد أعضاء «الجبهة» إذا كان الحريري سيشكل الحكومة، فأجابه: «هذا الأمر غير وارد، وأنه متآمر على سوريا مع الرئيس جاك شيراك الذي يقبض أموالاً من رفيق الحريري».
فوجئ معظم أعضاء الجبهة بهذا الحديث، لا سيما أنه منذ أيام كان الرئيس الحريري مع الرئيس السوري. وأعلمني أحد أعضاء «الجبهة» بهذا الحديث، وكان مستغرباً من كلام وزير الخارجية. اتصلت بالرئيس الأسد وسألته: «هل أنت أعطيت توجيهاً للشرع ليقول إن الحريري لن يشكل الحكومة وأنه يدفع أموالاً للرئيس جاك شيراك، وأنت تعلم أن هذا الكلام سيصل إلى الفرنسيين وسيزيد الوضع تعقيداً؟».
أجابني الرئيس بشار: «لم أعطِ توجيهاً، ومن طلب منه أن يتحدث عن لبنان؟ وما هي علاقته بلبنان؟ هذا الإنسان لا يفهم». وتحدّث بعبارات أكثر قسوة، وطلب مني الاتصال بالحريري وإبلاغه باسمه أنه لا رئيس وزراء في لبنان غيره، وأن أي كلام يصل إليه غير ذلك غير صحيح ونحن متمسكون به.
 

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.