خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

روى عبر مذكراته في «الشرق الأوسط» أنه نصح الحريري بمغادرة لبنان سريعاً والاستقالة من الخارج

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
TT

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري والرئيس إميل لحود في أكتوبر 2004 (أ.ف.ب)

يكشف نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في حلقة اليوم، من مذكراته، تفاصيل قرار الرئيس بشار الأسد التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والاتصالات التي جرت وقتذاك مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري لإقناعه بالموافقة على التمديد.
ويقول خدام إن موضوع التمديد للحود كان في 2004. «يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وأقلية مؤيدة، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004، بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية».
ويشير إلى أنه مع اتساع «حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية»، كان واضحاً أمامه أن «أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد». ويضيف خدام: «كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد».
ويتحدث خدام بالتفصيل عن لقاءاته مع الرئيس الأسد لإقناعه بعدم التمديد ثم الطلب من لحود تقديم استقالته ورعاية سوريا لحوار وطني لبناني. ويتوقف عند لقاء الأسد والحريري في 22 سبتمبر (أيلول) 2004، حيث أكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد، و«لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
ويضيف أن الحريري خرج «مرتاحاً» من اللقاء، لكن المفاجأة كانت أن وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع، قال في اجتماع حزبي إن تشكيل الحريري للحكومة «غير وارد، لأنه متآمر على سوريا مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». وهنا نص الحلقة الثانية من مذكرات خدام:
كان موضوع التمديد للعماد إميل لحود يشغل الرأي العام اللبناني المنقسم، بين أكثرية ساحقة معارضة للتمديد وبين أقلية مؤيدة له، إضافة إلى رفض دولي شامل لمسألة التمديد، عزّزه لقاء بين الرئيسين، الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك، في يونيو (حزيران) من عام 2004. بمناسبة ذكرى الإنزال الأميركي على شاطئ النورماندي لتحرير فرنسا من النازية، حيث أكدا رفضهما القاطع لموضوع التمديد للرئيس لحود، وندّدا بالتدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
اتسعت حملة المعارضة للتمديد لبنانياً وعربياً ودولياً، وترافق كل ذلك بدعوات لوقف التدخل السوري في لبنان وانسحاب القوات السورية.
وكان واضحاً أمامي أن أي موقف غير عقلاني من النظام في سوريا، سيؤدي إلى أضرار كبرى تلحق بالبلاد. لذلك، كنت أحاول في كل لقاءاتي مع الدكتور بشار الأسد إقناعه بخطورة التمديد، لا سيما بعد الضغوط الكبرى التي مارسها على رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، إذ استدعاه في شهر يوليو (تموز)، بحضور اللواء غازي كنعان والعميد رستم غزالة والعقيد محمد خلوف، وقد أدت قسوة الكلام إلى ارتفاع ضغط الحريري وإصابته بنزيف في أنفه.
في صباح ذلك اليوم، كان لي موعد مع الدكتور بشار. وعندما ذهبت إليه، كان منفعلاً ومتوتراً، وقال: «كان لدي رفيق الحريري، واستقبلته الساعة السابعة والنصف صباحاً، وقلت له كلاماً واضحاً وصريحاً وبحضور الضباط، وأبلغته أنه من غير المسموح له العمل على مجيء رئيس للجمهورية، فأنا الذي أختار، ومن يخالفني سأكسر عظمه».
فوجئت بالحديث، وقلت له: «ماذا فعلت؟، أنت تتحدث مع رئيس وزراء لبنان الذي يمثّل المسلمين في لبنان. هل حسبت صدى كلامك إذا انتشر؟ وهل حسبت نتائج مثل هذا الكلام؟ لقد عملنا خلال سنوات طويلة ليكون لرئيس الحكومة ولرئيس المجلس النيابي دور أساسي، وأنت تعمل من أجل إميل لحود على إضعاف هذا الدور. ليس لك مصلحة في ذلك. وكيف تخاطب رئيس وزراء بحضور هؤلاء الضباط؟ ما مصلحتك ومصلحة البلد بتحجيم رئيس الوزراء أو رئيس المجلس النيابي؟». هنا هدأ، وقال: «وجّه دعوة للرئيس الحريري لزيارتك، واعمل على مسح ما ترتّب من لقائي». أجبته: «سأفعل ذلك».
بالفعل، اتصلتُ بالرئيس الحريري هاتفياً، وعاتبته على أنه جاء إلى دمشق ولم يتصل بي. وقلت: «انتظرك أن تأتي إلى دمشق خلال أيام»، فأجابني: «كانت ظروفي سيئة جداً، لذلك لم أتصل بك، وبعد تلك الزيارة لن أزور دمشق».
تناقشت معه طويلاً، وبنهاية النقاش اقتنع بأن يزورني في بلودان (قرب دمشق). وبالفعل، استقبلته يوم الخميس، وحدّثني عما حصل معه، وكان مجروحاً، وقال: «لا أنسى لقائي مع بشار الأسد ما دمت حياً». تدخّلت مقاطعاً إياه: «أنت رجل سياسي، ولا يجب أن تأخذ الأمور بهذا الشكل، والرجل عندما حدّثك كان منفعلاً، وقد اجتمعت به يوم لقائك، وحدّثني وتناقشنا في الموضوع، وشعرتُ أنه متألم من انفعاله». قلت له: «خذ الأمر برويّة». وفعلاً، حاولت بهذا الحديث التخفيف من حدة التوترات بينه وبين الدكتور بشار الأسد.
في 18 أغسطس (آب) عام 2004، اجتمعتُ بالرئيس الأسد لأودّعه بمناسبة سفري إلى فرنسا لإجراء فحوصاتي الطبية السنوية، وخلال ذلك اللقاء ناقشنا موضوع التمديد للعماد لحود، وسألته: «إلى أين وصل هذا الأمر؟»، فأجابني: «قررتُ عدم التمديد. لا أحد في العالم موافق عليه، والدول العربية غير موافقة، وغالبية اللبنانيين معترضون، وأبلغتُ الرئيس لحود أن لا نية لدينا في التمديد له، والرجل عرف موقفنا بشكل واضح».
علّقت على كلامه، قائلاً: «أتمنى ألا يحاول أحد دفعك إلى تغيير موقفك. أنت لا تستطيع أن تتحمّل عواقب التمديد، وسوريا لا تستطيع أن تتحمل ما يمكن أن يحدث بسبب التمديد»، فأجابني: «لقد كنتُ حازماً مع الرئيس لحود في هذا الأمر». ودّعته وانصرفت.
بعد بضعة أيام، وأثناء وجودي في فرنسا، اتصل بي الرئيس الحريري وأبلغني أن الدكتور بشار غيّر رأيه فيما يتعلق بالتمديد، واستدعاه إلى دمشق، وكانت المقابلة قصيرة، وكان الأسد متوتّراً، وأبلغه أنه قرر دعم التمديد للعماد لحود، كما قال له: «عليك أن تحدد موقفك: هل أنت مع سوريا أو ضدها؟»، اذهب وفكّر في الموضوع وأبلغني قرارك بالموافقة أو الرفض». وتابع الرئيس الحريري في اتصاله معي: «أريد نصيحتك». فسألته: «هل اجتمعت إلى وليد جنبلاط؟ وماذا كان رأيه؟»، فأجابني: «اجتمعت به ونصحني بالموافقة على التمديد ثم الاستقالة بعد ذلك». فقلت له: «أنت لا تستطيع أن تتحمل نتائج الرفض، نصيحة وليد لك صحيحة. من الأفضل أن توافق، وبعدها تغادر لبنان وتعلن استقالتك من الخارج».
أبلغ الرئيس الحريري العميد رستم الغزالي بموافقته، وغادر إلى جزيرة سردينيا للقاء عائلته هناك. وبعد أيام اتصل بي، وكنت لا أزال في فرنسا، وسألني: «إذا عدت إلى لبنان، هل هناك خطر على حياتي؟»، فأجبته: «لقد وافقتَ على كل ما طلبه منك الدكتور بشار الأسد، ولا يزال بحاجة لك، لأن تعديل الدستور لم يتم بعد. ولكن، كما نصحتُك، بعد الانتهاء من الإجراءات غادر لبنان مباشرة وأعلن استقالتك».
في تلك الفترة، نشطت الدول الأوروبية لعقد اجتماع لمجلس الأمن واتخاذ قرارات حول لبنان والوجود السوري فيه، واتفقت تلك الدول على صيغة للمشروع، ورتّبت الوضع في مجلس الأمن. وقد تم تحديد موعد لعقد جلسة مجلس الأمن في تلك الظروف.
طلب الأسد من وزير الخارجية فاروق الشرع الاتصال بوزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتيونوس، وطلب منه مساعدة سوريا مع الدول الغربية لإلغاء جلسة مجلس الأمن، وأن سوريا ستعمل على إلغاء التمديد للرئيس لحود وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
اتصل الشرع بنظيره الإسباني وعرض عليه الموضوع، فطلب الوزير الإسباني من الشرع أن يطلب من رئيسه الاتصال برئيس وزراء إسبانيا خوسيه لويس ثاباتيرو. وبالفعل، اتصل الأسد به، متمنياً عليه المساعدة في إلغاء جلسة مجلس الأمن، وأبلغه أن سوريا جاهزة للعمل على إجراء انتخابات رئاسية جديدة والتخلي عن التمديد للحود.
بذل رئيس وزراء إسبانيا جهوداً كبيرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش، ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبعد خمس ساعات من الاتصالات، تمت الموافقة على إلغاء جلسة مجلس الأمن إذا نفّذ الجانب السوري التزامه.
اتصل موراتينوس بالشرع، وأبلغه موافقة الدول الغربية على الاقتراح السوري، وتمنى عليه أن يتصل الجانب السوري برئيس المجلس النيابي نبيه بري لإلغاء جلسة المجلس النيابي المخصصة لتعديل الدستور. فأجابه الوزير الشرع: «لبنان دولة مستقلة، ولا علاقة لنا بالأمر. اتصل أنت بالرئيس نبيه بري».
فوجئ الوزير الإسباني بهذا الجواب، ومع ذلك اتصل مواتينوس بالرئيس نبيه بري، وعرض عليه ما جرى، وكان جواب بري: «إن لبنان دولة مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لسوريا بهذا الموضوع».
وفي 2 سبتمبر (أيلول)، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 1559. الذي تضمّن قراراً يدعو سوريا إلى سحب قواتها من لبنان، وعدم التدخّل في شؤونه الداخلية. كما تضمّن دعوة لبنان إلى إجراء انتخابات رئاسية دون تدخّل خارجي. وأكد القرار على استقلال وسيادة لبنان وإنهاء التنظيمات المسلّحة غير الحكومية. وصدر القرار وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا أصبح النظام في سوريا تحت رقابة مجلس الأمن.
أسئلة كثيرة طرحت نفسها آنذاك: لماذا غيّر الدكتور بشار الأسد قراره باتجاه دعم التمديد للعماد لحود؟ ثم، لماذا غيّر قراره باتجاه عدم التمديد للحود وتوسّط إسبانيا، وبعد خمس ساعات غيّر قراره وعاد إلى تبنّي التمديد للعماد لحود؟ هل الأمر ناجم عن ضغوط من قبل قريبين منه كان لهم حجم كبير من المصالح في لبنان؟ أم أنه ناجم عن أمور ذات صلة بأجهزة الأمن في لبنان، الشريكة في النظام الأمني؟ أم أن الموضوع مجرد انفعالات شخصية ناجمة عن حالات من الخوف والتردُّد تحكّمت بقراره؟

عدت من فرنسا في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2004. وفي اليوم التالي، استقبلني الرئيس الأسد، وبعد حديث قصير عن فحوصاتي الطبية، تحدث عن لقائه مع عضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى، الذي أبدى استعداده لبذل الجهود لتحسين العلاقات السورية - الأميركية، ثم تحدث عن لقائه مع مارتن إنديك، المستشار الأمني السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي انتقد بشدة سياسة الرئيس جورج بوش.
فعلّقتُ قائلاً: «ليس للاثنين دور في صنع السياسة الأميركية»، ثم تابع: «سيأتينا وفد أميركي كبير برئاسة وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط». وأضاف: «الولايات المتحدة الأميركية لا يهمها لبنان، وإنما العراق». فعقّبت على كلامه، أن هذا الوفد «سيطلب من سوريا وقف التدخل في العراق وتسليم جماعة صدام حسين وإعادة الأموال العراقية إلى حكومة بغداد».
سألني: «هل كنت تتابع الأخبار؟»، فأجبته: «نعم، وقناعتي وقراءتي للوضع أن سوريا كانت على طرف دائرة الخطر، فأصبحت الآن في قلبها. وقد فوجئت عندما أبلغني الرئيس رفيق الحريري باتصالك معه، وأنك أبلغته قرارك بالتمديد للعماد لحود، علماً بأنك أكدت لي رفضك للتمديد». أجابني: «جاءتنا معلومات بأن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إخراج سوريا من لبنان، وأن الحريري لعب دوراً كبيراً في هذا الاتفاق». أجبته: «أستغرب ذلك. هل يُعقل أن يكون للحريري دور في تحديد سياسة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا في الشرق الأوسط؟ لقد أبلغني الحريري بعد اتصالك به أنه رغم عدم قناعته بعدم التمديد فإنه سيوافق، ولا يريد أن يتخذ موقفاً يؤدي إلى هزيمة سوريا في لبنان. الموقف الأميركي متوقّع لأسباب تتعلق بالعراق من جهة، وبالصراع العربي - الإسرائيلي من جهة ثانية، أما فرنسا فقد كانت دائماً تساند سوريا، غير أنك تذكر مشكلة عقد الغاز وما جرى خلال زيارتي الأخيرة لفرنسا ومحاولة الرئيس شيراك احتواء المشكلة، وذلك بدعوتي لزيارة فرنسا، لكنك رفضت، وقد تم إبلاغ سفيرتنا في باريس، صبا ناصر، أن الرئيس الأسد هو الذي منع نائب الرئيس عبد الحليم خدام من قبول دعوة الرئيس شيراك. إن الموقف الفرنسي تغيّر بعد استبعاد الشركة الفرنسية وإعطاء العقد لشركة كندية، أحد مالكيها شركة نفط أميركية كبرى».
سألني الأسد: «أيهما أفضل: التركيز على العلاقات الأميركية - السورية أم العلاقات السورية - الأوروبية؟»، فأجبته: «الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الأكثر تأثيراً في العالم، ومن الناحية النظرية فإن التركيز على العلاقات معها أفضل، ولكن العقبة الكبرى هي موقع إسرائيل في السياسة الأميركية. أما بالنسبة لأوروبا فإن تأثيرها محدود، ولكن العمل معها أكثر سهولة من العمل مع الأميركيين».
قال الأسد: «طلبتُ من الشرع القيام بزيارات إلى دول أوروبية عدة، وشرح وجهة نظرنا، وأن يطلب من وزير الخارجية الإسباني المساعدة في ترتيب الزيارات»، فأجبته: «إسبانيا لا تستطيع أن تنفصل في سياستها عن الاتحاد الأوروبي، والسفير الإسباني في الأمم المتحدة كان يرأس مجلس الأمن عندما أقر القرار 1559. ونصيحتي عدم القيام بهذه الزيارة والزيارات الأخرى، لأن أوروبا في حالة احتقان ضدنا».
وهنا قلت له: «كيف يمكن لهذا الطاقم أن يشرح وجهة نظرنا في حين يصرّح كل من الشرع ووزير الإعلام أحمد الحسن وبشرى كنفاني مديرة الإعلام في وزارة الخارجية بعد صدور القرار 1559 أنه يشكل انتصاراً لسوريا؟».
سألني الأسد: «متى كان ذلك؟»، فأجبته: «بعد صدور القرار 1559. والمواطن يصدّق مَن؟ هل يصدّق هؤلاء أم يصدق حلفاء سوريا في لبنان الذين اعتبروا القرار 1559 تآمراً على سوريا وعلى لبنان؟». في الواقع، لقد فوجئ الدكتور بشار بتلك التصريحات وأبدى امتعاضه.
انتقلنا إلى الحديث عن انعكاسات ذلك القرار، ووجهة نظري حول كيفية التعامل مع الموضوع، فأجبته: «الأمر السليم تقديم الرئيس لحود استقالته وانتخاب رئيس جديد. لكن، قد يكون في هذا الأمر صعوبة لك وللرئيس لحود، وتتسارع بعدها التطورات. ولذلك، فالحل الآخر الذي يقلل الخسائر يتطلب تقديم تنازلات للمصالحة مع الجانب المسيحي والحوار مع البطريرك صفير ومع قرنة شهوان، بدعوتهم كمجموعة أشخاص، ومن هؤلاء بطرس حرب وفارس سعيد ونسيب لحود، إضافة إلى توجيه رسالة تطمين للرئيس أمين الجميل الموجود في فرنسا». وقلت: «يجب أن تتولى شخصياً عملية الحوار».
سألني الأسد: «الآخرون ممكن دعوتهم، كيف يكون الحوار مع البطريرك؟»، فأجبته: «أقترح دعوة الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله والسيد وليد جنبلاط بعد المصالحة معه، ونفوّضهم الحوار مع الجانب المسيحي وفي مقدمتهم البطريرك صفير، على أن يوافق الجانب الإسلامي على تشكيل حكومة اتحاد وطني بالتساوي بين الجانبين، وتكون لها مهمة واحدة هي وضع قانون انتخابات يرضى عنه الجانب المسيحي، ويلي ذلك إجراء الانتخابات في البلاد، وعندئذٍ يأتي مجلس لا يستطيع أحد أن يطعن بشرعيته».
وقلت: «معلوماتي أن الجانب المسيحي لا يسعى إلى تدمير العلاقات مع سوريا، وإنما إلى علاقات متوازنة تؤدي إلى إنهاء الممارسات التي تقوم بها أجهزة الأمن السورية في لبنان. تعامل الأجهزة مع اللبنانيين أكثر سوءاً من تعامل الأجنبي الذي حكم لبنان في الماضي. عندما يجرؤ رئيس فرع الأمن على توجيه الشتائم إلى المجلس النيابي ورئيس الحكومة، وكلاهما صديق لسوريا، فتصور تعامله مع الآخرين». قال: «الجانب المسيحي يريد قانون انتخابات على أساس القضاء، وأنا موافق على ذلك». تابعتُ حديثي: «السير في هذا الطريق يضمن مصالح سوريا، كما يساعد في إقامة علاقات حقيقية مع جميع الأطراف اللبنانية».
تطرق الحديث إلى وضع جنبلاط، فانتقده الدكتور بشار بشدة بسبب موقفه من التمديد للعماد لحود. وكان ردي على انتقاده أن «جنبلاط كان أجرأ من غيره في التعبير عن موقفه، ولو تُرك النواب لخيارهم لما تم تعديل الدستور. يجب ألا ننسى تاريخ جنبلاط ووقوفه معنا، وليس لسوريا مصلحة في خسارته»، فوافق على إبداء المرونة معه، كما وافق على استقباله.
خرجتُ من اللقاء متوقّعاً أن الدكتور بشار سيخطو خطوات فاعلة باتجاه المصالحة.
استقبلتُ في مساء الثلاثاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2004 رفيق الحريري، وكان متوتراً بسبب جلسة مجلس الوزراء اللبناني، حيث لم يلتزم الرئيس لحود بالاتفاق على إقرار عدد من المواضيع التي سبق الاتفاق عليها، ومنها استملاك أراضي في بيروت لبناء المدارس. وبعد استعراض مراحل التعاون بينه وبين الحكم في سوريا، تحدث عن موافقته على قرار تعديل الدستور رغم عدم قناعته، وأن التعديل كان مرفوضاً شعبياً وعربياً ودولياً، وأكد أنه لا إمكانية للتعاون مع لحود، وليس من مصلحة سوريا أن يشكّل الحكومة لأن الوضع سيء، وسيزداد سوءاً، وقال إنه سيبقى مع سوريا داخل لبنان وخارجه، وهو ابن صيدا المسلم والعربي، ولا يمكن أن يخطو أي خطوة تؤذي سوريا أو تكسر شوكتها في لبنان. وشكا بمرارة من ممارسات أجهزة الأمن السوري واللبناني، وأكد أن الرفض الشعبي هو بسبب تلك الممارسات.
بعد أن أنهى عرض موقفه، أخذتُ الحديث، وقلت: «أنا معك بعدم تشكيل الحكومة إذا استمرت الظروف السابقة من الممارسات على الحكومة، كما على غرار الحكومات السابقة». سألته: «كيف يمكن تجاوز الوضع في لبنان؟»، فأبدى تشاؤماً من الوضع العام في البلد وعدم الثقة بالرئيس لحود. سألته: «إذا توافرت الشروط، ألا يَسهُل تجاوز الوضع؟»، فأجاب: «ممكن، لكن بصعوبة». سألته: «كيف؟»، فأجاب: «لا بد من حكومة تتمتع بمصداقية أمام الناس وأن يكون لها برنامج، وأن يوضع قانون انتخاب جديد، وأن تتوقف الممارسات الخاطئة، وأن يطبّق اتفاق الطائف».
أجبته: «أتفق معك تماماً. أولاً، لا بد من الحوار مع المعارضة المسيحية وعلى رأسها البطريرك صفير، ولا بد من تشكيل حكومة اتحاد وطني تضم ممثلين عن المعارضة المسيحية، أمثال بطرس حرب ونسيب لحود وفارس سعيد، ويترك للمعارضة اختيار ممثليها، ومهمة هذه الحكومة وضع قانون انتخابات عادل والإشراف على إجراء الانتخابات».
وهنا سألت الحريري: «كيف تتصور قانون الانتخابات؟». أجاب: «المعارضة المسيحية تريد الدائرة الصغيرة وجنبلاط يحبّذ ذلك». فعقّبت: «إن الدائرة الصغيرة تأتي بالتطرف، والدستور تبنّى المحافظة كدائرة انتخابية». أجابني: «هذا صحيح، لكن لا بد من وجود صيغة توفّق بين مطلب المعارضة المسيحية وبين الدستور».
اتفقنا على التمسّك بما ورد في الطائف، مع إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية. ونظراً لأن الشمال والجنوب والبقاع قُسِّما إلى محافظتين، يمكن تقسيم محافظة جبل لبنان إلى محافظتين: الأولى، تضم المتن الشمالي وكسروان وجبيل، والثانية تضم المتن الجنوبي وعاليه والشوف. أما بيروت فتبقى محافظة واحدة.
أكد الحريري على ضرورة تمثيل جنبلاط والمعارضة المسيحية، كما أكد صعوبة تشكيل حكومة في غياب هذه المشاركة. وافقته في وجهة نظره أن هذه الحكومة ستكون حكومة انتقالية مؤقتة بسبب قرب الانتخابات التي ستجري بعد أشهر، وبعدها ستأتي حكومة في ضوء نتائج الانتخابات، بالإضافة إلى ذلك، فإن حكومة وحدة وطنية تعطي مصداقية للانتخابات.
ومن الأمور التي أكد عليها الحريري، مسألة تجاوز رئيس الجمهورية للدستور واتفاق الطائف، بإصراره على ترؤس جلسات مجلس الوزراء، فوافقته على عدم جواز ذلك، وأبلغته أني سأعرض على الرئيس الأسد مناقشاتنا، وتركته وذهبت إلى غرفة ثانية، وعرضت تفاصيل المناقشات، وناقشنا إيجابياتها، وكان رد الرئيس الأسد على النحو التالي:
«أولاً، الموافقة على حكومة الوحدة الوطنية ومشاركة المعارضة المسيحية وجنبلاط.
ثانياً، أيد وجهة نظرنا حول التمسك بالطائف، لا سيما بالنسبة لقانون الانتخابات.
ثالثاً، أكد عدم جواز ترؤس رئيس الجمهورية إلا في الحالات الوارد ذكرها في اتفاق الطائف وفي الدستور، أي عند مناقشة قضايا كبرى تتعلق بالبلاد».
سألني الرئيس الأسد: «هل الرئيس الحريري ملتزم بذلك؟». أجبته: «نعم».
وفيما يتعلق بجلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أبدى الدكتور بشار استياءه من تصرفات الرئيس لحود، وأبلغني أنه أرسل له رسالة بهذا الخصوص.
في يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2004، استقبل الدكتور بشار في دمشق الحريري، وجرت مناقشة كل المواضيع المشار إليها، وتمت الموافقة عليها. وأكد الأسد للحريري حرص سوريا عليه، فأثنى على تعاونه مع سوريا، ولا سيما قبوله بالتمديد للرئيس لحود. وهنا كرر الرئيس الحريري ما كان قاله لي حول موقفه من سوريا. قال الأسد: «لن أقبل أي كلام يأتيني من أي جهة عنك، وسأرميه في سلة المهملات»، وأكد أنه سيلتقي بالرئيس الحريري مرة في الشهر على الأقل، وأنه سيدعم الحكومة التي سيشكّلها، وليس لديه مرشّح سوى سليمان فرنجية.
خرج الرئيس الحريري مرتاحاً من اللقاء، وعند عودته إلي كان واضحاً عليه ارتياحه من مقابلة الأسد، وكان مختلفاً في حديثه وتعبيراته عما كان عليه قبل ذلك اللقاء.
بعد أيام من تكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، عقدت «الجبهة الوطنية التقدّمية» (ائتلاف يضم الأحزاب المرخصة بقيادة «البعث») في سوريا، اجتماعاً قدّم خلاله وزير الخارجية فاروق الشرع عرضاً سياسياً حول الوضع في المنطقة وفي لبنان. سأله أحد أعضاء «الجبهة» إذا كان الحريري سيشكل الحكومة، فأجابه: «هذا الأمر غير وارد، وأنه متآمر على سوريا مع الرئيس جاك شيراك الذي يقبض أموالاً من رفيق الحريري».
فوجئ معظم أعضاء الجبهة بهذا الحديث، لا سيما أنه منذ أيام كان الرئيس الحريري مع الرئيس السوري. وأعلمني أحد أعضاء «الجبهة» بهذا الحديث، وكان مستغرباً من كلام وزير الخارجية. اتصلت بالرئيس الأسد وسألته: «هل أنت أعطيت توجيهاً للشرع ليقول إن الحريري لن يشكل الحكومة وأنه يدفع أموالاً للرئيس جاك شيراك، وأنت تعلم أن هذا الكلام سيصل إلى الفرنسيين وسيزيد الوضع تعقيداً؟».
أجابني الرئيس بشار: «لم أعطِ توجيهاً، ومن طلب منه أن يتحدث عن لبنان؟ وما هي علاقته بلبنان؟ هذا الإنسان لا يفهم». وتحدّث بعبارات أكثر قسوة، وطلب مني الاتصال بالحريري وإبلاغه باسمه أنه لا رئيس وزراء في لبنان غيره، وأن أي كلام يصل إليه غير ذلك غير صحيح ونحن متمسكون به.
 

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة)
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)



مصر تعزز مكانتها الإقليمية عبر «دبلوماسية الطاقة»

مصر توقع مذكرتي تفاهم لدعم قطاع الطاقة السوري (مجلس الوزراء المصري)
مصر توقع مذكرتي تفاهم لدعم قطاع الطاقة السوري (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تعزز مكانتها الإقليمية عبر «دبلوماسية الطاقة»

مصر توقع مذكرتي تفاهم لدعم قطاع الطاقة السوري (مجلس الوزراء المصري)
مصر توقع مذكرتي تفاهم لدعم قطاع الطاقة السوري (مجلس الوزراء المصري)

تسعى مصر لتعزيز وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية، معتمدة «دبلوماسية الطاقة»، فرغم حاجتها لاستيراد الغاز الطبيعي لتلبية الطلب المحلي، وقّعت القاهرة أخيراً مذكرات تفاهم لتصدير الغاز إلى سوريا ولبنان، مستهدفة «دعم استقرار المنطقة وتعزيز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة».

وتعدّ «دبلوماسية الطاقة» إحدى الأدوات السياسية المصرية، بحسب كتاب «الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات»، الذي أصدرته الخارجية المصرية أخيراً، والذي أشار إلى «توظيف السياسة الخارجية وأدواتها الدبلوماسية لخدمة الأهداف التنموية، وجذب الاستثمارات، وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية الرامية لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة في منطقة الشرق الأوسط».

ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة كان على أجندة مباحثات وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ووزير البترول كريم بدوي، في اجتماع الثلاثاء، حيث أكدا «أهمية مواصلة التنسيق المؤسسي لدعم جهود جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة المتجددة والخدمات اللوجيستية المرتبطة بها، بما يعزز دورها المحوري في سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية»، بحسب إفادة رسمية للخارجيّة المصرية.

تناول اللقاء «التوجه المصري نحو تنويع مصادر الطاقة، وبناء شراكات متعددة مع الدول المختلفة، والتعاون الإقليمي في مجال الغاز الطبيعي، ومن ذلك تصدير الغاز المسال إلى أوروبا عبر قبرص، فضلاً عن توقيع مذكرة تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي إلى لبنان عبر سوريا، في إطار دعم استقرار المنطقة وتعزيز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة»، بحسب الإفادة.

وزير الخارجية ووزير البترول المصريان يناقشان المشروع المصري للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة (مجلس الوزراء المصري)

ووقّعت مصر، الاثنين الماضي، اتفاقيتين لتزويد سوريا بالغاز، تهدف الأولى للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا لتوليد الكهرباء من خلال استغلال البنية التحتية المصرية، سواء سفن التغييز أو شبكات نقل الغاز، أما المذكرة الثانية فتتعلق بتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية.

ونهاية الشهر الماضي، وقّعت وزارة البترول المصرية ووزارة الطاقة والمياه اللبنانية مذكرة تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي إلى لبنان، وقالت وزارة البترول المصرية إن المذكرة تأتي في إطار دور مصر في دعم أمن الطاقة في الدول العربية.

وأشار وزيرا الخارجية والبترول إلى توقيع مصر ودولة قطر، في 4 يناير (كانون الثاني) الحالي، مذكرة تفاهم مشتركة في قطاع الطاقة، تهدف إلى وضع إطار مؤسسي شامل لتطوير العلاقات الثنائية في هذا القطاع الحيوي، بما يتسق مع الرؤى الاستراتيجية والتنموية للبلدين. وأكد عبد العاطي وبدوي أن «التعاون في مجال الغاز الطبيعي يكتسب أهمية متزايدة باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة، ويؤسس للتكامل بين المقومات الاستراتيجية والبنية التحتية التي تمتلكها مصر، والقدرات الإنتاجية لدولة قطر كنموذج تعاوني فعال يعظم العوائد الاقتصادية للطرفين، ويسهم في استقرار أسواق الطاقة بالمنطقة»، بحسب الإفادة.

والاثنين، أعلنت «قطر للطاقة» التوصل لاتفاقية مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» لتوريد 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال لمصر خلال صيف عام 2026. وأوضحت وزارة البترول المصرية أن مذكرة التفاهم تأتي كـ«خطوة نحو تنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعي، بالتوازي مع جهود زيادة الإنتاج المحلي، بما يسهم في خلق قيمة مضافة لتعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز».

وتثير اتفاقات مصر لتصدير الغاز تساؤلات، خصوصاً مع توقيعها اتفاقيات لاستيراده، على رأسها اتفاق مثير للجدل مع إسرائيل، قالت القاهرة إن «أهدافه اقتصادية بحتة».

وأوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور مصطفى بدرة، أن «اتفاقيات مصر لاستيراد الغاز تستهدف تغطية احتياجاتها، وتصدير الفائض إلى دول الجوار بعد تسييله، نظراً لامتلاك مصر محطات لإسالة الغاز، ما يدرّ عوائد اقتصادية على البلاد».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تستفيد اقتصادياً من هامش الربح الناتج عن التسييل، ناهيك عن فرق السعر بين الغاز الطبيعي والمسال، ما يعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة»، لكنه أشار إلى أن «اتفاقات تصدير الغاز رغم عوائدها الاقتصادية، لها أهداف سياسية، على رأسها دعم الاستقرار في دول الجوار الإقليمي».

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أوضح في تصريحات صحافية، منتصف العام الماضي، أن «مصر باعتبارها مركزاً إقليمياً للطاقة تحصل على الغاز من دول الجوار، ويتم تسييله بمحطات التسييل، ثم تصديره لباقي دول العالم»، مشيراً إلى أن «تصدير الغاز لا يتم خلال الصيف الذي تتزايد فيه حاجة الدولة للغاز وتستورده من دول الجوار».

ويبلغ إنتاج الغاز الطبيعي حالياً بنحو 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً، مقارنة بـ6.6 مليار قدم مكعبة يومياً في السابق، وفق تقديرات حكومية بسبب انخفاض معدل إنتاج حقل «ظهر».

بدوره، قال خبير الاقتصاد والطاقة الدكتور جمال القليوبي لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر لديها بنية تحتية لإنتاج الغاز غير موجودة في دول حوض المتوسط الأخرى»، موضحاً أن «مصر تمتلك حقولاً لإنتاج الغاز، ومحطات إسالة وخطوطاً أرضية لنقل الغاز».

وأضاف، رغم تراجع إنتاج مصر من الغاز بسبب تراجع إنتاج حقل «ظهر»، فإن معدلات الإنتاج لا تزال الأعلى مقارنة ببعض دول المتوسط. وتابع: «كل هذه المقومات تجعل مصر مركزاً إقليمياً لتداول الطاقة».

وتوقع رئيس الوزراء المصري، في تصريحات صحافية أخيراً، أن «يصل إنتاج الغاز في البلاد إلى 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027».


حملة مصرية لتعقيم «الكلاب الضالة» بعد شكاوى من انتشارها

وزارة الزراعة المصرية تبدأ حملة ميدانية للحد من خطر كلاب الشوارع (وزارة الزراعة)
وزارة الزراعة المصرية تبدأ حملة ميدانية للحد من خطر كلاب الشوارع (وزارة الزراعة)
TT

حملة مصرية لتعقيم «الكلاب الضالة» بعد شكاوى من انتشارها

وزارة الزراعة المصرية تبدأ حملة ميدانية للحد من خطر كلاب الشوارع (وزارة الزراعة)
وزارة الزراعة المصرية تبدأ حملة ميدانية للحد من خطر كلاب الشوارع (وزارة الزراعة)

تحولت الخطط المصرية للتعامل مع أزمة انتشار «الكلاب الضالة» في الشوارع إلى خطوات تنفيذية على الأرض، بعد أن أطلقت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المرحلة الميدانية الأولى «للحملة القومية لتعقيم وتحصين الكلاب الحرة بالشوارع والميادين»، وذلك ضمن استراتيجية أطلقتها الحكومة تحت شعار «مصر خالية من السعار 2030».

وخلال الشهر الماضي، عقد وزير الزراعة المصري علاء فاروق، اجتماعات مع جهات مختلفة لمناقشة «مكافحة ظاهرة كلاب الشوارع» بعد تزايد الشكاوى من انتشارها، وأكد في ذلك الحين أن وزارته ستبدأ «التنسيق مع منظمات المجتمع المدني لإنشاء مراكز إيواء للكلاب، والتوسع في برامج التحصين والتعقيم».

وانطلقت «الحملة الميدانية» في يومها الأول، الثلاثاء، من العاصمة القاهرة، وتحديداً في حي «عين شمس» (شرق)، وبحسب وزارة الزراعة، فإن اختيار المنطقة يرجع لكونها «من أكثر المناطق التي وردت منها شكاوى متعلقة من انتشار الكلاب وأخطارها، وذلك بهدف التدخل المبكر للحد من الظاهرة، وتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بها».

عملية «تحصين» في أحد شوارع في القاهرة (وزارة الزراعة)

وقامت الحملة «بتحصين 293 كلباً حراً ضد مرض السعار، فضلاً عن نقل 25 كلباً إلى مقرات «الشلاتر» التابعة لـ«الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان، لإجراء عمليات التعقيم الجراحي، تمهيداً لإعادة إطلاقها في بيئتها الأصلية لضمان التوازن البيئي»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الزراعة.

ويرى وزير الزراعة، علاء فاروق، أن مصر بهذه الحملة انتقلت من مرحلة «إدارة الأزمة» إلى وضع «الحلول الجذرية» عبر منهجية عالمية، مضيفاً أن «الحملة تمثل نموذجاً مهماً للتعاون والتنسيق المشترك، تحت إشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وبالتعاون مع الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان، بما يجسد تلاحم مؤسسات الدولة مع المجتمع المدني لتطبيق معايير الرفق بالحيوان الدولية».

وتعددت حوادث «عقر الكلاب» لمواطنين بأماكن ومحافظات مختلفة... ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أصيب 18 شخصاً بمحافظة أسيوط (جنوب) بعدما عقرهم كلب في أثناء سيرهم في الشارع، وفي الشهر نفسه، شهدت محافظة أسوان حالة ذعر بين الأهالي على أثر واقعة عقر كلب ضال عدداً من المواطنين بينهم أطفال وسيدات ورجال.

الواقعة الأبرز التي أعادت تسليط الضوء على خطر «كلاب الشوارع»، وقعت قبل أيام بمحافظة القاهرة، حيث تسببت مطاردة مجموعة من الكلاب الضالة لطالب يبلغ من العمر 17 عاماً، في اصطدامه بحافلة نقل جماعي، ليصارع الموت في العناية المركزة.

محافظة القاهرة أولى محطات تنفيذ «خطة مكافحة انتشار كلاب الشوارع» في مصر (وزارة الزراعة)

وقال رئيس «إدارة الرفق بالحيوان بالهيئة العامة للخدمات البيطرية» التابعة لوزارة الزراعة، الدكتور الحسيني محمد عوض، إن «الحملة الميدانية» تأتي تنفيذاً لقرارات حكومية تستهدف مع بدء عام 2026 اتخاذ إجراءات تنفيذية لخطة «مصر خالية من السعار 2030»، مشيراً، لاتخاذ إجراءات صارمة من جانب هيئة الخدمات البيطرية للتعامل مع الحيوانات الضالة التي تشكل خطراً على الإنسان.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات التنفيذية تلتزم بما جاء في قانون «حيازة الحيوانات الخطرة» الصادر في عام 2023 والذي وضع إجراءات تلتزم بها وزارة الزراعة تتمثل في «المسح الميداني، وحصر أعداد الكلاب الضالة، وتنفيذ برامج تطعيم (مثل السعار) وإيواء وتغذية»، وأن العديد من الوزارات تشارك في الحملة، وفقاً للتخصصات المختلفة.

ولفت إلى أن وزارة البيئة تتولى مهمة الحصر العددي للكلاب الضالة ومراعاة التوازن البيئي بين الأعداد المسموح بها مقارنة بالنسبة السكانية، وكذلك أعدادها مقارنة بالحيوانات الأخرى الموجودة في المنطقة نفسها، بينما تتولى وزارة التنمية المحلية تسهيل مهمة الحصر والتعقيم داخل كل محافظة وإدارة محلية إلى جانب تطوير منظومة «جمع القمامة» للقضاء على «المخلفات» التي تشكل عاملاً رئيسياً في انتشار الكلاب.

وذكّر بأن وزارة الزراعة، معنية بالحيوان وكيفية التعامل معه والقيام بعملية التحصين، إلى جانب أدوار أخرى توعوية تقوم بها وزارتا التربية والتعليم والتعليم العالي، بالإضافة إلى تأمين الحملات من جانب وزارة الداخلية، وكذلك دور وزارة الصحة في اتخاذ الإجراءات اللازمة في حال وقوع حالات العقر، ومكافحة الأمراض الوبائية.

سيارات خاصة لنقل الكلاب الخطرة إلى أماكن إيواء مخصصة (وزارة الزراعة المصرية)

ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد الكلاب الضالة في مصر، لكن بات ملحوظاً زيادتها بشكل لافت، وسيرها في مجموعات داخل الشوارع والمدن. وسبق أن قدّر وكيل نقابة البيطريين محمود حمدي العدد بين 20 و30 مليون كلب ضال.

وكان النائب في مجلس النواب المصري محمود موسى، قد تقدّم بطلب إحاطة في مايو (أيار) الماضي، حول تعرّض المواطنين لمخاطر الكلاب الضارة، كما سبق أن قدمت لجنة الإدارة المحلية طلب إحاطة للحكومة لإيجاد حل لأزمة الكلاب الضالة في أبريل (نيسان) 2024.

وأكد محافظ الإسكندرية الأسبق، خبير التنمية المحلية، اللواء رضا فرحات، أن مكافحة انتشار الكلاب الضالة محل نقاشات عديدة داخل الجهات المحلية والبرلمان المصري خلال المرحلة الماضية مع الازدياد الكبير في أعدادها، ومع تكتل عشرات الكلاب داخل شارع أو منطقة بعينها وهو ما شكّل خطراً استدعى التدخل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن خطر انتشار الكلاب الضالة أضحى يتمثل في إمكانية إحداث اختلالات في التوازن البيئي، هذا بالإضافة لوجود ملاحظات على تغير سلوكيات الكلاب الضالة، مشيراً إلى أن الحكومة المصرية، أمام فرصة مهمة للاستفادة من هذه الكلاب مع «حملات التعقيم والإيواء»؛ إذ يمكن تدريبها في الحراسة أو تصديرها حية إلى الخارج.

وأكد الحسيني محمد عوض أن الحملات الميدانية التي بدأت أخيراً تشمل الإمساك بالكلاب، حيث تم تدريب فرق للطوارئ في المحافظات على التعامل معها، مع توفير سيارات مجهزة لنقلها إلى أماكن الإيواء بالتعاون مع المجتمع المدني والمحافظين، وتنفيذ خطة للتعقيم تتمثل في التدخل الجراحي بالإخصاء للذكور وإزالة الرحم للإناث، ثم إعادتها مرة أخرى إلى المناطق التي كانت فيها، مع الاحتفاظ بالكلاب الشرسة أو التي تعاني «السعار» داخل أماكن الإيواء.


اتفاق بين إسرائيل وسوريا وأميركا لإنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثيْ الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثيْ الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
TT

اتفاق بين إسرائيل وسوريا وأميركا لإنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثيْ الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)
الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثيْ الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

قالت سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة في بيان مشترك نشرته، الثلاثاء، وزارة الخارجية ​الأميركية إن إسرائيل وسوريا اتفقتا خلال محادثات في باريس بوساطة أميركية على إنشاء خلية اتصالات لتنسيق القضايا الأمنية والاستخباراتية والتجارية.

وأورد بيان لوزارة الخارجية الأميركية أن الجانبين سيستخدمان آلية التواصل «لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية بينهما وخفض التصعيد العسكري والمشاركة الدبلوماسية والفرص التجارية» تحت إشراف الولايات المتحدة.
لكن مسؤولا سوريا قال لـ«رويترز» إنه «لا يمكن الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية دون جدول زمني ملزم وواضح للانسحاب الإسرائيلي الكامل» من الأراضي التي استولت عليها إسرائيل بعد إطاحة بشار الأسد في أواخر 2024.
وقال ‌المسؤول السوري، الذي ‌رفض كشف اسمه، إن ‌أحدث ⁠جولة ​من المحادثات في باريس، أمس الاثنين واليوم الثلاثاء، انتهت بمبادرة أميركية «لتجميد فوري لكل الأنشطة العسكرية الإسرائيلية» ضد سوريا. واتهم إسرائيل باللجوء إلى «المماطلة التقنية» في المحادثات وقال إن عليها التخلي عن «عقليتها التوسعية» حتى يتسنى ‌المضي قدما.

ولم يصدر أي تعليق بعد عن إسرائيل حول ما إذا كانت وافقت على تعليق الأنشطة العسكرية في سوريا، فيما قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ⁠إن إسرائيل ركزت خلال المحادثات على القضايا الأمنية وكذلك التعاون الاقتصادي بين ‌إسرائيل وسوريا.
وذكرت وسائل الإعلام الرسمية ‍السورية أن المناقشات في ‍باريس ركزت على إحياء اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 ‍التي أنشأت منطقة عازلة بين إسرائيل وسوريا تحت إشراف الأمم المتحدة بعد حرب عام 1973.
وقاد الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، بينما ضم الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي جيل رايش.

أما الفريق الأميركي فضم ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس دونالد ترمب، وجاريد كوشنر صهر الرئيس، وتوم برّاك المبعوث الأميركي إلى سوريا.

وذكرت «جيروزاليم بوست» أن خلية الاتصال المزمعة ستكون قناة دائمة لإدارة المراسلات الحساسة بين إسرائيل وسوريا، وستعمل على تنسيق الرسائل الأمنية، وتسهيل المتابعة الدبلوماسية، واستكشاف الفرص التجارية تحت إشراف أميركي.

والاجتماع الثلاثي الذي عُقد في باريس هو الجولة الخامسة من المحادثات بين سوريا وإسرائيل، لكنها الأولى منذ نحو شهرين، بعدما توقفت المفاوضات بسبب اتساع الفجوات بين الطرفين.

ومنذ سقوط حكم الرئيس بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، سيطرت إسرائيل على مناطق من الأراضي السورية متاخمة لهضبة الجولان التي تحتلها منذ عام 1967، كما تنفذ من وقت إلى آخر عمليات توغل في جنوب سوريا.

كما سيطرت إسرائيل في الوقت نفسه على منطقة عازلة ملاصقة للجولان كانت قائمة بموجب اتفاق فض الاشتباك المبرم عام 1974، وعلى مساحات من محافظتي درعا والقنيطرة إضافة إلى جبل الشيخ.