خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

نائب الرئيس السوري السابق روى في مذكرات تنشرها «الشرق الأوسط» أن «النظام انتقل من إسقاط صدام للدفاع عنه»

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
TT

خدام: الأسد اقترح إعطاء المعارضة العراقية وعوداً وهمية... وخاتمي حذر من دولة كردية (الحلقة الأولى)

بشار الأسد بين حافظ  الأسد وعبد الحليم خدام في 1994
بشار الأسد بين حافظ الأسد وعبد الحليم خدام في 1994

تحكي مسيرة عبد الحليم خدام وأوراقه، قسماً رئيسياً من قصة سوريا في العقود الأخيرة. خدام، الذي كان يعرف بـ«أبو جمال»، تنقل في مناصب عدة، وكان شاهداً ومشاركاً في أحداث رئيسية عصفت بسوريا ودورها في الإقليم، منذ تسلم حزب «البعث» الحكم في عام 1963، إلى حين خروجه من البلاد وإعلان انشقاقه في 2005.
خلال عقود، تنقل «أبو جمال» بين مناصب عدة. كان محافظاً لحماة لحظة الصراع مع «الإخوان المسلمين» بداية الستينات، ومحافظاً لريف دمشق لحظة سقوط القنيطرة في نهاية ذلك العقد. وكان وزيراً للخارجية، ثم نائباً للرئيس خلال المحطات الأساسية في دمشق وتمددها في لبنان، إلى حد أنه كان يسمى «حاكم لبنان».
بقي «الملف اللبناني» في عهدة خدام إلى عام 1998، عندما نقله الأسد إلى نجله الدكتور بشار، الذي عاد من لندن بعد وفاة باسل، شقيقه الأكبر، في عام 1994، الأمر الذي لم يكن مريحاً لخدام وحلفائه في لبنان.
ومع تراجع دوره السياسي في دمشق، عقد مؤتمر «البعث» في يونيو (حزيران) 2005، وتقدم خدام باستقالة من جميع المناصب السياسية والحزبية، واحتفظ بمنصبه كعضو في القيادة المركزية لـلحزب. بعدها، خرج إلى لبنان في طريقه إلى المنفى في باريس التي بقي فيها حتى وفاته العام الماضي (فاروق الشرع أصبح نائباً للرئيس في بداية 2006، قبل أن يعفى من هذا المنصب قبل سنوات). وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فرضت العزلة على دمشق. وفي نهاية 2005، أعلن خدام انشقاقه، واتهم النظام السوري بـ«قتل الصديق رئيس الوزراء اللبناني». كما شكل من منفاه، مع «الإخوان المسلمين» بقيادة علي صدر الدين البيانوني، تحالف «جبهة الخلاص» لمعارضة النظام. وفي دمشق، اتهم بـ«الخيانة العظمى» وصودرت ممتلكاته.
لم يلعب خدام دوراً سياسياً بارزاً بعد انتفاضة 2011، حيث كرس وقته لكتابة مذكراته، ونشر في عام 2003 كتاباً عن آرائه السياسية وموقفه من الديمقراطية والحرية، بعنوان: «النظام العربي المعاصر».
«الشرق الأوسط» زارت أوراق خدام ووثائقه، وتبدأ اليوم بنشر فصول من مذكراته في حلقات عن مراحل أساسية من تاريخ سوريا ودورها. ولا تشكل هذه الحلقات تأريخا لهذه المراحل، بقدر ما هي رواية خدام عنها:

بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسلُّم بشار الأسد مقاليد الحكم، ركّز على العلاقات مع العراق، وقامت سوريا بنشاطات عربية ودولية للدفاع عن النظام العراقي ضد الأعمال العدوانية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، كما اتخذت مواقف قوية ضد توجهات الولايات المتحدة الأميركية في شن الحرب على العراق. وفي تلك المرحلة، استقبل بشار الأسد عدداً من القياديين العراقيين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا الأشد عداءً للنظام في سوريا وإيران، ومنهم علي حسن المجيد وطه ياسين رمضان.
وبذلك، انتقل النظام من مرحلة العمل لإسقاط النظام العراقي، إلى مرحلة الدفاع عنه في المحافل العربية والدولية، في وقت كانت إيران، عبر حلفائها في المعارضة العراقية، تعمل على الخلاص من صدام حسين ومن نظامه.
كانت الوفود العراقية والسورية لا تنقطع عن تبادل الزيارات، والعمل على عقد اتفاقات ثنائية بين الدولتين. ولعل أبلغ ما يعبر عن تلك الحالة زيارة رئيس الوزراء السوري محمد مصطفى ميرو إلى بغداد قبل الحرب على العراق بفترة قصيرة، حيث اجتمع مع الرئيس العراقي صدام حسين، وقدّم له سيفاً دمشقيّاً، وألقى كلمة جاء فيها: «أُقدِّم لكم هذا السيف الدمشقي، مؤكداً أننا معكم، وأن العدوان على العراق هو عدوان على سوريا».
في تلك المرحلة، عُقد مؤتمر المعارضة العراقية في لندن برعاية إيرانية وأميركية، ومثّل الجانب الإيراني فيه أحد كبار مسؤولي الاستخبارات ومعه وفد مرافق، ومثّل الجانب الأميركي ثلاثة أعضاء من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وعمل الوفدان على إنجاح المؤتمر الذي اتخذ مجموعة من القرارات، استخدمها الأميركيون في تغطية الحرب.
مع اشتداد الحملة الأميركية على العراق، وحشد القوات في المنطقة، وعجز الولايات المتحدة الأميركية في إقناع مجلس الأمن باتخاذ قرار يغطي الحرب على العراق، أصبح واضحاً أن الحرب باتت وشيكة خلال أيام، مما أثار القلق في سوريا من امتداد الحرب إلى أراضيها، لا سيما أن الموقف السوري كان قويّاً إلى جانب العراق، كما أن حالة من الإجماع الوطني قامت آنذاك في سوريا إلى جانب العراق.
في ضوء ذلك الواقع، ذهب الرئيس بشار الأسد إلى طهران، وقد رافقته، لمناقشة الوضع مع القيادة الإيرانية والعمل على توحيد الموقف في مواجهة التطورات الجديدة المقلقة والمقبلة في المنطقة.
توجهنا إلى طهران في 16 مارس (آذار) عام 2003. وأجرينا فور وصولنا مباحثات مع الرئيس محمد خاتمي ثم «المرشد» الإيراني علي خامنئي، وهذا محضر الاجتماعين:
بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ الحديث الرئيس السوري، متسائلاً: «ماذا نستطيع أن نفعل قبل الحرب بوقت قصير؟ وماذا سنفعل في حال حصول الحرب، والتي ستدوم لفترة طويلة، وربما لسنوات؟ ولا أقصد أن الولايات المتحدة ستستقر، وإن استقرت وحققت الأمن، فستنتقل إلى إيران وسوريا».
أجابه خاتمي: «هذه أسئلة صحيحة وفي وقتها. نحن في إيران نفكر دوماً في هذه النقاط، ودائماً مبعوثي، وخاصة السيد (كمال) خرازي، خلال اتصالاته مع الأصدقاء، وخصوصاً السيد خدام، نأتي على ذكر ذلك».
وتابع خاتمي: «اسمحوا لي أن أشرح لكم. كان لي حول الموضوعين لقاءان: الأول مع وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف، والثاني اتصال مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك. السيد شيراك هو الذي بادر، ودام الاتصال نصف ساعة. والملاحظ من كلا الرجلين أن لديهما قلقاً من أن يتم الاعتداء على العراق، لكن قلقهما كان أكبر من ذلك، وكلاهما كان يعبر عن أن الحرب واقعة قريباً».
وأضاف خاتمي: «كان ذلك يوم الثلاثاء أو الأربعاء، حيث قالا: علينا أن نسعى إلى ألا يمتد الاعتداء إلى ما وراء العراق، وكان يساور الرجلين قلق من أن مهاجمة العراق هي الخطوة الأولى. وأنا أريد أن أستنتج وأضيف هذا القلق إلى الرأي العام العالمي. فهذا القلق يُعتبر من قِبل الرأي العام العالمي إيجابيّاً لنا، وهو يتلخص في معارضة عميقة وأساسية إزاء الاتجاه الأحادي الذي تقوم به أميركا وتمارسه. ولهذا السبب طلبتُ خلال اجتماعي غير الرسمي بالقمة الإسلامية أن يقوم ممثلنا بالاتصال مع شيراك والجميع، باعتبار هذا التأييد مطلباً عالميّاً».
وتابع خاتمي: «كلا الرجلين، شيراك وإيفانوف، توصلا إلى الجزم بوقوع الحرب، وقال شيراك إننا مستعدون لاستخدام الفيتو (حق النقض في مجلس الأمن)، لكن أميركا استعدت للحرب. وموقفه أن هذا الاتجاه المعارض لأميركا يجعل الحرب، إذا حصلت، اعتداءً غير مشروع. وقال: لنا الحق بالتصرف بعد ذلك. فقد استذكر شيراك رأيي الذي أدليت به، وقلت إن الغارات الجوية قد تكبد العراق وشعبه خسائر جسيمة، ولكن لا تؤدي إلى سقوط صدام. لذلك، سيكونون مرغمين على خوض حرب ذرية. وأنا أخمِّن وأقدِّر أن الجيش العراقي والحرس سيقومان بالدفاع عن المدن».
وقال خاتمي: «الانتصار الحاسم الذي تحصل عليه أميركا: أن تقصِّر فترة الحرب وتصل للانتصار في فترة قصيرة. لكن، إذا طالت المدة ستخسر أميركا. ويكفي أن تعود إلى أميركا جثث الجنود الأميركيون حتى ينقلب الرأي العام الأميركي ضد الرئيس جورج بوش وسياسته. لذلك لا أعتقد أن أميركا ستتمكن من إنهاء هذه الحرب. لكن هناك نقطة غامضة: لا أعرف مدى استعداد العراقيين للمقاومة والصمود. أنا لا أريد أن نسمح بوقوع الحرب، لكن إن وقعت الحرب فلا بد أن لا تكون أميركا منتصرة فيها بسهولة. النقطة الثالثة إن وقعت الحرب ماذا يجب علينا أن نفعل؟».
وأضاف خاتمي: «الموضوع الآخر الذي طرحته مع شيراك: أن المعركة تؤدي إلى تشديد وزيادة موجة العنف في العالم. أميركا في أفغانستان لم تحقق هدفها بالقضاء على زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أسامة بن لادن بل جعلته بطلاً، والآن تُنتج بطلاً آخر اسمه صدام، وستزداد موجة التطرف. وأيدني شيراك، لكنه قال إن الأميركيين ليسوا من أهل هذه المنطقة».

وقال: «قبل أن ندخل في المرحلة الثالثة، مرحلة ما بعد وقوع الحرب، أكرر سؤالاً: كيف ترون الوضع في حال وقوع الحرب بالنسبة لصمود الشعب العراقي، وبخاصة حرب المدن، لأنه إن طالت المدة ستكون الأضرار أكثر؟».
عقّب الأسد، قائلاً: «لو كان من يحارب غير الأميركيين لكان سقوط صدام أسرع، لكن الأميركيين تتحكم بهم الحماقة. قالوا إنهم سيحسمون الحرب خلال أيام أو أسابيع. لقد حصروا أنفسهم بهذا الزمن دون داعٍ».
وأضاف: «إذا سألنا العراقي: من تكره أكثر، أميركا أم صدام؟ سيكون هناك من يقول صدام، ولكن الإحساس أن الشعب العراقي سيقاتل مع صدام. لذلك، أعتقد أن مجموعة من العراقيين يهتمون بجانب، بينما آخرون في جانب آخر».
وتابع الأسد: «شيء آخر: سيقتل الأميركيون أعداداً كبيرة من العراقيين، وعندها سينسى الشعب أن هناك صدام حسين. بالنسبة للحرس الجمهوري والحزبيين المحيطين بالنظام، وأنا أتكلم هنا عن الحرس الجمهوري القريب، يوجد عدد كبير من القيادات السياسية والعسكريين يمكن تقسيمهم إلى نوعين: الأول مستفيد من النظام، والثاني مرتكب لجرائم وإعدامات. ستبدأ حماقة أميركا... هي لم تترك منفذاً لأحد من هؤلاء، فأصدرت لائحة تضم 1700 معارض يُمنع دخولهم العراق، وتكلمت عن حاكم عسكري للعراق. في الواقع ستكون هناك معركة، ولكن، بعد أيام سيكون الجميع ضد أميركا».
قال خاتمي: «كل المعارضة اليوم تقف ضد أميركا. علينا أن نحاول دفع الشيعة والسنة إلى تجاوز الخلافات».
عاد الأسد إلى الحديث، قائلاً: «نحن أكثر دولة تقف مع صدام، وهو أقل دولة تنسق معنا. إنه نظام غريب يعيش في عالم آخر. كنت أتحدث من قبل وأقول إن من المفترض أن أوسّع المشاركة الداخلية، فلدينا الآن في سوريا انتخابات بلدية. وكنا نتحدث في الطائرة عن كيفية توسيع هذه المشاركة. صدام حسين يفعل العكس. لقد قسّم العراق بالأمس إلى أربع مناطق، وسلَّم إحدى المناطق لعلي حسن المجيد الملقب بالكيماوي، وهذا سيقلب الصورة ضد صدام. نحن كسوريين وإيرانيين كيف نتعامل مع المعارضة؟ من الضروري استيعاب المعارضة في الخارج، ولكنها لا تستطيع أن يكون لها دور. نحن بحاجة لعلاقات أوسع في داخل العراق. بالنسبة لنا في سوريا، العلاقة ضعيفة بسبب عدم وجود الثقة بين نظامينا».
وأضاف الأسد: «هذا الموضوع بحاجة لدراسة تفصيلية بالاسم، لأن أي مجلس أو شخص يأتي لحكم العراق يكون هؤلاء الأشخاص. أميركا لم تقبل اقتراح دولة عربية استبدال صدام بشخص آخر هو عزت الدوري. هذا تصوّري لهذه النقطة».
علّق خاتمي، قائلاً: «نحن أيضاً لا نعرف ماذا يجري داخل العراق. أنا أقتنع بمثل هذا الشعور المتناقض تجاه صدام وأميركا، وأعتقد أنه إن طالت الحرب ورأى الشعب الخسائر واستطاع الجيش والحرس الجمهوري المقاومة، سيكون الزمن على حساب الجانب الأميركي.
وفي إطار العمل لمستقبل العراق لا بد من إبعاد أي توجه يهدد الموقف، وإبعاد الأخطار المهمة التي تتمثل في الطائفية والتناحر بين الفصائل، لأن هذا يسهّل عمل أميركا، كأن يطالب الشيعي بحصة وكذلك الكردي وغيرهما، وهذا سيكون سُمّاً لمستقبل العراق، وأنا أرى أنه لا بد من التفكير بمستقبل عراقي ديمقراطي، بحيث لا يكون العراق بيد الأميركيين حتى إذا لم يكن عدوّاً لأميركا».
وتابع خاتمي: «موقف المعارضة الآن متصف بالرعونة، في حين أن التصرف الأميركي متصف بالعنجهية. إن أكبر رهان على المعارضة الآن هو أن أميركا عاملتهم بطريقة سيئة، والكل أبدى انزعاجه من تصرفاتها، بمن فيهم (أحمد) الجلبي، القريب جدّاً من أميركا. هذا الأمر ساعد في عودة الجميع إلى رشدهم والتقليل من العمل في الاتجاه الطائفي».
وأضاف: «لتركيا دور كبير في هذه المرحلة. ورغم التزامات تركيا تجاه أميركا، فإنني ألاحظ أن الجماعة التي تحكم تميل للعمل معنا ومع العالم الإسلامي. يجب علينا أن نكون حذرين من قيام دولة كردية، ولا بد من تكريس الفكرة القائلة بأن أكراد إيران هم إيرانيون، وأكراد العراق عراقيون، وأكراد تركيا أتراك، وفي هذا المجال لا بد من طمأنة الأتراك وتبديد مخاوفهم. على كل حال، يجب التنسيق بيننا وبينكم وبين المعارضة العراقية في هذه الأمور».
عقّب الأسد: «في المعارضة حالتان: الأولى وصلت إلى مرحلة النضج ولن تتعامل مع أميركا، والثانية هرولت باتجاه أميركا عندما أشارت إليها. هؤلاء، إن وصلوا إلى الحكم لن يعملوا مع سوريا وإيران، بل سيكونون في الجانب الأميركي. لذلك، لا بد من توسيع العلاقات وخلق عناصر أخرى للتنسيق. العنصر الأكبر هو الأكراد. لديهم خوف وهم يفكرون بإقامة وطن. هذه النقطة هي الأهم. لقد بحثت هذا الأمر مع (الرئيس التركي الأسبق) عبد الله غول، ومنذ أيام ذهب وفد أمني سوري إلى تركيا. المحور الأساسي للتعاون بين سوريا وتركيا الآن هو موضوع الدولة الكردية، وهذا يجمع كل التيارات في تركيا، من العسكر وغيرهم، لأن هذا يقلق تركيا وسوريا وإيران والعراق، ويجب التنسيق بيننا في هذا الموضوع».
أخذ خاتمي الحديث فقال: «الآن تركيا مهمة جدّاً لمرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها. تركيا تتلقى أوامرها من أميركا، وبدا ذلك بشكل واضح في مؤتمر القمة الإسلامية. يجب ألا نحصر أنفسنا في اللقاء السداسي في إسطنبول. أعتقد أننا نستطيع أن نكون قوة إقليمية في المنطقة تضم سوريا وإيران وتركيا، وذلك في مرحلة الحرب وما بعدها، لكون تركيا متضررة مثلنا. حتى نهاية أبريل (نيسان) ستظهر الأمور بالنسبة للحرب، وستتوضح صورة حكومة (رجب طيب) إردوغان الجديدة، وربما تصبح الأمور أسوأ في الساحة العراقية. أقترح عقد لقاء قمة ثلاثي، أو على مستوى الوزراء، لبحث ما يمكن تحقيقه (...) أرى أن عقد اجتماع ثلاثي على مستوى وزاري وبعده قمة، سيكون له أثر كبير، سواء وقعت الحرب أم لا، وسواء انتصرت أميركا أم لا. وعلينا التفكير بالموضوع منذ الآن. سبق لنا أن اقترحنا موضوع 5+6. أي اجتماع يضم خمسة أعضاء من مجلس الأمن وست دول مجاورة للعراق، وقد رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بهذه الفكرة، ولكنها لم تتحقق. هل يمكن طرح الفكرة اليوم، خصوصاً بعد المواقف التي تتخذها كل من فرنسا وروسيا والصين؟».
تدخّل في الحديث كمال خرازي: «الرئيس خاتمي طرح فكرة الوفاق الوطني»، فأجابه خاتمي: «المشكلة أن هذه الفكرة لم تُعجب أحداً». فتساءل خرازي: «إن طُرحت هذه الفكرة ثانية، هل يمكن أن تبصر النور؟». أجابه الأسد: «كان الطرح هو المفاوضات بين الأطراف، فالوقت غير مناسب، لأن الطرح سيكون: مَن يأخذ أكثر؟ وسيتم التناحر بين القوميات، وسيظهر للعالم أن الموضوع داخلي وليس موضوع عدوان. نحن نريد التركيز على العدوان. الجانب الآخر الذي أراه مناسباً هو تحقيق التطور. لقد تحدثنا مع العراقيين كثيراً. هم لا يُنسقون معنا، لا في اللجنة الخماسية ولا في أي شيء آخر. وعندما نتحدث معهم عن المعارضة، يقولون نحن لا نخاف من أحد».
علَّق خاتمي: «المعارضة لا تروق لأحد». أجابه الأسد: «نستطيع إعطاءها وعوداً وهمية على الطريقة الأميركية، ومع ذلك يمكن طرح الموضوع مع وزير الخارجية العراقي. المشكلة الأولى في الحرب هي صدّام نفسه». قال خاتمي: «بالنسبة للحرب، أميركا تتعامل بقوة، وربما لديها مشاريع وخطط. هل أنتم مطمئنون إلى إمكانية قيام الجيش بعمل ما في الداخل؟ إن انتصرت أميركا بسرعة سيكون الأمر صعباً». أجابه الأسد: «الحل في المقاومة». فتابع خاتمي: «إذا وقعت الحرب؟»، فقال الأسد: «يجب الإعداد للمقاومة قبل الحرب«.
هنا علَّق خاتمي: «لا بد من وجود أهداف عدة: أولاً، لا نريد وقوع الحرب، وثانياً، إن قامت لا نريد أن تنتهي بسرعة، وثالثاً، مستقبل العراق. يجب العمل والتنسيق لتحقيق هذه الأهداف، ولا بد من التباحث حول كيفية التعامل مع المعارضة.
النقطة الأخرى هي أنه يجب معرفة ما يجري داخل العراق وكيفية التأثير فيه، وكذلك الأمر بالنسبة لمستقبل العراق. يجب أن تنصبّ جهودنا على تجنب الطائفية، ويجب أن يكون شرطُنا للعمل مع المعارضة هو التزامها بعدم إثارة المشكلات. نحن لا نفرّق بين سُنّي وشيعي. إن حدث أمر كهذا، وهذا ما يقلقني، فإن المعارضة ستسقط، وهذا يسبب خسارة».
عقّب الأسد: «للطرح الطائفي في العراق نتائج سلبية. قبل طرح أي أمر يجب أن يكون له هدف. التركيز على المعارضة يخيف الأميركيين، لكن هذا يتطلب بحث العلاقات مع العشائر. اليوم يوزع الأميركيون الأموال والهواتف على رؤساء العشائر. لا أعرف إن كان هؤلاء سيلتزمون مع أميركا، ولكنهم في الوقت الحالي سعداء بالأموال. ما هي علاقتكم بالعشائر؟».
أجابه خاتمي: «لا توجد علاقات بيننا، ولكني أعتقد أن للمعارضة اتصالات مع العشائر، ولها ارتباطات أخرى». رد الأسد: «سيكون التعامل صعباً إلى حد ما».
تدخلتُ في الحديث قائلاً: «لدي اقتراح: إن وجهتي نظر سوريا وإيران متطابقتان. لا بد من إيجاد منهجية للعمل. هناك أطراف عدة في المعارضة مخترَقة من قِبل الأميركيين. أقترح تشكيل مجموعة عمل تدرس المعارضة العراقية. هناك الكثير من أطراف المعارضة رفضت العمل تحت المظلة الأميركية، وهناك من يعتقد أن الحرب فرصة مناسبة للانقضاض على النظام».
أجاب خاتمي: «أنا لستُ معكم، لكنني أوافقكم بأن هناك بعض المخترَقين من قِبل أميركا، لكن في الوقت نفسه البعض لم يعارض». أجبته: «بعض المشاركين يقولون إنهم يعملون مع المخابرات الأميركية والبريطانية. وبالفعل، فقد حضر المؤتمر أعضاء من المخابرات المركزية الأميركية كمراقبين، كما حضره أعضاء من المخابرات الإيرانية كمراقبين أيضاً، وبالتالي لا بد من تدقيق وضع المعارضة العراقية وتصحيح أوضاع من نستطيع التأثير عليهم».
أجاب خاتمي: «لا شك أنهم فضّلوا التعامل مع أميركا، لكنّ تعامل أميركا السيئ معهم جعلهم ينظرون إلى المعارضة وكأن لها موقفاً موحَّداً ضد أميركا. ولهذا السبب تراجعت المعارضة في أربيل، وأميركا لا تقبل بهذه المعارضة إلا أناساً يقفون معها 100 في المائة. قال المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد للمعارضة: نحن لا نقبل بالمعارضة وسنزرع حاكماً عسكرياً في العراق، وبعد الهدوء سنضع حاكماً سياسياً، وسننشئ دستوراً عراقياً، وأقصى شيء يمكننا عمله معكم هو التشاور».
وأضاف: «عندما تقوم أميركا بالعمل العسكري لن يكون للمعارضة أي نشاط. لقد خططت أميركا لتحقيق ما تريده في العراق، وجميع أطراف المعارضة كانت منزعجة منها، وقرروا في أربيل إصدار بيان معارض لأميركا، وهذا شيء جيد، وكان له أثر في تغيير اللهجة الأميركية. لذلك أنا لست معك بوجود أطراف معارضة تعمل مع أميركا وأخرى مستقلة تماماً، لكن في الوقت ذاته، أي طرف من المعارضة سيرى مصلحته مع أميركا سيقترب منها، بالإضافة إلى بعض الأطراف التي تعتمد على أميركا منذ البداية. الجانب الأميركي يصر على من يتبعون له، ولكن في الوقت ذاته أنا أؤيد وجهة نظركم بأن هناك خارج المعارضة من هم أكثر مقاومة وجديّة، ولكن يجب أن نكون واقعيين».
وتابع قائلاً: «هذا الاقتراح من الرئيس بشار بأن نجلس مع تركيا اقتراح حكيم، ولا بد من أن ننظر للمعارضة بإطار واسع لنَحول دون اتساع الخلافات، ونَحول دون وقوع المعارضة في أحضان أميركا، وسنكون سعداء جدّاً بأن يكون لنا نوع من الوجود. أنا أوافق على مجموعة العمل، فالإنسان لا يُخير دائماً بين الجيد والسيئ، ولكن يجب التمييز بين السيئ والأسوأ».
وبعد أن أنهينا اللقاء مع الرئيس خاتمي، توجّهنا للقاء المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي بدأ الحديث مُرحباً بنا، متمنياً أن تكون الزيارة مفيدة لكِلا البلدين. بعد ذلك تحدث الأسد، قائلاً: «التنسيق بين بلدينا عالٍ، وبكل تأكيد ستحقق زيارتنا النجاح، وسوف تضفي هذه الزيارة بعض (الرتوش) على التنسيق بين بلدينا. لقد عكَس نقاشنا اليوم تطابق وجهات النظر بين بلدينا. ناقشنا موضوع العراق بشكل موسّع، ويوجد تحليلات كثيرة، والرؤية سوداوية حول هذا الموضوع، والنقاط البيضاء فيه هي تحالفنا ومواقفنا وتاريخنا. لقد سقطت الأقنعة وكل شيء اتضح. أميركا عبّرت عن موقفها وقالت إنها تريد احتلال العراق وتنصيب حاكم عسكري، وقالت إنها ستحارب بعد ذلك سوريا وإيران وأي دولة لا تعجبها. نحن ندرك قوة أميركا العسكرية وإمكانات سوريا وإيران... ولكن نحن أصحاب الأرض».
أضاف الأسد: «قلنا في البداية إننا لا نريد حدوث الحرب لأنها ضارة للجميع، لكن من غير المعقول أن نجلس وننتظر مجيئها إلينا لاحقاً. لا يوجد دولة جارة للعراق تملك قرارها سوى سوريا وإيران، لكن أعتقد أن أهم شيء يمكن أن يحدث في حال حصول الحرب هو امتدادها حتى تتعب أميركا».
تحدث خامنئي قائلاً: «شكراً جزيلاً على هذا التحليل الجيد حول ما يجري في المنطقة. الحقيقة هي أننا دولتان شقيقتان، تجمعنا أمور كثيرة ومخاطر مشتركة، وهذا بحد ذاته عامل تشجيع لزيادة التعاون الكامل بيننا. تواجه المنطقة وضعاً خطراً».
 

خدام: الأسد غيّر رأيه ومدد للحود فاصطدمت سوريا بالإرادة الدولية (الحلقة الثانية)

خدام: استقبلنا رفيق الحريري بناء على اقتراح جنبلاط... وحافظ الأسد «امتحنه» (الحلقة الثالثة) 
خدام: هاجمت قواتنا ثكنة «حزب الله»... وهذا ما دار مع السفير الإيراني (الحلقة الرابعة)
خدام: بوش أبلغنا برسالة خطية أن عون «عقبة»... والأسد اعتبرها «ضوءاً أخضر» لإنهاء تمرده (الحلقة الخامسة)
خدام: صدام بعث برسائل سرية إلى خامنئي ورفسنجاني... واقترح قمة بحضور «المرشد» (الحلقة السادسة)
رفسنجاني في رسالة لصدام: تتحدث عن القومية العربية وتنتقد رفضنا لاحتلال الكويت (الحلقة السابعة)
خدام: قلت لعرفات إنك تكذب وتتآمر على فلسطين ولبنان وسوريا (الحلقة الثامنة)
خدام: السعودية لعبت دوراً بارزاً لدى أميركا في حل «أزمة الصواريخ» مع إسرائيل (الحلقة التاسعة)
خدام: كنت أول وآخر مسؤول سوري يلتقى الخميني... وهذا محضر الاجتماع (الحلقة 10)

خدام: حافظ الأسد كان سريع التأثر بأفراد عائلته... وعلاقتنا وصلت أحياناً إلى القطيعة (الحلقة الـ 11 والأخيرة)

 



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.