أهم الأحداث الطبية في 2020

أهم الأحداث الطبية في 2020

نظريات انتشار «كورونا» وعلاجات جينية واعدة
الجمعة - 11 جمادى الأولى 1442 هـ - 25 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15368]

في نهاية كل عام نعرض لأهم الأحداث والإنجازات الطبية لنتعرف على المستجدات المهمة في المجال الصحي؛ سواء على مستوى التقنيات الحديثة للتشخيص أو العلاج أو الأبحاث المهمة التي تكتسب أهمية خاصة في هذا العام، نظراً لحدوث جائحة «كورونا المستجد»، والتي لعبت فيها الأبحاث الطبية دوراً مهماً في الحد من الانتشار السريع والبحث عن طرق للعلاج، وأخيراً التوصل إلى الوقاية عن طريق تصنيع لقاحات في زمن قياسي تضمن عدم الإصابة، والأمان في الاستخدام.


فيروس «كورونا»

> انتشار سريع: على الرغم من أن فيروس «كورونا» ظهر فعلياً في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي - وهذا سبب تسمية الوباء «كوفيد- 19» (COVID- 19) فإن آثاره السلبية الهائلة لم تحدث إلا خلال هذا العام، وشملت كل بلاد العالم، في كارثة طبية أعادت إلى الأذهان جائحة مماثلة حدثت في بدايات القرن الماضي، وهي الإنفلونزا التي عرفت بالإنفلونزا الإسبانية وحصدت أرواح الملايين.

والحقيقة أن مشكلة الفيروسات التنفسية هي أنها معدية جداً؛ لأنها تنتقل عن طريق الرذاذ (droplet infection) الناتج من إفرازات الجهاز التنفسي من خلال السعال أو العطس، ويمكن أن تنتقل عن طريق اللعاب وأيضاً التلامس، في حالة أن يكون الفيروس ما زال موجوداً على سطح الجلد أو الأسطح بشكل عام، إذا كان الفيروس يمكث فترة على الأسطح، وهو الأمر الذي حدث في «كوفيد» مما استلزم التباعد الاجتماعي بين البشر وعدم التعامل المباشر إلا بعد ارتداء كمامة، وغسل الأيدي باستمرار للحد من الانتشار. ونظراً لحداثة المرض، لا توجد دراسات مؤكدة عنه تتعلق بكيفية انتقاله على وجه التحديد، أو الآلية التي تحدث بها الإصابة، أو السبب الرئيسي للوفيات.

> تباين الأعراض والمضاعفات: هناك نظريات متعددة فسرت التباين الكبير بين الأعراض التي تتراوح بين عدم وجود أعراض نهائياً، مروراً بأعراض نزلة البرد العادية من سعال وعطس وارتفاع حاد في درجة الحرارة، مع فقدان لحاستي الشم والتذوق أو أحدهما، وآلام في العضلات، ثم تتطور الحالة إلى التهاب رئوي، وربما تصل إلى فشل في الجهاز التنفسي يسبب الوفاة.

ولعل قوة الجهاز المناعي من أهم هذه النظريات. وهذا يفسر شدة الأعراض وزيادة أعداد الوفيات في كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، أو يخضعون للعلاج الكيميائي للأورام. والعكس في الشباب والأطفال؛ حيث حدثت أقل نسبة وفيات في الأطفال.

وهناك نظرية عن مدى التعرض للفيروس (viral load)، وهي التي تفسر زيادة أعداد الوفيات بين أفراد الطواقم الطبية عن بقية الفئات الأخرى.

وهناك نظرية تتعلق بتدريب جهاز المناعة، سواء من خلال اللقاحات المختلفة، مثل تطعيم الدرن (BCG vaccine)، وهي التي تفسر قلة أعداد المصابين في الدول التي تعطي التطعيمات بشكل إجباري، أو بالتدريب التدريجي الطبيعي على ظروف غياب البيئة الصحية بما تسمى فرضية النظافة (hygiene hypothesis) من خلال تعرض الأشخاص طوال الوقت لكميات بسيطة من الفيروسات والميكروبات المختلفة، وهي التي تفسر قلة الأعداد في الدول الأقل تطوراً وأقل استعدادات صحية.

وعلى الرغم من أن معظم الأعراض تتعلق بالجهاز التنفسي في الأغلب، فإن هناك عديداً من الحالات التي حدثت بأعراض في الجهاز الهضمي، مثل الإسهال، وبدرجة أقل القيء. وهناك أيضاً دراسات ربطت بين «كورونا» والجهاز العصبي، ما أدى إلى حدوث شلل في بعض الأفراد.

وحتى الآن لا يوجد علاج للمرض، وإنما للأعراض، مثل خوافض الحرارة وبعض المسكنات ومحاولة رفع المناعة عن طريق بعض الفيتامينات. وفي بعض الحالات كان يتم إعطاء مضادات حيوية لمنع العدوى البكتيرية الثانوية. ومن الضروري أن يتناول المريض الأدوية التي تذيب الإفرازات اللزجة من الجهاز التنفسي (البلغم) لتخفيف الضغط على الجهاز التنفسي، ولسهولة إخراج تلك الإفرازات. وفي الحالات التي كان يحدث فيها انخفاض لمستوى الأكسجين بالدم، كان العلاج يبدأ من إعطاء الأكسجين للمريض بالمنزل، نهاية بالوضع على جهاز التنفس الصناعي في حالة فشل الجهاز التنفسي، وهو التطور الأسوأ للمرض.

> مضاعفات نفسية: وبعيداً عن الأعراض العضوية لـ«كوفيد» يبقى الأثر النفسي البالغ السوء لمعظم البشر - سواء على الذين أصيبوا أو ذويهم - هو الأهم تأثيرا؛ حيث أصيب الملايين بالاكتئاب والقلق والمخاوف المرضية، سواء من الإصابة أو إصابة الأقارب وفقدان الأحبة. وضاعف من هذه الأحاسيس الوجود في عزلة؛ حيث تم الإغلاق الكامل في معظم دول العالم، فضلاً عن تدهور الأحوال الاقتصادية، مما عزز من إحساس الناس بالخوف من المستقبل، وهو الأمر الذي استدعى الدعم النفسي من خلال الإنترنت ووسائل الإعلام، لبث الطمأنينة والمساعدة عن طريق أطباء نفسيين يعرضون طرقاً للتعافي من المشكلات النفسية المختلفة، من خلال عرض الحقائق الطبية، ومن أهمها أن الإصابات في 90 في المائة منها تكون طفيفة، وأحياناً غير محسوسة إطلاقاً. وكلما التزم الأفراد بالطرق الوقائية من دون ذعر كان ذلك فعالاً، ويكفي أن إجراءً بسيطاً مثل غسل الأيدي بالصابون باستمرار كافٍ للوقاية من المرض. وتبقى الآمال معقودة في العام القادم على انتهاء الرعب الذي سببه الفيروس، مع ظهور عدة لقاحات، والتي نال بعضها موافقة منظمة الصحة العالمية، وتم البدء فعلياً في تجربته بعد أن أظهر فاعلية في الوقاية من الفيروس في الأفراد الذين حصلوا عليه، وسوف يتم منحه بشكل تدريجي للأفراد الأكثر عرضة للإصابة، ثم للأفراد الأكثر تعرضاً مثل الطواقم الطبية. وتبعاً للنتائج ونجاح اللقاح يمكن الوصول للوقاية من المرض وتعميم التطعيم، كما هو الحال في حملات التطعيم من الإنفلونزا الموسمية.


علاجات جديدة

> علاج جيني لأمراض الأنيميا: هناك بعض أنواع من الأنيميا يكون السبب فيها خلل جيني في الهيموغلوبين (Hemoglobinopathies)، سواء فيما يتعلق بتركيب جزيء الهيموغلوبين (الهيموغلوبين هو البروتين الموجود داخل كرية الدم الحمراء، ويحمل الأكسجين اللازم لخلايا الجسم)، أو فيما يتعلق بكمية إنتاجه، مما يؤدي إلى تغير خصائصه. وينتج عن ذلك تغير لشكل كريات الدم الحمراء.

ومن أشهر هذه الأنواع أنيميا الخلايا المنجلية (نظراً لأن كرية الدم تأخذ شكلاً أقرب للهلال أو المنجل، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تكسير الخلية)، وأنيميا البحر المتوسط. وهذان النوعان من الأنيميا المزمنة من الأنواع التي تحتاج إلى العلاج ونقل الدم في حالة انخفاض معدلات الهيموغلوبين لدرجة كبيرة. وكل عام يصاب حوالي 330 ألف طفل في العالم بنوع من هذه الأنواع، وفي الولايات المتحدة وحدها هناك 100 ألف شخص يعانون من أنيميا الخلايا المنجلية.

وفى هذا العام تم التوصل إلى علاج جيني سوف يقوم بحل مشكلة الخلل في التركيب لجزيء الهيموغلوبين، بعد أن يتم تصحيحه من خلال الهندسة الوراثية مما يجعله طبيعياً، وبالتالي لا تحدث المضاعفات المختلفة الناتجة من تغير طبيعة الهيموغلوبين.

> علاج جديد لتليف الأكياس: يعاني الملايين من البشر حول العالم من مرض وراثي يصيب الرئة في الأغلب، والجهاز الهضمي بدرجة أقل في البنكرياس؛ حيث يقوم الجسم بتكوين أكياس سميكة مليئة بالمخاط اللزج (cystic fibrosis) ونتيجة لهذا المخاط تصبح عملية التنفس صعبة جداً، ويمكن في بعض الأحيان أن تكون مهددة للحياة.

وبشكل عام يصبح متوسط أعمار الأشخاص المصابين بالمرض أقل من الآخرين، نظراً للمضاعفات التي يتعرضون لها، ومنها الالتهابات المتكررة جراء تراكم المخاط وزيادة احتماليات العدوى. وفي بدايات القرن الماضي كانت حياة الأطفال المصابين بالمرض تنتهي في الأغلب بالوفاة قبل أن يدخلوا المدرسة أو بعدها بفترة بسيطة. ومع تقدم وسائل العلاج أصبح متوسط الأعمار في الأربعينات من العمر. وحتى الآن لا يوجد علاج شافٍ لهذه الحالة، ولكن مع التغذية الجيدة وتناول الأدوية التي تجعل المخاط أقل لزوجة يمكن تحسين ظروف الإصابة.

والمرض ناتج من خلل في تركيب بروتين معين. وفي هذا العام تم التوصل إلى عقار يعالج الخلل في البروتين، وبالتالي لا يقوم بإفراز هذا المخاط اللزج. وقد نال العقار موافقة «FDA» في نهاية العام الماضي، وتم استخدامه بنجاح خلال هذا العام.


علاج الكبد والرئتين

> نظام عالمي لالتهاب الكبد الوبائي: من المعروف أن الالتهاب الكبدي الوبائي «سي» (hepatitis C) من الأمراض المزمنة التي لها مضاعفات خطيرة، مثل تليف الكبد وحدوث دوالي المريء التي يمكن أن تسبب النزيف، وزيادة نسب احتماليات الإصابة بسرطان الكبد، فضلاً عن أنه مرض معدٍ من خلال الدم، سواء بشكل مباشر عن طريق نقل دم ملوث أو عن طريق ملامسة الجلد المخدوش في الإنسان، مثل الجروح البسيطة بدماء ملوثة. كما أن هناك احتمالية لنقل العدوى عن طريق الاتصال الجنسي. والمرض يضعف من القوة العامة للمصابين به؛ خصوصاً لو كانت حالة الكبد أساساً سيئة، كما هو الحال لدى مدمني الكحوليات أو المصابين بالبلهارسيا التي تؤثر على خلايا الكبد بشكل بالغ السوء (وهذا سبب تفاقم الحالات في مصر) ويعتبر مشكلة قومية بالنسبة للدول التي ينتشر بها وللعالم كله.

وهذا العام تم منح جائزة «نوبل» في الطب لعلماء من أجل أبحاثهم عن فيروس «سي» وذلك نظراً لتأثيره على الصحة العامة. وحتى وقت قريب كانت مصر أكبر دولة في العالم فيها مرضى مصابون بفيروس «سي» لكن مع ظهور العلاج عن طريق الأقراص (السوفالدي sovaldi) من بضعة سنوات ماضية، أمكن شفاء ملايين من المرضى بشكل تام، بعد أن كان العلاج عبارة عن حقن الإنترفيرون لزيادة المناعة، وعلاج الأعراض والمضاعفات. ولكن دائماً كانت هناك مشكلة تحديد جرعة العلاج ومتى يبدأ استخدامه (بمعنى: في أي مرحلة من العلاج؛ خصوصاً في البداية كانت هناك آراء بأن العلاج غير فعال بالنسبة للمرضى في الحالات المتأخرة، وبالتالي لا داعي لتناوله من الأساس).

وفى هذا العام تمت الموافقة على جرعة ثابتة من العلاج لكل فئة من المرضى وفصائل الفيروس المتعددة (genotypes)، وهذه الطريقة عالجت بنجاح 90 في المائة من المرضى.

>زيادة كفاءة الرئة في الأطفال الخدج: من المعروف أن من أهم المشكلات التي تواجه الأطفال الذين يولدون قبل ميعادهم (الخدج أو المبتسرون Premature Babies) فضلاً عن قلة الوزن، هي عدم اكتمال الرئة وعدم قدرتها على أداء وظيفة التنفس بكفاءة، وذلك نتيجة لأن الرئة تقوم بإفراز سائل معين (Surfactant) يحافظ على الحويصلة الهوائية مفتوحة ولها قوام، حتى يستطيع الجنين التنفس بعد الولادة، ومع خروج الهواء منها بعد الزفير لا يتم تحطميها بحيث يمكن مرور الهواء إليها (كما لو كانت بالوناً منتفخاً). وفي غياب هذا السائل يحدث تحطيم للحويصلة (كما لو كانت بالوناً فارغاً). وهذا السائل يتم تكوينه في الأسبوع الـ26 من عمر الجنين.

وإذا تمت ولادة الطفل قبل الأسبوع الـ37 (مبتسر) في الأغلب لا تكون هناك كميات كافية من السائل، ولذلك يتعرض هؤلاء الرضع إلى صعوبة شديدة في التنفس (Respiratory Distress Syndrome) أو اختصاراً (RDS) ونتيجة لهذه الحالة، وإذا لم يفلح العلاج الدوائي في العناية المركزة، يمكن أن يتم وضع الطفل على جهاز التنفس الصناعي ويتم حقنه بالسائل. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء ضروري وينقذ حياة الرضيع، فإنه يترك آثاراً جانبية ربما تؤدى إلى تلف دائم في الرئة يكون السبب في أمراض مزمنة بالرئة.

وفى هذا العام تم التوصل إلى طريقة لا تخترق جسد الرضع (non-invasive) وتساعدهم على التنفس، وتبقي الحويصلات الهوائية مفتوحة من خلال جهاز يتم توصيله بأنف الطفل، ويوصل الأكسجين بعد أن يتم ترطيبه (الأكسجين الجاف يمكن أن يضر الرئة) يكون أشبه بالفقاعات تكون محملة بضغط معين (continuous positive airway pressure) بحيث يحافظ على الحويصلة من التحطيم بعد خروج الهواء منها في الزفير، وهذا الجهاز فعال وآمن للحفاظ على معدل التنفس الطبيعي من دون أن يؤذي الرضيع.


طريقة جديدة لمنع الحمل

> وسيلة موضعية لمنع الحمل: توصل الباحثون إلى طريقة جديدة لمنع الحمل غير هرمونية (non hormonal) وبالتالي لا تحمل الأعراض الجانبية نفسها لحبوب منع الحمل. والوسيلة الجديدة عبارة عن دهان (جيل) يحول الوسط في المهبل إلى وسط حمضي، وبالتالي يكون غير مناسب للحيوانات المنوية ويتسبب في موت معظمها وعدم تلقيحها للبويضة.

وتبلغ فاعلية الوسيلة الجديدة 86 في المائة فقط. وعلى الرغم من أن كفاءتها أقل من بقية الوسائل (الحبوب 91 في المائة، والوسائل الموضعية داخل الرحم 98 في المائة) فإنها تعتبر من دون أعراض جانبية تقريباً، كما أنها تعتبر وسيلة جديدة منذ عقود بعد التوصل للولب المانع للحمل (IUD).

> جهاز لعلاج نزيف ما بعد الولادة: يعتبر نزيف ما بعد الولادة (Postpartum hemorrhage) من أخطر المضاعفات التي تتعرض لها الأم بعد ولادة طفلها. وعلى الرغم من التقدم الطبي فإن معدلات الخطورة لحدوث النزيف والتي تنتهي باستئصال الرحم أو الوفاة ما زالت مرتفعة؛ خصوصاً في الدول النامية، إذ تتراوح نسبة حدوثه من 1 إلى 5 في المائة من إجمالي حالات الولادة، وتزيد نسبة حدوثه في الآسيويات وذوات البشرة السمراء، ولكن يمكن أن يحدث في كل الأعراق.

وفى الأغلب يحدث النزيف في الحالات التي لا ينقبض فيها الرحم بشكل كاف (uterine atony) لنزول المشيمة بعد الولادة، ويمكن أن يحدث النزيف من الأوعية الدموية في حالة قطعها. ويهدف علاج النزيف إلى معرفة سببه ومحاولة وقفه، وذلك من خلال حقن بعض الأدوية، وفي الأغلب يمكن أن تحتاج الأم لنقل دم لتعويض النزف، وفي حالة عدم التوقف يمكن استئصال الرحم للحفاظ على حياة الأم.

الجهاز الجديد يتكون من السليكون المرن على شكل حلقة صغيرة، ويتم إدخاله إلى عنق الرحم، ومن خلال الشفط يتم خلق ضغط سلبي (negative pressure) داخل الرحم، مما يجعله ينكمش ويتقلص حجمه ويضغط على الأوعية الدموية، وبالتالي يتوقف النزيف، وتحدث انقباضات للرحم نتيجة للشفط أقرب ما تكون للانقباضات الطبيعية. ويتميز الجهاز الجديد بأنه يعتبر أقل تدخلاً من عمليات التدخل الجراحي، فضلاً عن أنه يمكن نقله بسهولة، ولا يحتوي على تقنيات متقدمة، مما يسهل استخدامه في الدول الأقل تطوراً.


الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة