كتائب نسائية وتجارة رقيق وزيجات بالإكراه

رحلة الشقاء بين السبي والامتهان * فتاة إيزيدية تروي لـ «الشرق الأوسط» قصة اختطافها وكيفية هروبها من المعتقل

مقاتلات في صفوف «داعش»
مقاتلات في صفوف «داعش»
TT

كتائب نسائية وتجارة رقيق وزيجات بالإكراه

مقاتلات في صفوف «داعش»
مقاتلات في صفوف «داعش»

الحياة في مناطق تنظيم «داعش» ليست كلها قتالا وذبحا وحروبا وكرا وفرا وهجمات إرهابية انتحارية، ايضا فهناك زيجات ونساء ومجندات وحتى تجارة رقيق نسائية. ومنذ أن بزغ تنظيم «داعش» إلى النور، لم يختف يوما دور النساء في عملياته والأحاديث عن جرائمه وسياساته، بدءا من استقطاب الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي للانضمام للتنظيم، مع أدوار مخابراتية للإيقاع بالمنشقين، وأدوار قتالية وتفتيشية ودعوية في بعض الأحيان، وكذلك دور النساء في المسؤولية عن نشر أخبار التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التجنيد وجذب المزيد من شباب المقاتلين الأجانب.

المرأة في «داعش» ليس كما يتصور البعض أنهن فقط «لجهاد النكاح» ونزوات مقاتلي التنظيم، فهذا الدور لا يمكن إنكاره بشهادة المراهقات اللاتي تم استقطابهن من أوروبا وأفريقيا وآسيا، للانضمام للقتال مع التنظيم ليكتشفن على أرض المعركة أنهن جئن للمتعة أيضا، ولكن منذ قيام التنظيم، بدأ في تكوين كتائب نسائية مثل كتيبة «الخنساء» وكتيبة «أم الريحان» في سوريا، ومهمتها مراقبة السلوك العام وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتفتيش النساء المنتقبات على نقاط التفتيش، للتأكد من أنهن لسن من العدو، وتشمل مهام كتيبة «الخنساء» تسيير دوريات في شوارع الرقة من أجل مراقبة حركة الناس، والتأكد من عدم وجود اختلاط بين الجنسين. ومن أكثر الناشطات على «تويتر» «أم ليث» وهي تكتب بالإنجليزية ولا تتوقف عن دعوة الأخريات إلى الانضمام، وتقول: «الهجرة إلى (داعش) أمر هين، ولكن الصعب هو الثبات على حق». وفي تغريدة أخرى تعرب عن سعادتها عن دعوة طالبات مدرسة حفصة في إسلام آباد تأييدهن لـ«داعش»، وتقول: «الخير قادم». وفي تغريدة ثالثة تعرب عن إعجابها بالأخ أبو عبيدة الذي وهب نفسه للعمليات الانتحارية ، وكذلك أطفاله. وفي تغريدة أخرى تتحدث عن الجنة إن كانت قصور الدنيا تسحر العيون، فكيف بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
ووضعت «داعش» شروطا للالتحاق بكتائبه النسائية ومن ضمنها أن تكون الفتاة عزباء وألا يقل عمرها عن 18 عاما، ولا يزيد عن 25، وتتراوح أجورهن كل شهر بمبلغ لا يتجاوز 200 دولار، وذلك حسب تقارير بريطانية.
واستغلال النساء من قبل الجماعات المتطرفة ليس بالأمر الجديد، فقد كانت لهن دائما أدوار لوجيستية مختلفة في نقل السلاح والتعليمات، أو يتم استخدامهن أحيانا لتنفيذ عمليات، ولكن مع التنظيم المتطرف في العراق والشام اتخذ استغلال النساء أنماطا أخرى متطورة، تبدأ بأسواق الرقيق ولا تنتهي عند التدريب المباشر على القتال. كما يحاول التنظيم استقطاب المراهقات الأوروبيات، ونجح في ضم نحو 200 منهن هاجرن من أوروبا إلى التنظيم ويقمن بالعمل على التجنيد الإلكتروني والنشاط عبر شبكات التواصل الاجتماعي للدعوة إلى أفكار التنظيم بين أوساط الشباب والمراهقين في أوروبا وأميركا، فيما تشكل المقاتلات الأوروبيات في صفوف التنظيم، ظاهرة غريبة تحتاج لكثير من التحليل لفهمها.
وكثير من اللاتي ينجذبن لترك بلادهن والسفر للالتحاق بالتنظيم هن من المراهقات صغيرات السن الباحثات عن مغامرة غير معتادة، أو اللاتي يتم تجنيدهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي بطرق متعددة ليجدن أنفسهن أسيرات نزوات المقاتلين في التنظيم المتطرف.
وكان تنظيم داعش قد شن منذ بداية أغسطس (آب) الماضي أوسع حملة إبادة جماعية ضد الأقليات الدينية في العراق، وذلك بعد سيطرته على مناطق واسعة في سهل نينوى وقضاء سنجار، المكون الإيزيدي، وكان من بين هذه المكونات الدينية التي طالتها هجمات داعش التنظيم المتشدد الذي نفذ إعدامات جماعية في صفوف الإيزيديين، فيما أخذ الآلاف من نساء وفتياتهم وأطفالهم إلى معاقله في الموصل وتلعفر وبعاج، والرقة في سوريا، وذلك بحسب قول الذين استطاعوا الهرب من قبضة «داعش».
«الشرق الأوسط» استطاعت بعد محاولات كثيرة أن تصل إلى إحدى الفتيات الإيزيديات اللاتي تمكن من الهرب من معتقلات «داعش»، الفتاة التي التقيناها عرفت نفسها باسم «آشتي» الذي هو اسم مستعار، وبدأت تسرد لنا قصتها من البداية، واصفة ما عانته من آلام خلال وجودها في معتقلات التنظيم.
ومضت آشتي تروي قصتها لـ«الشرق الأوسط»: «عندما سمعنا بوصول (داعش) إلى مجمع كرزرق التابع لقضاء سنجار هربنا نحن مع باقي العوائل الإيزيدية الأخرى إلى جبل سنجار، وصلنا إلى الاستدارات المؤدية نحو الجبل، وكان مسلحو (داعش) يلاحقوننا، وأعطونا الأمان بالعودة إلى سنجار وأنهم لن يمسونا بأي سوء، فصدقتهم بعض العوائل، وكانت عائلتي من بين تلك العوائل التي عادت إلى سنجار، وبعد عودتنا إلى سنجار تم اعتقالنا فورا من قبل عناصر داعش الذين فصلوا الرجال عن النساء، وأخذونا نحن النساء إلى مبنى دائرة نفوس (الجنسية) في القضاء، واحتجزونا هناك حتى وقت العصر، وفي الساعة الخامسة من مساء نفس اليوم، جاءوا بحافلات ونقلونا إلى منطقة الغابات في الموصل، وبالتحديد إلى مبنى كان يحمل لوحة كتب عليها نادي الرياضة والشباب، وأبقونا فيها لمدة 10 أيام، كان عددنا يفوق 100 شخص ما بين نساء وفتيات وأطفال، وبعدها نقلونا مشيا على الأقدام إلى قاعة أخرى كانت تسمى قاعة كلاكسي في نفس المنطقة، وبقينا فيها 6 أيام أخرى».
وتابعت «آشتي» التي كان يظهر من صوتها أنها تحمل الكثير من الحزن، على أهلها المفقودين والحزن على ما عانته في الأيام التي شبهتها بأيام الرعب والتي لم تكن تظن أنها ستعود مرة أخرى، فما زال مصير الآلاف من الفتيات والنساء والأطفال الإيزيديات مجهولا، واستمرت بالحديث: «وبعد 6 أيام من بقائنا في هذه القاعة، جاء 10 رجال من تنظيم داعش مدججين بالأسلحة طويلي الشعر واللحى، كانوا على هيئة وحوش بشرية، من كل الجنسيات أتراك وعراقيين وعرب، وقسمونا على عدة فئات حسب العمر، الفتيات بجهة والنساء في جهة أخرى، والأولاد كل عمر في جهة وكذلك فصلوا الأطفال من عمر السنتين أيضا، ثم أخذونا نحن الفتيات فقط وكان عددنا نحو 400 فتاة إلى الحي الزراعي في الموصل وحجزونا في بيت كبير في ذلك الحي، ونظمونا في صفوف حسب أعمارنا، في كل صف 10 فتيات، وطلبوا منا الجلوس، ثم جاءت مجموعة أخرى من مسلحي التنظيم وبدأ كل مسلح باختيار فتاة من الفتيات الموجودات، وينهال عليها بالضرب ومن ثم يسحلها على الأرض نحو الخارج، وكنا لا نرى كل فتاة تخرج من ذلك البيت مرة أخرى، بقينا في ذلك البيت 3 أيام، فقط يمر بين مدة وأخرى مجموعة من المسلحين لأخذ عدد من الفتيات، وفي اليوم الثالث أخذوا 50 فتاة أخرى من البيت كنت من ضمنهم، ونقلونا بحافلتين إلى قضاء بعاج (غرب الموصل)، ومضينا ليلة واحدة في بيت بإحدى المناطق النائية في أطراف بعاج». وتقول آشتي: «في اليوم التالي جاء المسلحون إلينا، وكنا في حالة خوف شديدة، وانهالوا علينا بالضرب، وأخذوا 3 فتيات، وبعد استمرار احتجازنا هناك انتابتنا حالة من اليأس والإحباط بأننا، لن نتمكن من الهرب وحاولت كل فتاة منا الانتحار إلا أنهم أخلوا المكان الذي نقيم فيه من كل ما هو حاد أو جارح ورغم ذلك انتحرت إحدى الفتيات وذلك بعد أن قطعت شرايين يدها ورمى المسلحون الفتاة في العراء وهي تنزف ومنعونا من تقديم المساعدة إليها حتى فارقت الحياة». وتضيف: «مرة أخرى أخذ المسلحون 25 فتاة بعد أن أرغموهن على الزواج منهم، وبعد ذلك أخذوهن إلى جهة غير معروفة لدينا، فيما بعد نقلونا إلى بناية مدرسة، وهناك كانوا يجبروننا على تغيير ديانتنا، ويقولون لنا أنتم كفار وعليكم أن تسلموا، بعدها عرضوا علينا قائمة بأسماء مجموعة من الرجال وطلبوا منا التعرف على أسماء آبائنا، كي يأخذونا إليهم وكان من بين هذه الأسماء، اسم والد إحدى الفتيات، وفعلا أخذونا إلى والد الفتاة وانتابنا شعور بالفرح ولم نكن نتوقع أننا سنلتقي بأحد من أهلنا مرة أخرى وجاءوا بوالدة الفتاة وحجزونا سوية في أحد البيوت وأجبرونا على أداء فريضة الصلاة ومن ثم نقلونا إلى مجمع كوجو ومارسوا علينا الضغط من أجل أداء الصلاة وعذبونا وهددونا بتعذيب أكبر إذا لم نلتزم بالدين الإسلامي وكانوا يهددون الرجال بالقتل ما لم يصلوا الفرائض (جماعة) وبعدها جاء مسلحون ليأخذوا 7 فتيات من تلك المنطقة وأنا كنت من بينهن وأخذونا إلى منطقة رمبوس، وبعد مرور 3 أيام أخبرونا بأننا سنذهب إلى الرقة وعندما علمنا بذلك انتابنا خوف شديد وقررنا الهرب، وفي تلك الليلة التي أبلغونا فيها هربنا نحن 4 فتيات من نافذة الغرف التي كنا محتجزين فيها، وذلك بعد أن تمكننا من فتحها وبقيت 3 فتيات أخريات في المعتقل من بينهن ابنة عمي وذلك لأن الحراس شعروا بنا وبدأوا بملاحقتنا لكن لم يتمكنوا من العثور علينا، وأثناء هروبنا تعرضت إلى كسر في اليد وإصابة في الرأس ومضينا بالجري حتى وصولنا إلى الجبل وهناك صادفتنا مجموعة من الإيزيديين في البداية لم نثق بأنهم إيزيدييون، واختبأنا ولكنهم أتوا إلينا، وأخذونا إلى الجبل وعالجوا جروحنا وكسورنا وبعد مضي 7 أيام هناك نقلتنا طائرة مروحية إلى إقليم كردستان».
وعند سؤالنا لآشتي عما إن كانت تعرضت لحالة من قبل التنظيم، لم تجب عن سؤالنا، اكتفت بالقول: «المحتجزات تعرضن للاغتصاب من قبل التنظيم، وأجبرت الكثيرات منهن على الزواج من مسلحي (داعش)».
من جانبها قالت بخشان زنكنة رئيسة المجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان العراق، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بحسب آخر المعلومات التي وصلت إلينا فإن أعداد المفقودين الإيزيديين بلغ أكثر من 3 آلاف شخص مفقود رجالا ونساء وفتيات وأطفالا، وبلغ عدد الإناث من بين هؤلاء المفقودين بحسب الأرقام الموجودة لدينا نحو 1100 امرأة وطفل وفتاة، قسم من هؤلاء الفتيات والنساء تم أخذهن من قبل تنظيم داعش أمام أنظار عوائلهن، وكانت هناك اتصالات هاتفية بين عدد من المختطفات من قبل «داعش» مع عوائلهن، حيث أبلغن عوائلهن أنهن محتجزات لدى التنظيم، «لذا لا نستطيع أن نحدد عددا دقيقا للمحتجزات لدى (داعش)، نحن نعلم أن التنظيم نقل النساء والفتيات الإيزيديات من سنجار (بعد أن احتلها) إلى تلعفر، وهناك رمى عدد من هؤلاء الفتيات بأنفسهن من السيارات التي نقلوا بها إلى تلعفر، ونقل التنظيم قسما آخر منهن إلى الموصل، والآخرون إلى الرقة في سوريا، وعاد نحو 300 من النساء والفتيات المختطفات بعد هروبهن من داعش، قسم من هؤلاء يتحدث عن تعرضهن للاغتصاب والقسم الآخر لا يتحدث، لكن مسألة اغتصابهن أكيدة ومسألة الاتجار بهن أيضا أكيدة، لأن قسما من النساء والفتيات العائدات تم شرائهن من قبل بعض من رؤوساء العشائر العربية في المنطقة».
وعن الخطوات التي اتخذتها حكومة الإقليم لإعادة تأهيل النساء والفتيات اللاتي هربن من «داعش»، قالت زنكنة: «حكومة الإقليم فتحت في دهوك مركزا صحيا للتأهيل النفسي والبدني، واختارت دهوك لأنها تأوي أكبر عدد من الإيزيديين، وكذلك تعمل عدد من المنظمات في هذا المجال وكذلك نحن أيضا في المجلس الأعلى لشؤون المرأة نفذنا عدة خطوات في هذا الإطار، لكن كما تعلم الكارثة كبيرة جدا».

* متحدثات إعلاميات باسم «داعش»
* ودور جديد أوكلته «داعش» للنساء من معتنقي فكرها داخل الأراضي التي استولت عليها، أو خارج الحدود، حيث وظف التنظيم هؤلاء النساء، للعمل كمتحدثات إعلاميات باسم التنظيم أو لرصد كل ما يكتب عن التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكتابة تقرير به لأمراء التنظيم، تضم مواقع التواصل الاجتماعي عدداً من الأسماء لـ«سرية الخنساء الإعلامية» الإلكترونية، فتحولت أسماء الفتيات منهن إلى أسماء مستعارة مثل «أم أبي بكر»، كما استبدلت صور العرض الوردية، بصور دماء، ورؤوس معلقة، أو شعار التنظيم الأسود، حتى أصبح لا يُفرق بين مُعرف الرجل منهم أو المرأة».
وقال بيان لـ«داعش» في باب إعلان «السرية الإعلامية» إن دورهن هو: «التوعية، ولا تكون إلا بالوعي ابتداء، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الوعي له جسد وروح، فالجسد هو العلم الواقعي، بحال المسلمين، وحرب الصليبين، وخيانة المرتدين»، والروح هو العلم الشرعي، في فقه كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وأمثلة الطاغوت والتحاكم إليه، والولاء والبراء، ونواقض الشهادة إلى غير ذلك».
وتقول «داعش»: «أما التحريض، فيزيد عن التوعية ويشتد عنها بهيئته الحركية الدافعة، للنفس والإخوان، والأهل والجيران، وهو قتال لا قتل فيه، فنعلمها كيف تستعمل لسانها لتحشد الرجال، نعلمها كيف تصوغ كلماتها وتدمغ بالحجة الخصوم، لا سيما في زمن تكاثرت فيه الشبهات في طريق الموحدين المجاهدين، واشتهرت فتاوى علماء السوء حتى طمست أصل التوحيد، لتثبت وتثبت، وتتسلم مواقع العلماء الذين ولّوا وتراجعوا من مقدمة الجيش إلى مؤخرته، في عصر تُعلَّمت فيه كل العلوم إلا علم الآخرة، وتُقرأ فيه كل الكتب إلا القرآن».
من جهته يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة الدكتور هاني السباعي لـ«الشرق الأوسط»: «إن الإسلام جاء للذكر والأنثى، أي أن الرجل مكلف وكذلك المرأة بما يناسبها، وبالنسبة لنساء «داعش» ومعظمهن من صغار السن، كان المحرك الأساسي لهن هو الجانب العقدي، وهؤلاء الفتيات أغلبهن يعيش في عواصم الغرب، وإن كانت تلك الفتيات يردن السفر لشهوة أو جنس، فالغرب هو أفضل مكان لذلك، فعامل الجنس كأساس للسفر إلى (داعش) يستبعد كليا، ولكن العامل العقدي هو المحرك الأساسي».
ويضيف السباعي مدير مركز «المقريزي» للدراسات بلندن: «إن هؤلاء الفتيات يشاهدن الإعلام، الذي يعرض مآسي المسلمين، سواء عبر أجهزة الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، وهؤلاء الفتيات يتأثرن أيضا بما يجري حولهن في بلاد المسلمين، وهؤلاء الفتيات يعتقدن أنهن إذا هاجرن إلى (داعش)، فهي ستكون بمثابة الصحابيات اللاتي هاجرن مع الرسول في بداية مشوار الدعوة، وهذا الوتر المؤثر تلعب عليه قيادات (داعش) في رسائلها لإثارة مخيلة الفتيات بالهرب إلى هناك».
وكما ثبت، بحسب خبير الحركات المتطرفة فإن بعض «الدواعش» يؤلفون رسائل لدعوة تلك الفتيات للهجرة حتى دون محرم إلى دولة البغدادي.
ويؤكد السباعي أن دولة البغدادي غير مستقرة وخلافتها وهمية باطلة، وهي أقرب إلى جماعة تدير حرب كر وفر فقط، كما أنهم يحرضون الفتيات على الهروب من أولياء أمورهم المسلمين، وهي ولاية شرعية حقيقية، بشعارات تدغدغ مشاعر الفتيات باعتبار أن هروب الفتيات هو خدمة للدين، ولكنه في واقع الأمر يعد كبيرة من الكبائر، وعقوقا للوالدين وجلب عار للعائلة، سيلاحقها فترة طويلة، لأن الفتيات ممكن أن يقعن في الأسر أو فريسة لأي عصابة من تلك التنظيمات المتطرفة أو في قبضة الأمن في أي بلد يمرون منها في الطريق إلى «داعش».
وضمن المخاطر التي تعرضت لها النساء اللاتي نفرن إلى «داعش»، أكد مسؤول أممي مصرع واحدة من الفتاتين النمساويتين اللتين فرتا من منازلهما في فيينا أوائل هذا العام للقتال في سوريا.
وكانت الفتاتان سامرا كيزونوفيتش (17 عاما)، وسابينا سيلموفيتش (15 عاما)، وهما لأبوين من اللاجئين البوسنيين، قد اختفتا في شهر أبريل (نيسان) هذا العام بعد أن أعلنتا رغبتيهما في القتال في سوريا. وتوجهت الفتاتان أولا إلى العاصمة التركية أنقرة بالطائرة، ثم اتجهتا إلى منطقة أضنة التركية جنوب البلاد. بعد ذلك، فقدت آثارهما، ولكن الفتاتان ظهرتا على مواقع لشبكات تواصل اجتماعي وهما تحملان بنادق كلاشنيكوف وحولهما مسلحون، وهي صور اعتبرتها الشرطة النمساوية تؤدي دور ملصقات التجنيد بهدف استقطاب الشباب والفتيات.
من جانبه، قال ديفيد شاريا، خبير رفيع المستوى بلجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن بالأمم المتحدة: «تلقينا معلومات مؤخرا عن رحيل فتاتين تبلغان من العمر 15 عاما تقريبًا، من أصل بوسني، عن النمسا، حيث كانتا تعيشان خلال السنوات الأخيرة، ويبحث الجميع، من أسر وأجهزة استخبارات في البلدين عن هاتين الفتاتين». وأضاف: «قام تنظيم داعش بتجنيدهما. لقيت واحدة منهما مصرعها أثناء القتال في سوريا، بينما اختفت الفتاة الأخرى». ويأتي تأكيده بعد مرور 3 أشهر على إعلان الحكومة النمساوية أنها أبلغت أولياء أمور الفتاتين بأن إحدى الفتاتين قد تكون قد لقيت حتفها. ويعتقد أن كلا من سمرة وسابينا تزوجتا مقاتلين من «داعش» بعد فترة قصيرة من وصولهما إلى سوريا قادمتين من تركيا.
ويعتقد أن كلا من سمرة وسابينا تزوجتا مقاتلين من «داعش» بعد فترة قصيرة من وصولهما إلى سوريا. كانت الفتاتان تعيشان في البداية في نفس الغرفة، ولكن الفتاة البالغة من العمر 15 عاما انتقلت الآن إلى شقة أخرى، بحسب تقارير. وكانت سابينا قد نفت، من خلال رسائل نصية قصيرة إلى مجلة باري ماتش الفرنسية الأسبوعية، مزاعم تشير إلى أنها حامل، وأكدت أنها تستمتع بالحياة في سوريا، حيث تشعر بالحرية في ممارسة شعائرها الدينية على عكس الوضع في النمسا. فيما قالت مصادر متطابقة، إن الفتاة المراهقة لم يسمح لها بالتحدث إلا بعد الحصول على إذن من زوجها، الذي كان موجودا في الغرفة عندما كانت تكتب الرسائل. وأضافت أنه بعد وصولهما إلى تركيا قادمتين من النمسا قامتا بعبور الحدود إلى سوريا مشيا على الأقدام. وانتهى بهما المطاف في مدينة الرقة، بعد وصولهما للبلاد دون أن يكون معهما أي شيء غير الملابس التي ترتدياها. وقالت سابينا إن زوجها مقاتل ذهب بنفسه إلى «داعش»، وأضافت: «أستطيع هنا أن أشعر بالحرية. أستطيع أن أمارس شعائري الدينية. لم أتمكن من القيام بذلك في فيينا». وأوضحت أنها تعتقد وجود ما لا يقل عن 130 شخصا من النمسا الآن يقاتلون كمجهادين في الخارج. فيما يقول خبراء إن نصفهم على الأقل يأتي أصلا من منطقة القوقاز في روسيا وحصلوا على اللجوء إلى النمسا بعد اندلاع الحرب الدموية في الشيشان.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية النمساوية إلكسندر ماراكوفيتس إنهم لاحظوا تصاعد مشكلة الشباب الراغبين في الرحيل عن البلاد للقتال في صفوف تنظيم داعش. وقال: «إذا تمكنا من إلقاء القبض عليهم قبل الرحيل عن البلاد، سيكون لدينا فرصة للعمل مع أولياء أمورهم ومع المؤسسات الأخرى من أجل إخراج الشباب من دائرة التأثير التي دفعتهم للتصرف بهذا الشكل في المقام الأول». وأضاف: «بمجرد رحيلهم عن البلاد، حتى لو غيروا رأيهم، سيكون من المستحيل إعادتهم مرة أخرى». ويشير عدد من الخبراء إلى الجهد الذي يبذله المتطرفون لاستقطاب النساء، وكيف يحاولون استخدام أساليب الترهيب والترغيب لدفعهن إلى الانضمام إلى صفوفهم، ويبدو أن هذه المساعي بدأت تثمر، مع تزايد عدد النساء المنخرطات في القتال في صفوف حركة داعش الإرهابية.

* شهيرات «داعش»
* ومن أشهر النساء المنضمات في صفوف حركة داعش الإرهابية، التوأمان البريطانيتان، وهما سلمى وزهرة، صوماليتا الأصل، بريطانيتا الجنسية، انتقلتا إلى سوريا قبل عدة أسابيع، للانضمام لـ«داعش» والزواج من رجاله، وأطلقت إحداهما اسم «أم جعفر» على نفسها، تماشيا مع الفكرة الدينية التي يتبناها التنظيم، كما اعترفتا بأنهما سعيدتان بلقبهما «التوأمتان الإرهابيتان»، وأن التوأمتين تعهدتا بعدم عودتهما لبريطانيا، وتتدربان على استخدام القنابل اليدوية، وبنادق كلاشنيكوف. وأيضا هناك أم المقداد، وتعرف بـ«أميرة نساء داعش»، وهى المسؤولة عن تجنيد الفتيات والسيدات بمحافظة الأنبار العراقية، ويذكر أنها سعودية الجنسية، وتبلغ من العمر 45 عاماً، وتمكنت القوات الأمنية العراقية من القبض عليها يناير (كانون الثاني) 2014. «وأم مهاجر» هي المسؤولة عن كتيبة «الخنساء» في الرقة بسوريا، والتي تتكون من 60 امرأة.
وتحمل «أم مهاجر» الجنسية التونسية، وانتقلت من العراق إلى سوريا برفقة زوجها، بعد تزويج بناتها لكبار المسؤولين بـ«داعش»، وتشتهر تلك الكتيبة باللثام الأسود على وجوههن، وحمل الأسلحة الفتاكة دائما.
وتواصلت «أم ليث»، المهاجرة من إنجلترا لسوريا التي يتابعها أكثر من ألفي متابع على «تويتر»، النساء الغربيات، ليحذين حذوها وينضممن لـ«داعش»، ونصحهن بعدم الاهتمام بما يقوله العالم عنهن، بخصوص «جهاد النكاح»، كما أنها تشجعهن على أن يكن زوجات للمقاتلين الأجانب. ما إن وصلت «أم ليث» إلى سوريا حتى وضعت عدة صور لها على حسابها في «تويتر»، وتظهر في إحدى هذه الصور بجانب صديقتيها «أم حارثة» و«أم عبيدة» متلفحة بسواد الزي الشرعي الذي يفرضه «داعش». وتقول في إحدى تغريداتها: «هذه المشاق لن تذهب هباء، فالثمن الذي ستحصلين عليه كبير جدا بعد هجرتك لن تكون هباء، ستصبحين أخيرا زوجة لمقاتل في (داعش)، وستتملكك مشاعر يعجز اللسان عن وصفها، إذ لا توجد طريقة لوصف شعور الجلوس مع الأخوات في انتظار أخبار عمن منكن سيحظى زوجها اليوم بالشهادة». أما أم حارثة فتمتلك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتكتب بالإنجليزية، كما أنها عضو بكتيبة «الخنساء»، وتحرص أم حارثة على نشر صور انتصار «داعش» واستيلائه على سوريا، منها صور فصل رؤوس الجنود عن أجسامهم في عيد الفطر.
وكان تسجيل مصور حمل اسم «الإصدار الفاجعة» بث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كشف لأول مرة عن حجم الحضور النسوي في تنظيم «داعش»، وتحدث الشريط عما أسماه «أسر العفيفات الطاهرات»، عن أحداث المواجهات التي جرت بين «الجيش الحر» و«لواء التوحيد» و«لواء الفتح» من ناحية، و«داعش» من ناحية أخرى. وكشف هذا التسجيل حسابات المغردين التابعين لـ«داعش» والمؤيدين لتنظيم القاعدة. ويشكك خبراء في الحركات الإسلامية في صحة مثل هذه الادعاءات التي تروجها التنظيمات المتطرفة التي دأبت على استغلال العناصر النسائية واستخدامها في حملاتها الدعائية والترويج لأفكارها المتشددة، كما حدث أخيرا في فرع تنظيم «القاعدة في اليمن».
ويتنوع الاستغلال لعضوات التنظيم ما بين الادعاء لتعرضهن لمضايقات واعتداءات أو عبر الزج بهن في عمليات مسلحة. الشريط كشف أيضا، ولأول مرة بشكل علني، عن وجود سيدات في «داعش» الذي يتزعمه العراقي أبو بكر البغدادي. حيث تحدث في هذا التسجيل 5 نساء «مهاجرات» من جنسيات ولهجات مختلفة، وهن زوجات وشقيقات وبنات أعضاء «داعش».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.