«كورونا» يدفع بنمو منتظر في عائدات قطاع الاتصالات السعودي

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: منع التجول الاحترازي والعمل من المنزل تسببا في مضاعفة الطلب على المكالمات والبيانات

وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية تعزز استراتيجية التمكين الرقمي (الشرق الأوسط)
وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية تعزز استراتيجية التمكين الرقمي (الشرق الأوسط)
TT

«كورونا» يدفع بنمو منتظر في عائدات قطاع الاتصالات السعودي

وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية تعزز استراتيجية التمكين الرقمي (الشرق الأوسط)
وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية تعزز استراتيجية التمكين الرقمي (الشرق الأوسط)

خالف قطاع الاتصالات في السعودية تيار تداعيات تفشي فيروس كورونا على الأنشطة الاقتصادية، إذ ينتظر أن تسجل الشركات العاملة قفزة في معدلات النمو والعائدات وسط موجة الإقبال على منتجات الاتصالات، لا سيما خدمات البيانات، وباقات العروض المختلفة والمكالمات الخلوية.
ونجح قطاع الاتصالات خلال الفترة الماضية في تخطي التأثيرات الجانبية المتوقعة جراء جائحة الوباء الذي تسبب في تعطيل وخسائر العديد من القطاعات على مستوى العالم، إذ تشهد مكونات النشاط ارتفاع الطلب على جميع الخدمات التي تقدمها الشركات العاملة للمستفيدين إبان فترة منع التجول التي أقرتها السلطات المعنية في إطار الإجراءات الاحترازية والوقائية لمواجهة الفيروس. وبحسب مصادر عاملة في القطاع، سجلت المؤشرات الأولية استدلالات لنتائج إيجابية حققها قطاع الاتصالات في المملكة، حيث فرض منع التجول في الفترات السابقة واعتماد العمل عن بعد أنماطا جديدة تقتضي تكثيف التعامل مع وسائل الاتصالات واستخدام التقنية ليرتفع الطلب على المكالمات الهاتفية المباشرة وتنامي شراء حزم البيانات وتصعيدها للمستويات الأعلى. إلى تفاصيل أكثر في التقرير التالي:

- تنامي الطلب
تشير الملامح الأولية إلى أن قطاع الاتصالات يمثل أحد الأنشطة الاقتصادية التي استفادت من جائحة كورونا حيث ارتفع الطلب في هذه الفترة على حركة البيانات والإنترنت بنسب مختلفة من الشركات المقدمة للخدمة بنسب، قدرتها مصادر، بين 88 و92 في المائة على الشبكات الثابتة وقرابة 70 في المائة على شبكة الهاتف المحمول، الأمر الذي دفع بالشركات إلى زيادة سرعات الإنترنت لتغطي حجم النمو المطرد في الطلب.
وأعلنت شركة الاتصالات السعودية - المشغل الرئيسي وأكبر شركات الاتصال في السعودية والمنطقة - عبر موقعها عن تسجيل ارتفاعات قياسية خلال آخر يوم في رمضان وأول أيام العيد بنسبة 86 في المائة للشبكة الثابتة وبنسبة 73 في المائة على شبكة الهاتف الجوال، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي 2019، وجاءت الزيادة في الحركة تلبية لطلب الخدمة المتنامي على شبكات التواصل الاجتماعي التي ارتفعت كذلك بنسبة 86 في المائة، بينما الطلب على تطبيقات الاجتماع عن بعد في يوم العيد بلغ 130 في المائة.

- التعاملات الحكومية
وعزز حجم ارتفاع الطلب على خدمات الشركات فترة منع التجول المفروض، وهنا أشارت ندوة أقامتها وزارة المالية الشهر الماضي إلى اعتماد 95 في المائة من الجهات الحكومية على شبكات الإنترنت لعقد الاجتماعات، فيما سجل حجم تبادل المعلومات إلكترونيا بين الجهات الحكومية 143 مليون عملية خلال أبريل (نيسان) الماضي، بزيادة تقدر بنحو 70 في المائة عن الفترة ذاتها من العام الماضي، فيما وفرت للمستفيدين الأفراد وقطاع الأعمال أكثر من 3600 خدمة إلكترونية مختلفة، في حين يجري نصف مليون موظف حكومي أكثر من 10 ملايين دقيقة لاجتماعات يومية.

- أبراج للاستثمار
وفي سياق متصل، أعلنت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات قبل أيام عزمها تعزيز البيئة التنظيمية لأبراج الاتصالات المتنقلة من خلال رفع نسبة المشاركة فيها من قبل مقدمي الخدمة عن طريق الاندماجات في ملكية الأبراج أو الاستحواذ عليها من قبل المستثمرين المهتمين، بهدف خفض تكاليفها الرأسمالية والتشغيلية وتحقيق الكفاءة القصوى، بما في ذلك تقليل مصاريف الصيانة لتلك الأبراج، والارتقاء بمنظومة الاتصالات وتقنية المعلومات.
ويقدر حجم الأبراج وفقا لآخر الإحصائيات المعلنة في عام 2017 قرابة 38 ألف برج بحجم استثمار يزيد على 4.5 مليار دولار، تخدم الهاتف المتنقل بالخدمات الصوتية وخدمات البيانات والنطاق العريض اللاسلكي، ما يؤكد أن الشركات العاملة في السوق المحلية تمتلك بنية تحتية متميزة يمكنها من تقديم خدمات عالية الجودة.

- معالم المكاسب
يقول رشيد البلاع، المختص في الاتصالات وتقنية المعلومات والعضو المنتدب للمجموعة الوطنية للتقنية، إنه رغم صعوبة الحكم بتأثر القطاع من تداعيات فيروس كورونا بشكل تفصيلي حيث سيتوضح بعد انتهاء الأزمة، فإن الظاهر من المعطيات في السوق المحلية زيادة في الطلب على خدمات الشركات المشغلة للبيانات والاتصالات.
وأضاف البلاع لـ«الشرق الأوسط» أن التوجه انصب بشكل واضح على رفع مستوى استخدام البيانات مقابل حجم الاستهلاك قبل الأزمة الراهنة وتضاف أكثر بعد فرض منع التجول، لدواعي ومبررات عديدة منها متابعة جميع الأحداث، ومشاهدة العديد من البرامج والأفلام وكذلك متابعة الأعمال، ما يزيد من تقديرات أن هذا القطاع تخطى الضرر الذي أصاب غيره من الأنشطة الاقتصادية لارتفاع الطلب الكلي من الأفراد والشركات على خدماته ومنتجاته. وشدد البلاع، على نجاح شركات الاتصالات في احتواء الطلب المتزايد، وهو مؤشر على أنها تمتلك البنية التحتية المتكاملة وساهمت في توفير الخدمات وخاصة «الإنترنت» الذي لم يشهد أي انقطاع طيلة فترة منع التجول، لافتا إلى أنه ليس بالضرورة أن يقاس حجم الأرباح بارتفاع الطلب الذي قد يكون لفترة محددة.

- السوق المحلية
ومن داخل السوق المحلية، أوضح لـ«الشرق الأوسط» خالد سلوم أحد العاملين في قطاع الاتصالات، أن فتح المجال أمام الشركات والمستثمرين في ملكية الأبراج، سيسهم بشكل كبير في تخفيف أعباء الصيانة على الشركة، ويدفع لانتشار شبكات الجيل الخامس ما يعني أن السوق المحلية ستشهد نقلة نوعية في تقديم الخدمات للمستفيد.
وحول ارتفاع الطلب على خدمات الشركات، قال سلوم إن السوق شهدت نموا متصاعدا في الفترة الماضية على شراء خدمات البيانات، ومنتجات الاتصالات الأخرى من باقات وبرامج منوعة التي قدمتها الشركات خاصة الإنترنت المنزلي، مشيرا إلى أنه يقدر الارتفاع بنسبة لا تقل في حدودها الدنيا بأي حال عن 50 في المائة عما كان في السابق.

- البنية الرقمية
وتتزامن هذه التطورات، مع ما أشار إليه البنك الدولي عبر مقال في مدونته تعرض فيها للقدرات الرقمية المتطورة للسعودية، مشيرة إلى أن المملكة استفادت من السنتين الماضيتين التي عملت فيهما على الاستثمار المتواصل في البنية التحتية الرقمية الحديثة والمنصات الحكومية الرقمية المتطورة، لتوفر قدرات رقمية شكلت أساسا متينا لكل القطاعات للتعامل بسرعة وكفاءة مع جائحة فيروس (كوفيد 19).
وأشادت مدونة البنك الدولي للاستجابة على الطلب الهائل على الاتصالات والبيانات من خلال تنفيذ العديد من الإجراءات مثل زيادة السرعة وقدرة البيانات، وتوفير الخدمات المجانية، وفتح النطاق وتعزيز إدارة الشبكة، موضحة أن سرعة الإنترنت في المملكة كانت ترتفع بمعدلات سريعة خلال السنوات الماضية، وحافظت على سرعة عالية نسبيا عند 59.24 ميغابايت للثانية، رغم زيادة الطلب أثناء الوباء.


مقالات ذات صلة

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الجبيل التجاري الواقع شرق السعودية (واس)

السعودية: بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل باستثمارات تتجاوز نصف مليار دولار

أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) بدء تشغيل محطة الحاويات بميناء الجبيل التجاري، باستثمارات ضخمة تتجاوز قيمتها ملياري ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مستثمران يراقبان تحركات سهم «أرامكو» في السوق السعودية (رويترز)

خاص السوق السعودية تختتم مارس بصعود قوي وسط الصراعات الجيوسياسية

شهد شهر مارس (آذار) أداءً استثنائياً لسوق الأسهم السعودية، حيث واصلت ارتفاعها وسط تراجع معظم بورصات المنطقة، مدفوعاً بقدرة «أرامكو» على استمرار تدفقات النفط.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار.

عبير حمدي (الرياض)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.