طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

عنصر رئيسي في التغذية السليمة ولا تقل أهمية عن المكونات
الجمعة - 20 شوال 1441 هـ - 12 يونيو 2020 مـ رقم العدد [ 15172]
الرياض: د. حسن محمد صندقجي

تفيد مصادر علم التغذية الإكلينيكية بأن أحد العناصر الرئيسية في التغذية الصحية هو طريقة طهي الطعام بالحرارة. وإذا كان بإمكان المرء أن ينتقي منتجات غذائية صحية للتناول، فإنها قد تصبح غير صحية نتيجة الطريقة التي استخدمها للطهي. ويقول الأطباء من «مايو كلينيك»: «تعمل طرق الطهي الصحية على إكساب الطعام ألذ النكهات والاحتفاظ بالعناصر الغذائية في الأطعمة دون إضافة أي مقادير مفرطة من الدهون أو الملح. ولا يعني الطبخ الصحي أنه يتعين عليك أن تصبح طباخاً ماهراً أو تقوم بالطبخ في أواني طبخ باهظة الثمن. يمكنك استخدام أساليب الطهي الأساسية لإعداد الطعام بطرق صحية».
- أسباب الطهي
وأساس ذلك التحول من غذاء صحي إلى غير صحي بالطهي، هو نوعية التفاعلات الكيميائية التي حصلت خلال تلك العملية. ذلك أن خلال عملية الطهي تحصل أنواع كثيرة من التفاعلات الكيميائية، التي تختلف وفق نوعية ومكونات المنتج الغذائي ووفق طريقة الطهي. وأحدها تفاعل ميلارد (Maillard Reaction) الذي يقول عنه الدكتور جان ماري لين، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1987: «يعد تفاعل ميلارد (تفاعل بروتينات وسكريات الطعام بفعل الحرارة) التفاعل الكيميائي الأكثر انتشاراً في العالم، لأنه تفاعل يحدث يومياً في المنازل والمطاعم والمخابز حول العالم كلما تم طهي الطعام».
ويقول المجمع الملكي البريطاني للكيمياء: «هناك العديد من الأسباب للطهي، بما في ذلك قتل الميكروبات في الطعام لجعله آمناً للأكل، وعدد من الأسباب الأخرى المتعلقة بزيادة مقبولية الطعام. وهو ما يشمل: تحسين الملمس (كتليين اللحوم الصلبة)، وتحسين اللون (للحم أو الخبز المحمص) وتحسين النكهة والرائحة (كتطوير نكهة ورائحة اللحوم المطبوخة). ومن المهم استخدام ظروف الطهي المناسبة، مثل درجة الحرارة ومدة الطهي». كما أنه نتيجة لعملية الطهي يصبح الطعام ملائماً أكثر للجهاز الهضمي كي يُجري عمليات الهضم وامتصاص العناصر الغذائية، خصوصاً المكونات الرئيسية كالبروتينات والكربوهيدرات والدهون والمعادن والفيتامينات والمركبات الكيميائية الأخرى كالمواد المضادة للأكسدة والمواد ذات الروائح والنكهات العطرية والمميزة.
- تفاعلان رئيسيان
ونظراً لوجود كربوهيدرات السكريات والبروتينات في غالبية المنتجات الغذائية، هناك نوعان رئيسيان من التفاعلات الكيميائية خلال عملية الطهي الحراري. وهما: تفاعلات الكرميل (Caramelization Reaction) فيما بين أنواع السكريات، وتفاعلات ميلارد (Maillard Reaction) فيما بين البروتينات والسكريات. وكلاهما يعتمد على الحرارة (وليس الأنزيمات) وتنتج عنهما مركبات كيميائية عديدة ومواد كيميائية متطايرة تعطي الشكل واللون والرائحة المميزة.
وتفاعلات الكرميل، هي العملية الأساسية في طهي العديد من المواد الغذائية النباتية، كالخضار المطبوخة على نار عالية والمخبوزات بأنواعها وتحميص القهوة أو المكسرات، أو القلي أو غيرها كثير. وعند تسخين السكريات، يتغير اللون إلى اللون البني بفعل عمليات البلمرة في اتحاد عدة مركبات بعضها مع بعض، ثم تتحول إلى سائل، ثم تظهر الفقاعات. وتحدث الفقاعة بسبب انكسار الهيدروجين والأكسجين في السكريات، وتشكيل جزيئات الماء وتبخرها. وخلال هذا تظهر رائحة الكراميل الفريدة من خلال المواد المتطايرة التي يتم إطلاقها أثناء الانحلال الحراري، مثل ثنائي أسيتيل.
وإضافة إلى تسبب تفاعل الكراميل في ظهور اللون الذهبي البني عند الخبز في الفرن، تكتسب المخبوزات ذلك اللون أيضاً ونكهة أخرى مميزة، نتيجة حصول تفاعلات ميلارد بين بروتينات ونشويات عجين الدقيق. وتفاعلات ميلارد تبدأ في الحصول عند درجات منخفضة، أي ما بين 140 و160 درجة مئوية، بينما تتطلب تفاعلات الكراميل درجات حرارة عالية لبدء حصولها. وحصول هذه التفاعلات في الخبز مثلاً، يحرر مزيداً من المواد المضادة للأكسدة، ويسهّل على الأمعاء امتصاصها ويرفع استفادة الجسم منها.
- ألوان الأغذية
> تحول لون الخضار. وفي الخضار الخام، هناك كمية من الغازات المحصورة في المساحات الصغيرة بين الخلايا، ما يُمكننا من رؤية مركبات الكلوروفيل (Chlorophyll) الخضراء في الخلية النباتية. وفي بداية عملية الطهي، تتسبب الحرارة في تحطيم أغشية الخلايا، ما يؤدي إلى تسرب الغاز، وإلى تدفق السوائل من الخلية النباتية إلى هذه المساحات، ما يتيح لنا رؤية أكثر وضوحاً للكلوروفيل اللامع في الخضروات.
ولكن مع استمرار عملية الطهي، تؤدي الحرارة الزائدة إلى حصول فصل ذرة المغنيسيوم من مركز جزيء الكلوروفيل، واستبدال ذرات الهيدروجين بها. ما يغير لون الخضار من الأخضر الفاتح إلى أخضر رمادي باهت.
كما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تكسير معظم الفيتامينات ومضادات الأكسدة في الخضار، وإخراجها منها إلى سائل الغلي، ما يُضعف قيمتها الغذائية.
ولكن بالمقابل، يُمكن للحرارة أن تجعل بعض المكونات الغذائية الأخرى قابلة للامتصاص بسهولة أكبر، خصوصاً النشويات والبروتينات النباتية ذات الجزيئات الصعبة التي لا يستطيع جهازنا الهضمي تحطيمها نيئة لكي يمكن امتصاصها.
> اللون الوردي للروبيان واللوبيستر. عند طهي الروبيان والقشريات البحرية الأخرى، تحصل ثلاث عمليات كيميائية، وهي: ظهور اللون الوردي، وتغير لون اللحم من نصف شفاف إلى الأبيض، وتجعيد شكل الروبيان.
والروبيان والقشريات الأخرى تحتوي على صبغة وردية اللون تسمى أستازانتين (Astaxanthin)، وهي من فئة صبغات الكاروتينويد (Carotenoid) المضادة للأكسدة. وفي الجمبري النيئ، ترتبط صبغة أستازانتين ببروتين المواد القشرية ذات اللون الرمادي الأزرق. ولا يظهر اللون الوردي. وعند الطهي بالحرارة، يتحرر مركب أستازانتين عن البروتينات القشرية، ويظهر بلونه الطبيعي، ما يجعل الروبيان المطبوخ وردياً.
ويعلق الباحث السويسري في جامعة بازل، الدكتور توماس شولوميك بالقول: «كان هذا التغير في اللون لغزاً لفترة طويلة». ولحم الروبيان النيئ شبه شفاف. وبالطهي، يتغير لونه إلى الأبيض، كما الحال بالنسبة لكثير من الأسماك (البيضاء) الأخرى وبياض البيض. وهذا يحصل بتفاعلات «التمسخ البروتيني» (Protein Denaturation)، لأن البروتينات حساسة للحرارة، وهي بالأصل تأخذ أشكالاً معقدة ثلاثية الأبعاد، كالانثناء واللولبة والتجعيد. ولكن عندما يتم تسخينها إلى درجات حرارة عالية بما فيه الكفاية، تحصل التفاعلات التي بها تمتد وتتحلل تلك التعقيدات، ويتغير اللون إلى اللون الأبيض. وتغير شكل الروبيان نحو الالتفاف ككرات صغيرة، ناجم عن تقلص العضلات داخل الروبيان بفعل الحرارة وزوال محتواها من الماء.
- أنواع القلي
وخلال عملية القلي تحصل ثلاثة أنواع رئيسية من التفاعلات، وهي: تفاعلات ميلارد، وتفاعلات «التمسخ البروتيني» للنضج، وتكسر جدران الخلايا. إضافة إلي تفاعلات كيميائية أخرى، كالأكسدة (Oxidation) والبلمرة (Polymerization)، التي تحصل في كل من: القطع المقلية والزيت المُستخدم للقلي. ويعتمد القلي على استخدام الدهون إما من مصادر حيوانية (السمن) أو نباتية (الزيت)، لطبخ الأطعمة بأنواعها، لأن الزيت يصل إلى درجات حرارة أعلى بكثير من الماء المغلي، ما يسمح بسرعة حصول عدد من التفاعلات التي تتسبب في نضج الأطعمة. ونتيجة تفاعلات الكراميل وتفاعلات ميلارد تتكون الطبقة المقرمشة، كما يؤدي تغلغل الحرارة إلى نضح طهي البروتينات.
وفي القلي العميق (Deep Frying) باستخدام كمية كبيرة من الزيت الحار وغمر الأطعمة فيها، يحصل تغلغل سريع وكبير للدهون إلى داخل قطع الطعام المقلية قبل تكوّن التفاعلات الكيميائية التي تصنع طبقة واقية مقرمشة كغلاف لها. وهذا يؤدي إلى أمرين؛ تدني العناصر الغذائية كالفيتامينات والمعادن نتيجة تسربها إلى الزيت، وارتفاع كمية الدهون في القطع المقلية بنحو خمسة أضعاف عما هو فيها بالأصل من دهون. وفي القلي السطحي (Shallow Frying) تُستخدم كمية قليلة من الزيت، ما يُقلل من احتمال تغلغلها. ومع التقليب السريع، يُحافظ الطعام على كثير من مكوناته الغذائية، خصوصاً مع استخدام زيت الزيتون.
- التصاق الأطعمة
إضافة إلى أصوات أزيز (Sizzling Sounds) القلي، نتيجة تبخر الماء بسرعة على سطح الزيت، يفيد المجمع البريطاني الملكي للكيمياء بأن الأطعمة التي تحتوي على البروتين عرضة بشكل خاص للالتصاق بالمقالي المعدنية، نتيجة تكوّن روابط كيميائية بين بروتينات الطعام والمواد في المقلاة، خصوصاً روابط قوى فان دير والز (van der Waals Forces) أو الروابط التساهمية (Covalent Bonds). وقوى فان دير والز والروابط التساهمية كلاهما أساسي في تكوين البروتينات وترابط أجزائها الأحماض الأمينية (Amino Acids) والروابط الببتدية (Peptide Bonds) فيما بينها مع بعضها كي تتمكن من الحفاظ على شكلها ووظيفتها، وتنشأ عن التأثيرات المتبادلة فيما بين تلك الأجزاء نتيجة تفاعلات القوى الكهربائية فيها.
وبوجود الحرارة والمعدن المختلف، كالحديد، تزداد فرصة الاستقطاب الكهربائي اللحظي، ما يتسبب في الالتصاق. ويتبع هذا الالتصاق تخلخل التركيب البروتيني والكولاجيني وسرعة حصول تفاعلات ميللارد بزيادة تأثير الحرارة على البروتينات، ما يُؤدي إلى تكوين طبقة من البروتينات المقرمشة وبنية اللون والصلبة نسبياً. ومع استمرار الالتصاق وزيادة تفاعلات ميللارد، تتكون الطبقة المحترقة في المقلاة. وتختلف هذه الطبقة البروتينية المقرمشة عن طبقة زنجار المقلاة (Patina)؛ (الطبقة التي تلتصق وتلون المقلاة في داخلها أو خارجها باللون الأسود) التي تحصل نتيجة تفاعلات الدهون مع معدن المقلاة الحار جداً، وتكسير سلاسل الهيدروكربونات في الأحماض الدهنية الطويلة السلسة (Long Chain Fatty Acids)، وحصول عملية البلمرة (Polymerisation) لتكوين مادة جديدة صلبة وملتصقة ومقاومة للحرارة، نتيجة تكوين سلسلة أطول من المركبات مقارنة بما في الزيت الأصلي.
- تفاعلات كيميائية في طهي مكونات اللحوم
> يتم طهي اللحوم بطرق متعددة؛ منها الشواء في الفرن أو على الجمر، والغلي إما بالماء الحار مباشرة أو على بخار الماء، والقلي. والأساس في إدراك تفاعلات طهي اللحوم وحصول التغيرات الفيزيائية والكيميائية، هو معرفة التركيبات الأساسية للحم.
إذ إن اللحوم عضلات، والعضلات مكونة من خلايا عضلية وأنسجة ضامة ودهون وماء.
وتحتوي الخلايا العضلية على البروتينات، التي منها بروتين الميوغلوبين (Myoglobin) وردي اللون الذي يُعطي اللحوم الحمراء لونها. وكلما زادت حركة العضلة، زاد غُمق لونها نتيجة تراكم مزيد من الميوغلوبين فيها.
والنسيج الضام (Connective Tissue)، منه نوع قوي كما في الأوتار والغلاف اللامع الرقيق الذي بين ثنايا اللحوم. ويتكون من بروتين الإيلايستين (Elastin) الذي ينكمش بسرعة عند التسخين السريع، وتصبح غير قابلة للمضغ. وهناك نوع ناعم من النسيج الضام المتغلغل في تراكيب اللحوم، يُسمى كولاجين (Collagen). وعند الطهي يتحول إلى جيلاتين ويتخلخل تركيب قطع اللحم. وكلما تم الطهي ببطء ولفترة طويلة لأجزاء اللحوم الغنية بالألياف والكولاجين، أصبحت تلك الألياف واللحوم أكثر ليونة وأكثر استرخاءً، وبالتالي أكثر سهولةً للمضغ والبلع.
وتوفر الدهون كثيراً من النكهة في اللحوم الحمراء، لأنها تمتص وتختزن كثيراً من المركبات العطرية الموجودة في طعام الحيوان، خصوصاً عند تغذية براري المرعى. ومع تقدم الحيوانات في العمر، تصبح ألياف العضلات والأنسجة الضامة أكثر صلابة، وتتراكم في الدهون نكهة قوية غير لذيذة الطعم.
ومعظم السائل في اللحوم هو الماء، واللون الأحمر في اللحم وعصائره ليس بسبب الدم، بل هو بروتين ميوغلوبين الذائب في الماء، لأن غالب الدم يتم تصريفه إلى حد كبير في المسلخ. وإذا كان ثمة دم باق فسيكون بلون غامق وهيئة متجلطة.
وأثناء طهي اللحوم تحصل عدة تفاعلات كيميائية، لبروتينات العضلات نفسها وللأنسجة الضامة. ومع بلوغ درجة حرارة 140 درجة مئوية عند الشواء، تنتج تفاعلات ميلارد بين البروتينات والسكريات، وتنتج المئات من المركبات الكيميائية الجديدة التي تُكسب اللحم اللون البني وتعطيه النكهة والطعم المميزين. والمهم عدم الوصول إلى حالة الاحتراق الكربوني. كما تحصل تفاعلات «التمسخ البروتيني» لإنضاج البروتينات.
وفي اللحوم المُدخنة، يظهر اللون الوردي تحت السطح مباشرة، وينجم عن تأثيرات الغازات في الدخان التي تحافظ على لون الميوغلوبين. وهذا اللون الوردي يختلف عن اللون الوردي في داخل ومنتصف قطع اللحم المشوي نتيجة لعدم اكتمال نضج طهيها.
وتجدر ملاحظة أن اللحم موصّل ضعيف للحرارة، ولذا يُمكن أن ينضج غلاف قطعة اللحم، بينما داخلها أو الأجزاء الملتصقة بالعظم تظل نيئة. ولذا فإن أفضل طريقة لطهي اللحوم هو بالحرارة المنخفضة وببطء لمدة طويلة. وهذا يُقلل كثيراً من تكوين المواد الكيميائية الضارة، ومنها المواد المسببة للسرطان.
وتختلف لحوم عضلات الأسماك لأنها تعيش في بيئة لا وزن لها عملياً. وتحديداً، تحتوي عضلات الأسماك على أنسجة ضامة قليلة جداً، كما لا يوجد فيها كثير من الكولاجين لترطيب ألياف العضلات، وكمية الميوغلوبين منخفضة. ولذا لون لحوم الأسماك في الغالب هو الأبيض، بينما لون لحوم الأسماك التي تسبح لمسافات طويلة أغمق وأحياناً أحمر.


السعودية الأطباق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة