طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

عنصر رئيسي في التغذية السليمة ولا تقل أهمية عن المكونات

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة
TT

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

طرق طهي الطعام... تأثيرات صحية وغذائية متفاوتة

تفيد مصادر علم التغذية الإكلينيكية بأن أحد العناصر الرئيسية في التغذية الصحية هو طريقة طهي الطعام بالحرارة. وإذا كان بإمكان المرء أن ينتقي منتجات غذائية صحية للتناول، فإنها قد تصبح غير صحية نتيجة الطريقة التي استخدمها للطهي. ويقول الأطباء من «مايو كلينيك»: «تعمل طرق الطهي الصحية على إكساب الطعام ألذ النكهات والاحتفاظ بالعناصر الغذائية في الأطعمة دون إضافة أي مقادير مفرطة من الدهون أو الملح. ولا يعني الطبخ الصحي أنه يتعين عليك أن تصبح طباخاً ماهراً أو تقوم بالطبخ في أواني طبخ باهظة الثمن. يمكنك استخدام أساليب الطهي الأساسية لإعداد الطعام بطرق صحية».
- أسباب الطهي
وأساس ذلك التحول من غذاء صحي إلى غير صحي بالطهي، هو نوعية التفاعلات الكيميائية التي حصلت خلال تلك العملية. ذلك أن خلال عملية الطهي تحصل أنواع كثيرة من التفاعلات الكيميائية، التي تختلف وفق نوعية ومكونات المنتج الغذائي ووفق طريقة الطهي. وأحدها تفاعل ميلارد (Maillard Reaction) الذي يقول عنه الدكتور جان ماري لين، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1987: «يعد تفاعل ميلارد (تفاعل بروتينات وسكريات الطعام بفعل الحرارة) التفاعل الكيميائي الأكثر انتشاراً في العالم، لأنه تفاعل يحدث يومياً في المنازل والمطاعم والمخابز حول العالم كلما تم طهي الطعام».
ويقول المجمع الملكي البريطاني للكيمياء: «هناك العديد من الأسباب للطهي، بما في ذلك قتل الميكروبات في الطعام لجعله آمناً للأكل، وعدد من الأسباب الأخرى المتعلقة بزيادة مقبولية الطعام. وهو ما يشمل: تحسين الملمس (كتليين اللحوم الصلبة)، وتحسين اللون (للحم أو الخبز المحمص) وتحسين النكهة والرائحة (كتطوير نكهة ورائحة اللحوم المطبوخة). ومن المهم استخدام ظروف الطهي المناسبة، مثل درجة الحرارة ومدة الطهي». كما أنه نتيجة لعملية الطهي يصبح الطعام ملائماً أكثر للجهاز الهضمي كي يُجري عمليات الهضم وامتصاص العناصر الغذائية، خصوصاً المكونات الرئيسية كالبروتينات والكربوهيدرات والدهون والمعادن والفيتامينات والمركبات الكيميائية الأخرى كالمواد المضادة للأكسدة والمواد ذات الروائح والنكهات العطرية والمميزة.
- تفاعلان رئيسيان
ونظراً لوجود كربوهيدرات السكريات والبروتينات في غالبية المنتجات الغذائية، هناك نوعان رئيسيان من التفاعلات الكيميائية خلال عملية الطهي الحراري. وهما: تفاعلات الكرميل (Caramelization Reaction) فيما بين أنواع السكريات، وتفاعلات ميلارد (Maillard Reaction) فيما بين البروتينات والسكريات. وكلاهما يعتمد على الحرارة (وليس الأنزيمات) وتنتج عنهما مركبات كيميائية عديدة ومواد كيميائية متطايرة تعطي الشكل واللون والرائحة المميزة.
وتفاعلات الكرميل، هي العملية الأساسية في طهي العديد من المواد الغذائية النباتية، كالخضار المطبوخة على نار عالية والمخبوزات بأنواعها وتحميص القهوة أو المكسرات، أو القلي أو غيرها كثير. وعند تسخين السكريات، يتغير اللون إلى اللون البني بفعل عمليات البلمرة في اتحاد عدة مركبات بعضها مع بعض، ثم تتحول إلى سائل، ثم تظهر الفقاعات. وتحدث الفقاعة بسبب انكسار الهيدروجين والأكسجين في السكريات، وتشكيل جزيئات الماء وتبخرها. وخلال هذا تظهر رائحة الكراميل الفريدة من خلال المواد المتطايرة التي يتم إطلاقها أثناء الانحلال الحراري، مثل ثنائي أسيتيل.
وإضافة إلى تسبب تفاعل الكراميل في ظهور اللون الذهبي البني عند الخبز في الفرن، تكتسب المخبوزات ذلك اللون أيضاً ونكهة أخرى مميزة، نتيجة حصول تفاعلات ميلارد بين بروتينات ونشويات عجين الدقيق. وتفاعلات ميلارد تبدأ في الحصول عند درجات منخفضة، أي ما بين 140 و160 درجة مئوية، بينما تتطلب تفاعلات الكراميل درجات حرارة عالية لبدء حصولها. وحصول هذه التفاعلات في الخبز مثلاً، يحرر مزيداً من المواد المضادة للأكسدة، ويسهّل على الأمعاء امتصاصها ويرفع استفادة الجسم منها.
- ألوان الأغذية
> تحول لون الخضار. وفي الخضار الخام، هناك كمية من الغازات المحصورة في المساحات الصغيرة بين الخلايا، ما يُمكننا من رؤية مركبات الكلوروفيل (Chlorophyll) الخضراء في الخلية النباتية. وفي بداية عملية الطهي، تتسبب الحرارة في تحطيم أغشية الخلايا، ما يؤدي إلى تسرب الغاز، وإلى تدفق السوائل من الخلية النباتية إلى هذه المساحات، ما يتيح لنا رؤية أكثر وضوحاً للكلوروفيل اللامع في الخضروات.
ولكن مع استمرار عملية الطهي، تؤدي الحرارة الزائدة إلى حصول فصل ذرة المغنيسيوم من مركز جزيء الكلوروفيل، واستبدال ذرات الهيدروجين بها. ما يغير لون الخضار من الأخضر الفاتح إلى أخضر رمادي باهت.
كما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تكسير معظم الفيتامينات ومضادات الأكسدة في الخضار، وإخراجها منها إلى سائل الغلي، ما يُضعف قيمتها الغذائية.
ولكن بالمقابل، يُمكن للحرارة أن تجعل بعض المكونات الغذائية الأخرى قابلة للامتصاص بسهولة أكبر، خصوصاً النشويات والبروتينات النباتية ذات الجزيئات الصعبة التي لا يستطيع جهازنا الهضمي تحطيمها نيئة لكي يمكن امتصاصها.
> اللون الوردي للروبيان واللوبيستر. عند طهي الروبيان والقشريات البحرية الأخرى، تحصل ثلاث عمليات كيميائية، وهي: ظهور اللون الوردي، وتغير لون اللحم من نصف شفاف إلى الأبيض، وتجعيد شكل الروبيان.
والروبيان والقشريات الأخرى تحتوي على صبغة وردية اللون تسمى أستازانتين (Astaxanthin)، وهي من فئة صبغات الكاروتينويد (Carotenoid) المضادة للأكسدة. وفي الجمبري النيئ، ترتبط صبغة أستازانتين ببروتين المواد القشرية ذات اللون الرمادي الأزرق. ولا يظهر اللون الوردي. وعند الطهي بالحرارة، يتحرر مركب أستازانتين عن البروتينات القشرية، ويظهر بلونه الطبيعي، ما يجعل الروبيان المطبوخ وردياً.
ويعلق الباحث السويسري في جامعة بازل، الدكتور توماس شولوميك بالقول: «كان هذا التغير في اللون لغزاً لفترة طويلة». ولحم الروبيان النيئ شبه شفاف. وبالطهي، يتغير لونه إلى الأبيض، كما الحال بالنسبة لكثير من الأسماك (البيضاء) الأخرى وبياض البيض. وهذا يحصل بتفاعلات «التمسخ البروتيني» (Protein Denaturation)، لأن البروتينات حساسة للحرارة، وهي بالأصل تأخذ أشكالاً معقدة ثلاثية الأبعاد، كالانثناء واللولبة والتجعيد. ولكن عندما يتم تسخينها إلى درجات حرارة عالية بما فيه الكفاية، تحصل التفاعلات التي بها تمتد وتتحلل تلك التعقيدات، ويتغير اللون إلى اللون الأبيض. وتغير شكل الروبيان نحو الالتفاف ككرات صغيرة، ناجم عن تقلص العضلات داخل الروبيان بفعل الحرارة وزوال محتواها من الماء.
- أنواع القلي
وخلال عملية القلي تحصل ثلاثة أنواع رئيسية من التفاعلات، وهي: تفاعلات ميلارد، وتفاعلات «التمسخ البروتيني» للنضج، وتكسر جدران الخلايا. إضافة إلي تفاعلات كيميائية أخرى، كالأكسدة (Oxidation) والبلمرة (Polymerization)، التي تحصل في كل من: القطع المقلية والزيت المُستخدم للقلي. ويعتمد القلي على استخدام الدهون إما من مصادر حيوانية (السمن) أو نباتية (الزيت)، لطبخ الأطعمة بأنواعها، لأن الزيت يصل إلى درجات حرارة أعلى بكثير من الماء المغلي، ما يسمح بسرعة حصول عدد من التفاعلات التي تتسبب في نضج الأطعمة. ونتيجة تفاعلات الكراميل وتفاعلات ميلارد تتكون الطبقة المقرمشة، كما يؤدي تغلغل الحرارة إلى نضح طهي البروتينات.
وفي القلي العميق (Deep Frying) باستخدام كمية كبيرة من الزيت الحار وغمر الأطعمة فيها، يحصل تغلغل سريع وكبير للدهون إلى داخل قطع الطعام المقلية قبل تكوّن التفاعلات الكيميائية التي تصنع طبقة واقية مقرمشة كغلاف لها. وهذا يؤدي إلى أمرين؛ تدني العناصر الغذائية كالفيتامينات والمعادن نتيجة تسربها إلى الزيت، وارتفاع كمية الدهون في القطع المقلية بنحو خمسة أضعاف عما هو فيها بالأصل من دهون. وفي القلي السطحي (Shallow Frying) تُستخدم كمية قليلة من الزيت، ما يُقلل من احتمال تغلغلها. ومع التقليب السريع، يُحافظ الطعام على كثير من مكوناته الغذائية، خصوصاً مع استخدام زيت الزيتون.
- التصاق الأطعمة
إضافة إلى أصوات أزيز (Sizzling Sounds) القلي، نتيجة تبخر الماء بسرعة على سطح الزيت، يفيد المجمع البريطاني الملكي للكيمياء بأن الأطعمة التي تحتوي على البروتين عرضة بشكل خاص للالتصاق بالمقالي المعدنية، نتيجة تكوّن روابط كيميائية بين بروتينات الطعام والمواد في المقلاة، خصوصاً روابط قوى فان دير والز (van der Waals Forces) أو الروابط التساهمية (Covalent Bonds). وقوى فان دير والز والروابط التساهمية كلاهما أساسي في تكوين البروتينات وترابط أجزائها الأحماض الأمينية (Amino Acids) والروابط الببتدية (Peptide Bonds) فيما بينها مع بعضها كي تتمكن من الحفاظ على شكلها ووظيفتها، وتنشأ عن التأثيرات المتبادلة فيما بين تلك الأجزاء نتيجة تفاعلات القوى الكهربائية فيها.
وبوجود الحرارة والمعدن المختلف، كالحديد، تزداد فرصة الاستقطاب الكهربائي اللحظي، ما يتسبب في الالتصاق. ويتبع هذا الالتصاق تخلخل التركيب البروتيني والكولاجيني وسرعة حصول تفاعلات ميللارد بزيادة تأثير الحرارة على البروتينات، ما يُؤدي إلى تكوين طبقة من البروتينات المقرمشة وبنية اللون والصلبة نسبياً. ومع استمرار الالتصاق وزيادة تفاعلات ميللارد، تتكون الطبقة المحترقة في المقلاة. وتختلف هذه الطبقة البروتينية المقرمشة عن طبقة زنجار المقلاة (Patina)؛ (الطبقة التي تلتصق وتلون المقلاة في داخلها أو خارجها باللون الأسود) التي تحصل نتيجة تفاعلات الدهون مع معدن المقلاة الحار جداً، وتكسير سلاسل الهيدروكربونات في الأحماض الدهنية الطويلة السلسة (Long Chain Fatty Acids)، وحصول عملية البلمرة (Polymerisation) لتكوين مادة جديدة صلبة وملتصقة ومقاومة للحرارة، نتيجة تكوين سلسلة أطول من المركبات مقارنة بما في الزيت الأصلي.
- تفاعلات كيميائية في طهي مكونات اللحوم
> يتم طهي اللحوم بطرق متعددة؛ منها الشواء في الفرن أو على الجمر، والغلي إما بالماء الحار مباشرة أو على بخار الماء، والقلي. والأساس في إدراك تفاعلات طهي اللحوم وحصول التغيرات الفيزيائية والكيميائية، هو معرفة التركيبات الأساسية للحم.
إذ إن اللحوم عضلات، والعضلات مكونة من خلايا عضلية وأنسجة ضامة ودهون وماء.
وتحتوي الخلايا العضلية على البروتينات، التي منها بروتين الميوغلوبين (Myoglobin) وردي اللون الذي يُعطي اللحوم الحمراء لونها. وكلما زادت حركة العضلة، زاد غُمق لونها نتيجة تراكم مزيد من الميوغلوبين فيها.
والنسيج الضام (Connective Tissue)، منه نوع قوي كما في الأوتار والغلاف اللامع الرقيق الذي بين ثنايا اللحوم. ويتكون من بروتين الإيلايستين (Elastin) الذي ينكمش بسرعة عند التسخين السريع، وتصبح غير قابلة للمضغ. وهناك نوع ناعم من النسيج الضام المتغلغل في تراكيب اللحوم، يُسمى كولاجين (Collagen). وعند الطهي يتحول إلى جيلاتين ويتخلخل تركيب قطع اللحم. وكلما تم الطهي ببطء ولفترة طويلة لأجزاء اللحوم الغنية بالألياف والكولاجين، أصبحت تلك الألياف واللحوم أكثر ليونة وأكثر استرخاءً، وبالتالي أكثر سهولةً للمضغ والبلع.
وتوفر الدهون كثيراً من النكهة في اللحوم الحمراء، لأنها تمتص وتختزن كثيراً من المركبات العطرية الموجودة في طعام الحيوان، خصوصاً عند تغذية براري المرعى. ومع تقدم الحيوانات في العمر، تصبح ألياف العضلات والأنسجة الضامة أكثر صلابة، وتتراكم في الدهون نكهة قوية غير لذيذة الطعم.
ومعظم السائل في اللحوم هو الماء، واللون الأحمر في اللحم وعصائره ليس بسبب الدم، بل هو بروتين ميوغلوبين الذائب في الماء، لأن غالب الدم يتم تصريفه إلى حد كبير في المسلخ. وإذا كان ثمة دم باق فسيكون بلون غامق وهيئة متجلطة.
وأثناء طهي اللحوم تحصل عدة تفاعلات كيميائية، لبروتينات العضلات نفسها وللأنسجة الضامة. ومع بلوغ درجة حرارة 140 درجة مئوية عند الشواء، تنتج تفاعلات ميلارد بين البروتينات والسكريات، وتنتج المئات من المركبات الكيميائية الجديدة التي تُكسب اللحم اللون البني وتعطيه النكهة والطعم المميزين. والمهم عدم الوصول إلى حالة الاحتراق الكربوني. كما تحصل تفاعلات «التمسخ البروتيني» لإنضاج البروتينات.
وفي اللحوم المُدخنة، يظهر اللون الوردي تحت السطح مباشرة، وينجم عن تأثيرات الغازات في الدخان التي تحافظ على لون الميوغلوبين. وهذا اللون الوردي يختلف عن اللون الوردي في داخل ومنتصف قطع اللحم المشوي نتيجة لعدم اكتمال نضج طهيها.
وتجدر ملاحظة أن اللحم موصّل ضعيف للحرارة، ولذا يُمكن أن ينضج غلاف قطعة اللحم، بينما داخلها أو الأجزاء الملتصقة بالعظم تظل نيئة. ولذا فإن أفضل طريقة لطهي اللحوم هو بالحرارة المنخفضة وببطء لمدة طويلة. وهذا يُقلل كثيراً من تكوين المواد الكيميائية الضارة، ومنها المواد المسببة للسرطان.
وتختلف لحوم عضلات الأسماك لأنها تعيش في بيئة لا وزن لها عملياً. وتحديداً، تحتوي عضلات الأسماك على أنسجة ضامة قليلة جداً، كما لا يوجد فيها كثير من الكولاجين لترطيب ألياف العضلات، وكمية الميوغلوبين منخفضة. ولذا لون لحوم الأسماك في الغالب هو الأبيض، بينما لون لحوم الأسماك التي تسبح لمسافات طويلة أغمق وأحياناً أحمر.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
TT

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي الناتج عن تراكم الأدينوزين، وهو مادة كيميائية في الدماغ تزداد نسبتها في أثناء اليقظة وتشعرك بالنعاس، فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت أن الانتظار 90 دقيقة تحديداً أفضل للجميع.

ويمكن تناول القهوة فور الاستيقاظ إذا كانت تناسب الشخص، مع مراعاة تأثيرها في القلق والمعدة والنوم، وتجنّبها في الساعات القريبة من موعد النوم.

ووفقاً لموقع «فيري ويل هيلث»، فإن الأدلة العلمية التي تدعم هذه المقولة محدودة وتستند في الغالب إلى تجارب شخصية.

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

وذكر أن هذه المقولة - التي ساهم عالم الأعصاب أندرو هوبرمان في نشرها على نطاق واسع - تستند إلى عمليتين بيولوجيتين رئيسيتين:

استجابة الكورتيزول عند الاستيقاظ

يفرز جسمك طبيعياً دفعة من الكورتيزول، وهو هرمون يعزز اليقظة وعمليات التمثيل الغذائي في غضون 30 إلى 45 دقيقة من الاستيقاظ.

ويرى المؤيدون لهذه المقولة أن تناول الكافيين خلال ذروة الإفراز الطبيعي هذه يُعد أمراً زائداً عن الحاجة، وقد يؤدي إلى تحفيز إضافي لجهازٍ هو بالفعل في حالة يقظة، مما قد يسبب التوتر أو القلق أو تسريع وتيرة اعتياد الجسم على الكافيين.

وفي المقابل، يقول العلم إن الأشخاص الذين يشربون القهوة بانتظام سرعان ما يطورون القدرة على تحمل تأثيرات الكافيين المتعلقة برفع مستويات الكورتيزول، وهذا يعني أن من يتناولون القهوة يومياً لا يواجهون سوى اضطراب طفيف جداً في مستويات هذا الهرمون.

التخلص من الأدينوزين

يتراكم الأدينوزين خلال النهار، بينما تنخفض مستوياته في أثناء النوم، لتصل إلى أدنى مستوياتها عند الاستيقاظ. يعمل الكافيين عن طريق حجب مستقبلات الأدينوزين، مما يمنع شعورك بالتعب.

ويُفترض أن الانتظار لمدة 90 دقيقة يسمح بتراكم كمية بسيطة من الأدينوزين، مما يوفر للكافيين «أهدافاً» أكثر ليقوم بحجبها، وهو ما قد يمنع - نظرياً - حدوث هبوط في الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر.

ولكن لا تُظهر الدراسات المضبوطة علمياً أن تأخير تناول القهوة يمنع فعلياً هبوط الطاقة في فترة ما بعد الظهر، أو يُحدث تغييراً في مستويات الطاقة اليومية.


رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
TT

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه، مثل جميع الأسباب الأخرى لرائحة النفس الكريهة.

جفاف الفم

إذا كنت تتمتع بنظافة فم جيدة، فمن المرجح أن يكون جفاف الفم هو السبب. فاللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة. وعندما ننام ينخفض إنتاج اللعاب بشكل ملحوظ. ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب جفاف الفم، مما يجعل رائحة النفس الصباحية أسوأ، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

عدم الاعتناء بنظافة الفم

يُعد سوء نظافة الفم سبباً شائعاً آخر. فأفواهنا هي بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا. وإذا لم تكن تنظف أسنانك بالفرشاة، أو بالخيط بشكل فعّال، فقد تعلق جزيئات الطعام في الشقوق الموجودة على سطح اللسان، أو بين الأسنان، أو على طول أنسجة اللثة.

وستقوم البكتيريا الموجودة في فمك بتحليل جزيئات الطعام تلك، مما يُطلق رائحة النفس الكريهة في الصباح. وقد تكون رائحة النفس الصباحية عَرَضاً لمرض اللثة، خاصة إذا تُرك سوء نظافة الفم دون علاج.

تؤدي أمراض اللثة لالتهابات في الجيوب تحت الأسنان يمكن أن تسبب رائحة نفس كريهة قوية، ومستمرة. ويحتاج مرض اللثة، الذي يبدأ على شكل التهاب اللثة، إلى علاج من طبيب أسنانك.

تناول أطعمة معينة

يمكن لما تُدخله إلى جسمك أن يؤدي إلى رائحة النفس الصباحية. فتناول الأطعمة ذات الرائحة القوية في المساء -مثل الثوم أو البصل النيئ- يمكن أن يسبب رائحة النفس الصباحية في اليوم التالي، حتى لو نظفت أسنانك جيداً.

التبغ

يرتبط استخدام التبغ، وخاصة التدخين، ارتباطاً مباشراً أيضاً برائحة النفس الصباحية، ورائحة النفس الكريهة بشكل عام. فهو يمكن أن يجفف فمك، ويجعلك أكثر عرضة لأمراض اللثة. وإذا أضفت رائحة الدخان إلى ذلك، فقد تكون وصفة لنفس كريه قوي.

مرض الارتجاع المعدي المريئي

قد يعاني الأشخاص المصابون بالارتجاع المعدي المريئي (GERD)، المعروف أيضاً بالارتجاع الحمضي، من رائحة النفس الكريهة بسبب ارتداد حمض المعدة إلى المريء أثناء نومهم في الليل.

كيف تعالج رائحة النفس الصباحية؟

في كثير من الحالات يمكن علاج رائحة النفس الصباحية في المنزل من خلال مزيج من العناية الفموية الأفضل، وتغييرات نمط الحياة. والحفاظ على نظافة جيدة للفم هو أفضل حل سريع، وحل طويل الأمد في آنٍ واحد لأي نوع من رائحة النفس الكريهة.

نظّف أسنانك بالفرشاة فوراً قبل أن تذهب إلى النوم ليلاً، ولا تأكل أو تشرب أي شيء بعد ذلك. فالقيام بذلك يمكن أن يُدخل جزيئات طعام سيتم تحليلها طوال الليل. نظّف أسنانك بالخيط، واستخدم غسول فم مطهراً بعد استخدام مكشطة اللسان.

وإذا كنت ترتدي مثبت أسنان، أو أي أدوات تقويم أخرى، فنظفها يومياً. ونظف أسنانك بالفرشاة بمجرد أن تستيقظ للتخلص من أي رائحة نفس صباحية متبقية. وإذا كنت تدخن أو تستخدم التبغ، فتوقف فوراً.

وقد تكون العلكة الخالية من السكر مفيدة أيضاً، خاصة إذا كنت في تنقلات، وكنت تعاني من رائحة نفس كريهة متكررة إلى جانب رائحة النفس الصباحية. فالعلكة الخالية من السكر لا تمنح البكتيريا الموجودة في فمك سكراً تتغذى عليه. ويمكنها أيضاً أن تساعد في تحفيز تدفق اللعاب، وإنعاش نفسك في الوقت نفسه.

سيحتاج طبيب أسنانك إلى علاج مرض اللثة بتنظيفات عميقة. حيث يزيل طبيب أسنانك البلاك والجير من الأسنان، واللثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من رائحة النفس الكريهة نتيجة لمرض الارتجاع المعدي المريئي، يمكن لطبيبك أن يصف دواء مخفضاً للحموضة يمكنك تناوله في الليل قبل النوم. وقد يوصي أيضاً بالنوم في وضع أكثر استقامة لتقليل الحمض في المريء.


كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟
TT

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً... وبعد رحلة بين العيادات والفحوص، تُقرر الأسرة إجراء أحد أكثر الاختبارات الطبية تقدماً: تسلسل الإكسوم، أو الجينوم، بحثاً عن سبب وراثي.

تصل العينة إلى المختبر، وتُقرأ المادة الوراثية، لكن النتيجة قد تكون مفاجئة: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح». أو ربما يجد المختبر تغيراً جينياً، لكنه يصنفه «متغيراً ذا دلالة غير مؤكدة» (VUS)، أي إن الأدلة لا تكفي بعد لمعرفة إن كان هذا المتغير مسؤولاً عن المرض.

هذه المعضلة كانت من أبرز ما طُرح في المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي SSMG 2026-الذي حضره ملحق «صحتك» في جدة- وعُقد تحت شعار: «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم».

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نستطيع قراءة الجينوم ولا نستطيع دائماً تفسير ما أصاب المريض؟

بين التنبؤ والتشخيص

في إحدى جلسات المؤتمر المخصصة للذكاء الاصطناعي والطب الجينومي، قدمت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز ورئيسة وحدة المعلوماتية الحيوية بمعهد علوم طب الجينوم، محاضرة بعنوان: «المعلوماتية الحيوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الجينوم العصبي».

واللافت أنها لم تبدأ بالخوارزميات، وإنما بالمريض: طفل بأعراض عصبية، وتاريخ عائلي، وفحص جيني، ثم تقرير يقول: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح»، أو «متغير ذو دلالة غير مؤكدة». وكان سؤالها: ماذا حدث بين المريض وتلك الجملة التي ظهرت في التقرير؟

• البحث عن واحد بين الملايين. لفهم المشكلة، يمكن تخيل الجينوم كمدينة ضخمة يسكنها ملايين الأشخاص، بينما نحاول العثور على شخص واحد قد يقودنا إلى تفسير المرض.

يختلف جينوم الإنسان عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع. ومع التحليل تبدأ عملية تضييق دائرة البحث، حتى تتحول الملايين إلى عشرات من المتغيرات، ثم إلى عدد قليل يستحق الدراسة. لكن كلما ضيقنا دائرة البحث، ظهر خطر استبعاد الإجابة الحقيقية بالخطأ. فكل خطوة يمكن أن تقربنا من السبب، لكنها قد تستبعد أيضاً المتغير المسؤول عن المرض.

وتزداد المهمة صعوبة في الأمراض العصبية؛ فقد تؤدي تغيرات في جينات مختلفة إلى أعراض متشابهة، كالصرع، أو التأخر النمائي، كما قد تتغير الأعراض مع العمر، فضلاً عن وجود تغيرات وراثية لا تلتقطها بعض الاختبارات بسهولة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية، وهي أن قراءة الجينوم لا تعني بالضرورة فهمه.

• بين التنبؤ والتشخيص. أوضحت الدكتورة نوف الغانمي في محاضرتها أن العثور على تغير جيني لا يعني الوصول إلى تشخيص. فإذا وجد المختبر تغيراً في الحمض النووي «دي إن إيه» DNA، فهناك ثلاثة أسئلة ينبغي الإجابة عنها:

- أولاً: هل يؤثر هذا التغير فعلاً في عمل الخلية؟

- ثانياً: حتى لو كان له تأثير، هل يمكن لهذا الجين أن يفسر حالة المريض وأعراضه؟

- وثالثاً: هل أصبحت الأدلة مجتمعة قوية بما يكفي لتصنيف هذا المتغير على أنه مسبب للمرض؟

قد يتنبأ نموذج ذكاء اصطناعي بدرجة عالية بأن تغيراً ما سيؤثر في أحد البروتينات، لكن ذلك وحده لا يعني أنه سبب مرض الطفل.

توظيف الذكاء الاصطناعي

• أدوات ذكية لجوانب مختلفة. بدأ الذكاء الاصطناعي يغير طريقة العمل في مختبرات الجينوم، لكن ليس هناك برنامج واحد يعرف كل شيء. فإذا كشف الفحص تغيراً جينياً غامضاً، يمكن لنموذج أن يسأل: هل سيؤثر في البروتين؟ ويبحث آخر عن تأثيره في تعامل الخلية مع الرسالة الجينية، بينما تقارن أداة أخرى أعراض الطفل بالأمراض المعروفة.

ومن أمثلة هذه الأدوات AlphaMissense، وSpliceAI، وExomiser. وهي لا تتنافس على إعطاء «الإجابة الصحيحة»، بل تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. ولهذا لا ينبغي التعامل معها كلجنة تصويت؛ إذ إن قول عدة خوارزميات إن المتغير ضار لا يعني أن لدينا عدة أدلة مستقلة. والسؤال الأفضل هو: هل تتفق الأدلة المختلفة على تفسير واحد لما يحدث لهذا المريض؟

ومن أبرز التطورات الحديثة نموذج AlphaGenome الذي يحاول توقع تأثير تغيرات «دي إن إيه» في عمليات متعددة داخل الخلية، بما فيها تشغيل الجينات، ومعالجة الحمض النووي الريبوز «آر إن إيه» RNA، وتنظيم نشاط مناطق من الجينوم.

وبذلك يتوسع السؤال من «هل هذا التغير ضار؟» إلى «ما الذي قد يغيره هذا الاختلاف في طريقة عمل الخلية؟»، لكن AlphaGenome يظل أداة بحثية لتوليد الفرضيات، وليس أداة تصدر تشخيصاً طبياً، أو حكماً نهائياً على المتغير.

• نتائج مربكة في التحليل الجيني. وتوقفت الدكتورة نوف الغانمي عند إحدى أكثر النتائج إرباكاً في التحليل الجيني: المتغير ذو الدلالة غير المؤكدة Variant of Uncertain Significance (VUS).

نعود إلى تقرير الطفل، حيث ظهر متغير جيني، لكن الأدلة لا تكفي بعد لتحديد ما إذا كان مسؤولاً عن المرض. ويمكن تشبيه الأمر -للتبسيط- بوجود مشتبه به لا تكفي الأدلة لإدانته، ولا لتبرئته. فالمتغير يستحق الاهتمام، لكن العلم لا يملك بعد ما يكفي للقول إنه سبب المرض. وهنا قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي ليس أن يقول: «وجدت التشخيص»، وإنما: «هذا هو الدليل الذي ينقصنا».

قد تكون الخطوة التالية فحص الوالدين، أو فحص RNA، أو اختباراً وظيفياً، أو البحث عن علامة سريرية محددة لدى الطفل.

وهكذا يساعد الذكاء الاصطناعي على تحويل عدم اليقين إلى سؤال يمكن اختباره. فالهدف -كما أوضحت الغانمي- ليس القول إن «الذكاء الاصطناعي توصل إلى التشخيص»، بل جعل حالة عدم اليقين قابلة للعمل.

الدكتورة نوف الغانمي

الذكاء الوكيلي

إذا كانت لدينا أداة للبروتين، وأخرى لمعالجة «آر إن إيه» RNA، وثالثة للأعراض، فضلاً عن قواعد البيانات، والدراسات المتجددة، فمن سيجمعها في صورة واحدة؟

هنا طرحت د. نوف الغانمي مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وقدمت تصوراً مقترحاً لتوظيفه في الجينوم العصبي، بحيث يبدأ التحليل من المريض، ثم تُستدعى الأدوات المناسبة لكل سؤال، وتُجمع نتائجها، وتراجع أوجه التعارض أو النقص بينها، قبل أن تعود إلى الخبير البشري في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.

ورغم الاسم التقني، فالفكرة بسيطة: تخيل منسقاً ذكياً يعمل مع مجموعة من الخبراء؛ يعرف أي خبير ينبغي أن يسأل، ومتى، ثم يجمع الإجابات في صورة واحدة. فالابتكار ليس في استبدال الأدوات المتخصصة، وإنما في جعلها تعمل معاً حول المريض.

وهذا الاتجاه بدأ يجد تطبيقات بحثية فعلية. ففي عام 2026 نشرت مجلة «نتشر» Nature دراسة عن نظام يسمى DeepRare يستخدم نهجاً وكيلياً في الأمراض النادرة، ويجمع أكثر من 40 أداة ومصدراً للمعرفة.

وفي مجموعة اختبار ضمت 168 حالة، وضع النظام التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 69.1 في المائة من الحالات، مقابل 55.9 في المائة لأداة تقليدية لترتيب الأمراض والجينات المرشحة. ولا يعني ذلك أن الكمبيوتر أصبح طبيب وراثة، لكنه يشير إلى أن جمع أجزاء الصورة قد يكون أقوى من النظر إلى كل جزء منفرداً. أما التصور الذي عرضته الغانمي للجينوم العصبي، فقد شددت على أنه مقترح بحثي، وليس نظاماً سريرياً مطبقاً أو مثبتاً حتى الآن.

• الذكاء الاصطناعي يقترح والإنسان يقرر. ومهما تطورت هذه الأنظمة، يبقى القرار النهائي للإنسان. فالذكاء الاصطناعي يجمع الأدلة، ويقترح، واختصاصي الوراثة يقيّمها، والمختبر يتحقق عند الحاجة، ثم يضع الطبيب المعالج النتيجة في سياق المريض، ويتخذ القرار الطبي.

إنها علاقة يمكن وصفها بـ«الذكاء الهجين» (Hybrid Intelligence)، الآلة تساعد على رؤية الصورة، والإنسان يتحمل مسؤولية تفسيرها، واتخاذ القرار.

• تشخيص لاحق. وإذا خضع طفل لفحص جيني عام 2022 ولم نجد السبب، فهل ينبغي أن يبقى «غير مشخص» إلى الأبد؟

ليس بالضرورة. فقد يُكتشف لاحقاً ارتباط جين جديد بالمرض، أو تتحسن طرق التحليل، أو تظهر معلومات تغير فهمنا لمتغير كان مجهول الدلالة، أو تظهر لدى الطفل أعراض تجعل الصورة أوضح. لهذا استخدمت د. الغانمي عبارة لافتة: «النتيجة السلبية للإكسوم لها تاريخ».

وفي 2026 نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة عن نظام آلي لإعادة تحليل بيانات مرضى الأمراض النادرة الذين لم يصل الباحثون إلى تشخيص لحالاتهم. وعند إعادة تحليل بيانات 4735 حالة غير مشخصة، أمكن الوصول إلى 241 تشخيصاً جديداً، أي نحو 5.1 في المائة، نتيجة تطور أدوات التحليل، والمعرفة العلمية. ولا تعني النسبة أنها ستتكرر في كل مجموعة من المرضى، لكن الرسالة واضحة: ما لم يكشفه التقرير الجيني اليوم، قد تكشفه إعادة التحليل غداً. وأما عبارة «لم نجد سبباً»، فقد تعني في الحقيقة: «لم نجد السبب بعد».

• ما أهمية هذا في السعودية؟ الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ؛ فجودة نتائجه مرتبطة بجودة البيانات التي يتعلم منها. وعند تفسير تغير جيني تصبح معرفة مدى شيوعه بين السكان مهمة. فما يبدو نادراً جداً في قاعدة بيانات عالمية، قد تكون له صورة مختلفة في مجتمع لم يكن ممثلاً فيها بالقدر الكافي.

كما أن وجود القرابة بين الوالدين في بعض الأسر قد يغير طريقة البحث عن بعض الأمراض الوراثية المتنحية، وبالتالي استراتيجية تحليل الجينوم نفسها.

ولذلك فإن بناء طب جينومي سعودي لا يعني فقط امتلاك أحدث أجهزة التسلسل، أو نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بناء معرفة جينومية محلية تساعد على تفسير ما نراه لدى المرضى، مع حماية البيانات، وإبقاء القرار الطبي خاضعاً للتدقيق البشري.

• عودة أخيرة إلى الطفل. لم يحصل طفلنا بعد على تشخيص واضح. وربما لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعطينا اسم المرض، لكنه يستطيع مساعدة الفريق الطبي في تحديد المتغيرات التي تستحق الاهتمام، والأدلة التي ما زالت تنقصنا.

وهنا تتجلى رسائل د. نوف الغانمي الخمس: المريض أولاً، وتأثير المتغير لا يعني بالضرورة أنه سبب المرض، ولكل نموذج ذكاء اصطناعي وظيفة مختلفة، وتكامل الأدوات ينبغي أن يقود إلى فرضيات قابلة للاختبار، أما النتيجة الجينية السلبية، أو المتغير غير المؤكد، فلا يعنيان نهاية البحث.

وعندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، وإنما أداة تساعده على الوصول إلى السؤال الصحيح.

ولسنوات كان السؤال الأكبر في مختبرات الجينات: «هل هذا المتغير ممرض؟» وأما السؤال الأكثر فائدة للمريض فهو: «هل يفسر هذا المتغير حالة هذا المريض؟... وما الذي ينبغي أن نختبره بعد ذلك؟».

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الطب الجينومي: ليس في أن يقدم تشخيصاً بضغطة زر، بل في أن يحول غموض الجينوم إلى أسئلة أفضل، والأسئلة إلى اختبارات، والاختبارات إلى فرصة أقرب للوصول إلى الإجابة.

*استشاري طب المجتمع.