دهاليز قناة السويس

دهاليز قناة السويس

الطبعة العربية من مذكرات الحفناوي الذي كتب مشروع قرار تأميم الشركة
الخميس - 14 جمادى الأولى 1441 هـ - 09 يناير 2020 مـ
جمال عبد الناصر بعد تأميم القناة 1956
القاهرة: حمدي عابدين

تصدر قريبا عن دار ميريت المصرية للنشر النسخة العربية من مذكرات الدكتور مصطفى الحفناوي، كاتب قرار تأميم قناة السويس والذي استعاد أهم وثيقة تأسيسية للشركة، صدق عليها السلطان العثماني كامتياز لحفرها. وكانت الإدارة الفرنسية هربتها إلى مقرها في باريس، وهي تشير إلى أن مشروع القناة تحكمه شركة مساهمة مصرية، وليست ذات طابع دولي كما ظل الفرنسيون يدعون.

وقسم الحفناوي مذكراته - التي كانت الطبعة الفرنسية منها قد صدرت قبل عام وكان من المقرر أن تصدر الطبعة العربية متزامنة مع الفرنسية لكن هذا لم يحدث - إلى سبعة أجزاء تحدث فيها عن بداية علاقته بالقناة، ومعرفته بقضيتها، ثم بداية نضاله في باريس ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وتكوين رابطة قومية هدفها «إحياء فكرة الكفاح ضد المغتصبين، ودعوة الشباب لطرد آخر جندي بريطاني من وادي النيل، وجعل مصر كاملة الحرية لا يحدها احتلال أو حماية أو شبه حماية أو أي أثر من آثار التسلط الأجنبي». وهو يرى في مذكراته أن الأساس الذي يجعل دول أوروبا حريصة على استمرار احتلال مصر هو قناة السويس، فخطط لدراسة مشروعها، من زاوية القانون الدولي، وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس لإثبات أن الشركة شأن مصري، ومن حق الحكومة المصرية التصرف فيها، بعد أن تبين أن عقد الشركة الذي وقع عليه السلطان العثماني يشير إلى أنها شركة مساهمة مصرية.

ويكشف الحفناوي أن كثيرين من رجال السياسة في مصر لم يكونوا حريصين على استرجاع القناة، ومنهم سعد زغلول الذي قدم مشروع مد الامتياز، حين كان عضوا في وزارة بطرس باشا غالي، وهي حكومة خاضعة للمحتل الإنجليزي، كما تحدث الحفناوي عن مواقف الملك فاروق في القضية، وبعض وزرائه، ومنهم علي ماهر، وامتدح هذه المواقف لأنها لم تكن موالية لشركة قناة السويس، بل كانت على عكس ذلك تماما، تسعى لاسترجاع القناة، لكنّ أحدا من هؤلاء لم يذهب إلى حد التفكير، ولو للحظة واحدة، في تأميمها. وكانوا فقط يفكرون فقط في التجهيز لما يجب عمله فور انتهاء أجل الامتياز في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1968، وهو يثني أيضاً على مواقف محددة لحكومة الوفد ومصطفى النحاس، لكنه يسجل أن وزير المالية والداخلـية آنذاك وهو محمد فؤاد سراج الدين، وهو صاحب أكبر نفوذ في حكومة الوفد وقتئذ، كانت له تصريحات عجيبة بالنسبة لموضوع التأميم. فقد زار باريس، فأولمت له شركة قناة السويس في سنة 1951، وسأله الصحافيون هناك عما يقال عن احتمال تأميم قناة السويس، فاستنكر الدعوة، وحمل عليها حملة شديدة، وأكد أن الحزب الذي ينتمي إليه، ويشغل فيه منصب السكرتير العام، لن يفكر قط في تأميم الشركة، مؤكداً أن الشركة ستكمل المدة المتبقية من عقد الامتياز.

وفي مذكراته يوضح الحفناوي سبب اهتمامه بقناة السويس، ويذكر أنه سمع وهو صغير أن له جدا اسمه عبد الله كان واحدا من عمال السخرة الذين شاركوا في حفر القناة، وهرب من هناك ولم يعد إلى قريته «حفنة» التابعة لمحافظة الشرقية، بل ذهب إلى مدينة الزقازيق، حتى لا يتم القبض عليه وإعادته مرة أخرى إلى العمل. ولم يشفع له كونه حفيدا للشيخ محمد سالم الحفناوي شيخ الأزهر، وهناك اشتغل مع تاجر قطن يوناني حتى يوفر له الحماية بوصفه أجنبيا لا يجوز تفتيش محل عمله، وبعد وفاة التاجر اليوناني ورث عنه تجارته، ثم أفلس بعد الحرب العالمية الأولى، وشراء المصانع القطن بثمن بخس، وذكر الحفناوي أن وعيه تشكل في مناخ كان يتنفس ثورة 1919.

وذكر صاحب المذكرات أن الرئيس الراحل عبد الناصر حين قرر تأميم شركة قناة السويس، واختاره تكريما للجهود الضخمة التي بذلها في هذه القضية وعهد إليه بأن يكتب مشروع قرار جمهوري بتأميم الشركة، كان في نيته أن يلقيه بميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو (تموز) سنة 1956، لكن بعد حديث طويل بينه وبين عبد الناصر امتد إلى وقت متأخر من الليل، انتهت المقابلة بأمر من الرئيس بأن يلقاه في الليلة التالية، ومعه مشروع القرار الجمهوري، وفي الساعة عينها. وقد تمت المقابلة في الليلة التالية بحجرة الرئيس بمبنى قيادة الثورة بالجزيرة، وكان الأمر المشدد الذي صدر له هو ألا يعرف كائن من كان أنه موجود بالقاهرة؛ وذلك مراعاة لأقصى درجات السرية.

ويذكر الحفناوي أنه بقي منقطعا عن العالم، مختفيا بين جدران سكنه بالقاهرة حتى الدقيقة التي تحدث فيها الرئيس عبد الناصر وأعلن القرار، فانتقل إلى مقر شركة القناة في جاردن سيتي، ودار حديث حاد بينه وبين الكونت دي جراييه، الرئيس المحلي للشركة بمصر، حتى حضور قوة الشرطة المكلفة بتنفيذ إجراء التأميم بمقر القاهرة، وهناك فتح محضر لأول مجلس إدارة مصري لقناة السويس وكان عضوا فيه، إلى جانب عضوية مجلس إدارة هيئة قناة السويس، ورئيس جهازها القانوني.

وهاجم الحفناوي الكاتب محمد حسنين هيكل لأنه تقصد تجاهل اسمه، مشيرا إلى أن هيكل «تبرع بكلمة خاطفة في سطر أو سطرين، حين تعرض لتأميم شركة قناة السويس، فذكر أن الرئيس الراحل «يقصد عبد الناصر» كان قد استعان بمحام جعله في حجرة مجاورة، وعهد إليه بكتابة وثائق التأميم». وفات هيكل أن كبريات صحف العالم، في إنجلترا وفرنسا وأميركا بالذات، ألقت أضواء شديدة على هذا المحامي الذي تعمد هيكل إغفال اسمه. فقد ظهر في لندن مطبوع عن قناة السويس، ترجمته مصلحة الاستعلامات في مصر في حينه، وتضمن أسماء أعضاء أول مجلس إدارة لهيئة القناة. وقد وردت عبارة في ذلك المطبوع، تقول بالحرف الواحد «على أن التعيين الوحيد في هذا المجلس الذي له مغزى هو تعيين مصطفى الحفناوي».

وذكر الحفناوي أن هيكل فاته ما قاله جمال عبد الناصر، في لقاء عقد مساء 23 يوليو سنة 1956، وسمعه اثنان حضرا بداية هذا اللقاء، أحدهما علي صبري، والآخر إبراهيم الطحاوي، ومفاده أن الدكتور الحفناوي صار جزءا من التاريخ، وبعلمه وجهده الضخم يتم تأميم الشركة وتحرير القناة، كما أن ناصر ذكره بعد التأميم بسنوات في حديث له لصحيفة «الأوبزرفاتور» الفرنسية، وفي أحاديث أخرى مع مصريين وأجانب.

جهد الحفناوي في استقصاء قضية قناة السويس لم يكن بسيطا، واستمر لأكثر من اثني عشر عاما، سبقت التأميم، وفي تفاصيلها الكثير من الإثارة. وقد دعته دار نشر كبرى في نيويورك وعرضت أن تتحمل نفقات سفره، للتعاقد على كتاب يتضمن تلك الذكريات، ولم يتفق معها، ثم تكرر العرض، بل تم التعاقد بالفعل مع دار من أكبر دور النشر في بريطانيا وعصف العدوان الصهيوني في 5 يونيو (حزيران) 1967 بالعقد، فاعتذرت الدار عن طبع الكتاب. وقد حملته أسباب متعددة على البعد عن الأضواء، وأن يلوذ، مثلما يقول بصمت عميق. وأشار المؤلف إلى أن هناك أسرارا خطيرة لا يمكن أن تخفى عن الناس أو تسقط، وهي ملك التاريخ، وفي محفوظات شركة قناة السويس السرية التي وضع رجال الثورة عليها أيديهم، بعد التأميم مباشرة، ما لم يعرفه أحد حتى الآن عن الكيفية التي كانت تحكم بها مصر وقتها، وتدار بها من مكاتب شركة قناة السويس في لندن وباريس وقصر الدوبارة والإسماعيلية، وفي هذه الملفات «أسرار يشيب لها الجنين».


مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة