دهاليز قناة السويس

الطبعة العربية من مذكرات الحفناوي الذي كتب مشروع قرار تأميم الشركة

جمال عبد الناصر بعد تأميم القناة 1956
جمال عبد الناصر بعد تأميم القناة 1956
TT

دهاليز قناة السويس

جمال عبد الناصر بعد تأميم القناة 1956
جمال عبد الناصر بعد تأميم القناة 1956

تصدر قريبا عن دار ميريت المصرية للنشر النسخة العربية من مذكرات الدكتور مصطفى الحفناوي، كاتب قرار تأميم قناة السويس والذي استعاد أهم وثيقة تأسيسية للشركة، صدق عليها السلطان العثماني كامتياز لحفرها. وكانت الإدارة الفرنسية هربتها إلى مقرها في باريس، وهي تشير إلى أن مشروع القناة تحكمه شركة مساهمة مصرية، وليست ذات طابع دولي كما ظل الفرنسيون يدعون.
وقسم الحفناوي مذكراته - التي كانت الطبعة الفرنسية منها قد صدرت قبل عام وكان من المقرر أن تصدر الطبعة العربية متزامنة مع الفرنسية لكن هذا لم يحدث - إلى سبعة أجزاء تحدث فيها عن بداية علاقته بالقناة، ومعرفته بقضيتها، ثم بداية نضاله في باريس ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وتكوين رابطة قومية هدفها «إحياء فكرة الكفاح ضد المغتصبين، ودعوة الشباب لطرد آخر جندي بريطاني من وادي النيل، وجعل مصر كاملة الحرية لا يحدها احتلال أو حماية أو شبه حماية أو أي أثر من آثار التسلط الأجنبي». وهو يرى في مذكراته أن الأساس الذي يجعل دول أوروبا حريصة على استمرار احتلال مصر هو قناة السويس، فخطط لدراسة مشروعها، من زاوية القانون الدولي، وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس لإثبات أن الشركة شأن مصري، ومن حق الحكومة المصرية التصرف فيها، بعد أن تبين أن عقد الشركة الذي وقع عليه السلطان العثماني يشير إلى أنها شركة مساهمة مصرية.
ويكشف الحفناوي أن كثيرين من رجال السياسة في مصر لم يكونوا حريصين على استرجاع القناة، ومنهم سعد زغلول الذي قدم مشروع مد الامتياز، حين كان عضوا في وزارة بطرس باشا غالي، وهي حكومة خاضعة للمحتل الإنجليزي، كما تحدث الحفناوي عن مواقف الملك فاروق في القضية، وبعض وزرائه، ومنهم علي ماهر، وامتدح هذه المواقف لأنها لم تكن موالية لشركة قناة السويس، بل كانت على عكس ذلك تماما، تسعى لاسترجاع القناة، لكنّ أحدا من هؤلاء لم يذهب إلى حد التفكير، ولو للحظة واحدة، في تأميمها. وكانوا فقط يفكرون فقط في التجهيز لما يجب عمله فور انتهاء أجل الامتياز في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1968، وهو يثني أيضاً على مواقف محددة لحكومة الوفد ومصطفى النحاس، لكنه يسجل أن وزير المالية والداخلـية آنذاك وهو محمد فؤاد سراج الدين، وهو صاحب أكبر نفوذ في حكومة الوفد وقتئذ، كانت له تصريحات عجيبة بالنسبة لموضوع التأميم. فقد زار باريس، فأولمت له شركة قناة السويس في سنة 1951، وسأله الصحافيون هناك عما يقال عن احتمال تأميم قناة السويس، فاستنكر الدعوة، وحمل عليها حملة شديدة، وأكد أن الحزب الذي ينتمي إليه، ويشغل فيه منصب السكرتير العام، لن يفكر قط في تأميم الشركة، مؤكداً أن الشركة ستكمل المدة المتبقية من عقد الامتياز.
وفي مذكراته يوضح الحفناوي سبب اهتمامه بقناة السويس، ويذكر أنه سمع وهو صغير أن له جدا اسمه عبد الله كان واحدا من عمال السخرة الذين شاركوا في حفر القناة، وهرب من هناك ولم يعد إلى قريته «حفنة» التابعة لمحافظة الشرقية، بل ذهب إلى مدينة الزقازيق، حتى لا يتم القبض عليه وإعادته مرة أخرى إلى العمل. ولم يشفع له كونه حفيدا للشيخ محمد سالم الحفناوي شيخ الأزهر، وهناك اشتغل مع تاجر قطن يوناني حتى يوفر له الحماية بوصفه أجنبيا لا يجوز تفتيش محل عمله، وبعد وفاة التاجر اليوناني ورث عنه تجارته، ثم أفلس بعد الحرب العالمية الأولى، وشراء المصانع القطن بثمن بخس، وذكر الحفناوي أن وعيه تشكل في مناخ كان يتنفس ثورة 1919.
وذكر صاحب المذكرات أن الرئيس الراحل عبد الناصر حين قرر تأميم شركة قناة السويس، واختاره تكريما للجهود الضخمة التي بذلها في هذه القضية وعهد إليه بأن يكتب مشروع قرار جمهوري بتأميم الشركة، كان في نيته أن يلقيه بميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو (تموز) سنة 1956، لكن بعد حديث طويل بينه وبين عبد الناصر امتد إلى وقت متأخر من الليل، انتهت المقابلة بأمر من الرئيس بأن يلقاه في الليلة التالية، ومعه مشروع القرار الجمهوري، وفي الساعة عينها. وقد تمت المقابلة في الليلة التالية بحجرة الرئيس بمبنى قيادة الثورة بالجزيرة، وكان الأمر المشدد الذي صدر له هو ألا يعرف كائن من كان أنه موجود بالقاهرة؛ وذلك مراعاة لأقصى درجات السرية.
ويذكر الحفناوي أنه بقي منقطعا عن العالم، مختفيا بين جدران سكنه بالقاهرة حتى الدقيقة التي تحدث فيها الرئيس عبد الناصر وأعلن القرار، فانتقل إلى مقر شركة القناة في جاردن سيتي، ودار حديث حاد بينه وبين الكونت دي جراييه، الرئيس المحلي للشركة بمصر، حتى حضور قوة الشرطة المكلفة بتنفيذ إجراء التأميم بمقر القاهرة، وهناك فتح محضر لأول مجلس إدارة مصري لقناة السويس وكان عضوا فيه، إلى جانب عضوية مجلس إدارة هيئة قناة السويس، ورئيس جهازها القانوني.
وهاجم الحفناوي الكاتب محمد حسنين هيكل لأنه تقصد تجاهل اسمه، مشيرا إلى أن هيكل «تبرع بكلمة خاطفة في سطر أو سطرين، حين تعرض لتأميم شركة قناة السويس، فذكر أن الرئيس الراحل «يقصد عبد الناصر» كان قد استعان بمحام جعله في حجرة مجاورة، وعهد إليه بكتابة وثائق التأميم». وفات هيكل أن كبريات صحف العالم، في إنجلترا وفرنسا وأميركا بالذات، ألقت أضواء شديدة على هذا المحامي الذي تعمد هيكل إغفال اسمه. فقد ظهر في لندن مطبوع عن قناة السويس، ترجمته مصلحة الاستعلامات في مصر في حينه، وتضمن أسماء أعضاء أول مجلس إدارة لهيئة القناة. وقد وردت عبارة في ذلك المطبوع، تقول بالحرف الواحد «على أن التعيين الوحيد في هذا المجلس الذي له مغزى هو تعيين مصطفى الحفناوي».
وذكر الحفناوي أن هيكل فاته ما قاله جمال عبد الناصر، في لقاء عقد مساء 23 يوليو سنة 1956، وسمعه اثنان حضرا بداية هذا اللقاء، أحدهما علي صبري، والآخر إبراهيم الطحاوي، ومفاده أن الدكتور الحفناوي صار جزءا من التاريخ، وبعلمه وجهده الضخم يتم تأميم الشركة وتحرير القناة، كما أن ناصر ذكره بعد التأميم بسنوات في حديث له لصحيفة «الأوبزرفاتور» الفرنسية، وفي أحاديث أخرى مع مصريين وأجانب.
جهد الحفناوي في استقصاء قضية قناة السويس لم يكن بسيطا، واستمر لأكثر من اثني عشر عاما، سبقت التأميم، وفي تفاصيلها الكثير من الإثارة. وقد دعته دار نشر كبرى في نيويورك وعرضت أن تتحمل نفقات سفره، للتعاقد على كتاب يتضمن تلك الذكريات، ولم يتفق معها، ثم تكرر العرض، بل تم التعاقد بالفعل مع دار من أكبر دور النشر في بريطانيا وعصف العدوان الصهيوني في 5 يونيو (حزيران) 1967 بالعقد، فاعتذرت الدار عن طبع الكتاب. وقد حملته أسباب متعددة على البعد عن الأضواء، وأن يلوذ، مثلما يقول بصمت عميق. وأشار المؤلف إلى أن هناك أسرارا خطيرة لا يمكن أن تخفى عن الناس أو تسقط، وهي ملك التاريخ، وفي محفوظات شركة قناة السويس السرية التي وضع رجال الثورة عليها أيديهم، بعد التأميم مباشرة، ما لم يعرفه أحد حتى الآن عن الكيفية التي كانت تحكم بها مصر وقتها، وتدار بها من مكاتب شركة قناة السويس في لندن وباريس وقصر الدوبارة والإسماعيلية، وفي هذه الملفات «أسرار يشيب لها الجنين».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً