فيينا تحتفي عاماً كاملاً بالذكرى الـ250 لولادة بيتهوفن

تستعيد مسيرة حياته بفعاليات رسمية تطال 68 موقعاً أثرياً للموسيقار الألماني

TT

فيينا تحتفي عاماً كاملاً بالذكرى الـ250 لولادة بيتهوفن

استقبلت فيينا العام الجديد بألحان وأنغام الموسيقار العالمي بيتهوفن، ضمن مختارات حفلها السنوي الذي تحييه فرقة «فيينا فيلهارمونيكا» في قاعة «الميوزيك فراين» في 1 يناير (كانون الثاني)، الذي نُقل مباشرة لأكثر من 90 دولة وشاهده الملايين حول العالم. لتتواصل الحفلات والفعاليات والبرامج في المدينة طيلة عام 2020، احتفاءً بالذكرى الـ250 لمولد الموسيقار الألماني الذي أحب فيينا وعاش فيها 35 سنة.
ولد لودفيغ فان بيتهوفن في مدينة بون الألمانية 16 ديسمبر (كانون الأول) 1770، وانتقل وهو في الـ22 من عمره إلى فيينا، حيث تعلم وألّف واشتهر ومات ودفن 26 مارس (آذار) 1827.
ظلت فيينا دائماً في مخيلة بيتهوفن وعائلته، كونها مدينة الموسيقى، حيث الموسيقار الكلاسيكي الأشهر موزارت، الذي بزغت موهبته، وهو طفل يانع، كما بزغت موهبة بيتهوفن، وإن تجاوز عمر موزارت قليلاً.
سهلت منحة حكومية سفر بيتهوفن إلى فيينا بهدف دراسة الموسيقى على يد موزارت، لكنّه لم يصلها حتى وصله خبر مرض أمّه التي أحبها حباً لا يوصف، وقال فيها «أروع الألحان ما تعزفه الأمهات»، لذلك عاد إلى بون وعندما رجع بعد عامين كان موزارت قد مات، فأمسى لصيقاً بأستاذه جوزيف هايدن، ثم اختلف معه، فواصل تعليمه على أيدي آخرين من مشاهير ذلك الزمان.
لا بدّ من ذكر أنّ أوّل معلم لبيتهوفن كان والده، الذي تملكته رغبة قوية بأن يكون ابنه بمثابة موزارت ألمانيا. ولهذا قطع على ابنه التعليم النظامي، مفضلاً له تعلّم العزف على البيانو والكمان، وظلّ يدفعه للتّمرن باستمرار من دون توقف، ويُقال بأنّه كان يضربه ويحبسه حتى يكمل تمرينه.
عانى بيتهوفن كثيراً في سنوات حياته الأولى، خصوصاً بعدما وفاة جده، وهو كان لا يزال في الرابعة من عمره. ساءت أوضاعهم المعيشية، وعاقر والده الخمر، فاضطر للعمل لمساعدة أسرته.
بعد وفاة والدته، استطاب له العيش في فيينا، حيث برزت موهبته بكل وضوح، واشتهر على نطاق واسع. لم يكن بيتهوفن مجرد مؤلف، بل كان ملحناً وعازفاً، كما عرف بثورته الموسيقية فقد أدخل الكثير من التغييرات عليها، لدرجة أنّ بعض أعماله احتاجت وقتاً ليستوعبها عامة الشّعب. وعلى الرّغم من غلاظته، إلّا أنّه كان موسيقياً بالغ الرومانسية، ووصفت بعض مؤلفاته بأنّها لن تتكرر، وبأنّها مشحونة بقدرات وصفية متنوعة تفوق حتى التعبير بالمخطوطات واللوحات.
ومن أشهر أعمال بيتهوفن، 9 سيمفونيات، و5 مقطوعات على البيانو والكمان، و32 سوناتاً على البيانو، و16 مقطوعة رباعية وترية، كما له عمل أوبرالي وحيد بعنوان «فيديليو»، استمد أحداثه من الثورة الفرنسية. وحسب خبيرة، في حديث أخير لمحطة «أو أر اوف» النمساوي، فإنّهم لا يزالون يكتشفون جديداً فيها.
وفيما كان البيانو الغرام الأول لبيتهوفن، إلّا أنّ كثيراً من أعماله غير المنفردة، تفسح المجال لإظهار روعة وحلاوة معظم الآلات الموسيقية من فاجوت وفلوت وكلارينت وأبواق وطبول وكمانات وآلات وترية، ونجح نجاحاً فائقاً في دمج أصواتها.
لم يكن بيتهوفن مهندماً، أو منظماً، كما لم يكن رقيقاً أو صبوراً، بل العكس تماماً، فقد كان مضطرباً ناقماً يصعب التعامل معه؛ لكنّه وبشهادة جميع الموسيقيين «عبقري غير مسبوق».
في تعليق للأديب الألماني الشهير، يوهان ولفقانغ فون غوته، بعد أول لقاء جمعه مع بيتهوفن، قال إنّ «موهبته فاجأتني، لكنّ شخصيته لم تُروّض»، مواصلاً أنّ «التفكير في ترويض وتعليم بيتهوفن سيكون وقاحة، حتى لو لديكم رؤية أكبر من رؤيتي، لأنّه يمتلك عبقرية نادرة، بينما يجلس البقية في ظلام دامس بالكاد يشتبهون في الاتجاه الذي سينطلق منه الضوء».

- ترحال مستمر
خلال الـ35 سنة التي عاشها بيتهوفن في فيينا، ترك آثاراً وذكريات في مواقع جمّة لا يزال بعضها باقياً على حاله.
وكعادة فيينا مع مشاهيرها، وحرصها على تخليدهم، زاد الاهتمام، حيثما كان بيتهوفن، الذي يقال إنه قد تنقل بين 68 منزلاً لأكثر من سبب؛ أوّلها أنّه في بعض الأحيان كان يسكن في ثلاثة منازل، في فترة زمنية واحدة ويتنقّل بينها، بحثاً عن موقع يختبئ فيه ويرتاح إليه، ليُبدع في تأليف موسيقاه.
ومما يذكر عن أسباب تنقلاته، كثرة نزاعاته مع الجيران، ليس فقط بعدما ضعف سمعه في منتصف العشرينيات من عمره، واستمراره بالتأليف حتى عندما فقد سمعه بالكامل، وإنما قبل ذلك أيضاً، بسبب طريقته في الحياة وفوضويته فلم يكن من المهتمّين بالنظام ولا النظافة.
وتشير مصادر إلى أنّه قد طرد مرات عديدة، لعدم تسديده إيجار منزله، وإنّ سيمفونيته الخامسة، التي قال عنها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، إنّها «السيمفونية الوحيدة التي تعبّر عن كامل المشاعر الإنسانية»، وقد استقاها بينما كان مختبئاً من مالك المنزل الذي هاجمه بطرقات قوية على الباب، طرقة واثنتان وثلاث أربع، وبيتهوفن في الدّاخل يرتجف خوفاً لعدم قدرته على تسديد إيجار المنزل، وخشية من تقدم المالك بشكوى ضدّه أمام الشرطة ومن الفضيحة.
وعلى ما يبدو، فإنّ الترحال كان جزءاً صميماً في حياة بيتهوفن، بما في ذلك بحثه عن مواقع طبيعية أكثر جمالاً ورومانسية تساعده على التأليف. فلم يكن يملك أثاثاً، ولا شيئاً ذا قيمة، فكلّ ما كان يملكه هي بعض آلات البيانو، وقد أرسل له معجب من لندن، آلة بيانو ظلت تجول طيلة عام كامل، لأنّ المعجب صاحبها لم يكن يحظى بعنوان الموسيقار الكبير.
قد لا يكون هذا التنقل الذي عاشه بيتهوفن مضراً لمسيرة حياته اليوم، فقد زاد ترحاله من عدد متاحفه في المدينة. فهناك 16 منزلاً من أصل 27 آخرين، موثقة، كان قد سكنها داخل أسوار المدينة القديمة، الأمر الذي زاد من دائرة المواقع التي تحتفي بذكرى ميلاده.

- غوته والنبلاء
زار بيتهوفن الكثير من القصور، وعزف في صالاتها، خصوصاً بعدما اشتهر صيته وذاع. وكان دوماً بصحبة النبلاء، وفي دخيلة نفسه لم يكن يحترمهم. وفي هذا السياق تشير مراجع أنّه كان سائراً ذات يوم برفقة أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، وهو يوهان غوته، وصادفا في الطريق عدداً من النبلاء تنحى لهم غوته بكل ذوق، مفسحاً لهم الطريق، فيما واصل بيتهوفن سيره من دون أدنى اهتمام. وعندما سأله غوته عن رأيه بالنبلاء، أجاب: «هم كثر أمّا أنا وأنت فليس هناك غيرنا»، مضيفاً: «هواء البلاط يناسبك أكثر مما يناسب أي شاعر آخر»، هذه الجملة أغضبت غوته، وتسببت بفراق الشاعر والموسيقار رغم الصداقة التي جمعتهما.

- نظارات وحفلات مجانية
ضمن فعاليات 2020، عام بيتهوفن، لم تكتف الجهات المسؤولة عن سياحة فيينا بنشر خرائط توضح أهم مزارات بيتهوفن فحسب، بل أشارت أيضاً إلى مقبرته الموجودة داخل المقابر المركزية؛ حيث نقلت رفاته، وكانت قد دُفنت بعد وفاته في مقبرة بسيطة.
إلى ذلك وُفّرت نظارات تعمل بواسطة تطبيق خاص يمكن تحميله في جوالات ذكية لجولة باللغة الإنجليزية وزيارة مواقع من تلك التي ارتبطت ببيتهوفن. بمتابعة ذلك التطبيق يحصل المرء على معلومات وفيرة، كما تتاح نزهة ممتعة في أجمل شوارع فيينا. كل المطلوب بطاقة شخصية كضمان لإعادة النظارة.
بجانب الحفلات الموسيقية التي لن تنقطع طيلة العام، بما في ذلك حفلات مجانية كالتي ستُنظّم في ميدان «هيلدن بلاتز» وسط فيينا يوم 8 مايو (أيار)، والحفل الصيفي في «قصر الشونبرون» في 21 من الشهر نفسه، تنظم متاحف من أكبر متاحف المدينة برامج خاصة بالمناسبة منها معرض «بيتهوفن يتحرك»، الذي يقام في متحف «تاريخ الفنون،» وهو عمل مرئي عبارة عن رسومات متحركة ومنحوتات ومقاطع أفلام وفيديوهات تبني جسراً بصرياً من أيام بيتهوفن، حتى يومنا هذا، خلال الفترة ما بين 25 مارس (آذار) إلى 5 يوليو (تموز).

- بيت الموسيقى وتجربة الصمم
من جانبه، ينظم بيت الموسيقى معرضاً يضم مقتطفات من أشهر مؤلفات بيتهوفن، بالإضافة لتصاميم لأوبرا «فيدليو»، وهي الأوبرا الوحيدة التي ألفها بيتهوفن.
ويتيح المعرض للزائر فرصة تجربة معاناة بيتهوفن لدى فقدانه سمعه تدريجياً، وإصابته بالهلع والألم الذي أصابه، ويقال إنه بعد فقدانه الكامل لسمعه كان يجلس أرضاً ليشعر ويحس باهتزازات البيانو، وقد حاول جاهداً إخفاء مصيبته، إلّا أنّ الأمر انكشف من دون أن يقلل من الإعجاب بموهبته وقدراته. وقد بذل جمهوره جهوداً، عند أول حفل لسيمفونيته التاسعة، لتأكيد إعجابهم بموسيقاه، ليس بالتصفيق الذي لن يسمعه بيتهوفن، وإنّما بحركات الأيدي ورمي وقذف القبعات في الهواء، مع رسم البسمات وعلامات الفرح والتقدير. ولبيت الموسيقى معرضان آخران؛ يتناول أولهما بيتهوفن كـ«ظاهرة»، فيما يتناول الثاني أعماله من وجهة نظر حديثة، مع جولات مصحوبة بمرشدين، وتجري تحضيرات لتزويد أماكن عامة ومدارس ببعض أعماله لمزيد من الإمتاع والنشر.

- بيتهوفن والطبيعة
بمناسبة يوم الأرض العالمي، في 22 أبريل (نيسان)، الذي يستهدف الاهتمام بالبيئة والطبيعة، هناك أيضاً مشاركة خاصة باسم بيتهوفن، الذي عرف بحبه للطبيعة، وله مسار معروف داخل غابة فيينا كان يطرقه متأملاً ومستمتعاً بالهدوء والسكينة والخضرة وزقزقة العصافير. وحتى عندما فقد نعمة السمع تماماً، ظل يهيم وسط الغابة يدندن بصوت عالٍ خشية إزعاج الآخرين.
ويعتبر منزل بيتهوفن الذي سكنه طيلة ثمان سنوات في حي هيلغان اشتات، وليس بعيداً عن الغابة، أهم وأكبر متاحفه.
في هذا المنزل، ألّف سيمفونيته الثالثة باسم «البطولية» وأهداها إلى نابليون بونابرت، من ثمّ سحبها منه، بعدما أعلن بونابرت نفسه إمبراطوراً. ويقال إنه قد شتمه لانحرافه عن مبادئ الثورة الفرنسية. وكان بيتهوفن ليبرالياً توّاقاً ومحبّاً للثوار يعشق الحرية حتى في معزوفاته وأعماله الفنية وطريقة حياته.

- لوحة «فريزي بيتهوفن»
يعتبر تمثال بيتهوفن جالساً قبالة شارع الرنق مواجهاً معهد غوته، وليس بعيداً عن متحف «السيسيون» للفن الانفصالي، حيث شيدت في عام 1986 غرفة خاصة للوحة «فريزي بيتهوفن» التي رسمها الفنان النمساوي الشهير غوستاف كليمت عام 1901، بمناسبة معرض خاص بالمجموعة الانفصالية، التي أسست فكرة «الفن الحر الحديث»، وتكريماً لبيتهوفن.
عُرضت اللوحة خلال الفترة من 15 أبريل حتى 27 يونيو (حزيران) 1902، ثم طبقت في 7 أجزاء، ولم تعرض مرة أخرى حتى نهاية ثمانينات القرن العشرين بعدما اشترتها الحكومة النمساوية.
طول اللوحة متران، وعرضها 34 متراً، وتزن 4 أطنان. رُسمت بأسلوب كليمت، وتفسير ريتشارد فاغنر للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن تعبيراً عن المعاناة البشرية والطموحات والإغراءات والأخطار والقوى الشريرة المعادية والتوق للرضا والحب والأمان. ولشهرتها طبع شكل منها على واجهة ميدالية من فئة الـ100 يورو باسم المتحف الشهير الذي تعلوه قبة من أوراق نباتية مطلية بماء الذهب.

- قواسم ومتوازيات العمالقة
من فعاليات العام احتفاءً بالذكرى الـ250 لمولد بيتهوفن، هنا أيضاً معرض ينظمه متحف «بيت موزارت» عن عمالقة عصر الموسيقى الكلاسيكية، هايدن وموزارت وبيتهوفن، عن القواسم المشتركة بينهم والمتوازيات والأضداد بعنوان «مدرسة فيينا الأولى». ومعلوم أنّ هايدن وموزارت كانا صديقين حميمين، فيما ساءت العلاقة بين بيتهوفن ومعلمه هايدن.
إلى ذلك، ينظم «متحف ليوبولد» في الفترة من 30 مايو إلى 21 سبتمبر (أيلول)، معرضاً عن العلاقة التي ربطت بين بيتهوفن وفناني حركة الانفصال، ويوصف بيتهوفن بأنّه فنان حر أدخل بدوره تغييرات فاصلة على الموسيقى الكلاسيكية ما اعتبر حينها، ثورة، لا سيما في أعماله الأخيرة بعدما قرّر الانطلاق بعيداً عن سماوات الموسيقى التي كانت سائدة ومؤلفات موزارت وهايدن.
ومن أشهر التغييرات التي أقدم عليها بيتهوفن إضافته الغناء الكورالي لسيمفونيته التاسعة، وذلك مما حدث لأول مرة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية.
كما اشتهر بيتهوفن بوضعه شروطاً للعزف في الحفلات الأرستقراطية، وعدم إلزامه بملابس السهرة والتقيد بنوع معين من اللبس، أو تسريحة شعره الذي كان طويلاً غير مصفف.

- عشيقات وملهمات... ولكن
بدورها، كانت المكتبة الوطنية النمساوية قد افتتحت منتصف ديسمبر (كانون الأول) جناحاً خاصاً يستمر حتى 19 أبريل، بعنوان «عالم الإنسان وشرر الآلهة»، يضم 130 رسالة من رسائل بيتهوفن ومخطوطات بما في ذلك صفحات من السيمفونية التاسعة.
بجانب المزيد والمثير من معلومات عن بيتهوفن وأعماله ملقياً الضوء على علاقاته مع المشاهير ممن عاصروه وكذلك مع تلاميذه ومعلميه.
ومن الحكايات، ما يتضمنه الجناح عن المرأة في حياة بيتهوفن، وكيف ألهمته، ومن عشق، ولماذا لم يتزوج، خصوصاً وقد تكررت غرامياته، وكانت له أكثر من قصة حب، ولم يسعد كثيراً في حياته العاطفية، على الرغم من وصف إحداهن له بأنّه كان ودوداً وروحه خفيفة، وحديثه لا يملّ، كما أنّه كان مهذباً. هذا الوصف الذي ينافي ما عرف عن بيتهوفن عند العموم، جاء على لسان أشهر حبيباته وملهماته، وهي تلميذته الكونتيسة جوزفين برونسفيك دي كورومبا، التي رفضت والدتها زواجه منه، لسبب تواضع أصله، وزوجتها لنبيل ثري.
وبعد
هذه وتلك، مما أشرنا إليه أعلاه، جزء من الفعاليات الرسمية، وبالطبع نتوقع اتساع إحياء ذكرى بيتهوفن بإعادة مظهره والبحث عن مقاهٍ كان يرتادها ولا تزال تعمل في فيينا، التي تحافظ على الكثير من مواقعها القديمة حتى تلك التي ظهرت قبل قرون. وفي هذا السياق، قد تظهر مثلجات وحلويات ومأكولات باسم بيتهوفن، بالإضافة لابتكارات وبرامج جديدة، منها رحلات سياحية مخفضة من مسقط رأسه في مدينة بون الألمانية وصولاً إلى فيينا.


مقالات ذات صلة

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

رياضة عالمية النمساوي ديفيد ألابا (د.ب.أ)

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

خضع النمساوي ديفيد ألابا، للفحص الطبي في العاصمة الإيطالية روما، وسيسافر إلى الشمال من أجل توقيع عقد جديد مع نادي أودينيزي.

«الشرق الأوسط» (أوديني (إيطاليا))
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث الموضوعات المشتركة مع النمسا وترينيداد وتوباغو

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، والترينيدادي والتوباغي شون سوبرز المستجدات الإقليمية والموضوعات المشتركة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
TT

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)
قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة، بعد ثمانية أيام من الفعاليات التي حملت اسم الفنانة الراحلة سناء جميل، وشملت تقديم 13 عرضاً مسرحياً من مصر، وعدد من الدول العربية، والأجنبية، إلى جانب ورش، وندوات، وفعاليات فكرية، وحوارية.

وشهدت فعاليات الختام العرض المسرحي البريطاني «مجوهرات ضخمة»، إلى جانب الإعلان عن الفائزين في مسابقة «فتحية العسال» للنصوص المسرحية، التي ينظمها المهرجان بالتعاون مع دار «ريشة للنشر» للعام الثاني، وبلغ عدد النصوص المشاركة 54 نصاً، تنافست في مسارين؛ الأول للمحترفين من الكاتبات، والكُتّاب، والثاني للمبتدئات من النساء.

وفاز في مسار المحترفين نص «حفرة» لإسلام فرغلي، و«هي وما جرى لها» لمجدي مصطفى القوصي، وهو نص مونودراما، و«نساء القمر» لداليا بسيوني. وفي مسار المبتدئات، ذهبت النتائج إلى «خضاب روح» لسمر المليجي، و«القشة» لنور الهدى طاهر محمد الصغير، و«كانيلوني» لسارة قاسم، ومن المقرر أن تجمع النصوص الفائزة في كتاب يصدر عن دار «ريشة للنشر»، ويُطرح ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.

شهد حفل الختام إعلان أسماء الفائزين بجوائز الكتابة (إدارة المهرجان)

وقالت رئيسة المهرجان، عبير لطفي، إن الدورة الرابعة لم تقتصر على تقديم العروض، وإنما فتحت مساحات للإبداع، والتعلم، وتطوير التجارب الجديدة، عبر حاضنة «نهاد صليحة» التي ساعدت عروضاً على الخروج للنور، بالإضافة إلى الورش، والندوات، ومسابقة «فتحية العسال» للتأليف المسرحي في إطار مواصلة المهرجان دعم الكتابة المسرحية، وطرح تجارب النساء في الفن.

وشهد ختام المهرجان تقديم العرض البريطاني «مجوهرات ضخمة» (Chunky Jewellery) والذي يعيد النظر في الطريقة التي نعيش بها، والأحداث التي يصعب تجاوزها، عبر عام واحد في حياة امرأتين، يحمل ولادتين، وموتاً، ومرضاً، وانفصالاً، وأسئلة عن الأمومة، والفقد، لتتحول خشبة المسرح إلى مساحة تتجاور فيها المواقف الصغيرة مع اللحظات التي تقلب حياة الإنسان، من دون فصل واضح بين ما هو مؤلم وما هو ساخر، أو بين الانهيار ومحاولة مواصلة اليوم التالي.

العمل الذي ينطلق من تجارب حقيقية عاشتها بطلتاه، ومن جلسات جمعتهما حول موائد مطبخهما في «غلاسكو» البريطانية، جرى تحويله إلى مادة مسرحية تسمح للجمهور بالدخول إلى تفاصيل شديدة الحميمية، من أعياد الميلاد، والوجبات، والمواقف العائلية، وصولاً إلى المرض، والوداع.

ويشارك في ابتكار وأداء العرض الثنائي جود ويليامز وناتاشا غيلمور، فيما يتولى بن ديوك الإخراج، والمشاركة في الابتكار، واختار صناع العرض ألا يضعوا هذه التجارب تحت ثقل الدراما وحدها، فمن خلال الرقص، والحكي، والكوميديا، والأغاني تضمن العرض طرقاً مختلفة لاستعادة ما حدث، وأحياناً للهروب منه.

تناول العرض جانباً حقيقياً من حياة بطلتيه (إدارة المهرجان)

وقالت بطلة العرض والمشاركة في ابتكاره ناتاشا غيلمور لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة العمل بدأت بشكل عفوي بينها وبين صديقتها جود ويليامز، بعدما حصلت في عيد ميلادها على قلادة كبيرة الحجم، ما دفعهما إلى المزاح حول تقديم عرض يحمل اسم «مجوهرات ضخمة» تطور لاحقاً إلى رغبة في تقديم حكايات عن نساء في مرحلة عمرية لا تحظى بالمساحة نفسها في القصص، بعيداً عن صورة البطلة الشابة ذات الحكاية الرومانسية.

وأوضحت غيلمور أن «العرض نشأ من رغبة في الاحتفاء بالصداقة، والحب الذي ينشأ بين الأصدقاء، وليس فقط الحب الرومانسي»، مشيرة إلى أن العمل يتناول مرحلة من الحياة تصبح فيها التجارب أكثر تعقيداً، مع التعامل مع وفاة الوالدين، والأطفال الصغار، والعمل، وغيرها من المسؤوليات. لافتة إلى أن قوة الصداقة بينهما كانت جزءاً أساسياً من الحكاية، وأرادتا الاحتفاء بهذا النوع من العلاقات التي توفر للنساء الدعم في مراحل صعبة من حياتهن.

وأكدت أن العرض لم يكتب بالطريقة التقليدية، إذ عملت مع جود ويليامز والمخرج بن ديوك على مجموعة من الارتجالات والتجارب لفترة طويلة، قبل أن يبدأ النص في التشكل تدريجياً، مشيرة إلى أن المخرج ساعدهما في العثور على البناء المناسب لمجموعة القصص التي أرادتا تقديمها، بينما جرى تنقيح النص مرة بعد أخرى انطلاقاً من الارتجالات، حتى أصبح للعرض هيكله النهائي.

العرض البريطاني قدم في نهاية المهرجان (إدارة المهرجان)

ولفتت غيلمور إلى أن «اختيار الممثلين لم يكن مطروحاً بالطريقة المعتادة، لأن العرض يقوم على قصتهما الحقيقية، وجود صديقتين بالفعل، وأن كلاً منهما كانت حاضرة في محطات أساسية من حياة الأخرى»، إذ حضرت جود ولادة طفلها، بينما كانت هي موجودة في جنازة والدة جود.

وأضافت أن هذه التجارب المشتركة أصبحت جزءاً من النص، وأن تقديمها بقدر كبير من الصدق جعلها، في رأيها، أكثر قدرة على الوصول إلى جمهور مختلف، لأن التفاصيل الشخصية يمكن أن تقود إلى مشاعر وتجارب إنسانية مشتركة، مؤكدة أن الحفاظ على صدق التجربة لم يعنِ نقل كل شيء كما حدث، إذ جرى اختيار بعض التفاصيل من أجل التأثير الكوميدي، أو ضبط الإيقاع، إلى جانب المبالغة في بعض المواقف، بينما قررتا عدم تضمين أشياء أخرى لحماية أشخاص في حياتهما.

وتطرقت غيلمور إلى المزج بين المسرح، والرقص، والكوميديا، والموسيقى، موضحة أن اختلاف خلفيتها عن خلفية جود ويليامز كان أحد أسباب هذا التنوع؛ فهي تنتمي إلى عالم الرقص المسرحي، بينما جود مغنية جاز، وتلقت تدريباً في المسرح الغنائي.


مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
TT

مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)
ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

قال المخرج الأميركي ليزلي غرايف إن اختياره تقديم مسلسل «الهدف» (High Value Target) انطلق من اهتمامه بالتاريخ، ورغبته في تناول قصص وشخصيات وأحداث يمكن من خلالها فهم الماضي وتأثيره في الحاضر. وأشار إلى أن قصة العمل لا تقف عند حدود الولايات المتحدة، إذ تمتد تداعياتها إلى الشرق الأوسط والعالم، وهو ما منحه إحساساً بأن هذه الحكاية تستحق أن تُروى، خصوصاً مع عودة كثير من الأسئلة المرتبطة بالحرب على العراق إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف ليزلي غرايف في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن طموحه كان منذ البداية تقديم عمل عالمي من حيث المستوى، بحيث لا يشعر المشاهد بأن ما يراه يقل في قيمته الإنتاجية عن أي مسلسل يُصوَّر في أوروبا أو الولايات المتحدة، رغم محدودية الوقت والميزانية، موضحاً أن هذه الرغبة رفعت سقف التحديات، خصوصاً مع طبيعة المسلسل التي تتطلب الحركة والانتقال بين أجواء وشخصيات ولغات مختلفة، لكنه رأى أن الضغط نفسه دفع الفريق إلى مضاعفة الجهد، بدلاً من التنازل عن المستوى الذي كان يستهدفه.

وكان التصوير في القاهرة جزءاً لافتاً من تلك التجربة، بعدما حصل فريق العمل على تصريح للتصوير في شوارع المدينة، من بينها منطقة شبرا التي احتضنت أحد مشاهد الحركة الكبيرة، وذكر غرايف أن سكان المنطقة تعاملوا مع فريق التصوير بصورة ودية ومتعاونة، وهو ما أتاح تنفيذ مشاهد لم يكن من السهل نقلها إلى الاستوديوهات، كما استفاد العمل من مواقع في القاهرة وسقارة ومناطق أخرى جرى اختيارها بعناية لتؤدي دور أماكن عراقية، مع بناء ديكورات إضافية عندما لم تكن المواقع الطبيعية كافية لتحقيق الصورة المطلوبة.

ؤ

ولم تتوقف الاستفادة من الإمكانات المصرية عند التصوير، إذ امتدت إلى المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، بحسب المخرج الأميركي الذي أكد أن تنفيذ هذا الجانب كان يتم عادةً بالنسبة إلى فريقه في دول مثل الهند أو كندا أو الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، لكن شركة «أروما ستوديو» (Aroma Studios) قدمت تصوراً لإنتاج المؤثرات داخل مصر، وبعد الاطلاع على مستوى العمل، اتُّخذ القرار بمنحها الفرصة، لتنتهي التجربة بتنفيذ المؤثرات البصرية كاملة في مصر، إلى جانب جزء كبير من أعمال المونتاج، بما جعل المشروع يتجاوز فكرة تصوير عمل أجنبي داخل البلاد.

ولفت غرايف إلى أن حساسية موضوع المسلسل فرضت تحدياً مختلفاً، يتعلق بتقديم القصة من دون الانحياز إلى موقف سياسي محدد، فيما كان الهدف النهائي الوصول إلى معالجة متوازنة لا تضع العمل في موقع الدفاع عن طرف أو الهجوم على طرف آخر، مؤكداً أن الفريق كان مدركاً في الوقت نفسه أن «الهدف» عمل درامي وليس وثائقياً، لذلك كان لا بد من اختصار بعض الوقائع ودمج شخصيات وضغط الزمن للحفاظ على البناء الدرامي.

وكشف غرايف أن «مشروع المسلسل بدأ في الأساس باعتباره فيلماً، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مسلسل قصير بعد انضمامه إلى المشروع»، موضحاً أن «مرحلة التحضير اعتمدت بدرجة كبيرة على استعادة التجربة من أصحابها الحقيقيين، خصوصاً جويل كينامان الذي يؤدي شخصية (جون نيكسون)، والذي أمضى وقتاً طويلاً مع نيكسون لفهم طريقة تفكيره وسلوكه كضابط في الـCIA»، فيما استعان الفريق أيضاً باللواء محمد شنشل، مدير المكتب الخاص للرئيس العراقي صدام حسين، لتقديم وجهة النظر العراقية ومراجعة التفاصيل المتعلقة بهذا الجانب. وأكد أن الجمع بين المصدرين ساعده في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الواقعية، مع إبقاء العمل داخل حدود الدراما السياسية ذات العناصر الحركية.

مخرج المسلسل ليزلي غرايف (الشرق الأوسط)

واستعاد غرايف واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تجربته، عندما شاهد جون نيكسون بعض المشاهد المصورة في واشنطن. وقال إن نيكسون تأثر بما رأى إلى درجة جعلته يشعر بأنه عاد إلى تلك الفترة، وربط هذا الإحساس تحديداً بالإضاءة والمزاج البصري للمشاهد، موضحاً أن تلك اللحظة اكتسبت بالنسبة إليه قيمة خاصة لأنها جاءت من شخص عاش الأحداث بالفعل، ومنحته مؤشراً على أن العمل لم يكتف بإعادة بناء الوقائع، إنما استطاع أيضاً الاقتراب من الأثر النفسي الذي تركته التجربة لدى أصحابها.

وحول اختيار الممثل وليد زعيتر لتجسيد صدام حسين، كشف غرايف أن فريق العمل أجرى بحثاً واسعاً عن الممثل المناسب حول العالم، قبل الاستقرار عليه، لافتاً إلى أن زعيتر لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها دوراً تقليدياً، وإنما خضع لتحضير طويل شمل دراسة حركات صدام من خلال تسجيلاته والاستعانة بمدرب للحركة، إلى جانب العمل اليومي مع مدرب للهجة العراقية لأن الهدف كان الوصول إلى أداء يلتقط أكثر من جانب في الشخصية، بدلاً من تقديم صورة أحادية عنها.

وأشار غرايف إلى أن اختيار الممثلين المصريين اعتمد على تجارب الأداء إلى جانب معرفته السابقة بعدد من الفنانين، موضحاً أن الممثلة المصرية نيللي كريم كانت من الأسماء التي ساعدت في ترشيح ممثلين للمشروع.

وتطرق غرايف إلى علاقته بمصر التي تمتد لأكثر من 20 عاماً، موضحاً أنها بدأت من خلال عمله في مشروعات تناولت الاكتشافات الأثرية بالتعاون مع وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس، مؤكداً أنه صوّر خلال تلك الفترة في الواحات البحرية وسقارة والجيزة ومنطقة الأهرامات، كما عمل في إنتاجات لصالح «نتفيلكس» و«ديسكفري»، وهو ما أتاح له التعرف على طبيعة العمل في مصر وبناء علاقات واسعة مع فنانين وفنيين وجهات إنتاجية وحكومية.

ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

ولفت إلى أن «اختيار مصر لم يكن مرتبطاً بالمواقع فقط، إنما أيضاً بدرجة الثقة التي تكونت لديه عبر سنوات العمل فيها»، موضحاً أن قرار التصوير جاء في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المنطقة، بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، مع وجود مخاوف لدى بعض المشاركين من أوروبا وأميركا وكندا بشأن العمل في الشرق الأوسط، لكن تجربته السابقة مع مصر منحته شعوراً بالاطمئنان، وتمكن من نقل هذا الشعور إلى أعضاء الفريق القادمين من الخارج، قبل أن تتحول الفكرة لاحقاً إلى تجربة إنتاجية كاملة داخل البلاد.


ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر
TT

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر؛ بين المستودعات الحجرية الضخمة وأشرعة السفن من جهة، والأسواق والمطاعم ومساحات الترفيه من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن تستقطب هذه المنطقة الفنون أيضاً، وهو ما تجسد في معرض «كونتمبوراري إسطنبول» الذي أقيم بين 23 و27 سبتمبر.

واصل المعرض نموه هذا العام، إذ ارتفع عدد الصالات المشاركة إلى 70 صالة مقارنة بـ52 صالة في الدورة السابقة، بمشاركة 736 فناناً عرضوا 1372 عملاً فنياً. كما تجاوز عدد الزوار 38 ألفاً، وفق وكالة الأناضول.

وفي اليوم الأول استعرض علي غورلي مدير المعرض مسيرة «كونتمبراري إسطنبول» الممتدة على مدار 21 عاماً، ومكانة إسطنبول في عالم الفن الدولي مشيرا إلى أن المعرض أصبح يمثل حلقة تربط بين تركيا وسوق الفن العالمية قبل أن يضيف بتفاؤل حذر: » يجب أن نضع في الحسبان الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة والتي أثرت بشكل سلبي على العالم الفني». خلال حديثه، قدّم عرضاً لأبرز المستجدات في دورة هذا العام، ومنها قسم المنحوتات الضخمة المنتشرة خارج القاعات الرئيسية ومنها أول منحوتة للفنان العالمي جوني دب وعمل تركيبي للفنان البحريني راشد آل خليفة، ويشير إلى أنها من الجوانب التي تفتقدها تركيا.

ننطلق في جولة على قاعات العرض ال 70 وهي مهمة ليست سهلة، ولكنها ممتعة جدا، نتوقف عند بعض الأعمال اللافتة ونعرف تفاصيل أكثر عنها ولكن في النهاية يصعب الحديث عن كل القاعات بشكل وافي، ولكن ما يبقى في الذاكرة بعد التجول بينها هي أعمال متفردة يصعب نسيانها نستعرض هنا بعضا منها.

ساعات الفنان ألفريدو جار (الشرق الأوسط)

ساعات الكارثة

في غاليري «فرانسيسكو فينو» من لشبونة بالبرتغال: ثلاث ساعات حائط متجاورة كل منها مثبتة على وقت معين، في البداية لا نعرف رمزية الساعات الثلاث ولا الأوقات لكن بالنظر لبطاقة العمل نقرأ أنها العمل للفنان ألفريدو جار وعنوانه «هيروشيما، ناغازاكي، فوكوشيما (2019)، يظهر لنا شريط معدني مثبت داخل الساعة التاريخ الذي توقفت عنده العقارب، وهو يوم سقوط القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 (يومي 6 و9 من شهر يونيو عام 1945) واليوم الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما النووية في 11 مارس 2011.

أسراب الحمام فوق المخيم

في غاليري «كارلييه غيباور» من برلين نرى عمل بعنوان «تحليق-الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت. في الصورة الملتقطة ليلا نرى أسرابا من الحمام الأبيض يحلق فوق بيوت مخيم الجلزون في الضفة الغربية بفلسطين، ثبت الفنان أضواء LED في أرجل الحمام نري تأثيرها في خطوط الضوء التي تسجل تحليق الحمام في دوائر «تحاكي أنماط الهجرة سواء كانت قسرية أو طبيعية» بحسب بيان العمل.

«تحليق - الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت (غاليري «كارلييه غيباور»)

الخبيزة

من فلسطين أيضاً نرى لوحتين معلقتين تحملان طبعة نباتات باهتة للمصوّر دور غويز، وهو مقيم في القدس من أصول مسيحية يهودية فلسطينية. يحمل العمل عنوان «خبيزة». تعلق دليلة المعرض أن الفنان استخدم نبات الخبيزة واسع الانتشار في فلسطين، لأنه غذاء أساسي يلجأ له الفلسطينيون حين يندر الغذاء: «أخذ الفنان سيقاناً من نبات الخبيزة، وطبعها على الورق للوصول لهذه النتيجة».

«خبيزة» للمصور دور غويز (الشرق الأوسط)

زهرة الغامدي

في غاليري «بيرل لام بروجيكتس»، نرى سلسة من أعمال الفنانة السعودية زهرة الغامدي، بعنوان «نبض واحد وحيوات متعددة» تستخدم فيه الخيط الأسود على القماش. وبحسب الغاليري، تستلهم الغامدي عملها من «الممارسات الحرفية التقليدية والمناظر الطبيعية في جنوب غربي المملكة العربية السعودية. وتستكشف سلسلة (نبض - حيوات متعددة) العلاقات المتغيرة بين الجسد البشري والمناظر الطبيعية والذاكرة والانتماء».

يعلق المشرف على المعرض أن الفنانة تعبّر عن رهافة العلاقات الإنسانية عبر استخدام الخيط، وأنها «تتعامل مع تقاطع العلاقات الثقافية والشخصية والاجتماعية»، مضيفاً أن الغامدي «تميل بشدة إلى التفاعل الحسي المباشر»، وأن طابع أعمالها «يفيض بصلة وثيقة بالأرض».

عمل للفنانة السعودية زهرة الغامدي (الشرق الأوسط)

إسطنبول بين الشعر والحديد

في غاليري «فيلا ديل آرتي» من برشلونة نرى عملاً يتوسط القاعة للفنان لويس سيرا، بعنوان «إسطنبول»، وهو عبارة عن عمود من الحديد والرخام وفي وسطه عقدة تضم طرفيه في تشكيل جميل، يحمل الجزء الأسفل، وهو مصنوع من الرخام الإيراني النحاسي اللون، كتابات متعددة يقول عنها الفنان إنها مأخوذة من قصيدة لشاعر تركي معروف، ويشير إلى الجزء الثاني من العمود المصنوع من الحديد بأنه يعبر عن أوروبا، وكأن العمل يقدم إسطنبول المليئة بالشعر والثقافة والجمال على أنها الرابط مع أوروبا الحديثة المعتمدة على الصناعة.

خفة رغم الكتلة

من الأعمال التي توقف عندها الزوار تمثال بديع للفنان بهادر براوتر نرى عدة نسخ منه حول المعرض وخارجه، بعنوان «السمينات». البعض قال إنه يصوّر راقصات بالية ممتلئات الجسم يرقصن غير عابئات بمن حولهن وترتسم على أوجههن ابتسامة لطيفة، أياً ما كانت الشخصية التي يصورها العمل؛ فهو يظل من الأعمال التي أمتعت الزوار، ورسمت الابتسامة على وجوههم؛ فما بين الكتلة الضخمة للتمثال ورشاقة الحركة هناك كثير من المعاني والمتعة.

شراع الضوء

في مدخل المعرض نرى منسوجة بيضاء عملاقة للفنانة تشيساتو ماتسوموتو تمثل كائناً أسطورياً ربما. المنسوجة دقيقة التفاصيل ومصنوعة باليد، تصيح إحدى الحاضرات عند الاقتراب من العمل قائلة: «هناك حركة!». وبالنظر، نرى أطراف العمل وهي تتحرك بطريقة ميكانيكية وكأن أصابعَ خفية تتحرك تحت القماش الأبيض الممتد.

بحسب بيان غاليري بيرل لام، فالعمل صممته الفنانة خصيصاً للموقع، وتم نقله من هيروشيما في اليابان إلى منطقة ترسانة إسطنبول التاريخية. استخدمت الفنانة قماش «شيبوري» (shibori) المربوط يدوياً عبر المساحة باستخدام الحبال والبكرات، لتشكل هياكل عضوية تذكرنا بالأشرعة أو الأجنحة؛ إذ يوحي تراكم هذه الأشكال بالحركة المستمرة للسفن وتجمّع الناس في الميناء قبل الانطلاق مجدداً في رحلاتهم حول العالم.

من معرض «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط)

بعد ساعات من التجول بين القاعات والمنحوتات المنتشرة على ضفاف القرن الذهبي، تتوارى أسماء الفنانين وتبقى الانطباعات. خيوط، وأشرعة، وطيور، وساعات متوقفة، وهياكل من الحديد والضوء؛ أعمال مختلفة في أشكالها ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية والحركة والحدود.

راشد آل خليفة و«الصندوق المأهول - متعدد الألوان»

ضمن الأعمال التركيبية الموزَّعة على أرض المعرض يقف مربع من الحديد الملوَّن مطلاً على القرن الذهبي. موقعه في منطقة الترسانة بماضيها في بناء السفن يعيدنا للبحرين وعلاقتها بالتجارة البحرية عبر الأزمنة، فيبدو وكأن العمل الضخم يدخل في حوار مع موقع ترسانة، بكل أصداء ماضيه.

«الصندوق المأهول-متعدد الألوان للفنان البحريني راشد آل خليفة (كيهان كايغوسوز)

يبدو العمل كشبكة ضخمة من الفولاذ تتألف من شبكات متقاطعة، وهي بنية تدعو الزوار إلى التجول داخلها بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.

بحسب الفنان، فإن العمل في تصميمه الهندسي ورؤيته يؤكد على مفهوم الشفافية؛ فهو يسمح للناظر بالرؤية كاملة من الداخل والخارج، ويبدو بالفعل وكأنه كائن شفاف ملوَّن من بعيد. وعند دخوله والمشي فيه يرى الزائر ما حوله بنفس الشفافية، وإن كان من منظور مختلف. في الداخل نشعر بأننا في مكانين في الوقت ذاته، رغم الحدود الفاصلة المصنوعة من الحديد المجلفن، ولكن بحكم التصميم واستخدام الألوان اللطيفة على العين (لا توحي بالقسوة بحسب تعبير الفنان) ينتابنا شعور بتلاشي الحدود الفاصلة بيننا وبين العالم الخارجي.

يشير الفنان إلى نقطة مهمة، وهي أن الدخول والمشي داخل المربع في ممرات صغيرة تشبه المتاهة «جزء من العمل».