أصوات «غامضة» قد تساعد في التنبؤ بالأعاصير

إعصار يضرب ولاية أوكلاهوما الأميركية (أرشيف- رويترز)
إعصار يضرب ولاية أوكلاهوما الأميركية (أرشيف- رويترز)
TT

أصوات «غامضة» قد تساعد في التنبؤ بالأعاصير

إعصار يضرب ولاية أوكلاهوما الأميركية (أرشيف- رويترز)
إعصار يضرب ولاية أوكلاهوما الأميركية (أرشيف- رويترز)

يقول باحثون إن الأصوات الغامضة التي تسبق حدوث الأعاصير يمكن أن تستخدم في يوم من الأيام للتنبؤ بموعد ومكان حدوث هذه الكوارث الطبيعية.
وعادة ما تنبعث عن العواصف بعض الأصوات قبل أن تتشكل الأعاصير، لكن الإشارات التي تقل عن 20 هرتز تعتبر أقل من الصوت الذي يمكن للبشر سماعه. والأمر الذي يسبب هذا الهذيان كان أيضا موضعا للتساؤل من قبل العلماء، بحسب تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية.
وقال الباحثون إنهم وجدوا بعض أسباب حدوث هذه الأصوات، واعتبروا أنها عامل مهم في تسخير المعرفة لتحسين التحذيرات من الأعاصير.
وقال الدكتور برايان إلبينغ، من جامعة ولاية أوكلاهوما الأميركية، وهو جزء من فريق البحث: «الاحتمالات الثلاثة لحدوث هذه الأصوات هي التذبذبات الأساسية في الإعصار، الاسترخاء في الضغط، وتأثيرات الحرارة الكامنة». وتابع: «تعتبر جميع هذه الأمور مجرد احتمالات، لأن ما رأيناه هو أن الإشارة تحدث قبل أن يلمس الإعصار الأرض، وتستمر بعد حصول الإعصار وتختفي بعد انتهائه بقليل».
وعُرف صوت التردد المنخفض الذي تنتجه الأعاصير منذ عدة عقود، لكن إلبينغ قال إن هناك مشكلة كبيرة تتمثل في عدم فهم الأسباب التي تسبب الأصوات، والصعوبات التي تحول دون فصلها عن الإعصار وجوانب أخرى من الطقس.
وقد شهد هذا الموضوع اهتماماً متجدداً في السنوات الأخيرة، حيث قال إلبينغ إنه يمكن أن يكون مفيداً بشكل خاص للمناطق الجبلية مثل «ديكسي آليي»، التي تمتد من تكساس إلى ولاية كارولينا الشمالية، وحيث تحدث معظم الوفيات جراء الأعاصير.
وتتضمن الآلة المستخدمة من قبل الفريق لرصد الأصوات ميكروفوناً قادراً على التقاط أصوات منخفضة التردد موضوع داخل قبة تحتوي على أربع فتحات، كل منها متصل بخرطوم. ويتم وضع ثلاث من هذه القباب في مثلث متساوي الأضلاع، على بعد 60 متراً عن بعضها البعض.
ويقول الفريق إن هذه التقنية تسمح لهم بتصفية الأصوات من الرياح العادية والتعرّف على الاتجاه الذي يسلكه الإعصار، بينما تقدم الإشارة نفسها فكرة عن حجم الإعصار: تردد 1 هرتز يشير إلى إعصار كبير جداً، بينما يشير تردد 10 هرتز إلى إمكانية حدوث إعصار صغير.
وفي أحدث أعمالهم، أبلغ إلبينغ وزملاؤه عن حالة في أوكلاهوما تمكنوا خلالها من التقاط أدلة صوتية قبل ثماني دقائق من تكوين الإعصار، مع اكتشاف إشارة واضحة قبل أربع دقائق من وصوله إلى الأرض. ويقولون إن هذا مهم لأن الإعصار لم يلتقطه الرادار.
وقال إلبينغ: «هناك أدلة على أن مقدار المهلة قبل الإعصار يعتمد على حجم الإعصار»، مضيفاً أنه تم اكتشاف أصوات منخفضة التردد لمدة تصل إلى ساعتين قبل أن يتشكل إعصار. وتابع: «إن هذا الإعصار الذي اكتشفناه كان صغيراً للغاية، ولم يصدر أي تحذير بشأنه... ولهذا السبب فإن التحذير ولو قبل مدة أربع دقائق يعد خطوة كبيرة».
بدوره، قال الدكتور هارولد بروكس، خبير الأعاصير في الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي والذي لم يشارك في البحث، إن هناك العديد من الأسئلة التي يجب الإجابة عليها قبل اتباع هذا النهج، بما في ذلك ما إذا كانت جميع الأعاصير تصدر مثل هذه الأصوات أم لا.


مقالات ذات صلة

الصين: تحذير من فيضانات وإجلاء مليون شخص رغم تراجع قوة الإعصار «دولفين»

آسيا أشخاص يسيرون في شارع غمرته المياه بعد أن تسبب إعصار «دولفين» في هطول أمطار غزيرة (رويترز)

الصين: تحذير من فيضانات وإجلاء مليون شخص رغم تراجع قوة الإعصار «دولفين»

جلب الإعصار «دولفين» أمطاراً غزيرة إلى شرق الصين اليوم الاثنين، مما تسبب في إلغاء مئات الرحلات الجوية، بينما سارعت السلطات إلى إجلاء أكثر من مليون شخص.

«الشرق الأوسط» (بكين)
آسيا يقف الناس بجوار أمواج عاتية تتلاطم على الواجهة البحرية مع اقتراب إعصار «دولفين» من سانمن وتايتشو وتشجيانغ في الصين (رويترز)

تحذيرات من الفيضانات مع اتجاه الإعصار «دولفين» لساحل الصين الشرقي

من المتوقع أن يصل الإعصار «دولفين» إلى ساحل الصين الشرقي مساء اليوم، مصحوباً بأمطار غزيرة ورياح قوية، بينما تستعد السلطات لمواجهة فيضانات وانهيارات أرضية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ أمواج مرتفعة قبالة سواحل جزيرة غوام قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» (أ.ف.ب)

إعصار «شديد الخطورة» يقترب من الجزر الأميركية في المحيط الهادئ

اجتاحت رياح عاتية وأمطار غزيرة غوام وجزر ماريانا الشمالية قبل ساعات من وصول «إعصار شديد الخطورة» بقوة تعادل قوة إعصار من الفئة الخامسة فوق هذه الجزر.

«الشرق الأوسط» (غوام)
شمال افريقيا بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد، من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية.

«الشرق الأوسط» (درنة (ليبيا))
أميركا اللاتينية منظر جوي للدمار الناجم عن الزوبعة (رويترز)

مقتل 6 وإصابة المئات في زوبعة بجنوب البرازيل

قضى 6 أشخاص على الأقل وأصيب 432 جرّاء زوبعة ضربت منطقة في جنوب البرازيل، الجمعة، وفق ما أعلنت السلطات المحلية.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
TT

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

خلال 48 ساعة فقط، كان على مجموعة من صنّاع الأفلام السعوديين أن ينتقلوا من فكرة أولية إلى سيناريو، ثم إلى التصوير والمونتاج، وصولاً إلى فيلم مكتمل. لكن ما بدأ قبل ستة أعوام كتحدٍّ مكثف لاكتشاف المواهب السينمائية الشابة، يبدو اليوم مرشحاً لتجاوز حدود المنافسة الإبداعية، ليصبح منصة تفتح آفاقاً أوسع للتعاون والتبادل السينمائي بين السعودية وفرنسا.

وكشف القنصل الفرنسي في جدة، محمد نهاض، لـ«الشرق الأوسط»، عن تطلع الجانب الفرنسي إلى أن ينتقل التعاون السينمائي مع السعودية تدريجياً من مرحلة دعم المواهب وصقل المهارات إلى مرحلة إنتاج مشاريع وأفلام مشتركة بين البلدين. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه صناعة السينما السعودية نمواً متسارعاً وحضوراً متزايداً على الساحة الدولية، ما يفتح المجال أمام شراكات أوسع بين المؤسسات والمبدعين في الجانبين.

ويكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي بالتعاون مع «أليانس فرانسيز» والقنصلية العامة لفرنسا في جدة.

هذه المبادرة، التي انطلقت بوصفها مساحة لاكتشاف المواهب الناشئة وتطوير مهاراتها، تبدو اليوم مؤهلة للعب دور أكبر في تعزيز العلاقات المهنية والمؤسساتية بين قطاعي السينما في السعودية وفرنسا.

وقال القنصل نهاض لـ«الشرق الأوسط»: «تتيح لنا المرحلة المقبلة الانتقال تدريجياً من دعم المواهب وتطوير مهاراتها إلى ظهور مشاريع سينمائية مشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية».

من «48 ساعة» إلى فرنسا

هذه العلاقة لا تنتهي بتسليم الفيلم في يومين. فالمسار الذي صُمم لاكتشاف المواهب السعودية يصل بالفائزين إلى فرنسا؛ حيث يحصلون على فرصة لاختبار مشهد سينمائي مختلف، والاحتكاك بمحترفين دوليين وبناء شبكة علاقات تتجاوز حدود المسابقة.

وأوضح القنصل أن الفريق الفائز سيحظى ببرنامج في فرنسا يتضمن إقامة فنية، والتعرف إلى المشهد السينمائي الفرنسي، والمشاركة في مهرجان كليرمون فيران الدولي للفيلم القصير، معتبراً أن ذلك يمنح المواهب السعودية فرصة للتواصل المباشر مع محترفين دوليين وتبادل الخبرات وبناء علاقات «يمكن أن تفتح المجال أمام تعاونات مستقبلية».

وجاء ذلك على هامش حفل إعلان مؤسسة البحر الأحمر السينمائي نتائج النسخة السادسة من التحدي، بفوز فريقي «رصيف 17» و«أنيس الروح»، فيما حصل فيلم «نيابة عني» (On My Behalf) على تنويه خاص من لجنة التحكيم. وضمت اللجنة المخرجة وكاتبة السيناريو هدى بن يمينة، والممثل والمنتج السعودي صهيب قدس، والممثلة السعودية خيرية أبو لبن.

ولم تكن المنافسة محدودة منذ البداية؛ إذ اختارت المؤسسة 13 فقط من بين 127 طلب مشاركة تقدم بها صنّاع أفلام ناشئون من مناطق مختلفة في السعودية، قبل أن تخضع الأفلام المكتملة للتقييم. وخلال يومين، مر المشاركون بدورة إنتاج مضغوطة تبدأ بتطوير الفكرة وكتابة السيناريو، وصولاً إلى التصوير والمونتاج وتسليم العمل النهائي.

وسيحصل الفريقان الفائزان على فرصة إقامة دولية في فرنسا خلال عام 2027، إلى جانب عرض الفيلمين في الدورة المقبلة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.

شراكة تبحث عن مساحة أكبر

وينظر الجانب الفرنسي إلى الأمر باعتباره أبعد من برنامج لتدريب صنّاع الأفلام. فمع نمو السوق السينمائية السعودية، تتسع - وفق ما ذكر القنصل - مجالات التعاون لتشمل الإنتاج والتدريب وتبادل الخبرات والتقنيات، فضلاً عن خلق روابط مباشرة بين المنتجين والمهنيين في البلدين.

وأضاف أن فرنسا، بما تمتلكه من خبرات في مختلف مجالات صناعة السينما، يمكن أن تكون شريكاً للجهات السعودية في تطوير القطاع، مشيراً إلى أن ازدياد حضور المملكة على الساحة السينمائية الدولية يخلق بدوره فرصاً جديدة للمنتجين والمهنيين السعوديين والفرنسيين للالتقاء والعمل معاً.

وبذلك، يصبح الرهان في المرحلة المقبلة على تحويل تلك اللقاءات من فرص عابرة إلى شراكات مستدامة بين المؤسسات والمهنيين في البلدين، وهو ما أكد القنصل أن فرنسا تشجعه.

أما فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، فوصف المسابقة بأنها تضع صنّاع الأفلام الناشئين «أمام اختبار حقيقي، من الفكرة إلى الفيلم المكتمل في يومين فقط»، مشيراً إلى ما قدمته فرق هذا العام تحت ضغط التجربة.

وبعد ستة أعوام، ربما لم يعد السؤال الذي يطرحه «تحدي 48 ساعة» متعلقاً بما يستطيع المخرجون الشباب إنجازه خلال يومين فحسب، بل إلى أي آفاق يمكن أن تقودهم تلك التجربة بعد انقضائها. وبين جدة وفرنسا، تبدو الإجابة آخذة في الاتساع: من فيلم قصير يُنجز تحت ضغط الساعة، إلى علاقات مهنية وإقامات دولية، وصولاً إلى طموح معلن بأن تقود هذه المسارات مستقبلاً إلى مشاريع سينمائية سعودية - فرنسية مشتركة.


«المواطن أسامة»... الحرب بعين مَن يعيشها

«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
TT

«المواطن أسامة»... الحرب بعين مَن يعيشها

«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)
«المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)

في قلب الحرب، حين تتحوَّل المدن إلى خرائط للدمار، وتُختزل حياة البشر في أرقام الضحايا وصور القصف والنزوح، يختار المخرج الفلسطيني أحمد حسونة، في فيلمه الوثائقي «المواطن أسامة»، الذي رشَّحته فلسطين لتمثيلها في «الأوسكار»، الاقتراب من غزة من زاوية أكثر حميمية، عبر إنسان يعيش الحرب ويوثِّقها في الوقت نفسه.

«أسامة» ليس صحافياً يقف خارج الحدث ليرصده، وإنما أب وزوج ومواطن وجد نفسه مضطراً إلى إدارة حياته اليومية وسط الخوف والجوع والنزوح والدمار، بالتوازي مع محاولته أداء مهمّته في تسجيل ما يحدث. ومن خلال هذا القرب، يحوِّل الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «فينيسيا السينمائي»، الحرب من مشهد واسع إلى تجربة شخصية، فيصبح البحث عن الحليب والطعام والدواء، والخوف على طفل حديث الولادة، ومحاولة حماية الأسرة، وجوهاً أخرى لمعنى البقاء.

ولا يتعامل «المواطن أسامة» مع الحرب على أنها حدث عسكري فقط، وإنما يبحث في الطريقة التي تدخل بها إلى التفاصيل الأكثر عادية في حياة الإنسان، فتغيّر علاقته بأسرته وجسده والمكان والمستقبل. ولأن «أسامة» صحافي يحمل كاميرا، يضع الفيلم المشاهد أمام مفارقة أساسية؛ فالرجل الذي يسجّل معاناة الآخرين يعيش المعاناة نفسها، والذي يُفترَض أن يكون شاهداً على الحرب يصبح أحد موضوعاتها. وفي لحظة أخرى، تصبح الكاميرا نفسها موضوعاً للتصوير، حين يصوِّر حسونة «أسامة» بينما يصوِّر «أسامة» الحرب، فتلتقي شهادتان بصريتان من داخل التجربة نفسها.

المخرج الفلسطيني أحمد حسونة يصوّر الأب والصحافي في مواجهة الحرب (الشرق الأوسط)

ويقول المخرج الفلسطيني أحمد حسونة، الموجود في قطاع غزة، في مقابلة هاتفية مع «الشرق الأوسط»، إن اختياره «أسامة» لم يكن قائماً على كونه صحافياً فحسب، وإنما لأنه يمثّل نموذجاً للإنسان الفلسطيني الذي يعيش الحرب من داخلها. فهو يؤدّي عمله الصحافي، وفي الوقت نفسه أب وزوج ومواطن يواجه الأسئلة نفسها التي تواجهها آلاف العائلات: كيف يجد الطعام؟ كيف يحمي أسرته؟ ماذا يفعل عندما يحتاج طفله إلى شيء لا يستطيع الوصول إليه؟ وكيف يستمرّ في حياته عندما يصبح المكان نفسه مهدداً؟

ومن خلال هذه التركيبة، أراد حسونة الانتقال من الصورة التقليدية التي تقدِّم الفلسطيني ضحيةً في خبر عاجل، إلى صورة أكثر تركيباً لإنسان له مسؤوليات ومشاعر وأحلام، يجد نفسه مضطراً إلى ممارسة حياته الطبيعية في ظروف غير طبيعية.

وكانت ولادة طفل «أسامة» خلال الحرب نقطة التحوّل الأساسية في رؤية حسونة للفيلم، «لأنها جعلت الحرب أكثر قرباً من الجسد والعائلة، ولم يعد الأمر متعلّقاً فقط بتوثيق القصف أو الدمار، وإنما أصبح مرتبطاً بأسئلة يومية شديدة البساطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل في زمن الحرب إلى أسئلة وجودية. الطعام يصبح قضية، والحليب يصبح معركة، والمرض يصبح تهديداً، وحماية طفل صغير تصبح مسؤولية تفوق قدرة الأب»، وفق تعبيره.

ومن هنا اختار المخرج الفلسطيني أن تصبح الأبوّة مدخلاً لفهم الحرب نفسها، لأنّ ما يفعله العنف في حياة الناس لا يظهر فقط في الأبنية المُدمَّرة، وإنما أيضاً في الطريقة التي يعيد بها تشكيل علاقتهم بأطفالهم وأُسرهم ومستقبلهم. ولهذا يتراجع الصحافي في شخصية «أسامة» أحياناً أمام الأب. فالمخرج، كما يؤكد، كان مهتمّاً برصد الصراع بين واجبين متناقضين: واجب الرجل الذي يعرف أن عليه البقاء في الميدان ليصوّر ويوثّق، وواجبه تجاه أسرته التي تحتاج إلى وجوده وحمايته.

ولم تكن صناعة الفيلم نفسها منفصلةً عن هذا الواقع. ويوضح حسونة أن «الفكرة بدأت في مرحلة متقدِّمة من الحرب، في الوقت الذي كان فيه هو و(أسامة) من بين القلائل الذين استمرّوا في العمل الصحافي والتوثيقي. ومع ازدياد المخاطر التي تحيط بالصحافيين، بدأ التصوير يتّجه نحو الحياة الخاصة لـ(أسامة)، خصوصاً بعد أن أصبح أباً».

ووفق قوله: «لم يكن هناك سيناريو محدّد يمكن تنفيذه وفق خطّة مسبقة، لأن الحرب كانت أسرع من أيّ تصور درامي، وكانت الوقائع اليومية تعيد تشكيل الفيلم باستمرار. لذلك أصبحت الحياة نفسها هي التي تحدّد مسار العمل، وكلّ مرحلة جديدة من الحرب كانت تفرض على الفيلم سؤالاً جديداً وشكلاً جديداً للنظر إلى الشخصية».

ويؤكد حسونة أن «المواطن أسامة» فيلم وثائقي بالكامل، وأن الاختلاف البصري فيه لم يكن محاولة لمنحه شكلاً روائياً، وإنما نتيجة مباشرة لطريقة التصوير وسط أحداث الحرب. وعندما لم يكن المخرج موجوداً، كان «أسامة» يصوّر نفسه وحياته اليومية، وأصبحت هذه المواد جزءاً من البناء النهائي للفيلم. لذلك، لا ينفصل الشكل المتغيّر للصورة عن مضمون العمل، لأنّ الحرب نفسها لم تكن تجربة مستقرّة أو ذات شكل واحد، وإنما كانت واقعاً متقطعاً تتغير فيه الظروف من يوم إلى آخر.

«المواطن أسامة» خلال عرضه في «فينيسيا السينمائي» (إدارة المهرجان)

وتكتسب مسألة التصوير بُعداً أخلاقياً بالغ التعقيد، إذ لم يكن حسونة يصوّر حرباً بعيدة عنه، وإنما يعيشها في المكان نفسه. لذلك كان عليه أن يضع حدوداً واضحة لما يمكن تصويره، لا سيما ما يتعلّق بأسرة «أسامة» والأشخاص الذين يعيشون لحظات شديدة القسوة.

ويكشف المخرج عن أنّ الكاميرا أصبحت، في مرحلة ما، عبئاً ثقيلاً عليه شخصياً، خصوصاً بعد مقتل شقيقه خلال الحرب، ممّا دفعه إلى الابتعاد عن التصوير لمدة شهرين. لكنه عاد بعد ذلك إلى الكاميرا، لأنه رأى أن ما يحدث يجب ألا يختفي من الذاكرة. وهنا يتجاوز التوثيق حدود الممارسة المهنية، ليصبح محاولة لمقاومة النسيان ورصد خرائط الدمار.

وفي هذا السياق، يرفض حسونة الفصل بين المعاناة الإنسانية والسياق السياسي والعسكري للحرب. فبالنسبة إليه، لا يمكن النظر إلى الجوع والنزوح والدمار والقتل على أنها أحداث منفصلة عن الواقع الذي أنتجها. فالسياسة تُحرّك الجانب العسكري، والجانب العسكري يُغيّر حياة الإنسان، ولذلك يحمل كلّ تفصيل يومي في الفيلم آثار واقع أكبر منه.


«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
TT

«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)

أعلنت نقابة المهن السينمائية اختيار فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في منافسات الدورة الـ99 من جوائز «الأوسكار» لعام 2027، ضمن فئة أفضل فيلم دولي غير ناطق بالإنجليزية، وذلك عبر تصويت جرى الخميس بين أعضاء اللجنة التي تضم صنّاع أفلام ونقاداً برئاسة نقيب المهن السينمائية مسعد فودة.

وجاء اختيار «القصص» من بين 37 فيلماً عُرضت في دُور السينما المصرية من أول أكتوبر (تشرين الأول) 2025 حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2026.

ومرَّ التصويت على مرحلتين؛ إذ تصدَّر «القصص» الاختيارات في المرحلة الأولى، وحصل على 22 صوتاً من بين 9 أفلام. كما فاز في المرحلة الثانية التي ضمّت قائمة قصيرة من 4 أفلام، بعدما حصد 14 صوتاً، ليحسم النتيجة لمصلحته، فيما حصل «دخل الربيع يضحك» على 9 أصوات، و«كولونيا» على 4 أصوات، و«المستعمرة» على صوتَين.

ويُعدّ «القصص» ثاني فيلم يُختار للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي والمنتج محمد حفظي، بعد فيلمهما الأول «يوم الدين»، الذي مثَّل مصر في سباق «الأوسكار» عام 2018.

وبدأ «القصص» رحلته في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، خلال دورته الخامسة، ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ولاقى عرضه اهتماماً لافتاً بحضور أبطاله. وحاز الفيلم جوائز مهمّة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان «قرطاج السينمائي».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، إلى جانب كريم قاسم، وأحمد كمال، وشريف الدسوقي، وخالد مختار، وأحمد الأزعر. وصُوّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

أبطال الفيلم في لقطة بالأبيض والأسود (الشركة المنتجة)

واستلهم مخرجه أبو بكر شوقي الفيلم من قصة الحبّ التي جمعت والده المصري ووالدته النمساوية، لينطلق منها إلى حكايات عائلة مصرية عاشت زمن التحوّلات الكبرى، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، وصولاً إلى ثمانينات القرن الماضي. وكان العنوان الأول للفيلم «صيف 67»، قبل أن يستقر المخرج على «القصص»، إذ يروي من خلاله حكايات عائلة تتقاطع مع أحداث تاريخية واجتماعية شهدتها مصر.

الفيلم من إنتاج «فيلم كلينك» لمحمد حفظي، و«سينينوفو»، و«لاجون»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، وقد حاز دعم «صندوق البحر الأحمر»، و«المعهد السينمائي النمساوي»، و«صندوق فيينا السينمائي».

وعبَّر المنتج محمد حفظي عن سعادته باختيار الفيلم لتمثيل مصر في منافسات «الأوسكار» المقبلة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «جذبني بشدة منذ كان مشروعاً يكتبه أبو بكر شوقي، الذي أحب التعامل معه. وهذه هي المرة الثانية التي نصل فيها إلى منافسات (الأوسكار) بعد فيلمنا الأول (يوم الدين). وقد سعدت بهذا التتويج للفيلم الذي بذل فيه فريق العمل، من فنانين وفنيين، جهداً كبيراً، وهو إنتاج مشترك يمثّل دولاً عدّة، وأسعدني أن مصر هي التي اختارته لتمثيلها»، مؤكداً أن مشوار «الأوسكار» صعب وطويل، ومتمنّياً أن يحظى فيلم مصري بالوصول إلى القائمة القصيرة أو الترشيحات الرسمية.

وتدور أحداث «القصص» حول عائلة تضم الأب، أحمد كمال، والأم، نيللي كريم، و3 أولاد. ويتعلّق الابن الأكبر «أحمد»، الذي يؤدي دوره أمير المصري، بالموسيقى ويهوى العزف على البيانو. ويستعيد الفيلم زمن الخطابات البريدية، إذ يتراسل أحمد مع فتاة نمساوية تُدعى إليزابيث، ويسافر إليها لدراسة الموسيقى، ويرتبط بها بعلاقة حبّ. لكنه يعود إلى مصر مع استشهاد شقيقه التوأم في «حرب 67»، فتلحق به إليزابيث إلى بلده ويتزوّجان، في ظل أحداث سياسية واجتماعية عدّة شهدتها مصر. ويمزج بين لقطات أرشيفية لأحداث سياسية، كما يقدّم عرضاً متشابكاً للأغنيات المصرية في مرحلة الحرب وحتى زمن الانفتاح الاقتصادي.

فيلم «القصص» يتناول حكايات عائلية (الملصق الدعائي)

ووفق الناقد أحمد سعد الدين، عضو لجنة اختيار فيلم «الأوسكار»، فإن «القصص» تصدّر الاختيارات في المرّتَين. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الفيلم يلامس قضايا عدّة، مثل الهجرة وتأثير الحرب والهزيمة على المجتمع المصري، مقدّماً تشريحاً إنسانياً لعائلة مصرية وكيف واجهت تلك السنوات الصعبة من تاريخ مصر». كما يلفت سعد الدين إلى أن «أغلب الأفلام التي أُنتجت خلال العام يغلب عليها الطابع التجاري، وهي لا تصلح لمنافسات عالمية مثل (الأوسكار)»، وفق تعبيره.

وكان الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح قد اختير ضمن القائمة الأولية، وحاز بعض الأصوات، لكن استُبعِد من القائمة القصيرة بعدما تبيَّن أنه إنتاج فرنسي وليس مصرياً. وكشف بيان نقابة المهن السينمائية أن عبد المسيح أرسل رسالة صوتية إلى اللجنة يدعم فيها اختيار فيلم «القصص»، مشيراً إلى أنه سيسعى إلى تقديم فيلم مصري ليكون ضمن الأفلام المرشحة لـ«الأوسكار» في المرات المقبلة.

وكان رئيس مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» وأحد أعضاء اللجنة، المخرج سيد فؤاد، قد لفت في كلمته خلال الاجتماع إلى أن السينما المصرية تمرّ بمرحلة عصيبة، وقال: «لقد كشف عنها عدد الأفلام القليل ومستواها الذي ينم عن تراجع لم تشهده صناعة السينما في جميع سنواتها باستثناء مرحلة (كوفيد-19)»، مطالباً بأن تُراعى في الإنتاج المقبل أهمية دعم الصناعة، لأنها تعكس صورة السينما المصرية في الداخل والخارج.