100 شمعة لمارلين مونرو... «التأتأة» وفستان كينيدي وأسرار أخرى في حياة أيقونة هوليوود

TT

100 شمعة لمارلين مونرو... «التأتأة» وفستان كينيدي وأسرار أخرى في حياة أيقونة هوليوود

مارلين مونرو في فيلم «نياغارا» عام 1953 (شركة 20th Century Fox)
مارلين مونرو في فيلم «نياغارا» عام 1953 (شركة 20th Century Fox)

يوم أبصرت نورما جين مورتنسون النور في «مستشفى لوس أنجليس العام» صباح الأول من يونيو (حزيران) 1926، وُلدَ معها توأمها الأسطورة والذي يعرفُه التاريخ باسمِ مارلين مونرو.

ما هي إلا 20 سنة من يوم الولادة حتى طُويَت صفحة نورما لتُفتَح صفحة مارلين، أيقونة القرن العشرين. وما هي إلا 16 سنة من تاريخه، حتى طُويت صفحة مارلين آخذةً معها أسراراً وألغازاً وأحزاناً وأضواءً كثيرة إلى مدفنها في «منتزه بيرس براذرز التذكاري» في لوس أنجليس.

ولدت نورما جين مورتنسون أي مارلين مونرو في لوس أنجليس في 1 يونيو 1926 (فيسبوك)

مارلين مونرو والتأتأة

طفلةً، تنقّلت نورما أو مارلين بين دُور الأيتام والعائلات الحاضنة ومنازل الأصدقاء. خلال تلك السنوات، لم تقتصر معاناتُها على الإهمال، وغياب الأب المجهول، والانسلاخ عن أمها غلاديس المصابة باضطراباتٍ نفسية حادّة، بل امتدّت إلى احتمال تعرّض الطفلة للتحرّش والاعتداء الجنسي.

تركت تلك الطفولة غير الاعتياديّة ندوباً كثيرة في نفس مارلين فتحوّلت إلى فتاة خجولة ومنعزلة، كما ظهر عندها اضطراب التأتأة. لم يفارقها هذا التعثُّر في الكلام طيلة حياتها، حتى بعدما صارت نجمةً سينمائية عالمية.

للسيطرة على المشكلة، لجأت إلى معالج نُطق درّبها على تبنّي أسلوب مميّز في الكلام، وهو الصوت الخفيض وطريقة الكلام المتقطّع الذي اشتهرت به فظنّه الجميع نبرتَها الطبيعية.

القلق المزمن الذي رافقها منذ الطفولة انعكس كذلك ضعفاً في الذاكرة. من المعروف عن مارلين مونرو أنها كانت تعيد تصوير بعض المشاهد والجُمَل القصيرة جداً عشرات المرّات بسبب نسيانها الكلام، مما اضطرّ المخرجين إلى ابتكار أساليب متعددة لمساعدتها.

كيف أصبحت مارلين شقراء؟

عام 1944 وفيما كانت نورما جين تعمل في مصنعٍ للذخائر العسكرية في كاليفورنيا، قصدَ المصوّر التابع للجيش الأميركي دافيد كونوفر المكان، من أجل التِقاط صورٍ للسيدات العاملات في تجميع المسيَّرات والمظلّات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية.

من بين الوجوه، استوقفَ وجهُ نورما عدستَه فالتقط لها الصور وشجّعها على خوض مجال عرض الأزياء. بناءً على تلك النصيحة، انضمّت إلى وكالة «بلو بوك» لعرض الأزياء في لوس أنجليس، حيث تعلّمت أصول المهنة وصبغت شعرها البنّيّ الفاتح باللون الأشقر. إلّا أنها لم تثبت على اللون البلاتيني الذي عُرفت به لاحقاً من التجربة الأولى، فمارلين مونرو اختبرت 9 تدّرجات مختلفة قبل أن تستقرّ على أشقرِها الشهير.

الصورة التي أطلقت مارلين إلى الشهرة بينما كانت تعمل في مصنع ذخائر عسكرية (ويكيميديا)

بابا كلارك وبابا لينكولن

لم تلتقِ مارلين مونرو أبداً بوالدها البيولوجي تشارلز جيفورد الذي رفض الاعتراف بها. وهي لطالما بحثت عن الأب الضائع فحاولت العثور عليه بين صفحات الكتب وعلى شاشة السينما.

خلال سنوات الطفولة، اعتقدت أنّ نجم هوليوود الممثل كلارك غيبل هو والدها فكانت تتفرّج على صوره وتُكلّمه على أنه كذلك. إلى أن جمعتهما صورةٌ واحدة وشراكة سينمائية في فيلم The Misfits عام 1961.

مارلين مونرو وكلارك غيبل خلال تصوير فيلمهما «The Misfits» عام 1961 (شركة United Artists)

الأب المتخيّل الثاني كان الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن (1809 - 1865)، والذي رأت فيه مونرو البطل ورمز الوالد المثالي. غالباً ما رافقها كتاب سيرته الذاتية، وهي قرأت كل ما يمتّ إليه بصِلة منذ سنّ صغير. اعترفت النجمة لكاتب مذكّراتها أنها تضع أبراهام لينكولن في مرتبة والدها؛ «كان حكيماً ولطيفاً، هو مثالي الأعلى. أحبّه».

مارلين مونرو تحمل صورة الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن في لوس أنجليس عام 1954 (إكس)

أجرٌ زهيد لمارلين

في أوج شهرتها وفيما كانت زميلاتٌ لها يتقاضين مئات آلاف الدولارات مقابل أدوارهنّ، اقتصر الراتب الأسبوعي لمارلين مونرو على 500 دولار عن أحد أشهر أفلامها «الرجال يفضّلون الشقراوات» (Gentlemen Prefer Blondes).

رفض كبار صنّاع السينما العالمية الاعتراف بمونرو على أنها ممثلة محترفة وجادّة، بل صنّفوها في خانة الشقراوات الجميلات، مما حرمَها الأجور التي كانت تُمنح لنجوم الدراما.

أمام ذاك الواقع الظالم، أسّست مونرو شركة الإنتاج الخاصة بها عام 1955، لتصبح بذلك ثاني رائدة أعمال سينمائية في تاريخ هوليوود. وهي لم تكتفِ بذلك للردّ على المشكّكين بقدراتها التمثيلية، إنما شاركت في دورات تدريبية كثيرة وصقلت موهبتها بجدّيّة.

مارلين وزيلدا زونك

من نورما جين إلى مارلين مونرو وصولاً إلى «زيلدا زونك»... ثلاثة أسماء لامرأةٍ واحدة. أما الثالثة فقد لجأت إليها النجمة للتخفّي من الأضواء. استخدمت مونرو اسم «زونك» الوهمي للسفر، وحجز غرف الفنادق سراً، تجنّباً للفت أنظار الصحافة. كما أنها اخترعت شخصيةً لزونك فكلّما خرجت منتحلةً صفتَها، وضعت شعراً مستعاراً داكناً، ونظّارات شمسية ومنديلاً على رأسها.

مارلين مونرو متنكّرةً بشخصية زيلدا زونك الوهميّة عام 1962 (فيسبوك)

جراحات خفيّة وأسرار جماليّة

استلزمت بسمةُ مارلين الأسطوريّة تدخّلاً تجميلياً من طبيب الأسنان. أما الجراحتان الترميميّتان اللتان خضعت لهما بين عامَي 1949 و1950 فكانتا طفيفتين. استهدفت الأولى طرف أنفها لمَنحه شكلاً يلائم الكاميرا، بينما خضعت في الثانية لزرع غضروف بقَريّ لتحديد خطّ الفَكّ لأنّ السيليكون لم يكن متوفراً حينذاك.

تجنّبت مارلين مونرو أشعّة الشمس حرصاً على بشرتها. وخوفاً من الشحوب والتعرّق، كانت تغسل وجهها 15 مرة في اليوم، كما دأبت على تغميس وجهها في وعاءٍ من مكعّبات الثلج والمياه الباردة لتحفيز الدورة الدموية، وللحدّ من الانتفاخ، وللحفاظ على اللون الزهري الطبيعي للوجنتَين. وبسبب اضطرارها إلى وضع كميات كبيرة من الماكياج، كانت تحضّر بشرتها بوضع طبقة رقيقة من الفازلين للحصول على لمسة متوهّجة تحت أضواء الاستوديو.

خضعت مونرو لجراحتين تجميليتين في الأنف والفكّ (شركة وارنر برذرز)

مارلين ملكة البروتين... و«اليوغا»

كانت مارلين مونرو تقول إنها «نصف أرنب» لفَرط ما كانت تتناول الجزر النيء إلى جانب حصّة البروتين اليومية. اعتمدت حميةً غنيةً باللحوم مبتعدةً عن الخبز والمعجّنات. أما عندما كانت تريد تدليل نفسها، فكانت تتناول حلوى «آيس كريم سنداي» أي مثلّجات الفانيلا مع صلصة الشوكولاته.

سارت الرشاقة بالتوازي مع الليونة في حياة مارلين مونرو، فهي كانت في طليعة من تبنّوا «اليوغا» في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. درستها على أيدي «سيدة اليوغا الأولى» الروسية إندرا ديفي، وبرعت في الوضعيّات التي تتطلّب توازناً وليونة على ما تشهد مجموعة من صورِها.

حافظت مونرو على رشاقتها بممارسة «اليوغا» وبحمية صارمة اخترقها حبها لمثلّجات الفانيلا (إنستغرام)

مارلين المثقّفة وجليسة الكتُب

لم تكتفِ مارلين مونرو بالجمال وحده، متحدّيةً مقولة «كوني جميلة واصمُتي». عُرفت بمكتبتها الكبيرة والتي ضمّت 400 كتاب. لم تكن تلك المكتبة مجرّد ديكور في البيت، بل كان الكتاب رفيقها الدائم، وغالباً ما شوهدت في مواقع التصوير غارقةً بين الصفحات عند انتهائها من مَشاهدها. أما كتّابُها المفضّلون فينتمون إلى خانة الأدب الصعب والنخبوي، من بينهم راينر ماريا ريلكه، وجيمس جويس، وفرانسيس سكوت فيتسجيرالد. كما كانت مولعة بالأدب الروسي وبأعمال دوستويفسكي، وتولستوي، وتشيخوف.

الشقراء والرئيس وفستان العيد

عن علاقة الرئيس الأميركي جون كينيدي ومارلين مونرو رُويَت حكايات كثيرة، بعضها مؤكّد، بينما بقي بعضها الآخر محطّ تساؤلات. من بين الروايات المؤكّدة أنّه، وخلال أحد لقاءاتهما الأولى في عشاء لدى الفنان بينغ كروسبي، تطرَّق الرئيس والنجمة إلى آلام العضل والعظام التي كانت تشكّل معاناةً مشتركة بينهما. وقد اتصلت حينها مونرو بمعالجها الفيزيائي الخاص ليقدّم بعض النصائح إلى الرئيس.

الصورة الوحيدة التي جمعت مونرو والرئيس كينيدي عام 1962 (ويكيميديا)

معلومةٌ أخرى أكّدتها الوثائق التاريخية، وهي تتعلّق بالفستان الذي ارتدته مونرو خلال أدائها التاريخي لـ«سنة حلوة سيّدي الرئيس» Happy Birthday Mr. President احتفالاً بعيد ميلاد كينيدي عام 1962. وتقول الحكاية إنّ الفستان خيطَ مباشرةً على جسد مونرو، لأنه كان ضيقاً للغاية وخالياً من أي أزرار أو فتحات تتيح ارتداءه أو خلعه.

لم تمُت في سريرها

عام 2022، عرضت منصة «نتفليكس» وثائقياً بعنوان «لغز مارلين مونرو: التسجيلات غير المسموعة». ووفق مقابلة مع الكاتب والصحافي أنتوني سامرز تضمّنها «الوثائقي»، فإنّ مونرو كانت لا تزال على قيد الحياة عندما نُقلت من بيتها إلى المستشفى بعد انتحارها، بناءً على شهادة والتر شيفر، صاحب شركة الإسعاف التي نقلتها. وأوضح شيفر أنّ «مونرو كانت لا تزال على قيد الحياة عند وصول المسعفين إليها، لكنها توفيت أثناء النقل، مما دفعهم إلى إعادتها إلى منزلها».

مدفن مارلين مونرو في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

رحلت مارلين مونرو عن 36 شمعة كانت كافية لتحويلها شهاباً متّقداً في سماء الفنّ والأناقة والجمال، منذ ما يقارب القرن وحتى اليوم.


مقالات ذات صلة

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية هايدن بانتير (رويترز)

وفاة الممثلة الأميركية هايدن بانتير بطلة «هيروز» و«ناشفيل» عن 36 عاماً

توفيت الممثلة الأميركية الشهيرة، هايدن بانتير، التي شاركت في بطولة المسلسلين التلفزيونيين «هيروز» و«ناشفيل»، عن عمر يناهز 36 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)

ميل غيبسون يحلم بالجزء الخامس من «سلاح مميت»... لكن هل فات الأوان؟

يعترف ميل غيبسون هذه الأيام بأن مشروعه المؤجل منذ سنوات ما زال في مرحلة التطوير، وأنه لا يوجد موعد محدد بعد لبدء تصويره أو انتقاله من صفحات السيناريو إلى…

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمغنية تايلور سويفت (أرشيفية - رويترز)

إزالة أغان لتايلور سويفت من منشورات للبيت الأبيض وحملة ترمب

أُزيلت بعض ‌أغاني تايلور سويفت من مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي نشرتها حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتخابية والبيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) وصورة من المنشور الذي نشره البيت الأبيض (أ.ب - إنستغرام)

انتقادات من محبي «مارفل» للبيت الأبيض بسبب استغلال «سبايدرمان»

أثار منشور للبيت الأبيض جدلاً واسعاً بعد أن استخدم صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لفيلم سبايدرمان، بالتزامن مع إطلاق الفيلم في دور العرض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
TT

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)
لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

لم تكن مجرد سحابة سوداء، بل كانت نهاية العالم كما عرفه البشر في العصر البرونزي. في عام 1613 قبل الميلاد، كانت اللوحة الزرقاء لبحر إيجة على موعد مع فصل جنائزي مرعب غير مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد.

هناك، حيث تزدهر حضارة المينويين أو (المينوسية) العريقة بأناقتها المعمارية، وأساطيلها التجارية، وقصورها التي تضج بالحياة في جزيرة كريت، والجزر المحيطة بها، كانت الأرض تخبئ غضباً لم تشهد البشرية له مثيلاً.

عندما انشقت الأرض وابتلعت الذاكرة

في ذلك اليوم البعيد، انفجر بركان جزيرة ثيرا (المعروفة اليوم باسم سانتوريني) بطاقة تعادل تفجير مئات القنابل النووية في لحظة واحدة.

لم يكن الانفجار مجرد حدث جيولوجي عابر، بل كان زلزالاً حضارياً مسح مدناً كاملة من الخريطة، وأطلق أمواج تسونامي عاتية عادلت ناطحات سحاب من المياه، لتضرب شواطئ كريت، وتغرق السفن والموانئ التي كانت عصب الإمبراطورية المينوية البحرية.

الرماد البرونزي الذي غطى السماء لسنوات لم يدفن المدن فقط، بل دفن معها الحقيقة، ليحولها بمرور القرون من حدث تاريخي واقعي إلى واحدة من أعظم الأساطير الغامضة في التاريخ: «شيفرة أطلنطس المفقودة».

فكيف تحول غضب الطبيعة في سانتوريني إلى الفردوس المفقود الذي خلده أفلاطون؟

ثيرا... قلب العصر البرونزي الذي تحول إلى رماد

قبل الكارثة لم تكن جزيرة ثيرا مجرد جبل بركاني، بل كانت مركزاً حضارياً مشعاً يعكس عبقرية المينويين. تشير الاكتشافات الأثرية في موقع «أكروتيري» بالجزيرة إلى وجود قاعات مزينة بجداريات ملونة مذهلة، وأنظمة صرف صحي متطورة، وبيوت من عدة طوابق تعكس رفاهية اجتماعية متقدمة.

صورة توثق الحفريات الأثرية في أكروتيري بسانتوريني عام 2018 حيث عُثر على قطع أثرية وتماثيل سليمة تماماً منذ 3600 عام (ويكيبيديا)

عندما بدأت الأرض تهتز، تعامل السكان بذكاء في البداية، حيث تظهر الأدلة الأثرية خلو الموقع من الجثث، مما يعني أنهم فروا قبل الانفجار الكبير.

لكن الفرار من الجزيرة لم يكن كافياً للنجاة من الجحيم القادم.

لقطة مقربة تكشف عن التصميم الإنشائي المتطور للمباني والساحات الداخلية في أكروتيري والتي هجرها سكانها قبل لحظات من ثوران البركان الكارثي تاركين أوانيهم الفخارية خلفهم (ويكيبيديا)

انهار قلب الجزيرة بالكامل داخل غرفة الصهارة الفارغة، مما أدى إلى تشكل «الكالديرا» الشهيرة التي نراها اليوم، وغرقت أجزاء واسعة من ثيرا تحت مياه البحر في غضون ساعات.

مشهد جوي يوثق لحظات الغروب الذهبي فوق كالديرا ثيرا (سانتوريني) في اليونان حيث تظهر الجزر البركانية محاطة بمياه بحر إيجة الزرقاء (ويكيبيديا)

أمواج تسونامي العاتية: الضربة القاضية لحضارة كريت

لم يكن الرماد والسخام اللذان حجبا ضوء الشمس عن سماء المتوسط هما الخطر الأوحد. كان الانهيار الهيكلي لجزيرة ثيرا بمثابة إسقاط حجر عملاق في حوض ماء، مما ولد أمواج تسونامي مرعبة اندفعت بسرعة الطائرات نحو جزيرة كريت، المركز النابض للحضارة المينوية، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات إلى الجنوب.

اجتاحت الأمواج التي قدر علماء البحار ارتفاعها بعشرات الأمتار السواحل الشمالية لكريت.

«بقايا الرواق البازيليكي في مدينة ثيرا الأثرية بجزيرة سانتوريني اليونانية (ويكيبيديا)

دمرت الموانئ بالكامل، وتحطمت الأساطيل التجارية والحربية التي كانت تحمي الجزيرة، وغمرت المياه الأراضي الزراعية الخصبة بالأملاح، مما تسبب في مجاعة فورية.

ورغم أن قصر «كنوسوس» الشهير نجا جزئياً لارتفاعه عن سطح البحر، فإن البنية التحتية والاقتصادية للمينويين تلقت ضربة قاضية لم تتعافَ منها أبداً، مما جعلهم لقمة سائغة للغزو الميسيني لاحقاً.

قصر مينوس كنوسوس باليونان (ويكيبيديا)

محاكمة النص الأفلاطوني: هل كانت أطلنطس هي كريت؟

تكمن الزاوية الأكثر إثارة في هذه الكارثة في الرابط المذهل الذي يجمعه المؤرخون وعلماء الآثار اليوم بين هذا الانفجار وأسطورة أطلنطس.

بعد نحو ألف عام من الكارثة، وتحديداً في القرن الرابع قبل الميلاد، كتب الفيلسوف اليوناني أفلاطون في حواريه الشهيرين «تيمايوس» و«كريتياس» عن قارة مفقودة متطورة للغاية، وغنية، ومحاطة بدوائر من المياه، وقد غرقت في البحر «في يوم وليلة من الكوارث».

واحدة من أشهر وأقدم الخرائط التخيلية في التاريخ لقارة أطلنطس المفقودة رسمها العالم والراهب الألماني الشهير أثناسيوس كيرشر عام 1665 ونُشرت في كتابه الشهير «العالم السفلي» (ويكيبيديا)

عقود طويلة من البحث قادت العلماء إلى استنتاج مثير: الوصف الذي قدمه أفلاطون لأطلنطس يتطابق بشكل مذهل مع شكل جزيرة ثيرا المينوية قبل انفجارها، وطبيعة الحضارة المينوية المتقدمة بحرياً، ومعمارياً.

يُعتقد أن القصة انتقلت عبر الأجيال من خلال الكهنة المصريين الذين سجلوا الكارثة المناخية التي تلت الانفجار، ومنهم وصلت إلى المشرع اليوناني سولون، ثم إلى أفلاطون الذي ربما أضاف لمسته الفلسفية والدرامية عليها.

الحل الجيولوجي للغز: العلم يصدق الأسطورة

في العصر الحديث قدم العلم الحديث إجابات قاطعة حول حجم الكارثة. أكدت العينات الجليدية المستخرجة من جزيرة غرينلاند، وفحص حلقات الأشجار القديمة، أن الانفجار وقع تقريباً في عام 1613 قبل الميلاد.

العالم أولوف رودبيك يستدعي أفلاطون وأرسطو وهوميروس ليشهدوا على نظريته المثيرة للجدل التي نقلت موقع أطلنطس الأسطوري إلى الشواطئ الإسكندنافية (ويكيبيديا)

وأثبتت الفحوصات الجيولوجية لترسبات القاع في البحر الأبيض المتوسط أن حجم المواد البركانية المقذوفة كان هائلاً لدرجة غيرت مناخ نصف الكرة الأرضية الشمالي لسنوات.

هذا التطابق بين البيانات الجيولوجية الحديثة ونصوص أفلاطون القديمة يفكك «شيفرة أطلنطس».

لم تكن أطلنطس مجرد خيال فني محض، بل كانت قراءة تاريخية مشوهة عبر الزمن لحدث حقيقي جسد نهاية مأساوية لحضارة المينويين التي ابتلعها البحر إثر واحدة من أعنف ثورات الأرض.

لقطة عامة لقرية أويا في جزيرة سانتوريني اليونانية (أ.ف.ب)

بينما نرى اليوم السياح يتوافدون على جزيرة سانتوريني للاستمتاع بمنظر غروب الشمس الساحر فوق جرف «الكالديرا»، قد لا يدرك الكثيرون أنهم يقفون على حافة المقبرة الجيولوجية التي أنجبت أعظم أسطورة غامضة في تاريخ البشرية.


14 جامعة سعودية ضمن أفضل ألف في تصنيف «شنغهاي»

الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
TT

14 جامعة سعودية ضمن أفضل ألف في تصنيف «شنغهاي»

الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)
الحضور السعودي في التصنيف يرتفع إلى 14 جامعة (واس)

سجَّلت الجامعات السعودية حضوراً في «التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم»، المعروف بتصنيف «شنغهاي»، لعام 2026، مع إدراج 14 جامعة ضمن قائمة أفضل ألف جامعة عالمياً، مقارنة بـ13 جامعة في نسخة 2025، بعد انضمام جامعة الحدود الشمالية إلى القائمة.

وتصدَّرت جامعة الملك سعود الجامعات السعودية ضمن القائمة، وجاءت في الشريحة من 151 إلى 200 عالمياً، تلتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في المرتبة الثانية محلياً، ضمن الشريحة من 201 إلى 300، في حين حلَّت جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن ثالثة سعودياً، في الشريحة من 301 إلى 400.

أما الشرائح التالية، فقد ضمَّت الشريحة من 401 إلى 500 جامعتَي الملك خالد والطائف، اللتين تقاسمتا المركزين الرابع والخامس محلياً، في حين جاءت جامعة الملك عبد العزيز سادسة سعودياً، ضمن الشريحة من 501 إلى 600.

وفي الشريحة من 601 إلى 700، حلَّت جامعتا الإمام محمد بن سعود الإسلامية والملك فهد للبترول والمعادن في المركزين السابع والثامن سعودياً. وجاءت جامعات الملك فيصل، والأمير سطام بن عبد العزيز، والقصيم، ضمن الشريحة من 701 إلى 800، وفي المراكز من التاسع إلى الحادي عشر محلياً.

واكتملت القائمة السعودية بجامعات جازان، والحدود الشمالية، وأم القرى، التي حلَّت ضمن الشريحة من 901 إلى ألف، وتقاسمت المراكز من الثاني عشر إلى الرابع عشر محلياً.

وشهد هذا العام حضور جامعة الحدود الشمالية في التصنيف، ليرتفع عدد الجامعات السعودية إلى 14 جامعة، وتتصدَّر من حيث عدد الجامعات الحاضرة في التصنيف قائمة الدول العربية، ودولاً إقليمية أخرى.

ويُعدّ تصنيف «شنغهاي» من أبرز المقاييس العالمية لتقييم أفضل ألف جامعة سنوياً؛ إذ يرتكز على معايير أكاديمية وبحثية صارمة، تشمل جودة التعليم، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، ونوعية المخرجات البحثية وحجمها، إضافة إلى تقييم الأداء الأكاديمي الشامل مقارنة بحجم المؤسسة. ومع ذلك، فهو لا يمنح الجامعات الواقعة داخل الشريحة نفسها ترتيباً فردياً، بل يعرضها أبجدياً؛ ولذلك لا يمكن تفضيل جامعة على أخرى داخل النطاق العالمي نفسه.

وأظهرت المقارنة مع نتائج 2025 تقدُّم جامعة الطائف من الشريحة 601–700 إلى 401–500، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من 901–1000 إلى 601–700، إلى جانب تقدُّم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من 701–800 إلى 601–700، وانتقال جامعتَي الملك فيصل والقصيم من 801–900 إلى 701–800. وفي المقابل، انتقلت جامعة الملك سعود من الشريحة 101–150 إلى 151–200، مع احتفاظها بصدارة الجامعات السعودية.

وصدر تصنيف 2026 خلال الشهر الحالي، ويقيّم سنوياً أكثر من 2500 جامعة، قبل نشر أفضل ألف منها. وترتكز منهجيته على 6 مؤشرات تتصل أساساً بالأداء البحثي، وتشمل الفائزين بجوائز «نوبل» وميداليات «فيلدز» من الخريجين وأعضاء هيئة التدريس، وأعلى الباحثين استشهاداً، والأبحاث، إلى جانب الأداء الأكاديمي قياساً إلى حجم الهيئة التدريسية.


الرياض تطلق «الحي الرقمي» لتعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للمواهب والابتكار

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

الرياض تطلق «الحي الرقمي» لتعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للمواهب والابتكار

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

أعلن مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، الخميس، إطلاق «الحي الرقمي بالرياض»، إحدى أهم مبادراتها الاستراتيجية الرامية إلى جذب الكفاءات التقنية العالمية، والجمع بين المواهب وريادة الأعمال، وبناء اقتصاد معرفي يعتمد على القيادة الرقمية والابتكار التقني، بما يعزز مكانة العاصمة مركزاً عالمياً للمواهب التقنية والإبداع الرقمي، ويضعها ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم، تحقيقاً لمستهدفات «رؤية السعودية 2030».

وقال المهندس إبراهيم السلطان، عضو مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي للهيئة، إن هذه المبادرة النوعية تحفّز على جعل الرياض وجهة عالمية للمواهب والشركات التقنية العالمية ولريادة الأعمال الرقمية، وتهدف إلى جعل المدينة ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم، موجهاً الشكر والامتنان إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير محمد بن سلمان، لدعمهما مشروعات الهيئة ورعايتهما لها.

وأضاف: «تعكس هذه الخطوة حرص القيادة الرشيدة ورعايتها للمضي بالعاصمة نحو آفاق قيادية عالميَّة في القطاعات المستقبلية الواعدة؛ تحقيقاً لمستهدفات (رؤية السعودية 2030) في بناء وتنمية اقتصاد متنوِّع ومزدهر يعتمد على القيادة الرقمية، والابتكار التقني، وتعزيزاً لدور المملكة في التحوُّل الرقمي، واحتضان المبادرات الرقمية المحفزة للإبداع، واستشراف المستقبل».

ويركز الحي على استقطاب الشركات والكفاءات التقنية المتخصِّصة في 6 مجالات أساسية، تشمل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، والحوسبة والخدمات السحابية، وإنترنت الأشياء، وتقنية سلاسل الكتل، والروبوتات والطائرات من دون طيار. وتستحوذ هذه المجالات الستة على الحصة العظمى من إجمالي الاستثمارات العالمية في شركات الابتكار التقني، مما يؤكد أهميتها المحورية في دفع النمو والتطوُّر المستقبلي.

أطلق مجلس إدارة الهيئة الملكية لمدينة الرياض مبادرة «الحي الرقمي بالرياض»؛ في خطوة تعزز مكانة العاصمة مركزاً عالمياً للمواهب التقنية والإبداع الرقمي، عبر استقطاب الكفاءات النوعية، وتمكين ريادة الأعمال، وبناء اقتصاد رقمي يمكّن الابتكار والقيادة الرقمية، بما يسهم في تحقيق مستهدف جعل الرياض ضمن أفضل 10 مناطق تقنية في العالم.

مفهوم تطويري للأحياء

يُعدّ «الحي الرقمي بالرياض» إحدى المبادرات التي تشرف عليها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ويقوم على مفهوم تطويري يركز على بناء بيئة أعمال رقمية متكاملة داخل المدينة، لاحتضان الشركات والمواهب والاستثمارات التقنية، وتنمية الاقتصاد الرقمي للعاصمة وتعزيز مكانتها، لتكون إحدى أفضل 10 مناطق تقنية في العالم.

ويمثِّل الحي، حسب تفاصيل المبادرة على موقع الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بيئة ممكِّنة تقنياً وتنظيمياً للشركات التقنية العالمية والإقليمية والشركات الناشئة، لتؤسس أعمالها في الرياض وتتوسَّع منها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال مساحات مخصَّصة وقريبة من الشركات والمجتمعات التقنية، إلى جانب فرص للتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص. وسيتوسَّع نطاق خدمات الدعم ويتطوَّر مع كل مرحلة من مراحل المبادرة.

ويسهم الحي في تطوير الكفاءات التقنية والرقمية، واستقطاب الاستثمارات، وإيجاد فرص عمل مستدامة تدعم الاقتصاد الرقمي لمدينة الرياض، من خلال مساعدة الشركات على بناء فرقها التقنية وتوسيع عملياتها في المدينة. كما يبني الحي مجتمعاً تقنياً نشطاً يجمع المؤسسين والمهندسين والباحثين والمستثمرين، عبر لقاءات وفعاليات مفتوحة تُنظَّم دورياً.