نائب رئيس «روساتوم»: نتعاون مع السعودية لبناء مفاعلات نووية صغيرة

فورونكوف لـ «الشرق الأوسط»: نسعى لتشغيل مراكز بحوث متخصصة وتطوير طبي وتطبيق تقنيات في الزراعة وتحلية المياه

ألكسندر فورونكوف نائب رئيس «روساتوم» الروسية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ألكسندر فورونكوف نائب رئيس «روساتوم» الروسية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
TT

نائب رئيس «روساتوم»: نتعاون مع السعودية لبناء مفاعلات نووية صغيرة

ألكسندر فورونكوف نائب رئيس «روساتوم» الروسية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ألكسندر فورونكوف نائب رئيس «روساتوم» الروسية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

كشفت شركة روساتوم للطاقة الروسية أن التعاون قائم مع السعودية، في إطار تنفيذ خريطة طريق مشتركة لبناء مفاعلات صغيرة ومتوسطة الحجم، وبرنامج دورة الوقود، بجانب تدريب عاملين على البرنامج النووي الوطني وتطوير البنية التحتية النووية في المملكة. وأكد نائب رئيس شركة روساتوم الروسية لشؤن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ألكسندر فورونكوف، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على فائدة المفاعلات النووية اقتصادياً حيث ستحفز التنمية في مختلف الصناعات، مضيفاً أن وظيفة واحدة في بناء محطات الطاقة النووية تخلق أكثر من 10 وظائف في الصناعات ذات الصلة.
ويلفت نائب رئيس «روساتوم»، التي تملك خبرة 70 عاماً في مجالات الطاقة، إلى استعداد الشركة الروسية لتقديم الموارد والكفاءات لتطوير الطاقة النووية في السعودية، موضحاً أن التعاون مع الجانب السعودي يشمل مجال بناء وتشغيل مفاعلات الأبحاث، وتطوير الطب النووي، وإنشاء مراكز البحوث النووية، وتطبيق التقنيات النووية في الزراعة وتحلية المياه. وإلى نص الحوار...
> دعنا نتحدث عن سر العلاقات السعودية الروسية في مجال الطاقة، كيف ترون تنميتها؟ وفي أي المجالات تلمسون تفاعلها؟
- في مجال الطاقة، أنا معني بالحديث عن شركة «روساتوم» حيث تعتبر السعودية شريكاً استراتيجياً لنا، فنحن نسعى جاهدين لتطوير تعاون طويل الأمد مع المملكة على جدول أعمال واسع للاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ولا يتعلق الأمر فقط بالتنافس على بناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد، ولكن أيضاً حول كثير من المبادرات الأخرى في الصناعات ذات الصلة. فمنذ العام 2017 تتعاون الشركة مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، في إطار تنفيذ خريطة طريق مشتركة للتعاون في بناء مفاعلات صغيرة ومتوسطة الحجم، ودورة الوقود، وأيضاً تدريب الموظفين على البرنامج النووي الوطني وتطوير البنية التحتية النووية للبلاد.
> تشارك «روساتوم» في مناقصة مع دول أخرى لإبرام عقد مع السعودية لبناء مفاعلات نووية، فما المساهمة التي يمكن أن تقدمها شركة روسية لتطوير الطاقة الذرية في السعودية؟
- باعتبارنا إحدى رواد التكنولوجيا العالميين، يمكن لـ«روساتوم» الحكومية أن تقدم مواردها وكفاءاتها وخبرة 70 عاماً لتطوير الطاقة النووية في السعودية، من بناء محطات الطاقة النووية أو المفاعلات الصغيرة والمتوسطة الحجم، إلى تطوير البنية التحتية وتدريب الموظفين وتوفير الدعم على جميع مستويات سلسلة الإنتاج، بما في ذلك وقف تشغيل محطات الطاقة النووية والتخلص من نفاياتها. الشركة قامت بتطوير وتطبيق التكنولوجيا المبتكرة بنجاح من أحدث جيل من مفاعلات طاقة الماء إلى الماء «VVER 3+» وهذه هي التكنولوجيا التي تم اقتراحها على السعودية.
بطبيعة الحال، جميع الدول المشاركة في مناقصة بناء محطات الطاقة النووية لديها حلول موثوقة وفعالة، لكنه في الوقت نفسه تختلف تقنية «VVER» بشكل إيجابي في عدد من الخصائص التكنولوجية. في المقام الأول، نقدم مجموعة فاعلة ومتوازنة من أنظمة الأمان. بالإضافة إلى ذلك، نرى ميزة استراتيجية، وهي القيام عملياً بتشغيل 3 وحدات للطاقة بمفاعلات «VVER 3+» في روسيا. ووفقاً لهذه التجربة الراسخة، نرى أن «روساتوم» قادرة على مساعدة السعودية في إنشاء القاعدة التنظيمية والبنية التحتية النووية، وسنعطي قوة دفع كبيرة لتطوير برنامج الطاقة النووية في البلاد.
> ما المشروعات التي يتم تنفيذها حالياً في السعودية؟ ومتى سيتم الانتهاء من بناء المفاعلات النووية؟
- منذ عام 2017، تم تنفيذ «خريطة الطريق» - برنامج تعاون بين «روساتوم» ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية - حيث حددت مجالات التعاون في مجال إنشاء وتنفيذ المفاعلات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتطوير البنية التحتية النووية والبحثية. كما نشارك في حوار نشط مع الشركات السعودية، فنظمنا حلقات دراسية نتحدث فيها عن التقنيات النووية الروسية الحديثة، ونناقش خيارات التعاون مع المؤسسات المحلية في إطار مشروع بناء محطة للطاقة النووية في السعودية وفي دول ثالثة، بالإضافة إلى الخطوط العريضة لإمكانات التعاون في مجالات أخرى. خلال العام الماضي، عقدنا بالفعل ندوتين من هذا القبيل في الرياض والدمام.
> ما مجالات الطاقة النووية الأكثر طلباً في السعودية؟
- نقولها بصراحة وشفافية تامة؛ «روساتوم» مستعدة لعرض الحلول المتاحة على السعودية في مجالات الطاقة وغير الطاقة التي تستخدم التكنولوجيا النووية. القرار يرجع إلى شركائنا هنا في المملكة، من جانبنا، يمكننا أن نؤكد على أن الشركة مستعدة للتعاون في مجال بناء وتشغيل مفاعلات الأبحاث، وتطوير الطب النووي، وإنشاء مراكز البحوث النووية، وتطبيق التقنيات النووية في الزراعة وتحلية المياه، هكذا بثقة نقول إن قدرات الشركة غير محدودة.
> دائماً ما نسمع بالأغراض السلمية لاستخدام المفاعلات النووية، لكن ما فائدتها الاقتصادية؟
- تعد المفاعلات النووية مشروعات بنية تحتية هامة. حيث يحفز بناؤها التنمية في مختلف الصناعات. وإذا تحدثنا بلغة الأرقام، وفقاً لحساباتنا، في المتوسط، فإن كل دولار واحد يتم استثماره في إنشاء محطة طاقة نووية باستخدام التقنيات الروسية، سيحقق في مقابله 7.5 دولار، وهي تفصيلاً؛ دولاران على شكل إيرادات للجهة المستفيدة، وما يقرب من 1.5 دولار تذهب إيرادات للضرائب، ونحو 4 دولارات في الناتج المحلي الإجمالي الوطني.
إن استخدام التقنيات النووية على المدى الطويل يخلق فرصاً لتحسين نوعية حياة الإنسان، لأنه يمكن استخدامها ليس فقط في قطاع الطاقة، لكن أيضاً في كثير من المجالات ذات الأهمية الاجتماعية، على سبيل المثال في الطب أو الزراعة.
بالإضافة إلى ذلك، تتطلب هذه المشروعات تدريب الكوادر العلمية والهندسية، ما يؤثر على تطوير مجالات التعليم والعلوم، ويساهم كذلك في النمو التوظيفي. ووفقاً لتقديراتنا، فإن وظيفة واحدة في بناء محطات الطاقة النووية تخلق أكثر من 10 وظائف في الصناعات ذات الصلة. بناء محطات الطاقة النووية له تأثير كبير على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
هناك أيضاً تأثير غير مباشر، وهو زيادة الطلبات من الشركات العاملة في الصناعات ذات الصلة كقطاع المقاولات وموردي المواد والمعدات الإنشائية والمرافق وكثير من الخدمات الأخرى التي تقدمها الشركات المحلية لمقاولي المشروعات لبناء محطة الطاقة النووية. كما سيضمن نمو طلبيات الصناعات التي تلبي طلب المستهلكين.
> تريد أن تقول إن انعكاساتها الاقتصادية متمددة على أنشطة واسعة، أليس كذلك؟
- الانعكاس يصل إلى الناتج القومي مباشرة؛ حيث إنه في مرحلة تشغيل محطة للطاقة النووية وباعتباره مشروع بنية تحتية كبيراً، يقدم أيضاً مساهمة كبيرة في ميزانية الدولة، من خلال الاستقطاعات الضريبية. هناك تأثير مهم آخر، وهو التأثير على تكلفة الكهرباء الناتجة عن محطات الطاقة النووية. الحقيقة هي أن الوقود النووي المستخدم لتشغيل المحطات النووية مستقل عملياً عن التقلبات في أسعار السوق العالمية؛ حيث إن مكون الوقود في تكلفة الكهرباء لمحطات الطاقة النووية هو نحو 4 إلى 5 في المائة بالمقارنة باستخدام المواد الأخرى، ويكون مكون الوقود في التكلفة الأولية نحو 60 إلى 70 في المائة. أي إنه يحمي تكلفة كيلووات ذرية في الساعة من التقلبات في سوق السلع الأساسية، وبالتالي يضمن التنمية المستدامة والاستثمار في المشروعات الصناعية التي تتطلب إمدادات ثابتة من الكهرباء بأسعار يمكن التنبؤ بها، وجذابة، لعشرات السنين.
> هل سيكون هناك تدريب للمتخصصين السعوديين في تشغيل المفاعل والتكنولوجيا النووية؟
- تولي «روساتوم» أهمية كبيرة لتدريب الموظفين المؤهلين تأهيلاً عالياً للعمل في محطات الطاقة النووية وغيرها من المشروعات المتعلقة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتتم مناقشة قضايا التدريب للمهنيين السعوديين بنشاط في إطار اتفاقيات التعاون مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة؛ حيث قدمنا إلى الشريك اقتراحاً محسناً لتدريب الموظفين لا يلبي المتطلبات المحددة فحسب، بل أيضاً التحديات التي حددتها المملكة في استراتيجية التنمية للبلاد حتى العام 2030. ومن أجل تطوير التعليم النووي في السعودية، نحن على استعداد لتسهيل تفاعل المؤسسات التعليمية البارزة في كلا البلدين، وكذلك توفير حصص للتعليم النووي العالي المجاني في روسيا.
>تعلمون أن السائد المعرفي عن مناشط الطاقة النووية يكون في الجانب السالب فيما يخص البيئة والتأثيرات على الجوار وغيرها، ما خطتكم لإبلاغ سكان السعودية حول الأثر البيئي للمشروع؟
- مما لا شك فيه، أن زيادة مستوى قبول الجمهور للطاقة النووية ومستوى المعرفة العامة حول محطات الطاقة النووية، وفوائدها والسلامة البيئية هي مجموعة من المهام الحاسمة في تنفيذ المشروعات في مجال الطاقة النووية. يمكن الحكم على النجاح في هذا الاتجاه بمثال روسيا؛ حيث يصل مستوى دعم الطاقة النووية في المجتمع إلى 75 في المائة. علاوة على ذلك، نلاحظ أنه كلما اقتربنا من مشروعات الصناعة النووية، كلما ارتفع مستوى الثقة. في بعض المدن، تصل نسبة الدعم لمحطات الطاقة النووية إلى 100 في المائة تقريباً. وذلك لأن السكان المحليين يعيشون بالقرب من المنشآت النووية، وكثير منهم يعملون بها أو أن أفراد أسرهم يعملون بها، في أدنى التقديرات. لكن الناس يرون بأعينهم مدى أمان المحطة، ويرون الفوائد الاقتصادية والاجتماعية التي تجلبها المحطة النووية إلى المنطقة وعائلاتهم بشكل خاص. بالنسبة لمعظم أولئك الذين يعملون بها، فإن محطات الطاقة النووية هي مصدر الاستقرار لعائلاتهم، كما أن فيها مصدر دخل جيداً لأن الرواتب في المحطة أعلى من المتوسط. وتعد محطة الطاقة النووية دافعاً رئيسياً للضرائب في المنطقة، وهي أيضاً شريك في المسؤولية الاجتماعية وتشارك في البرامج التي تهدف إلى دعم المؤسسات التعليمية والرياضية والثقافية. لذلك، ليس من المستغرب، على سبيل المثال، في مدينة نوفوفورونيغ الروسية؛ حيث يوجد مفاعلان من الجيل المبتكر «3+» من وحدات الطاقة النووية (وحدات الطاقة الأولى والثانية في نوفوفورونيغ)، ترى مستوى الدعم العام للطاقة النووية هناك يتجاوز 90 في المائة. لقد تراكمت لدينا سنوات كثيرة من الخبرة في التعاون في هذا الاتجاه، ونحن نطبق أفضل الممارسات الدولية ومستعدون لتقديم جميع أنواع الدعم في جهود الجانب السعودي لزيادة قبول الجمهور للطاقة النووية وإبلاغ السكان بمزاياها.
> المناخ أحد أسباب الاهتمام المتزايد بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية في جميع أنحاء العالم، هل يساعد انضمام السعودية إلى مجموعة من الدول التي تستخدم الطاقة النووية في وقف تغير المناخ؟
- تعد الطاقة النووية من المصادر النظيفة، واستخدامها ليس له تأثير ضار على الغلاف الجوي، مثل تشغيل محطات الطاقة العاملة على مصادر الطاقة الأحفورية. على سبيل المثال، في أوروبا، تتجنب المنشآت النووية سنوياً انبعاث 700 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون. ووفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، من أجل الحد من الاحتباس الحراري في حدود ما لا يزيد عن درجتين مئويتين مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، من الضروري زيادة الطاقة النووية في العالم بمقدار 20 غيغاوات كل عام. بطبيعة الحال، فإن استخدام الطاقة النووية ليس هو الحل الوحيد الممكن لهذه المشكلة العالمية، ولكن كل دولة تقوم بتطوير الطاقة النووية تقدم مساهمة كبيرة في التغلب عليها. لقد اعتمد كثير من الدول في جميع أنحاء العالم بالفعل على الطاقة النووية كأحد الأدوات لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة وتقليل حصة الهيدروكربونات في ميزان الطاقة. ويكمن مستقبل الطاقة في توازن متنوع من التقنيات منخفضة الكربون التي تضمن القدرة على تحمل التكاليف وأمن الإمداد والحد الأدنى من التأثير البيئي.
> تنشطون في الشمال الأفريقي، ما فوائد استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية في هذه البلدان من وجهة نظر «روساتوم»؟
- يوجد الآن طلب عالمي على الطاقة النظيفة والموثوقة بسعر في المتناول. الطاقة النووية هي واحدة من المصادر الرئيسية للطاقة النظيفة منخفضة الكربون. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تحفز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يساعد على تحسين مستوى المعيشة. تتمثل خصوصية منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أنها غنية باحتياطيات النفط والغاز، لكن الاتجاهات العالمية تتطلب انتقال البلدان في هذه المنطقة لاستخدام مصادر الطاقة الصديقة للبيئة، وتقليل الاعتماد على الهيدروكربونات وتنويع ميزان الطاقة. وفي الوقت نفسه، يتيح لنا استخدام الطاقة الذرية إخراج مزيد من المواد الهيدروكربونية للتصدير، وهو ما يمثل أيضاً مساهمة كبيرة في اقتصاد دول الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

الاقتصاد عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030».

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، عبر تطوير منظومات تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات، وتعزيز الاستدامة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

الاقتصاد السعودي يكسر حاجز التريليون دولار بنمو 80 % منذ انطلاق «رؤية 2030»

يقف الاقتصاد السعودي اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من النضج المالي والاستراتيجي، مدفوعاً بنتائج قياسية عكسها تقرير «رؤية 2030» لعام 2025.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«رؤية 2030» تدخل مرحلتها الثالثة بتحقيق 93 % من مؤشرات الأداء

تدخل السعودية عام 2026 المرحلة الثالثة لـ«رؤية 2030»، بعد سنوات من الإصلاحات أعادت خلالها تشكيل هيكل اقتصادها.

زينب علي (الرياض)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)
عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030». هذه الرحلة لم توجد بيئة تنافسية فحسب، بل حققت قمة تاريخية في الاستكشاف التعديني، حيث قفز الإنفاق لكل كيلومتر مربع من 105 ريالات (28 دولاراً) في 2020 إلى 539 ريالاً (143 دولاراً) حالياً، متجاوزاً المستهدفات المرسومة عند 200 ريال (53 دولاراً) بمراتب عديدة. بينما استطاعت المملكة من خلال رؤيتها رفع الاستثمارات الصناعية إلى 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، بعد أن كانت نحو 963 مليون ريال (256 مليون دولار) في 2020.

وبدأت الحكومة المرحلة الرابعة من إطلاق «رؤية 2030» عام 2016 التي استشرفت مستقبل التعدين واهتمت بتطويره، بوصفه قطاعاً استراتيجياً يولِّد الوظائف وفرص الاستثمار، ويدعم الصناعة، مستندة في ذلك على ما بُني طوال المراحل الثلاث السابقة، ومقتنصة فرصة ما تزخر به أرض المملكة من معادن ثمينة ونادرة وحرجة، لتعطي القطاع ميزة تنافسية تدفعه للتقدم أكثر، وتعزيز مكانته في جذب الاستثمارات التعدينية، والتكامل مع القطاع الصناعي ودعم نموه، عبر تزويده بالمعادن التي تحتاج إليها صناعات واعدة واستراتيجية وعالية التقنية.

وضمن جهود المملكة لتعزيز القطاع وتحفيز الاستثمار فيه، تمكَّنت خلال العام الماضي من إطلاق مبادرة استوديو الابتكار التعديني، وإطلاق المنافسة العالمية للابتكار في المعادن «رواد مستقبل المعادن»، وكذلك تدشين أكاديمية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وإطلاق منصتها الإلكترونية، وأيضاً انتقال إصدار الترخيص الصناعي لمزاولة صناعة المعادن الثمينة والأحجار الكريمة إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية.

جذب الاستثمارات

أصبحت المملكة اليوم من بين الدول الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني، وهو ما يجعلها مصدراً موثوقاً في تثبيت دعائم أمن واستقرار سلاسل الإمداد التعدينية. إذ زادت القيمة المقدَّرة للثروات المعدنية إلى أكثر من 9.4 تريليون ريال (2.5 تريليون دولار)، بنمو بلغ نحو 90 في المائة، مقارنة بعام 2016، مع قفزة في قيمة المعادن الأرضية النادرة التي قُدِّرت قيمتها بـ375 مليار ريال (100 مليار دولار).

وقد انعكس هذا التطور في التقارير الدولية؛ إذ حلت المملكة في المرتبة العاشرة عالمياً حسب تقرير معهد فريزر الكندي 2025. وجاءت في المرتبة العاشرة خلال العام المنصرم، والأولى عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بنظام الضريبة التعدينية، والمؤشر الفرعي الخاص بالاتساق التنظيمي وعدم التعارض، بالإضافة إلى مؤشر وضوح لوائح النظام التعديني وكفاءة الإدارة التنفيذية.

وحلَّت المملكة ثالثة في المؤشر الفرعي الخاص باستقرار ووضوح التشريعات البيئية، وأيضاً في مؤشر التعامل مع مطالبات الأراضي وتنمية المجتمعات المحيطة، والرابعة عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بالسياسات والتشريعات.

الرخص التعدينية

على صعيد العمل الميداني، نما عدد رخص الاستغلال التعديني إلى 275 رخصة، وزاد عدد رخص الكشف إلى أكثر من ألف رخصة، مقابل 50 رخصة فقط في 2015.

وتسارعت أعمال المسح الجيولوجي إلى 65 في المائة في 2025، مما أدى لاكتشافات أولية في نجران (جنوب المملكة) بنحو 11 مليون طن من المعادن (ذهب، وفضة، وزنك، ونحاس)، مما رفع قيمة الثروات غير المستغلة إلى أكثر من 227 مليار ريال (60.5 مليار دولار).

النهضة الصناعية

في ملف الصناعة، حققت المملكة خلال العام الفائت عدداً من المنجزات، لعل أبرزها وصول بلوغ عدد المصانع المنتشرة في أنحاء المملكة نحو 12.9 ألف مصنع منتشرة في أنحاء المملكة، مقارنة بـ7.2 ألف في 2016. ونمت الاستثمارات لتصل إلى 1.2 مليار ريال في 2025.

كما وافقت الحكومة على وثيقة مشروع تخصيص مصنع الملابس والتجهيزات العسكرية، وأطلقت الأكاديمية الوطنية لصناعة الأسمنت، وكذلك أطلقت تجمع صناعات الطيران بواحة مدن في جدة، والإعلان عن اشتراطات ممارسة الأنشطة الصناعية خارج المواقع المخصصة للأنشطة الصناعية.

أحد المصانع السعودية (واس)

ومن خلال برنامج «صُنع في السعودية»، استطاعت الحكومة تصدير أكثر من 3 آلاف منتج إلى ما يزيد على 74 دولة، في شبكة تربط بين المصدِّرين المحليين والمشترين.

وتمكن صندوق التنمية الصناعية من تقديم 4.5 مليار ريال كقروض تمويلية خلال النصف الأول من عام 2025، وتمويل 300 مشروع خلال الفترة من 2022 إلى 2024.

وقدَّم بنك التصدير والاستيراد السعودي تسهيلات ائتمانية في 2025، بلغت 116 مليار ريال. أما المدن الصناعية فقد أتاحت 2200 مصنع جاهز حتى منتصف العام الفائت.

المنتجات السعودية

توسعت المملكة في دعم المنتج المحلي؛ حيث تجاوزت المنتجات في القائمة الإلزامية 1.6 ألف منتج في 2025، من 100 منتج في 2019، في حين ارتفع عدد المصانع المستفيدة من هذه القائمة بما يتجاوز 6.7 ألف مصنع في العام السابق.

واستثمرت المملكة في تطوير البيئة الصناعية وربطها بالموانئ والطرق، وعملت على تطويرها، ما جعلها جاهزة ومحفزة لاحتضان المصانع، وتمكين صناعات واعدة واستراتيجية، وتوطينها.

وتحتضن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات، الذي يضم مصانع مثل «لوسِد»، و«سير» و«هيونداي»، وغيرها.

مصنع تابع لشركة «لوسِد» في السعودية (واس)

وتم إطلاق أول مصنع متخصص في أنظمة طاقة الرياض في ينبع الصناعية، ومجمعين صناعيين نوعيين في المنطقة الشرقية، وكذلك أكبر مصنع لأغشية التناضح العكسي، بالإضافة إلى اقتراب إنجاز أكبر مصنع لقاحات في الشرق الأوسط، بمدينة سدير للصناعات والأعمال.

وحقق برنامج مصانع المستقبل الذي يهدف إلى تمكين المصانع من تبني التقنيات الحديثة، الوصول إلى 3900 مصنع، في حين أن المستهدف 4000 مصنع.

وضمن مبادرات البرنامج السعودي لأشباه الموصلات، تمت صناعة 25 رقاقة إلكترونية بأيدٍ سعودية، تستخدم في تطبيقات متنوعة؛ كالإلكترونيات، والاتصالات اللاسلكية، والترددات العالية، والإضافة الموفرة للطاقة، وغيرها.


السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
TT

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)
فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، من خلال تطوير منظومات متكاملة تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات الحيوية، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفق ما ورد في «تقرير رؤية 2030» للعام 2025.

على مدار سنوات طويلة، عززت المملكة قدراتها الغذائية، والزراعية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي بوصفه أساساً للاستقرار، والرخاء. واستمرت هذه الجهود حتى جاءت «رؤية 2030» التي أكملت المسار، واضعةً أسساً وممكنات تتواكب مع تحديات المرحلة، ومتغيراتها.

وأُعيدت هيكلة منظومة الغذاء، والزراعة، حيث أُسست الهيئة العامة للأمن الغذائي لإدارة أمن الغذاء، والمخزون الاستراتيجي، كما جرى تخصيص مطاحن الدقيق عبر أربع شركات لتحقيق الكفاءة التشغيلية.

برامج ومبادرات

وامتد التطوير إلى برامج ومبادرات داعمة للمزارعين، من أبرزها برنامج الإعانات الزراعية، وبرنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف)، إضافة إلى إصدار نظام صندوق التنمية الزراعية بما يواكب التحول في القطاع. كما أُطلق نظام الإنذار المبكر المطور للأغذية، الذي يهدف إلى متابعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومستويات المخزونات المحلية للسلع الاستراتيجية، بما يعزز اتخاذ القرار، ويضمن استدامة واستقرار أسواق الغذاء. ولتعزيز كفاءة الإنتاج، تم دعم تبني التقنيات الزراعية الحديثة، إضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للحد من الفقد، والهدر في الغذاء (لتدوم).

رجل وابنه في موسم حصاد الورد الطائفي (وزارة السياحة)

كما تسهم «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) في دعم استدامة الغذاء، من خلال استثماراتها في الداخل، والخارج، إضافة إلى تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب» بالتعاون مع «الشركة الوطنية للنقل البحري» (بحري) لتعزيز سلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي.

وأُنشئت أيضاً «الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب» (سابل) لإدارة الصوامع، والخزن الاستراتيجي للقمح، إضافة إلى تطوير محطة الحبوب في ميناء ينبع التجاري بمساحة 313 ألف متر مربع.

الاكتفاء الذاتي في 2025

سجلت المملكة نسب اكتفاء ذاتي في عدد من السلع الغذائية خلال عام 2025 على النحو التالي:

- لحوم الدواجن: 76 في المائة.

- بيض المائدة: 105 في المائة.

- الأسماك والروبيان: 69 في المائة.

- الألبان: 120 في المائة.

- اللحوم الحمراء: 55 في المائة.

موظف يطعم الأبقار في إحدى مزارع «المراعي» السعودية (الشركة)

مركز عالمي في الأغذية

هذا وتواصل المملكة تطوير سوق المنتجات والخدمات الغذائية بوصفه قطاعاً استراتيجياً، مستفيدة من نمو القاعدة الزراعية، وارتفاع الإنتاج، وتطور الصناعات الغذائية، إلى جانب كون السوق السعودية الكبرى في المنطقة.

متجر نوق (سواني)

وشهد القطاع تأسيس شركات وطنية متخصصة، منها: شركة «تطوير منتجات الحلال» (حلال)، وشركة «سواني» لمنتجات حليب الإبل، وشركة «تراث المدينة» (ميلاف) لمنتجات التمور، و«الشركة السعودية للقهوة» (جازين).

كما تواصل «الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني» (سالك) دورها في دعم استدامة الغذاء، من خلال 13 استثماراً في 7 دول، و5 قارات، إضافة إلى مساهمتها في تأسيس «الشركة الوطنية للحبوب».

وفي إطار تعزيز تنافسية السوق، أُنشئ المركز السعودي للحلال لمنح شهادات اعتماد للمنتجات وفق المعايير الشرعية.

كما تطورت البنية التحتية للقطاع، من خلال التجمع الغذائي في جدة بوصفه الأكبر عالمياً، ومجمع صناعات الألبان في الخرج، إضافة إلى الإعلان عن مدينة للثروة الحيوانية في حفر الباطن.

المياه و«غينيس«

تُعد المملكة رائدة في إدارة الموارد المائية، من خلال منظومة عززت استدامة المياه في بيئة صحراوية، وتحديات مائية معقدة.

إحدى منظومات تحلية المياه في السعودية (هيئة المياه)

وأُعيد تنظيم القطاع عبر تحويل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى الهيئة السعودية للمياه، بما يعزز شمولية إدارة الموارد المائية.

كما أُسست المنظمة العالمية للمياه في الرياض، بهدف تنسيق الجهود الدولية لمواجهة تحديات المياه عالمياً.

وتجسدت جهود المملكة في تنويع مصادر المياه لتتجاوز 471 مصدراً، إلى جانب تطوير شبكات الإمداد والتحلية والمياه الجوفية، ورفع المحتوى المحلي في القطاع.

وسجلت الهيئة السعودية للمياه 12 رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس»، من أبرزها:

- أكبر محطة تحلية بتقنية التناضح العكسي.

- طاقة إنتاجية تبلغ 670.8 ألف متر مكعب يومياً.

- أقل معدل استهلاك للطاقة في التحلية عند 1.7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب.

هذه المنظومة المتكاملة تعكس أن المملكة تتجه نحو بناء نموذج مستدام في الأمن الغذائي والمائي، وقائم على تطوير البنية المؤسسية، وتعزيز الكفاءة، وتوسيع الشراكات، بما يدعم استقرار الموارد، ويرسخ مكانتها لتكون قوة إقليمية وعالمية في القطاعين.


«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية. فعلى مدى العقد الماضي، أثبتت المملكة قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بقوة أكبر، مستندة إلى نهج «رؤية 2030» القائم على المرونة، والاستباقية. هذا الاستثمار الممنهج في «مكامن القوة» لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات التنمية المحلية، بل كان بناءً لدرع دفاعي اقتصادي عابر للحدود، حوّل التحديات الراهنة إلى منصة انطلاق للريادة العالمية.

لقد استحال الموقع الجيواستراتيجي للمملكة في ضوء الرؤية من ميزة نسبية ساكنة إلى أداة ديناميكية صاغت واقعاً اقتصادياً جديداً؛ عبر الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. هذا الترابط، المدعوم بمنصات نقل جوي وسككي متطورة، لم يعزز مكانة المملكة باعتبارها حلقة وصل بين القارات الثلاث فحسب، بل جعل منها شرياناً حيوياً يضمن استدامة التجارة الدولية، وبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص ريادية تضمن استقرار الرخاء العالمي.

التناغم المؤسسي: هندسة الوحدة اللوجستية

انطلقت رحلة التطوير الشامل عبر إعادة تنظيم المنظومة اللوجستية، بهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أعلى درجات التكامل بين قطاعاتها المختلفة. وقد تجسد ذلك في تحول وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتقود تناغماً مؤسسياً يجمع تحت مظلته الهيئات العامة للنقل، والموانئ، والطيران المدني.

ولم يتوقف هذا الإصلاح عند الجانب التنظيمي، بل امتد لتعزيز الدور التشغيلي للكيانات الوطنية؛ حيث تم تمكين «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار)، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض»، و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، و«الهيئة العامة للطرق»، و«المركز الوطني لسلامة النقل». كما شهدت المنظومة تحولاً نوعياً في قطاع الخدمات البريدية عبر تطوير مؤسسة «سبل»، وتوسيع نطاق خدماتها لتواكب المتطلبات اللوجستية الحديثة.

خريطة الطريق نحو اليقين الاستراتيجي

ساهمت الاستراتيجيات الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والطيران في خلق حالة من «اليقين الاستراتيجي» بمستقبل القطاع، مدعومة بمشاريع بنية تحتية عملاقة تضمن استدامة النمو من خلال:

- التوسع الجوي: العمل على إنشاء مطارات دولية رائدة، مثل مطار الملك سلمان الدولي، ومطارات أبها، وجازان الجديدة، بالتوازي مع إطلاق «برنامج الربط الجوي» لتعزيز الوصول العالمي.

- المراكز اللوجستية الذكية: إطلاق المخطط العام للمراكز اللوجستية المتضمن إنشاء 59 مركزاً (تم تفعيل 24 منها بنهاية 2025)، وتطوير الموانئ لتصبح «موانئ ذكية» تعتمد الرقمنة لتكون ركيزة أساسية.

- الربط السككي: توسيع شبكة الخطوط الحديدية، وربط خطوط الشمال بالشرق (الجبيل-الدمام)، مما وفر حلولاً لوجستية منخفضة التكلفة، وعالية الموثوقية.

أحد قطارات الخطوط الحديدية السعودية (واس)

كيف رقمنت المملكة مستقبل الاستثمار؟

شهدت البيئة اللوجستية تطوراً جوهرياً مكّنها من تبوّؤ مكانة بارزة لتكون وجهة جاذبة للاستثمار العالمي، بفضل تبنّي استراتيجية الرقمنة الشاملة للخدمات، والربط المتكامل عبر منصات رقمية موحّدة. وقد أفضى هذا التحول إلى تعزيز سهولة ممارسة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية، وأتمتة إصدار التراخيص، مما جعلها أكثر مرونة وسرعة في استجابتها لمتطلبات السوق.

كما ساهم هذا المسار الرقمي في رفع كفاءة التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات التنظيمية، وهو ما أدى بدوره إلى اختصار «رحلة المستثمر»، وترسيخ مستويات الموثوقية في العمليات اللوجستية الوطنية.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، لعبت هذه الممكنات الرقمية دوراً محورياً في تحفيز معدلات النمو، والتنوع؛ حيث ساهمت في تنشيط قطاعات إعادة التصدير، وتقديم دعم لوجستي فعال للصادرات غير النفطية. كما أتاح التكامل التقني تسهيل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق الدولية وفق معايير تنافسية من حيث الكفاءة، والتكلفة، مما جعل من المنظومة اللوجستية محركاً أساسياً لدعم التجارة العابرة للحدود، وتوسيع نطاق نفوذ الاقتصاد السعودي عالمياً.

لغة الأرقام

تُوجت هذه الجهود الاستراتيجية بتقدم ملموس للمملكة في أهم المحافل الدولية، ما يعكس كفاءة الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والارتقاء المستمر بالأداء اللوجستي. وتجسد ذلك في وصول المملكة إلى قائمة أفضل عشر دول عالمياً ضمن «مؤشر الأداء اللوجستي» (LPI)الصادر عن البنك الدولي، بالإضافة إلى حصدها المرتبة الثانية عالمياً في معدلات النمو ضمن دول مجموعة العشرين، وبنمو نسبته 32 في المائة مقارنة بالعام 2024. كما حافظت المملكة على حضورها القوي بين المراكز الأربعة الأولى في مؤشر «أجيليتي» للأسواق الناشئة لعام 2025، مما يؤكد تنافسية البيئة الاستثمارية السعودية، واستقرارها. وفي إطار تسهيل حركة التجارة العالمية، حققت المملكة قفزات نوعية في كفاءة العمليات الحدودية؛ حيث نجحت في خفض معدلات زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. وتزامن هذا الإنجاز مع توسع استراتيجي في المرافق اللوجستية تمثل في زيادة عدد مناطق الإيداع المرخصة لتصل إلى 21 منطقة، مما عزز من قدرة المملكة على استيعاب تدفقات السلع العالمية، ودعم انسيابية سلاسل الإمداد بكفاءة، واقتدار.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (الهيئة العامة للموانئ)

قصة 24 مليون حاوية قياسية

تُعد جغرافية الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر المعابر المائية حيوية، وتأثيراً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح الموانئ السعودية الممتدة على السواحل الشرقية والغربية أهمية استراتيجية فائقة بوصفها ركائز أساسية للملاحة العالمية. فمن خلال كونها نقاط التقاء لوجستية تربط بين ثلاث قارات، نجحت هذه الموانئ في ترسيخ دورها المحوري في ضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية، وتدفق البضائع، محولةً المزايا الجغرافية للمملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة تدعم استقرار حركة التجارة العابرة للحدود.

وفي إطار السعي لتعظيم هذه المكتسبات، أطلقت المملكة سلسلة من مشاريع التطوير النوعية لتحديث البنية التحتية للموانئ، وتوسيع نطاق خدمات الشحن. وقد أثمرت هذه الجهود قفزة كبرى في الطاقة الاستيعابية التي ارتفعت بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 24.3 مليون حاوية قياسية، بالتوازي مع زيادة ملموسة في عدد خدمات الشحن الملاحية المضافة التي بلغت 101 خدمة.

هذا التوسع لم يساهم في زيادة ترابط المملكة مع الأسواق العالمية فحسب، بل مكنها من استحداث مسارات ملاحية جديدة تعزز من مرونة الوصول إلى أهم الموانئ الدولية.

لقد تجاوزت هذه الرؤية التطويرية حدود الموانئ لتشمل إنشاء مناطق ومراكز لوجستية متكاملة صُممت لتكون حواضن جاذبة للاستثمارات الكبرى. وتتيح هذه المناطق للمستثمرين الاستفادة القصوى من تكامل الخدمات اللوجستية لتنمية أعمالهم، بجانب تفعيل نشاط إعادة التصدير الذي يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تؤكد المملكة التزامها بدورها باعتبار أنها قائد عالمي في القطاع البحري، موفرةً بيئة لوجستية متطورة تضمن كفاءة العمليات التشغيلية، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي العالمي.

إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

قطار الرؤية: شريان حديدي يربط المدن بالموانئ

استثمرت المملكة منذ وقت مبكر في بناء قطاع طيران قوي، انطلاقاً من إدراكها لأهمية التواصل مع العالم، وتسهيل وفود ضيوف الرحمن، بالإضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لشحن البضائع. وقد مر القطاع بمحطات تنظيمية مفصلية بدأت بتأسيس «مصلحة الطيران المدني»، و«الخطوط السعودية»، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال الهيكلي بتأسيس «الهيئة العامة للطيران المدني»، مما أرسى دعائم العمل المؤسسي الذي مهد الطريق لتحولات كبرى تتماشى مع المتطلبات الدولية المتنامية. ومع انبثاق «رؤية 2030»، استشرفت المملكة فرصاً استثنائية لتطوير قطاع الطيران، والمساهمة بفاعلية في النمو الاقتصادي، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط قارات العالم الثلاث. وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر إعادة تنظيم «الهيئة العامة للطيران المدني»، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض» و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران، وبرنامج الربط الجوي، اللذين استهدفا توسيع نطاق الوصول الدولي عبر مسارات جوية جديدة تربط المدن السعودية بالعواصم العالمية. وفي سياق تحديث البنية التحتية، تسارعت وتيرة إنشاء مطارات دولية كبرى، مع استمرار أعمال التطوير في كافة مناطق المملكة، مع تسريع إشراك القطاع الخاص في إدارة المطارات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي.

وبفضل هذه الجهود تحولت المطارات السعودية اليوم إلى مراكز ربط محورية تربط الوجهات العالمية، والإقليمية، مما ساهم في تحقيق قفزات نوعية في أعداد المسافرين، ونشاط الشحن الجوي، لتمضي المملكة بخطى ثابتة نحو مستهدفاتها الطموحة بربطها بـ250 وجهة عالمية عبر 29 مطاراً، لخدمة 330 مليون مسافر، ونقل 4.5 مليون طن من الشحن سنوياً بحلول عام 2030.

قطار تابع للخطوط الحديدية السعودية (الشرق الأوسط)

شبكة السكك الحديدية

بدأت قصة السكك الحديدية في المملكة باعتبارها ضرورة استراتيجية لربط العاصمة الرياض بميناء الدمام، مما أدى إلى تأسيس «المؤسسة العامة للسكك الحديدية» لتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البضائع.

ومع اتساع المشاريع التنموية، وخاصة في قطاع التعدين، تأسست «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار) لتمتد الشبكة، وتصل إلى أقصى شمال المملكة، صانعة بذلك بنية تحتية صلبة لنقل الركاب، والمعادن، والسلع التجارية بكفاءة عالية.

ومع إطلاق «رؤية 2030»، دخل قطاع السكك الحديدية مرحلة طموحة تستهدف تحقيق التكامل التام مع كافة القطاعات اللوجستية الأخرى.

وقد شهدت هذه المرحلة توسعاً غير مسبوق في تشغيل القطارات، مما جعل المدن السعودية أكثر ترابطاً؛ حيث اتصل شمال المملكة بوسطها، وشرقها، مما وفّر حلول نقل موثوقة، ومستدامة. كما تسارع العمل في «قطار الحرمين السريع» ليمثل نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، بربطه بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، بأعلى معايير السرعة، والأمان.

واليوم تمضي المملكة نحو مستقبل أكثر ترابطاً عبر مشاريع طموحة تدعم تنشيط الحركة السياحية، وتعزز الربط الإقليمي بين المدن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الشبكة المتطورة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم التنوع الاقتصادي، من خلال تقليل التكاليف اللوجستية، وتحسين موثوقية الخدمات، بما يرسخ مكانة المملكة باعتبار أنها مركز لوجستي عالمي يربط بين المراكز الصناعية، والموانئ، والمجتمعات الحضرية.

في الختام، يتضح أن التحول الجذري الذي شهده القطاع اللوجستي السعودي ليس مجرد سباق نحو الأرقام والمؤشرات، بل إعادة صياغة كاملة لـ«الهوية الاقتصادية للمملكة» لتكون الرابط الحيوي والموثوق للتجارة العالمية.