«أد أسترا» عن الرجل الوحيد في ذلك الفضاء الشاسع

يطرح المستقبل كاستمرار للحاضر

على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
TT

«أد أسترا» عن الرجل الوحيد في ذلك الفضاء الشاسع

على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»
على سطح الكوكب الأحمر: لقطة من «أد أسترا»

«أد أسترا»، للمخرج الجيد جيمس غراي المعروض حالياً في كل مكان، يجب ألا يؤخذ كمجرد فيلم خيال علمي يتعامل والفضاء. إنه خيالي - علمي - فضائي مع فكر نيّر ورسالة بارعة وإخراج متين. ليس الفيلم الذي يستهوي جمهور «ستار وورز» وسواه وليس الفيلم الذي يكتفي بتصوير معارك فضائية تهيمن على الفيلم وأسبابه وأهدافه.
كذلك هو ليس فيلماً عن وحوش الفضاء التي تهبط الأرض أو تهاجم المركبات الفضائية التي تجرؤ على غزو الكواكب الأخرى والمجرّات. إنه، رغم ما سبق، مغامرة مثيرة لكنها تنتمي إلى أفلام من نوع «بين النجوم» (Interstelar) و«جاذبية» (Gravity) أكثر منه «غريب» (Alien) أو «ستار ترك». هذا مع لمسة من فيلم ستانلي كوبريك «2001: أوديسا الفضاء».

قلب الظلام
تأتي هذه اللمسة في موقعين. أولهما ذلك الجو الغامض لرحلة بعيدة في الفضاء يُطرح فيها المستقبل على غير ما يطرح عادة في الأفلام الأخرى. هنا، كما في فيلم ستانلي كوبريك، المستقبل هو امتداد للحاضر وليس وضعاً مستقبلياً منفصلاً عنه.
الموقع الثاني هو ذلك المشهد الذي ظهر في «أوديسا الفضاء» وشوهد في «جاذبية» لألفونسو كوارون (كما في بضعة أفلام أخرى) لشخص يستودع نفسه في الفضاء الخارجي، حيث لا نهاية. يقطع حبل النجاة مع المركبة والأمان الذي تمثله ويترك نفسه يهيم في ظلمة الفضاء كما لو أنه جسد ضئيل ودخيل على فضاء شاسع حيث سيبقى فيه إلى الأبد. هل يمكن للأجواء الخارجية الحفاظ على مكوّنات الميّت فلا يندثر جسمه بل يبقى هائماً إلى الأبد؟
يأتي هذا المشهد المفعم بالتأملات قرب نهاية الفيلم عندما ينجح روي ماكبرايد (براد بت) في إقناع والده بالخروج من قمرته التي حبس فيها نفسه لنحو ثلاثين سنة (بحساب الأرض) للعودة معه إلى الأرض. لكن الأب (تومي لي جونز) لا يستطيع أن يرى نفسه وقد عاد إلى حيث عاش قبل ذلك. يقطع «الكابلات» التي توصله بابنه ويودعه. هذه المرّة لن يكون موت الأب إشاعة كما في مطلع الفيلم بل أصبح واقعاً يحدث أمام عيني الابن الدامعتين.
كما أن هناك موقعين نرى فيهما رائد فضاء ينتهي إلى مجرد نطفة تطفو في الظلام، هناك موقعان آخران نجد بطل الفيلم روي وهو يسقط من علو شاهق. الأول مع بداية الفيلم والثاني هي في الفيلم كله.
تلك الأولى فعلية. الرحلة التي كان يقوم بها تتعرض لاضطراب كان يمكن أن تتحطم فيها المركبة ومن عليها (إذ يعمل قائداً لمركبة تجارية) لولا أنه ينجح في السيطرة عليها وإنقاذ نفسه والركاب. الثانية لا يوجد هناك من ينقذه لأنها سقطة معنوية وليست فعلية. سقطة رجل أدّى به البحث إلى متاهة ولم يبق أمامه سوى الهبوط فيها.
وهذه السقطة هي نتيجة مهمّة بحث طُلبت منه. والده، يقول له قادة عسكريون وعلماء، ما زال حيّاً على عكس ما كان يعتقد. هناك إشارات صادرة من موقعه قرب كوكب نبتون تؤكد إلى ذلك. مهمته أن ينفذ إلى هناك ويتأكد.
روي لا يعتقد أن والده حي يرزق، لكنه سوف يكتشف ذلك لاحقاً وبعد رحلة نجد مثيلاً لها في «الرؤيا الآن» (Apocalypse Now) تحفة فرنسيس فورد كوبولا. هنا نجد أصداء أخرى مع ذلك الفيلم ومع المصدر الروائي الذي تم لكوبولا استلهامه والمكوّن من رواية جوزيف كونراد الضخمة «قلب الظلام».
كل من فيلم كوبولا وفيلم جيمس غراي عن رحلة تبعاً لمهمّة يحيط بها قدر كبير من الغموض. في فيلم كوبولا (1979) تتم الرحلة عبر قارب في نهر داكن. القارب يتوقف عند محطات عدة قبل وصوله إلى نهاية رحلته. تلك المحطات هي نوافذ الرحلة على وقائع مصاحبة. وكوبولا يقدمها، تشكيلياً، كما لو أنها لا تنتمي مطلقاً إلى عالمنا الحاضر (آنذاك) ولو أنها تنتمي بالفعل.
كل من الفيلمين يحتويان على تعليق صوتي (فويس أوفر) لبطلي الفيلم. تعليق يشرح دواخل نفس متعبة وصدى بحث في المتاهة الوجودية التي اسمها الحياة. بذلك الرحلة بقدر ما تجوب مساحات جغرافية (أرضية وفضائية) واسعة، هي رحلة داخل الذات.
أكثر من ذلك، إلقاء براد بت في تلك التعليقات الصوتية يشابه إلقاء مارتن شين في ذلك الفيلم الذي يرفض أن يغيب عن البال كما شبيه بنبرة التعليق الصوتي في فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة» الذي لعب بطولته براد بت لجانب شون بن وجسيكا شستين.

براد بت مكشوفاً
محطات فيلم جيمس غراي في «أد أسترا» هي بدورها نوافذ على خطوط موازية لكنها ليست بالحجم ذاته والنوع نفسه. هنا يمزج المخرج المسائل الوجدانية والعقلية مع ضرورة لمشاهد مثيرة للدهشة (وأحياناً للرعب) لا بد منها. قراصنة فوق سطح المريخ وقرد تجارب ينقلب إلى التوحش وموت لأكثر من فرد يحاول روي استيعابه بمفرداته المحدودة من التعبير.
إذ إن الكثير من الأفكار الواردة تتعامل مع أفكار روي صوتاً، فإن الناحية البصرية عليها أن تكون رفيقاً مسانداً. في هذا الأمر نجد براد بت تحت الخوذة يمثل مواقف صعبة بتعابير عينيه وبمساعدة تلك المواقف التي يلج فيها مرحلة غامضة بعد مرحلة غامضة مرّت عليه. يبدو عليه التعب من الجهد الذي يبذله ملاحظاً ومفكراً. لكن صوته لا يخيب. ينضح بالأسئلة من دون علامات استفهام. أفكار وجودية الطابع ليس فقط كتلك التي طرحها مارتن شين في «القيامة الآن»، بل كتلك التي طرحها فيلم «شجرة الحياة» لترنس مالك أيضاً.
يقدم المخرج براد بت عارياً من خلفيته المعهودة. قبل أشهر شاهدناه في فيلم كونتِن تارنتينو أقرب إلى صورته المعمول بها: وسيم، لطيف، محنك، يفهم لغة الشارع ويجيد القتال. هنا هو في شخصية أعمق. شخصية رجل ليس لديه أي متكأ يستند إليه ولا أي ملجأ يحميه. رجل في مواجهة نموذجية مع متاهات حياته.
في كل هذه الأفلام المذكورة أعلاه هناك رحلات وأبحاث ومحاولات فهم لما يحدث على الأرض. هذه هي إحدى أهم قيم هذا الفيلم الضمنية. جيمس غراي يفضل أن يفكر في الحاضر ويطبقه على المستقبل عوض أن يبتكر مستقبلاً منفصلاً. صحيح أن هذا الفيلم يتحدث عن سنوات ليست بعيدة مقبلة لكن سواه وظّف ذلك لابتكار رؤاه (بمساعدة التقنيات المتوفرة)، بينما تعامل غراي (ومن قبله كوارون وكوبريك في فيلميهما الفضائيين) مع الحاضر مطبوعاً على نسخة من المستقبل.
ما يثير للاهتمام في عمقه سياسي: هل هناك مستقبل للأرض؟ ما معنى هذا البحث في التاريخ لثلاثين سنة مضت؟ ولماذا يتبدى البحث كمعاناة وليس كانتصار علمي؟ لمَ هذا المشاق؟ والأهم لماذا يفضل الأب الموت في الفضاء على العودة إلى الأرض؟
إنه فيلم روحاني ووجداني. رحلة في فضاء شاسع وأخرى في نفس محبوسة داخل صدر الباحث. عن وحدة هذا الرجل التي تزداد مع كل سنة ضوئية يخوضها في قلب ذلك الظلام الشاسع.



أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.