الطعام في الهند...من أعالي جبال الهيمالايا إلى المائدة

الطهاة يحولون النباتات البرية إلى أطباق غير عادية

تنظم المشاوير في الجبال لقطف النباتات البرية
تنظم المشاوير في الجبال لقطف النباتات البرية
TT

الطعام في الهند...من أعالي جبال الهيمالايا إلى المائدة

تنظم المشاوير في الجبال لقطف النباتات البرية
تنظم المشاوير في الجبال لقطف النباتات البرية

المكونات البرية ليست جديدة على المطبخ الهندي، فمنذ زمن بعيد كانت هذه المكونات، مثل نبات السرخس وعشبة القراص والتوت والبراعم والدرنات وغيرها، تؤدي دوراً مهماً في المطبخ الهندي. ولكن بمرور الوقت، وبسبب تأثير الاستعمار، افتقدت النكهات المحلية هذه المكونات.
وتشير دراسة موسعة بعنوان «النباتات البرية الصالحة للأكل في الهند»، نُشرت في المجلة الدولية للبحوث الأكاديمية، إلى أن هناك نحو 800 نوع من النباتات التي يتم استهلاكها بوصفها نباتات برية صالحة للأكل تؤدي دوراً حيوياً في الأمن الغذائي. ورغم أن معظم هذه النباتات البرية قد اختفت من المناطق الحضرية، فإن المناطق الريفية والقبلية في جميع أنحاء الهند لا تزال تستهلكها في طعامها.
- حب الطهاة للأكل البري
في كل مرة يقوم فيها براتيك سادو، وهو الطاهي الرئيسي في مطعم «ماسك» في مومباي، بزيارة المناطق الجبلية، فإنه يجلب معه ما يقرب من 100 كيلوغرام من النبق البحري، وهو نبات ينمو في شجيرات صغيرة في جبال الهيمالايا، وله كثير من الفوائد الطبية، ثم يقوم بتحويل هذا النبات إلى طبخات متعددة النكهات، مثل كريمة النبق بالليمون مع موس الفلفل الأسود.
وفي مطعم «ماسك» لا توجد قائمة طعام محددة، حيث يقول سادو: «ينصب تركيزنا على البحث عن الأطعمة، ولذا قمنا بصياغة مفهوم يسمح لنا بالقيام بذلك. ففي مطعمنا، كل ما عليك فعله هو ذكر تفضيلاتك من الطعام، مع إعلامنا في حال كان لديك تحسس من أطعمة بعينها، ثم اترك الفريق يتولى المسؤولية».
ومنذ افتتاح مطعم «ماسك» في 2016 وهو يقدم الأطباق الشهية الغريبة من الخضراوات الموسمية البرية، مثل نبات السرخس والكرز البري والتوت، وأصناف غريبة من البرقوق والفطر البري وعشبة القراص وفطر التشانتيريليس المنكه بالثوم والطماطم الشجري والسبانخ البرية، التي أصبحت جميعها من أفضل الأطباق لدى عشاق الطعام في مومباي.
ويتحدث المدير التنفيذي لـ«ماسك»، أديتي دوغار، عن تجاربه مع الكستناء، قائلاً: «لقد بحثنا عن الكستناء، ولدينا الآن مجموعة متعددة من الأطباق المصنوعة منه، مثل بروليه الكستناء الذي يتم تقديمه داخل قشرة الكستناء نفسها، وطبق الكستناء مع جبن الكاسيكوفالو (من ولاية أندرا براديش) والحميض البري». ويشير دوغار إلى أن فلسفة البحث عن الطعام هذه قد وجدت طريقها إلى الحانة الموجودة بالمطعم أيضاً، حيث يقول إن «عامل الحانة يحاول استخدام المكونات نفسها التي يتم استخدامها في المطبخ أيضاً في أثناء إعداد المشروبات».
والنكهات التي تضفيها هذه المكونات البرية على الأطباق، وطريقة تقديمها، هو ما يجعل رحلة البحث عن مكونات برية جديدة بمثابة نشاط محبوب للغاية لدى الطهاة.
وبالنسبة لبوغا بانغتي وتيسخيم لينراه، صاحبي مطعم «ميراكي» الذي حقق نجاحاً كبيراً في مومباي عام 2018، فإن فن البحث عن الطعام يسمح لهما بتقديم لمحة من مطابخ الشمال الشرقي الغنية لسكان مومباي وهم مطمئنين، وتقول بانغتي التي قدمت أطباقاً من التيميلا (التين البري) والكافال (التوت الأحمر): «المعرفة التي استمددناها من سكان قريتنا أبقتنا على اتصال بثقافتنا».
وأنهى الشيف تيغاس سوفاني، الذي يرأس مطعم «أمارانتا» في فندق «أوبروي» بمدينة غورغاون الهندية، مؤخراً دورة تدريبية استمرت لمدة 3 أشهر في مطعم «نوما» في الدانمارك. ويتذكر سوفاني أن البحث عن الطعام كان يبدأ في الصباح الباكر، مع وجود قائمة بالمكونات اللازمة لوضع قائمة الطعام. وفي بلده (الهند)، كان سوفاني وفريقه يتجولون في أسواق البلدات الصغيرة، بحثاً عن المكونات الموسمية الرئيسية والوصفات الإقليمية، التي يستخدمونها فيما بعد في تجارب مستمرة لوضع قوائم الطعام. وبالمثل، فإنه يمكن أن تجد نبات السرخس المقلي أو أكلة مثل الثوران بزهرة الموز، وهو طبق تقليدي لدى سكان مدينة كيرلا، جزءاً من قائمة الطعام الخاصة بمطعم مثل «كارافالي» في فندق «غيتواي» الهندي.
وتستخدم سلسلة فنادق «آي تي سي» أيضاً النباتات البرية في قوائم الطعام لديها منذ سنوات طويلة. وفي فندق «آي تي سي غاردينيا»، يستخدم الطاهي الرئيسي في مطعم «كوبون بافيليون»، يوغين داتا، براعم الخيزران التي يتم جلبها من غابات ولاية كارناتاكا في بداية الرياح الموسمية، ويتم تقديم طبق مطبوخ من هذه البراعم، يؤكل مع الأرز الأحمر. وبالمثل، يستخدم مانيشا بهاسين، كبير الطهاة الرئيسيين في فندق «آي تي سي موريا»، زهور شجرة المورينغا المقلية في بوفيه المطعم. وهناك مكون آخر يتم استخدامه في الخبز الهندي في بافيليون، وهو نبات أجاستيا أو لسان النمر، وهو نبات غني بالألياف الغذائية وفيتامين «ب» والأحماض الأمينية.
ويقول توماس زاخارياس، الطاهي الرئيسي في مطعم «بومباي كانتين»، بمومباي: «أسافر كثيراً، ولديّ مبادرة تسمى (#Chef_On_The_Road). ومن خلال هذه المبادرة، فإننا نقوم بالبحث باستمرار، وما نجده يشق طريقه إلى قائمتنا. وقبل بضع سنوات، كنت أقوم برحلة للبحث عن الطعام في سيكيم، وذلك بحثاً عن مكونات جديدة في هذه الولاية، ووجدنا شجرة بها فواكه خضراء صغيرة، أخبرنا المرشد الذي كان معنا حينها أنها أفوكادو برية. وبعد أيام قليلة، أخذت هذه الثمرة التي تعد في حجم الليمون إلى مؤتمر تيرا مادري الذي تنظمه شركة «سلو فود إنترناشيونال» الهندية في شيلونغ، وهو منصة للنقاش حول أنظمة الغذاء المحلية وتحدياتها. وقد التقيت أحد الزعماء القبليين من المكسيك في المؤتمر، الذي كان في حيرة شديدة من مظهر الثمرة. وعندما قمت بشقها حتى يفحصها بشكل جيد، قضم الرجل قطعة صغيرة منها، ثم تمتم ببضع كلمات بلغته الأم، وحينها كان يبدو أنه قد فهم أخيراً علاقة هذه الفاكهة الصغيرة بالأفوكادو، وهي الفاكهة القديمة التي نشأت في بلده الأصلي منذ آلاف السنين».

جولات الطعام
لا يقتصر نشاط البحث عن الطعام على المطاعم فقط، فيقوم كوش سيثي، الذي يرأس قسم التواصل الرقمي لمهرجان دلهي للجولات، بجولات بين سبتمبر (أيلول) وفبراير (شباط)، وتشمل الأماكن التي تشهد الجولات حدائق لودهي، لاكتشاف النباتات الصالحة للأكل، مثل نبات الخبيزة الذي تم تصنيفه على أنه عشبة ضارة، ويقول سيثي: «تصنيف النبات على أنه ضار يجعله عديم الفائدة، ويشجع الناس على إلقاء القمامة في المساحات التي يُزرع فيها»، ويتابع: «إذا قام شخص ما بالترويج لنبات معين بوصفه مفيداً من الناحية الطبية، فإن النظرة إليه كلها ستتغير».
وتروي الكاتبة الهندية بورابي شريدهار ذكرياتها من جولاتها للبحث عن الأكل البري في أثناء طفولتها، التي كانت تقضيها وسط الحقول الخضراء والغابات في شيلونغ، وتقول: «هناك نوع معين من الـ(saag) (الأوراق الخضراء الهندية) التي تنمو فقط بالقرب من جيوب صغيرة من المياه الموحلة الراكدة. وأتذكر ذهابي إلى هناك مع بعض الأصدقاء لمساعدتهم على جمعها، ولكن كانت النتيجة هي حصولي على عقاب شديد في المنزل بسبب اتساخ ملابسي بالوحل». كما كان لنارين ثيمياه، وهو الطاهي الرئيسي في فندق «غيتواي» في بنغالورو، تجارب مماثلة في طفولته في البحث عن نبات السرخس الذي ينمو بشكل موسمي بفضل الأنهار والبرك في كوداغو، إذ يقول: «كانت أمي تعد خلطة رائعة من السرخس مع البصل والفلفل الأخضر والخردل».
وفي الماضي البعيد، كانت المكونات البرية، مثل السرخس والقراص والتوت والبراعم والدرنات وغيرها، تؤدي دوراً مهماً في المأكولات الإقليمية، خصوصاً في الأماكن القبلية في الهند.
ويجادل بعض ناقدي الطعام بأن هذه المكونات، التي يتم الحصول عليها من مواقع ليس بها محطات قطار أو اتصال جوي مباشر، لا يتم نقلها بشكل جيد. ولكن المتحمسين لها، مثل بانغتي، الذين نشأوا في جبال الهيمالايا، يرون أن هذه هي الأماكن التي يتم فيها استخدام تقنيات الحفظ القديمة، حيث تقول بانغتي: «لدينا مجموعة متنوعة من السبانخ المحلية، تسمى السبانخ الجبلية. وفي كل شتاء، تقوم والدتي بتجفيفها في الشمس. وبمجرد حفظها، فإنه يكون من السهل إعادتها لحالتها الأصلية، وذلك من خلال وضعها في الماء المغلي، ومن ثم طهيها مع الخضراوات الموسمية الطازجة لإعداد الأطباق، كما أنني استخدم الأساليب الحديثة، مثل التجميد، لضمان احتفاظ المكونات بنسيجها ومحتواها المائي».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟