هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

«صديق» موسكو الذي فرض حزبه على المجتمعين المحلي والأوروبي

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب
TT

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

هاينز كريستيان شتراخه ... زعيم أقصى اليمين النمساوي خسر جولة ويرفض خسارة الحرب

داخل شقة بدت متواضعة في جزيرة إيبيزا الإسبانية المشهورة بحفلاتها الصاخبة، جلس زعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف هاينز كريستيان شتراخه مسترخياً على أريكة واسعة. إلى جانبه جلست سيدة شقراء جميلة تتحدث الروسية والقليل من الإنجليزية. وفي الغرفة معهما أشخاص آخرون من بينهم رفيق شتراخه في الحزب، يوهان غودينوس، يتحدث الروسية إلى جانب لغته الأم الألمانية. كان غودينوس يترجم أحياناً، وأحياناً أخرى يترك العمل للمترجم الذي يرافقهما. لا شيء في شكل هذا اللقاء كان يدل على أنه «لقاء عمل». فشتراخه وصديقه ما كانا يرتديان بدلات رسمية، بل ظهرا في ثياب عطلة، وأمامهم كانت طاولة كبيرة مليئة بزجاجات الشراب والكؤوس.
ولكن بين الضحك أحياناً، والوشوشات بين السياسيَّين النمساويَّين أحيانا أخرى حول جمال ضيفتهما الروسية، كان الحديث أخطر من ذلك. كان الرجلان يناقشان كيفية مساعدة هذه الروسية المفترض أنها فاحشة الثراء، وحفيدة أحد «الأوليغارش» الروس المقربين من الرئيس فلاديمير بوتين، على استثمار الملايين في النمسا. ولقد عرض شتراخه أن تشتري السيدة صحيفة «كرونن تسايتونغ»، كبرى الصحف النمساوية، بهدف مساعدة حزبه على الفوز بالانتخابات العامة التي كانت ستجري بعد أشهر قليلة. اللقاء حصل عام 2017، وخلاله عرض الزعيم المتطرف على محدثته كذلك تقديم هبات مالية كبيرة لحملته الانتخابية من دون تسجيلها بشكل رسمي. وهي أرادت، في المقابل، عقوداً تجارية تزيد من ثرائها. وبعد أشهر قليلة من هذا اللقاء الذي استغرق 7 ساعات، أصبح شتراخه نائباً للمستشار النمساوي، وصار حزبه شريكاً أساسياً في حكومة سيباستيان كورتز.

الذي كان بطله هاينز كريستيان شتراخه بعد سنتين من الحكم، ظهر شريط لهذا اللقاء بعدما جرى تسريبه لصحيفة «سود دويتشه تسايتونغ» وموقع «شبيغل أونلاين» (التابع لمجلة «در شبيغل») الألمانيين. وأصبح واضحاً في هذه اللحظات أن ذلك اللقاء كان شركاً وقع فيه شتراخه. وبعد ساعات قليلة، استقال الأخير من رئاسة حزبه ومن منصبه في الحكومة. وتبعه وزراؤه الأربعة في حين بقيت في منصبها وزيرة الخارجية كارين كنايسل رغم أنها تسلمت المنصب باسم حزب الحرية مع أنها ليست عضواً في الحزب. ولكن هذه لم تكن نهاية شتراخه، على الأقل - ليس بعد.
لا يزال هاينز (49 سنة)، زعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف، ناشطاً كما كان في صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» للتواصل الاجتماعي. لا بل أكثر، إذ تجده ينشر صوراً له ويشارك بمقالات وفيديوهات تدعو لدعم حزبه اليميني المتطرّف في الانتخابات الأوروبية. وهو أيضاً يعيد نشر مقالات من صحف ألمانية تزعم أن فخاً نُصب له. ويبدو واضحاً أن شتراخه لم يكتفِ بالمؤتمر الصحافي الذي عقده فور نشر الشريط. وفيه اعتذر، قائلاً إن لقاء إيبيزا كان لقاءً خاصاً طغى عليه الشراب وبدا فيه «غبياً» إلا أنه «لم يخرق القانون».
ويوم أمس، نشر شتراخه شريط فيديو جديداً في صفحته على «فيسبوك» مدته 5 دقائق عاد فيه لتبرير لقاء إيبيزا. كان يرتدي بدلة رسمية هذه المرة. وهذه المرة أيضاً بدا هجومياً أكثر منه دفاعياً. وكان يركز على الادعاء أنه حصل انتهاك لخصوصيته وهو في إجازة خاصة. وتابع أن حديثه أُخذ خارج السياق عندما نُشرت دقائق فقط من اللقاء الذي طال لساعات، حسب زعمه. مع العلم أن كلا من «سود دويتشه تسايتونغ» و«در شبيغل» أكدتا أن محرريهما شاهدوا الشريط بالكامل، واختاروا نشر مقتطفات لاستحالة نشره بمدته الأصلية.
كلام شتراخه هذا يبدو مطابقاً لكيفية تفكيره في الصحافة. ففي شريط إيبيزا يبدو وهو يهزأ بالصحافيين ويقول إنهم الأسوأ. وكان يتحدث عن فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف، الذي حول 80 في المائة من إعلام البلاد إلى إعلام تابع له، كمثله الأعلى، ويقول إنه إذا فاز حزبه بالغالبية فيمكن أن يحوّل النمسا إلى مجر أخرى.

- شرك منصوب؟
إيفالد كونيغ، الصحافي والمحلل السياسي النمساوي قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه إن شريط إيبيزا يظهر للعلن نظرة شتراخه فعلاً إلى القوانين والإعلام. وتابع: «يبدو لي أن هناك من أوقع بشتراخه، لأنه كان يعرف أنه سيقع في الشرك، وأنه لا يبالي بالقوانين ويتحدث عن خطط للسيطرة على الإعلام». وبالنسبة لكونيغ، فإن هذا التفكير لا يقتصر فقط على شتراخه، بل هو النمط السائد لدى حزب الحرية النمساوي، والأحزاب اليمينية المتطرفة بشكل عام.
من ناحية ثانية، مع أن مدبر هذا «الشرك» ما زال مجهولاً، يبدو أن الزعيم المستقيل لحزب الحرية بدأ يستخدم ذلك لصالحه ليتحدث عن أنه «مستهدَف» سياسياً، في محاولة لجذب تعاطف شعبي معه. وهنا تندرج حملته في «فيسبوك»، حيث يتعهّد بالكشف عن هوية مَن يقف خلف تدبير لقاء إيبيزا وتصويره وتسريبه، ويكتب جُملاً مثل: «العدالة ستنتصر في النهاية». بل إنه شبّه ما حصل معه بـ«مرشده» السابق يورغ هايدر الذي توفي في حادث سير عام 2008، ذكرت الشرطة أنها لا تشتبه بعمل مُريب فيه. ومع ذلك، عندما كتب أحدهم على «فيسبوك» بأن شتراخه لقي مصير هايدر، رد الزعيم المستقيل بالقول: «ما لعب لصالحي أنه لم يكن اغتيالاً مميتاً».
هذه الاستراتيجية، حسب كونيغ، يتقنها حزب الحرية، وشتراخه نفسه بارع وخبير فيها. وهذه الفضيحة، مع أنها الأكبر، ليست الأولى التي تطاله أو حزبه. فهو عندما كان لا يزال شاباً في العشرينات، ظهرت صور له يرتدي زياً عسكرياً، ويجري تدريبات مع مجموعات من «النازيين الجدد». ويومذاك ادعى أنه كان يلعب ببنادق دهان، وما كان منخرطاً في تمرينات عسكرية. ولاحقاً، مع أنه ظهرت له صورة وهو يؤدي التحية الهتلرية، نفى الإشارة إلى ميوله المتطرفة زاعماً أنه إنما كان يطلب مشروباً، وبدا وكأنه يؤدي التحية النازية.
وقبل أسابيع تورّط حزب الحرية بفضيحة أخرى عندما نشر كريستيان شيلشر، نائب عمدة بلدة بروناو التي وُلد فيها الزعيم النازي أدولف هتلر، قصيدة بعنوان «جرذان المدينة» يشبه فيها اللاجئين بالجرذان، بما يحمل ذلك من معانٍ تذكّر بتلك التي استخدمها النازيون لوصف اليهود إبان المحرقة النازية «الهولوكوست». ومع ذلك، جرى احتواء الأزمة باستقالة شيلشر وعادت الأمور إلى مجاريها.
هذه المرة، يرى كونيغ أن شعبية الحزب قد تتأثر، خصوصاً أن الفضيحة جاءت قبل أيام قليلة من الانتخابات الأوروبية. إذ يقول: «أنا واثق بأن حزب الحرية سيخسر دعماً شعبياً لأن الحزب كان دائماً ينتقد الأحزاب التقليدية والنخبة السياسة، والآن بدا واضحاً أن هذا الحزب أسوأ بكثير من الأحزاب الأخرى». وهذا، قبل أن يضيف بأن حزب الحرية «بارع وخبير في تحوير الفضائح التي تطاله، لجعل نفسه الضحية»، ثم يستطرد: «هم دائماً يشعرون ويدّعون أنهم ضحايا، ونجحوا بذلك مرات كثيرة في الماضي، وربما ينجحون أيضاً هذه المرة، وإذا ما نجحوا هذه المرة، يمكن أن يستفيدوا من هذه الفضيحة».

- شتراخه... سيرة شخصية
تاريخ شتراخه قد يكون مؤشراً على مدى قدرة هذا الرجل على الصمود والصعود. فهو نجح في جعل حزبه شريكاً بالحكم عام 2017 من دون أن يعترض أحد، فبات أول حزب أسسه «نازيون» جدد يشارك في السلطة منذ سقوط هتلر، ويكون مقبولاً أوروبياً ودولياً. وللعلم، أسس حزب الحرية عام 1956 على يد أنطون راينثالر، الضابط السابق في جهاز الـ«إس إس» (مختصر لـ«شوتسشتاف» - قوات الحماية الخاصة بهتلر). وعام 2005 تسلم شتراخه قيادة الحزب خلفاً ليورغ هايدر بعد خلافات شخصية بينهما أدت لانشقاق هايدر، وتأسيسه حزباً آخر. حينذاك كان الحزب في حالة فوضى، وكان ما زال يتعافى من فترة مشاركته القصيرة بالسلطة عام 2000 بعدما دخل الحكومة لمدة سنتين وتسبب بعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على النمسا، وكانت الأولى من نوعها، رفضاً لوصول حزب نازي للسلطة. وشيئاً فشيئاً نجح شتراخه في إنهاض الحزب وتحويله إلى حزب «مقبول سياسياً» سيصل إلى الحكم في النهاية. ومع أن تركيز الحزب في البداية كان على مواجهة الأحزاب السياسية التقليدية الحاكمة، وانتقاد سلطات الاتحاد الأوروبي وتمجيد الوطنية، فإن شتراخه حوّل حزبه خلال السنوات الأخيرة إلى «حامي» النمسا من «المسلمين واللاجئين»، مع ظهور أزمة اللاجئين عام 2015.
وفيما يخص رحلة شتراخه السياسية شخصياً، فإنها بدأت وهو شاب لا يتجاوز الـ21 من العمر، حين تولى منصباً في مجلس الولاية في فيينا، قبل أن يدخل إلى البرلمان لاحقاً. ونجح بالصعود في الحزب رغم أنه غير حاصل على شهادات عليا. فهو لم يدخل الجامعة بل تخصّص كفني أسنان بعدما أكمل الدراسة الثانوية في المدرسة. وعلى الرغم من الفضائح التي لاحقته منذ شبابه لقربه من «النازيين الجدد» والتحاقه بجماعات «نازية» مسلحة، فإنها لم توقف صعوده داخل الحزب، وهنا نشير إلى أنه كان قد ارتبط بحزب الحرية منذ صغر سنه، ولم يأت ارتباطه به مصادفة. ذلك أن جده كان ضابطاً في الـ«إس إس» وقُتِل عام 1945 أثناء انسحاب وحدته بعد هزيمتها، في عملية يصفها شتراخه بأنها كانت «جريمة حرب». شتراخه يتحدّر من عائلة متواضعة، إذ تربّى وحيداً في كنف أمه، بعدما تركهما والده وهو صغير، بالعاصمة فيينا حيث وُلِد عام 1969. لكنه نجح بالتواصل مع الطبقة الوسطى وبتصوير نفسه وحزبه على نقيض الأحزاب التقليدية النخبوية.
في انتخابات عام 2017 العامة، كاد حزب الحرية يحقق المرتبة الأولى في الانتخابات ويقود الحكومة. وبقي حتى قبل أشهر قليلة من الانتخابات في الطليعة بحسب استطلاعات الرأي. إلا أن تقدّمه أخذ يتراجع عندما تسلم سيباستان كورتز، الشاب البالغ من العمر 31 سنة، رئاسة حزبه، حزب الشعب اليميني الوسطي. وحقاً، نجح الزعيم الشاب بانتزاع نسبة عالية من الأصوات من حزب الحرية عبر قيادة حزبه إلى اليمين أكثر، وهو ما دفع شتراخه إلى اتهامه بـ«سرقة برنامج» حزبه.

- جزء من السلطة
وفي النهاية، حقق حزب الحرية بقيادة شتراخه 26 في المائة من الأصوات، ما فرضه شريكاً في الائتلاف الحاكم للمرة الثاني بعد المحاولة الفاشلة عام 2000. هذه المرة، قبلت أوروبا به شريكاً حاكماً، وحجز شتراخه لنفسه منصب نائب المستشار إلى حصوله وحزبه على 5 وزارات تسلم هو حقيبة الرياضة منها، وحصل على أهم وزارتين: الداخلية والخارجية. ولقد نجح من خلاله سيطرته على الداخلية بتمرير قوانين اعتُبرت مناهضة للمسلمين واللاجئين.
من ناحية ثانية، بجانب كل هذا، لم يكن شتراخه خجولاً من الترويج لعلاقته الجيدة مع روسيا. فلقد زار موسكو عام 2016 مع وفد من الحزب، ووقّع اتفاقية تعاون مع روسيا. ودائماً ما روّج لرفع العقوبات الأوروبية عن موسكو - وهي العقوبات التي كانت قد فرضت عليها بعد الحرب على أوكرانيا وضمها القرم إليها - في سياسة مخالفة لسياسة فيينا الرسمية.
أكثر من هذا، بدا واضحاً مستوى «الصداقة» بين حزب الحرية وروسيا عندما دُعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حفل زفاف وزيرة الخارجية، كارين كنايسل التي رشحها شتراخه للمنصب باسم الحزب. وكان بوتين يومها الزعيم الوحيد من خارج النمسا الذي دُعي إلى الزفاف. وبدا الرئيس الروسي خلال الحفل مرتاحاً جداً ويتصرف وكأنه صديق مقرب. بل تسببت صوَر رقصه مع كنايسل وانحناء الوزيرة - العروسة له في نهاية الرقصة بجدل كبير لها وللحزب. وطرحت تساؤلات حول مدى قرب حزب الحرية وتأثره بموسكو. ومع ذلك، ككل مرة، تخطى الحزب الأمر وكأن شيئاً لم يكن.
فضائح كثيرة هزّت حزب الحرية وزعيمه نفسه منذ سنوات، وكلها لم تؤثر على شعبيته. فهل تقضي «فضيحة إيبيزا» على شتراخه هذه المرة؟ أم ترفعه إلى الأعلى؟
في الحالة الثانية، أي إذا نجح شتراخه بتحويل الفضيحة لصالحه، يقول الصحافي النسماوي إيفالد كونيغ: «ستكون نهاية النمسا كما نعرفها كدولة ديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي، وستصبح جزءاً من الدول الشرقية التي تسبب صداعاً للاتحاد الأوروبي، مثل بولندا والمجر وسلوفاكيا».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قناة نهر الدانوب وسط مدينة فيينا - النمسا (أ.ف.ب)

بعد 35 عاماً... الحمض النووي يحل لغز تبديل طفلتين في النمسا

تمكن اختبار للحمض النووي من حل لغز تبديل طفلتين حديثتي الولادة في أحد المستشفيات بجنوب النمسا، بعد نحو 35 عاماً على وقوع الخطأ.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا رجال شرطة في شارع قريب من مدرسة حيث أفادت التقارير بمقتل عدد من الأشخاص في حادث إطلاق نار (أ.ف.ب)

10 قتلى في إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية بالنمسا

نقلت «وكالة النمسا للأنباء» اليوم عن رئيسة بلدية مدينة غراتس الواقعة جنوب البلاد قولها إن إطلاق نار في مدرسة بالمدينة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.