معركة كشف الأخبار الزائفة بين «الأسلحة اليدوية» والذكاء الصناعي

مشرف وحدة التحقق لدى «آر تي إل» لـ«الشرق الأوسط»: مهارات يجب على جميع الصحافيين امتلاكها

أندرياس غراول أثناء ورشة العمل خلال فعاليات منتدى الشارقة للاتصال الحكومي
أندرياس غراول أثناء ورشة العمل خلال فعاليات منتدى الشارقة للاتصال الحكومي
TT

معركة كشف الأخبار الزائفة بين «الأسلحة اليدوية» والذكاء الصناعي

أندرياس غراول أثناء ورشة العمل خلال فعاليات منتدى الشارقة للاتصال الحكومي
أندرياس غراول أثناء ورشة العمل خلال فعاليات منتدى الشارقة للاتصال الحكومي

في عصر تضخ قنواته الإعلامية العالمية بشتى أنواع الأخبار، وفي عصر منحت التكنولوجيا الحديثة، الحياة الجديدة لفنون الدعاية السياسية وأساليب قلب الحقائق والتزييف، تواصل وكالات الأخبار العالمية المرموقة بث التقارير من مختلف مدن العالم، وتحاول جاهدة المحافظة على سمعتها المهنية خالية من أدنى درجات التحيز، أو الوقوع في نشر أخبار كاذبة أو مغلوطة.
إن الانتشار الكبير للوكالات في وسائل الإعلام العالمية، بما في ذلك الصحف، ومحطات البث الإذاعي، والوكالات والهيئات الحكومية المختلفة يقتضي منها أن تلتزم جانب الطمأنينة والدقة فيما تنشره في الوقت الذي تواجه الثقة الإعلامية مختلف أوجه التهديد.
إلى ذلك، أعلنت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية (أ.ب) اقترابها من تطوير وإطلاق أحدث أدواتها للتحقق من صحة الأخبار عن طريق توظيف الذكاء الصناعي تحت اسم «أ.ب فيريفاي» (AP Verify).
وكشفت آنا جونسون، مديرة الأخبار في منطقتي أوروبا وأفريقيا لدى الوكالة، في تصريحات صحافية نهاية الشهر الماضي، عن أن أداتها الجديدة تستند إلى التكنولوجيا السحابية وتستفيد من إمكانات تقنيات الذكاء الصناعي المتطورة للتحقق الفوري من – أو الكشف العاجل عن – الآلاف من فيديوهات المستخدمين التي تخضع لفحص صحافيي الوكالة بصفة أسبوعية.
برنامج التحقق لدى الوكالة يجمع بين تقنيات التعرف البصري والتعلّم الآلي لأجل إجراء التقييمات اللحظية السريعة لفيديوهات المستخدمين قبل نشرها. وظلت تلك الأداء الجديدة قيد الاختبار منذ عام 2017، عندما حازت الوكالة الموافقة على تمويل الأبحاث بشأنها كجزء من مبادرة «غوغل» لدعم الأخبار الرقمية.
وفي ظل تزايد احتمالات الفيديوهات المزيفة حديثاً (من الجمع بين تقنيات الذكاء الصناعي مع اللقطات الفعلية لأحد الأشخاص بغية الخروج بمقطع مزيف تماما)، تقر جونسون بأنّ التلاعب بالمحتوى الذي يبدو أكثر واقعية بات أسهل ما يكون عن ذي قبل.
لكن يمكن استخدام تكنولوجيا الذكاء الصناعي على قدم المساواة من أجل الصالح العام وذلك من خلال بناء ثقة الرّأي العام في محتويات وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية، ومن ثم في وسائل الإعلام الإخبارية بصفة عامة.
وتعتقد جونسون أنّ المقدرة على تطبيق تكنولوجيا الذكاء الصناعي للتحقق من فيديوهات المستخدمين من شأنها الإسراع من عملية الإبلاغ عن الأخبار العاجلة وإنقاذ الصحافيين من عبء مراجعة المحتويات الهائلة للغاية من فيديوهات المستخدمين. وهي تقول عن ذلك: «تساعد تلك التكنولوجيا في تنقية الضوضاء من الفيديوهات، وإزالة الإطناب والأجزاء التي لا تستحق الاطلاع عليها. ونحن نواصل البحث عن الوسائل المبتكرة لتسريع المراجعة، وجعلها أكثر بساطة وفاعلية؛ حتى يتمكن الصحافيون من التركيز فعلاً على التقارير الإخبارية ذات المغزى والأهمية».
واتفقت معها ليسا غيبس، مسؤولة الذكاء الصناعي لدى «أسوشييتد برس»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عند التقائها في أبريل (نيسان) 2018؛ إذ قالت: إن «الطريقة اليدوية للتحقق اليوم من قِبل الصحافي تتضمن بحثه عن مصدر المعلومات وتاريخ نشرها ومكان النشر أيضاً، خصوصاً عند التأكد من صحة الصور. لكن، أصبح من الممكن اليوم من خلال التكنولوجيا المتوافرة بناء أداة تختصر العملية الشاقة على الصحافي وتنجز المهمة بوقت أقل».
وأضافت غيبس: «قد نعتبر تجهيز أنفسنا بالتكنولوجيا معركة تسليح بين قوى الخير الصحافية وطاقات الأخبار الكاذبة»، مشيرة إلى أن «كل حقبة إعلامية زمنية تشهد تغيرات تكنولوجية تربكها أو تعطلها، لكن المعايير التحريرية والمهنية يجب أن تظل ثابتة بغض النظر». وأكدت على أهمية الوفاء لمعايير المهنة بقولها: «يتوجب علينا أن نعمل معاً لنحرص على تطوير طرق تبرز عملنا وتمنحنا القدرة على الكشف عن المعلومات المغلوطة بسرعة، وبإمكان تقنيات الذكاء الصناعي مساعدتنا على ذلك».
قد يكون الذكاء الصناعي هو الخلاص من أعباء تدقيق وتصفح مواد ومقاطع فيديو مهولة، إلا أن غرفة أخبار قناة «آر تي إل» الألمانية سلّحت نفسها ضد الأخبار الكاذبة بنجاح بأدوات غير مكلفة، ودربت صحافييها على استخدامها. هذا ما كشفه أندرياس غراول، المشرف على وحدة التحقق من الأخبار لدى القناة، بقوله: «لا نستخدم التكنولوجيا المتطورة الباهظة الثمن للتّحقق من الأخبار، بل نعتمد على ما توفره لنا القناة مثل أداة (reverse image search) التي لا تكلف أكثر من 300 دولار». وأضاف غراول لـ«الشرق الأوسط» على هامش ورشة عمل «إنيكس» خلال فعاليات الدورة الثامنة من منتدى الشارقة الدولي للاتصال الحكومي: «منذ بدأنا هذه الوحدة عام 2016 لم نقع في أي فخ ولم نخطئ إلى الآن».
الوحدة جرى تأسيسها بعد اعتداء ميونيخ الإرهابي في يوليو (تموز) 2016. يستذكر غراول ذاك اليوم الدامي الذي عانت منه ألمانيا بقوله: «كان (تويتر) متفاعلاً، وكان مصدرنا الرئيس لأن مراسيلنا في ميونيخ كانوا ممنوعين من التنقل لأسباب أمنية». وأضاف: «اضطررنا إلى الاعتماد على ما كان ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، واحترنا في غرفة الأخبار حول مصداقية ما يتم مشاركته وما هي الأنباء التي بالإمكان أن ننقلها». ووفقاً لغراول، وسط الزحمة والضياع التي حلت في غرفة الأخبار، تقدم رجل من قسم الأرشيف وتبرع بخدماته للتحقق من الأنباء المتواردة، وتسلم دفة القيادة. تحقق هذا الرجل الذي لطالما عمل في الإعلام التقليدي في قسم الأرشيف من الكم الأكبر من الصور مؤكداً مصداقيتها، أو زيفها. مهاراته الدقيقة في الأرشفة أفادته والقناة في عالم التواصل الاجتماعي، واستطاع الكشف عن صور وأنباء مزيفة تم تداولها لم تكن من الاعتداء الإرهابي، كما استطاع الكشف عن حسابات زائفة.
وبعدها شرح غراول: «عقب واقعة ميونيخ، نظم زميلي في الأرشيف ورشة عمل لتدريب كادر القناة على التعامل مع أحداث مستقبلية في مجال التحقق، وكنت في الدفعة الأولى». واستطرد: «وسّعنا شبكتنا على مدار السنوات الثلاث لنتعاون مع مجموعة (انيكس) العالمية و(آر تي إيه) في لكسمبورغ، وأصبحنا ندير ورشات العمل لتدريب الصّحافيين والطّلاب على مهارات التحقق من الأخبار والصور».
مهنة «خبير التحقق» أصبحت رائجة في غرف أخبار المؤسسات الإعلامية الألمانية، لكن غراول يعتقد أنّ المهارات التي يمتلكها هذا الخبير، مهارات أساسية يجب أن يمتلكها أي صحافي خلال عملية البحث لكتابة القصة، لكن الفرق توظف أدوات إلكترونية قد لا تكون مألوفة للجميع.
هناك الكثير من الأدوات المجانية على الإنترنت تساعد الوحدة في عملها، فعلى سبيل المثال، يعتمد غراول وزملاؤه على «ويكيمابيا» للتّحقق من أسماء ومواقع المناطق الجغرافية العربية، إلى جانب أدوات مماثلة تساعدهم في ترجمة إشارات المرور في الصور. وأضاف: «لدينا أيضاً شبكة من الشركاء نتواصل ونتعاون معهم، خصوصاً في قضية اللجوء إلى أوروبا، استثمرنا في بناء علاقات مع بعض اللاجئين الصحافيين الذين قدموا واستفدنا من خبراتهم والمامهم».
وعن أداة «أب» التي تعتزم الوكالة إطلاقها، قال: «لو نجحت الأداة قد نوظفها نحن أيضاً، لكن سنضطر إلى تغطية قضايا محلية وداخلية بالآلية الحالية، والتطور التقني لن يلغي أهمية عملنا، بل سيساهم في تحسينها».
- ليست كل الأخبار الخاطئة... كاذبة
> «الأخبار الكاذبة»... مصطلح أصبح فضفاضاً، وأداة بأيدي الساسة لتغريم الصحافيين وانتقاد عملهم، عندما يفيدهم اتهامهم بالزيف والتحريف. لكن، ليست كل الأخبار المتداولة، الخاطئة هي كاذبة، من شأنها الأذى.
- الأخبار الساخرة: قد تكون الأخبار المنشورة ساخرة، وقد يسيء فهمها المتلقي ويظن أنها حقيقية.
- السياق الخاطئ: قد يكون المحتوى ذا مصداقية، إلا أنه قد يستخدم في سياق مختلف؛ ما يجعل الخبر غير دقيق.
- الارتباط الخاطئ: قد يكون العنوان أو الصور المصاحبة للخبر لا تعبر عنه.
- المحتوى الدخيل: عندما يقوم أحدهم بانتحال مصدر حقيقي؛ ما يؤدي إلى نشر أخبار مغلوطة.
- المحتوى المتلاعب به: عندما يتم التلاعب عمداً بصور حقيقية لخداع الوكالات والمؤسسات الإخبارية.
- المحتوى المفبرك: عندما يتم تداول محتوى مزيف كلياً من شأنه الأذى وخداع الصحافيين.
لذا؛ أمام الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام مهمة التحقق من الأنباء الواردة، لكن بعض التحديات أمامهم.
- ثقافة الإعلام الإلكتروني: هذا تحدٍ يواجه الصحافيين من الأجيال التي تعتبر التطور التكنولوجي دخيلاً على حياتها، واعتادت العمل في غرف أخبار تقليدية، لكن الحل قد يكون مجرد دورات في هذا المجال.
- التكتلات الإلكترونية المغلقة: تطبيقات مشفرة مثل «واتساب» و«تلغرام» قد توفر حيزاً سرياً لإنتاج أخبار زائفة، يصعب الوصول إلى مصدرها والتحقق من صحتها.
- إساءة استخدام التكنولوجيا: بغرض التضليل أصبح من المتاح توظيف التكنولوجيا التي كانت يوماً حكراً على هوليوود فقط لتزييف الفيديو وفبركة الصور. هذه التكنولوجيا تمكن مستخدميها من تغيير الوجوه، والأماكن، والصوت.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».