حفْرٌ في جراحات المجتمع

«كلاي» للروائي المغربي أحمد الكبيري

حفْرٌ في جراحات المجتمع
TT

حفْرٌ في جراحات المجتمع

حفْرٌ في جراحات المجتمع

«لم أدّعِ يوماً أني كتبت رواية جميلة، لكني أقول، بكل اعتزاز، أن كل ما كتبت، كتبته بصدق وبحب وبقناعة. لا أتوخى إرضاء أحد، بقدر ما أتوخى أن تقول شخوصي كلمتها بكل حرية». هكذا، قدم الكاتب المغربي أحمد الكبيري لـ«كلاي»، عمله الروائي الجديد الذي لم تتوقف علاقته به عند مستوى كتابته وحضور حفلات تقديمه وتوقيعه، بل تتبع كل تفاصيل إنتاجه وتوزيعه والترويج له. لذلك لم يجد إلا أن يقول: «نحن لا نكتب، بل نقاوم»، قبل أن يستدرك: «كم هو محبط أن تكتب كتاباً في بلدان لا تقرأ، ونحن نكاية في هذا الإحباط وضداً في الظلام واليأس، نكتب وننشر ونوزع وننفق على الكتاب بفرح».
يقول عن روايته الجديدة: «منطلق فكرتها والشروع في كتابتها كان جريمة اغتصاب وقتل صبية في ربيعها الرابع، ارتكبها شاب عاش حياة ممزقة بين المغرب وبلاد المهجر، في ظروف ملتبسة بمدينة جبلية صغيرة ومهمشة. روعت الجريمة ساكنة المدينة ورجت طمأنينة أهلها، فارتكزتُ عليها للبحث في هذا النوع من الجرائم على مستوى نشأة ومسار حياة مرتكبيها، على مستوى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية وبالخصوص النفسية، لأبني من هذا الحدث نصاً روائياً متخيلاً موازياً لعوالم وأحداث واقعية، من شأنها أن تسلط الضوء على مظاهر مجتمعية وحالات نفسية تنمو وتتكاثر في عوالم مقصية، مهمشة ومظلمة، كخلايا إرهابية نائمة، لا نستشعر حجم خطورتها وفظاعة جرائمها إلا عندما تنفجر في وجهنا كألغام قديمة. وكذلك إنها محاولة لفهم التحول الذي يعيشه إنسان بطاقات جبارة، كان من الممكن استغلالها وتوجيهها إلى مجال يعود على صاحبه وعلى المجتمع بالنفع، فتم تحويلها إلى طاقة شريرة سوداء مدمرة للذات وللمجتمع وصادمة للمشاعر الإنسانية. صعب جداً استيعاب جريمة قتل من هذا النوع، التي، للأسف الشديد، عرفت في السنين الأخيرة انتشاراً في المغرب وكذا في كثير من البلدان العربية. انطلاقاً من هذا الحدث الأساسي، سيتم، مع تنامي الحكي، تسليط الضوء في الرواية، على تيمات كثيرة، كمشكلات التعليم والأمن والعدل، وتشغيل الأطفال، والعنصرية والهجرة السرية ودعارة الرجال، واستغلال المرأة، وعالم المخدرات والسجون ومرحلة الاستعمار وتفاصيل أخرى كثيرة. كل هذا سيطلع عليه القارئ في بناء دائري محكم للرواية، بأسلوب حاولت أن أجعله سلساً لتكتمل الصورة عن شخوص الرواية وفضاءاتها المتعددة، وكذا أزمنتها الممتدة إلى فترات تاريخية قاسية عاشها المغاربة مع المستعمر».
تأتي رواية «كلاي»، بعد 3 أعمال روائية، هي «مصابيح مطفأة»، و«مقابر مشتعلة» و«أرصفة دافئة»، تعرف فيها القراء على الكبيري روائياً، بأسلوب ولغة خاصين، وأيضاً ثابتين. بمعنى أنه، كما قال الكاتب جمال الموساوي، أخيراً، في حفل تقديم وتوقيع هذا العمل الجديد بالرباط: «يكتب رواية عن الناس وقريبة منهم، رواية تنبش أكثر في تلك الحياة التي على الهامش. تلك الحياة التي تحجبها حياة أخرى، هي حياة الواجهة، والوجاهة».
في عمله الجديد، تخلص الكبيري، حسب الموساوي، من أسْر ثلاثيته السابقة، لـ«يعود بعد 6 سنوات، محافظاً على أسلوبه ولغته؛ الأسلوب القائم على الحكايات التي يتناسل بعضها من بعض، حيث تفضي كل حكاية إلى أخرى لتصب في الحكاية الكبرى التي تمثل حياة وشخصية كْلاي، ومحافظاً، أيضاً، بحرص، على لغته القريبة من أولئك الذين كتب عنهم». وبالمقابل يحفر الكبيري، في روايته الجديدة، أكثر في «الجراحات الموجعة للمجتمع. جراحات فئات منه على وجه التحديد. الفئات التي ليس لها أحد، أو التي يتحدث عنها فقط الانتهازيون لأغراض مختلفة، ومنها الأطفال والنساء وعموم المسحوقين».
في «كْلاي»، ينجح الروائي في «إدخال القارئ إلى العوالم النفسية لشخصياته، ويطالبه بفهم سلوكاتها وتحولاتها في ضوء ذلك، وفي ضوء تفاعلها مع معطيات البيئة الاجتماعية التي تعيش فيه». فكْلاي، مثلاً، كان من الممكن أن يكون شخصاً آخر، غير الذي انتهى إليه في الرواية، أي يكون مجرماً محكوماً عليه بالإعدام على خلفية اغتصاب وقتل طفلة في الرابعة من عمرها. ذلك أن كْلاي، كما تقدمه الرواية، طفل مغربيّ، ألماني المنشأ، وجد نفسه فجأة مجتثاً من بيئته الأولى ليحط الرحال في مدينة مغربية صغيرة على الهامش، بسبب قرار الأم بالعودة إلى المغرب بعد الوفاة المأساوية لزوجها.
كان لهذا الحدث، أي العودة، الأثر الأكبر في تشكيل كْلاي، وتحويله من بطل عالمي محتمل في الملاكمة إلى أخطر مجرم عرفته تلك المدينة المغربية الصغيرة على الهامش. إنها صدمة التخلف، المقابلة لصدمة الحداثة أو الحضارة. كان ذلك واضحاً، كما يرى الموساوي، في ثورة كْلاي على والدته، حين قال لها: «أنت السبب في كل ما نعانيه... أنت يا وجه الشؤم من ترك بلاد الحضارة والرفاهية وأتيت بنا إلى هذا البلد المتخلف... بلاد الذل والحكرة». هذه الثورة كانت إعلاناً عن تعقد العلاقة بين كْلاي وبيئته الجديدة. فهو لم يتمكن من دخول المدرسة بسبب تجاوز السن (القانونية) عند العودة إلى المغرب، ولم يكن أمامه سوى أبواب كثيرة للمعاناة، كان أولها الاشتغال في ورشة للميكانيكا، التي يقدمها الروائي نموذجاً لأنواع الاستغلال الذي يتعرض له الأطفال القاصرون، وهم من الفئات الهشة المشار إليها سابقاً، تماماً كما يقدم في أماكن أخرى نماذج لمعاناة المرأة التي تكاد تشتغل على مدار اليوم بينما الرجل جالس في البيت.
تعقد العلاقة مع البيئة الجديدة، لم يفتأ يتطور مع تقدم كْلاي في السن رويداً رويداً، خصوصاً أن بيئته الألمانية الأصلية، التي لا يتطرق إليها الكبيري بشكل مستفيض تاركاً أمر تخيلها للقارئ، ظلت تسكنه، ونستشعرها في كل حركة يقوم بها.
يشير الموساوي إلى تفاصيل كثيرة وحكايات متوالدة، تصور علاقات كْلاي مع الناس؛ علاقات تتراوح بين النبذ والخوف والصداقة، والعجز عن الحب، والشجار، وخرق القانون والأعراف الاجتماعية، والتمرد، وملاحظة النفاق الذي يطبع علاقة الناس ببعضهم أحياناً، وكيف أن ظاهر الناس ليس باطنهم من خلال الإشارة إلى أنواع من الفساد الذي تمارسه فئات معينة. هذه التفاصيل، يقدمها المؤلف في إطار متوالية حكائية، حيث لكل شخصية ولكل علاقة من هذه الشخصيات والعلاقات حكاية خاصة مستقلة، لكنها تسهم في دينامية تطور حياة وشخصية كْلاي.
يتحدث الموساوي عن صعوبة «الاندماج»، التي غذت حنين كْلاي إلى ألمانيا، إلى مرابع الصبا كما يقال، وإلى تلك الصورة التي علقت في الذهن حلماً. وبعد محاولة فاشلة للهجرة بشكل غير شرعي، انتهت بالترحيل إلى المغرب من إيطاليا، يتمكن كْلاي بمساعدة عمه المقيم بفرنسا من تحقيق حلمه، والخروج آمناً وبجواز سفر وتأشيرة إلى فرنسا أولاً، ونحو ألمانيا فيما بعد، وهو ما أحيا من جديد أحلام الطفولة والملاكمة والبطولات، دون أن يتخلص من الغصة التي كبرت في حلقة منذ وقت طويل، يعبر عنها بقوله: «لو لم يمت أبي وبقيت منذ ذلك الوقت هنا، لكانت حياتي الآن مختلفة».


مقالات ذات صلة

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

ثقافة وفنون روزي جدي

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي

«الشرق الأوسط» (عمّان)
كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي
TT

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

روزي جدي
روزي جدي

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة من واقع تاريخ أفريقيا في علاقتها بالغرب وبمحيطها العربي في الوقت نفسه.

صدرت له أخيراً «ثلاثية أنجمينا» التي تستكمل تجربة لافتة استهلها بـ«زمن الملل» التي فازت بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، ثم توالت أعماله ومنها «ارتدادات الذاكرة» و«التاريخ السري المعلن لآدم وحواء»... هنا حوار معه:

> في روايتك الأحدث «ثلاثية أنجمينا» لماذا تبدو الشخصية الرئيسية مشدودة إلى قدر العودة إلى موطن رأسها بعد سنوات من التحقق في فرنسا رغم أنها تعلم أنها تغامر بترك الرفاهية والعودة إلى الأزمات؟

- الحنين إلى الوطن هو الذي دفعه إلى العودة لبلاده، هذا ما يبدو لأول وهلة وما تدّعيه الشخصية، لكن الحقيقة أنه قرر العودة بعد أن شعر بأنه ليس فرنسياً كما اعتقد طوال حياته. اليمين المتطرف صعّد خطابه المناهض ضد المهاجرين وشعر صاحب الجذور التشادية بأنه لا ينتمي إلى هذا المكان، إضافة إلى سقوطه في براثن الاكتئاب بعد أن خسر حبيبته التي انضمت لليمين ورأت أخيراً أنه أسمر.

صحيح أن بركاي قرر العودة إلى الأزمات لكنه لم يكن يدري، ولهذا رجته أمه بعدم الذهاب في بداية الرواية، لكنها عودة حتمية مثل عودتنا إلى البيت دائماً حتى حين يكون البيت برميلاً من المشاكل.

> تبدو صورة العاصمة التشادية في الرواية وكأنها أرض منذورة للحرب والتوتر والخوف والخيبة وانكسار الأحلام... ألم تكن قاسياً إلى حد ما في تبني تلك الرؤية؟

- لم أكن قاسياً، بل كنت واقعياً. هي أرض منذورة للحرب حقاً، وعشنا فيها حروباً أهلية بلا توقف، وخسرنا أحباباً وأصدقاء؛ أعتقد أن الشرط الأول للكتابة هو قول الحقيقة. الصورة التي رسمتها لمدينتي تبدو قاسية لكنها حقيقية.

> هل يمكن النظر للرواية في إطار رصد العلاقة بين الشرق والغرب ولكن من منظور أفريقي شديد الخصوصية؟

- يمكن ذلك، وهذه أمور يراها النقاد ويشعر بها القراء. حين قررت كتابة «ثلاثية أنجمينا» أردتُّ كتابة مدينتي أنجمينا وسعيت لتأريخها بوصفها مكاناً شهد أحداثاً جسيمة أثرت على الملايين وشكلت الحياة السياسية في البلد بأكمله. ربما يجد فيها المرء هذه المقاربة لكنها رواية عن تشاد والتشاديين، وفي الوقت نفسه تعبر عن الحياة والمشاكل والقضايا في دول الساحل وبعض الدول العربية، إلا أنني لم أفكر في الغرب أبداً في أثناء الكتابة.

> ما الهاجس الأساسي الذي يعد المحرك الفعلي لأعمالك الإبداعية؟

- هي هواجس عديدة لكنّ على رأسها فكرة الموت، هاجس أناني لكنه قلق وجودي؛ تخيفني فكرة الموت والذهاب بكل هذه الحكايات، ولذا أكتب كي لا أموت بكل هذه القضايا، هذا ما أقوله مع نفسي، بيد أنّ أعمالي تقول إن هاجسي هو الإنسان التشادي وهو يعبر التاريخ المثقل بالحروب والانقلابات والتحولات السياسية، ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على ذاكرته وكرامته وقدرته على الحلم.

تشغلني مدينة أنجمينا، الابتعاد عنها، والمنفى، والهوية، وتأثير قرارات السلطة على حياة الناس، وما تفعله الأحداث الكبرى بحياة الأفراد العاديين. أحاول في رواياتي أن أكتب تشاد من الداخل، لا بوصفها هامشاً بعيداً، بل بوصفها فضاء إنسانياً كاملاً، مليئاً بالتناقضات والأسئلة.

> تكتب عن أفريقيا باللغة العربية... كيف ترى الأمر خصوصاً حين يجد البعض صعوبة في تصنيف تجربتك أو العثور على مدخل مناسب للتعامل معها نقدياً؟

- أنا أفريقي يكتب باللغة العربية لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ أكتب باللغة العربية عن قضايا ومواضيع دولة أفريقية؛ لكن هذه المشكلة ليست جديدة وعانى منها معظم الكتاب الأفارقة، فنحن كتبنا بالفرنسية والسواحلية والإنجليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية.

لكني لا أجد أي صعوبة في تصنيف تجربتي؛ فالعبرة بلغة الكتابة وليس بعِرق الكاتب. ما أكتبه يثري الأدب العربي ويعبر عن تنوعه، كما أن تشاد دولة لها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والسودان.

وأعتقد أن تشاد لو انضمت إلى جامعة الدول العربية لاعتبرتُ كاتباً عربياً رغم أنه مجرد قرار سياسي. في الحقيقة تشاد أكثر عروبة من دول هي تُعدُّ الآن عربية، وذلك لوجود كبير للمكون العربي فيها واعتبارها اللغة العربية لغة وطنية بنص الدستور ومعمول بها منذ الاستقلال.

> هل تعاني بوصفك أديباً من أزمة هوية بشكل أو بآخر؟

- شخصياً، لا أعاني من أزمة هوية لكني أعالج أسئلة الهوية في أعمالي وأعود إليها مراراً؛ لأننا في تشاد لدينا أزمة هوية. مثلاً في روايتي الأولى «زمن الملل» تقول إحدى شخصياتها: «أنا أفريقي في عيني العربي، وعربي في عيني الأفريقي»، فنحن بين بين. لسنا عرباً كفاية ولسنا أفارقة بما يكفي، لكن هذه معضلة يعاني منها معظم سكان دول الشريط الساحلي.

أعتقد أن سؤال الهوية ظل يرافقني منذ وقت مبكر. أنا تشادي، أنتمي إلى فضاء أفروعربي شديد التنوع، وأكتب بالعربية، وأتحرك ثقافياً بين أكثر من عالم، لذلك كان طبيعياً أن أسأل نفسي أحياناً: أين أقف بالضبط؟

لكن مع الوقت، لم أعد أتعامل مع الأمر بوصفه أزمة، بل بوصفه جزءاً من تكويني. هذا التعدد، وما فيه من تناقضات وأسئلة، هو نفسه الذي منحني كثيراً من موضوعاتي وشخصياتي. ربما أنا لا أبحث عن هوية واحدة مغلقة بقدر ما أحاول أن أفهم كيف يمكن للإنسان أن يحمل داخله أكثر من انتماء، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صوت.

> فازت روايتك «زمن الملل» بجائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، والعمل يتمتع بوصف مسهب لحياة الفراغ والعبث واللامبالاة لبطل تشادي... هل نحن هنا بإزاء حالة استثنائية أم رصد لحالة عامة؟

- لا أعتقد أنها حالة عامة لكل الشعب التشادي، بقدر ما هي رصد لمرحلة محددة ولجيل بعينه. الرواية تتحدث، في جانب كبير منها، عن سنوات ما بعد التخرج في الجامعة، ومن الطبيعي أن يعتمد الروائي في أعماله الأولى على حياته وعالمه وما اختبره بنفسه.

لكن التجربة لم تكن فردية تماماً؛ كانت تصف حالة جيل كامل تقريباً، جيلنا نحن مواليد التسعينات. في تلك السنوات عاشت البلاد أزمة اقتصادية قاسية، دفعت مئات الآلاف من الشباب إلى البطالة، وانسدت الآفاق، وغادرت شركات كثيرة، وازداد الفقر، وانهارت الطبقة الوسطى... تخيلي جيلاً كاملاً عاش جزءاً كبيراً من عشريناته وهو يشعر بالعجز.

> فازت كذلك روايتك «ارتدادات الذاكرة» التي ترصد حقبة الاستعمار الفرنسي لتشاد، بجائزة «التميز الأدبي» التي تمنحها وزارة الثقافة التشادية...تُرى ما الذي يخطر على بال المثقف التشادي حين «ترتد ذاكرته» إلى تلك الحقبة؟

- عدت في هذا العمل إلى أحداث تاريخية مهمة شهدتها بلادي وأثرت في البلاد والعباد، لكنها بدت مع الوقت كأنها تنسحب إلى هامش الذاكرة. كنت أشعر بأن بعض ما حدث أكبر من أن يُترك للنسيان؛ لأن سقوط مملكة مثل انهيار دولة، وهذه الأشياء لا تحدث بسبب عامل خارجي وحده، بل لا بد دائماً من شقوق داخلية، ومن أخطاء وسقطات تمهد للسقوط.

لذلك، لم أكن أريد أن أكتب عن الاستعمار الفرنسي باعتباره قوة جاءت من الخارج فقط، بل أردت أن أنظر أيضاً إلى ما كان يحدث داخل المجتمع والدولة آنذاك، إلى الصراعات، والهشاشة، والانقسامات التي تجعل لحظة الانهيار ممكنة. التاريخ في نظري لا يصنعه طرف واحد، ولا يمكن فهمه إذا اكتفينا بتوزيع الأدوار بين ضحية وجلاد. وحين ترتد ذاكرة المثقف التشادي إلى تلك الحقبة، فهي لا تعود إلى ماضٍ مغلق، بل إلى شيء لا تزال ظلاله معنا. بعض آثار تلك المرحلة بقي في السياسة، وفي الثقافة، وفي علاقتنا بالسلطة وبالآخر، وربما حتى في طريقتنا في فهم أنفسنا.

لهذا كانت «ارتدادات الذاكرة» بالنسبة إليّ محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة تشاد، لا من أجل تمجيد الماضي أو البكاء عليه، بل من أجل النظر إليه بوضوح أكبر؛ لأن الأمم التي تنسى الطريقة التي سقطت بها قد تكرر السقوط نفسه بأسماء جديدة.

> دراستك للقانون وعملك بالسلك القضائي... كيف انعكسا على تجربتك الإبداعية؟

- أنا قانوني هرب من الصرامة إلى رحابة الأدب، واستفدت من دراستي له أشياء كثيرة خاصة في خلق الشخصيات؛ فالقانون يعلّمنا أن نشك، وأن نحلل ونقارن ونبحث عن التفاصيل، وأن الحقيقة لها أوجه عديدة. كل هذه الأشياء يستفيد منها المرء دون وعي.

كما قرّبني العمل القضائي من الناس في لحظات شديدة الحساسية، تتجلى فيها الخصومة، والخوف، والندم، والشعور بالظلم، والطمع، والانكسار. وتترك هذه التجارب الإنسانية أثراً عميقاً في الكاتب، حتى عندما لا ينقلها مباشرة إلى أعماله الروائية.

> أخيراً... تقول إنك بوصفك روائياً من تشاد لا تمتلك رفاهية تبنّي مقولة «الفن للفن» وفي الوقت نفسه تقول ينبغي ألا يكون الإبداع بياناً سياسياً... كيف تحل تلك المعادلة الصعبة؟

- أعتقد أننا في تشاد لدينا الكثير من المواضيع والقضايا التي تستحق الكتابة، بلادنا حديثة، وُلدتْ قبل ستين سنة فقط لكنها غنية من ناحية الثقافة والأحداث والتاريخ السياسي العنيف والقضايا الشائكة التي تستحق المعالجة وطرح التساؤلات حولها. ومن ذلك المنطلق، أردد بأنني مبدئياً لا أملك ترف اللعب بالكلمات بقدر ما لديّ أشياء مهمة يجب قولها وتساؤلات ملحّة ينبغي طرحها. لكني لا أفرض هذا على غيري بل حتى عليّ شخصياً، كتبت قصصاً من أجل متعة الكتابة فقط. في المقابل، أؤمن أنه لا ينبغي تحويل الأدب إلى كيس مليء بالأفكار الأيديولوجية أو السعي لتصفية الحسابات السياسية، كما أنني ضد أن يعمل الأدب في صالح السلطة؛ أياً كان شكل هذه السلطة.


أين اختفى المثقف الكبير؟

أين اختفى المثقف الكبير؟
TT

أين اختفى المثقف الكبير؟

أين اختفى المثقف الكبير؟

لا تعاني الثقافة العربية من قلة الكتّاب ولا من ندرة الباحثين. بل لعل عدد المؤلفين والأكاديميين والمنابر الثقافية يفوق ما عرفته. الجامعات تتوسع، والكتب تتكاثر، والمنصات تتيح لكل صاحب رأي أن يصل إلى جمهور واسع. يظل سؤال ملحّ يفرض نفسه: لماذا نفتقد حضور المثقف الكبير؟

والمقصود بالمثقف الكبير ليس الكاتب الأشهر، ولا الأكاديمي الأشد تخصصاً، ولا صاحب الحضور الإعلامي الأوسع، بل الشخصية التي تتجاوز حدود مجالها لتصبح مرجعاً فكرياً. إنه المثقف الذي لا يكتفي بالتعليق على الوقائع، بل يمتلك رؤية تتيح له تفسيرها، وربط بعضها ببعض، ووضعها داخل سياق التاريخ والمجتمع والثقافة.

عرفت الثقافة العربية نماذج بارزة. اختلف هؤلاء في المرجعيات والمواقف والمناهج، لكنهم اشتركوا في سمة أساسية؛ أن لكلٍّ مشروعاً كبيراً يتجاوز الكتاب الواحد والمقالة الواحدة. لم يكونوا منتجين للنصوص، بل أصحاب أسئلة كبرى حول النهضة والتراث والحداثة والعقل والتاريخ والهوية.

لم يكن القارئ يعود إليهم بحثاً عن رأي في قضية طارئة، بل لأنه يريد أن يرى القضية من داخل منظومة فكرية متماسكة. كانت كتبهم تتراكم عبر العقود لتشكّل مشروعاً واضح المعالم، وكانت مواقفهم، حين يختلف الناس معها، تنطلق من تصور محدد للعالم. نشأت سلطة ثقافية لم يكن مصدرها الشهرة وحدها، بل الاستمرار والعمق والقدرة على التأثير في طريقة طرح الأسئلة.

أما اليوم فقد تغيرت طبيعة المشهد الثقافي. أصبح التخصص الأكاديمي أكثر دقة وتشعباً، وهو مكسب معرفي مهم، لكنه أضعف نموذج المثقف الموسوعي الكبير صاحب الرؤية العامة. نجد باحثاً ممتازاً في جزئية محددة من التاريخ أو الفلسفة أو علم الاجتماع، لكنه يظل محصوراً داخل تخصصه. لقد ازداد عدد الخبراء، لكن الخبير ليس بالضرورة مثقفاً بالمعنى الواسع.

فالخبير يزوّدنا بتفاصيل دقيقة عن موضوع، أما المثقف فيسعى إلى وصل هذه التفاصيل بصورة أكبر.

ووظيفته ليست أن يعرف كل شيء، فهذا لم يكن ممكناً في أي زمن، بل أن يمتلك القدرة على الركض بين الحقول، واكتشاف الروابط الخفية بينها، وتحويل المعارف المتفرقة إلى رؤية تساعد الناس في فهم عصرهم.

تغيرت وسائل إنتاج الشهرة الثقافية. كان المثقف يبني حضوره ببطء؛ كتاب يتبعه كتاب، ومقال يثير نقاشاً، وسجالات تمتد أعواماً. وكانت السلطة الرمزية تحتاج إلى وقت طويل حتى تتشكل. أما في زمن المنصات الرقمية، فقد أصبحت الشهرة أسرع، لكنها أكثر هشاشة. يمكن لاسم أن يتصدر المشهد خلال أيام، ثم يختفي بالسرعة نفسها، في فضاء تقني يستهلك الأسماء والأفكار بلا توقف، كما يفعل مع كل شيء آخر.

والمنصات لا تكافئ دائماً الفكرة الأعمق، بل تكافئ غالباً الفكرة الأسرع انتشاراً؛ فالعبارة القصيرة الحادة أقدر على التداول من الحجة الطويلة، والموقف المثير أكثر جذباً من التحليل المركب. وهكذا، اتسعت المسافة بين الشهرة الفكرية والقيمة الفكرية. وقد يكون الشخص حاضراً في كل مكان من دون أن يترك وراءه فكرة واحدة قابلة للبقاء.

كما أدت سرعة الأحداث إلى تحويل بعض المثقفين من أصحاب مشاريع إلى معلقين يوميين. يلاحق الكاتب الخبر السياسي والاجتماعي والثقافي، ويبدي رأيه في كل ما يحدث، حتى يصبح إنتاجه سلسلة من الاستجابات المتعاقبة. لكنه، وهو يلاحق التفاصيل، قد يفقد السؤال الأكبر الذي يمنح كتابته معناها واستمرارها.

فالمثقف الكبير لا تتحدد قيمته بكثرة مواقفه، بل بقدرته على ابتكار سؤال أو مفهوم يظل صالحاً بعد أن ينتهي الحدث الذي استدعاه. الخبر يموت سريعاً، أما الفكرة فقد تعيش للأبد. وما أبقى أسماء كبار المفكرين لم يكن قدرتهم على التعليق على أحداث عصرهم فحسب، بل إنهم أنتجوا أدوات فكرية استُخدمت لفهم أحداث جاءت بعدهم أيضاً.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة؛ أزمة المثقف الكبير هي، إلى حد بعيد، أزمة المشروع الفكري. فالمشروع يعني وجود سؤال مركزي يرافق الكاتب سنوات طويلة، وتتجمع كتبه ومقالاته حوله. أما حين يصبح كل كتاب منفصلاً عن الآخر، وكل مقالة استجابة لمناسبة طارئة، فقد يكون الإنتاج غزيراً من دون أن يتحول إلى بناء متماسك. وربما ينبغي الاعتراف أيضاً بأن العالَم الذي صنع المثقف الكبير بصورته القديمة قد تغير. لم يعد هناك مركز ثقافي واحد، ولا جمهور موحد. السلطة المعرفية موزعة بين الجامعات ووسائل الإعلام والمنصات ومراكز البحث، والجمهور نفسه انقسم إلى جماعات صغيرة، لكل منها اهتماماته ومراجعه. ولهذا، أصبح ظهور شخصية واحدة تفرض حضورها على المجال الثقافي كله أكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي.

لكن هذا لا يعني أن الحاجة إلى المثقف الكبير قد انتهت، بل ربما ازدادت؛ فمشكلتنا لا تكمن في نقص المعلومات، وإنما في فائضها وتضخمها. ولهذا نحتاج إلى من يميز المهم من العابر، ويربط بين ما يبدو متفرقاً، ويمنح الفوضى شكلاً يمكن فهمه.

المثقف الكبير ليس من يملك جواباً عن كل سؤال، ولا من يظهر في كل مناسبة، ولا من يفتعل الاستفزاز طلباً للشهرة، بل من يجعلنا نطرح أسئلة لم نكن نعرف كيف نصوغها، ويمنحنا مفاهيم جديدة نرى بها واقعاً كان أمامنا دائماً، لكننا لم نكن نراه بالطريقة نفسها.

ولعل استعادة حضور المثقف الكبير لا تكون بالحنين إلى صورته القديمة، بل بإعادة بناء الشروط التي تسمح بظهور صاحب المشروع الفكري. نحتاج إلى كاتب يتحرر، قدر الإمكان، من ضغط التعليق اليومي، ويمنح نفسه وقتاً لملاحقة سؤال مركزي يتطور عبر كتبه ومقالاته. ونحتاج كذلك إلى جامعات ومراكز بحث ومنابر ثقافية تشجع العبور بين التخصصات، وتفسح المجال للأفكار التي تحتاج إلى زمن حتى تنضج؛ فالمثقف الكبير لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تصنعه أيضاً بيئة تحمي استقلاله، وتمنحه فرصة التراكم والاستمرار.

* كاتب سعودي


إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا
TT

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبةً يافعةً قادمةً من أوساط الغرب الأوسط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذةً بسحر الأفكار الآتية من باريس، والتي شكلت الشيفرة السرية والرمز الثقافي المميز للنخب الفكرية المتمردة في الثلث الأخير من القرن الماضي.

جيل دولوز

ترسم إيكين عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة من الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الفرنسيين الذين أحدثوا زلزالاً معرفيّاً في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والذات، متتبعةً تفاصيل الرحلة المعقدة التي قطعتها هذه الأفكار من مقاهي حي السوربون وأروقة المدرسة العليا للأساتذة بباريس إلى قاعات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا.

وتصف الكاتبة حالة الانجذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنماط شديدة الخطورة والمفعمة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كان تعلّم المفردات التي تتضمنها هذه النظرية أشبه باستبدال للهوية والموطن الأصلي بمنظومة معجمية شاسعة تمنح صاحبها بطاقة عبور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية.

وتعبّر عن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الذي ينتاب المرء عند رؤية الواقع واللغة والنفس البشرية وهي موضع التفكيك والتشريح جهاراً، حيث كانت مفردات مثل «المفارقة» - أي التناقض الظاهري -، و«الدال العائم» - أي المفهوم أو الرمز المنفصل عن مدلول محدد، مما يجعله قابلاً للامتلاء بأي معنى يُسقط عليه مثل مصطلحات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانفصال عن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية.

لوي ألتوسير

يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان ولوي ألتوسير وجيل دولوز وفيلكس غوتاري وبول دي مان، مع استحضار كاشف لرموز مبكرة من قماش جان بول سارتر وكلود ليفي ستروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبةً «موت المؤلف» واعتبروا السيرة الشخصية مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياةً طافحةً بالدراما والفضائح المدوية والمآسي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صوراً تفصيلية لهؤلاء الأعلام، كاشفةً عن جوانب شديدة التناقض في سلوكياتهم اليومية التي تجاور في غرابتها نصوصهم الأشد تعقيداً واستغلاقاً.

ثمّة تفاصيل مفجعة عن حياة ألتوسير الذي أقدم في لحظة جنون عاصفة على خنق زوجته في سكنه بالجامعة وتجنب المحاكمة بسبب اضطرابه العقلي، في حين تشير السيرة إلى ارتباكه العاطفي العميق في شبابه الأولي واحتفاظه بعزلة نفسية حادة. هناك كذلك تفاصيل الرحلات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طقوس التجريب الذهني والجسدي واختبر المشروبات الأميركية، وانهمك في تقطيع حطب التدفئة مع الطلاب في الجبال، بالتوازي مع تطويره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. وينقلنا النص إلى العالم المسرحي للمحلل النفسي جاك لاكان الذي ابتدع أسلوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها في غضون دقائق معدودة ليحصد من ورائها ثروات هائلة، واضعاً مريديه في حالة ذهول دائم عبر رسم عقد ورموز مبهمة على السبورة ثم المغادرة الفورية القاطعة للقاعة.

ميشيل فوكو

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجاً نحو واقعة اعتقاله المأساوية في براغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد النص مساحةً واسعة للسقوط المدوّي لبول دي مان، الأب الروحي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة للاحتلال النازي في بلجيكا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفضيحة التي وجهت ضربةً قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية في أميركا، وأعطت الخصوم السياسيين والفكريين أسلحةً فتاكة لتقويض الهالة الحصينة التي أحاطت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة.

وتعتمد إيكين منهجاً أنثروبولوجياً فريداً في تفكيك هذه الشخصيات عبر تقسيم الفصول وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والكلمات والمناورات، مفضلةً استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمبدعيها ومجاوزة التحليل الأكاديمي الصرف، مظهرة قدرةً فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «السلطة الحيوية» و«البانوبتيكون» و«الاستجواب الآيديولوجي»، فتفسر كيف أضحت هذه الطروحات مفاتيح أساسية لفهم التحولات الثقافية والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حول البانوبتيكون أو «المراقبة الشاملة» كتشخيص فصيح ومبكر لشبكات المراقبة الرقمية التي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكياته وأفكاره.

يمتد التحليل إلى تنبؤات رولان بارت في مقالته الشهيرة «موت المؤلف»؛ إذ يجد القارئ المعاصر أن فكرة إنتاج النصوص المستقلة عن وجود الذات الإنسانية قد تجسدت واقعياً عبر نماذج اللغويات الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والخطابات في هيئة نصوص متدفقة تعمل فيها اللغة لذاتها وبذاتها. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كنزعة تمردية في المحترفات الجامعية المغلقة قد انحلت تدريجياً في النسيج الثقافي العام، فأصبحت الفرضيات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الحركات الاجتماعية ورجال التسويق وأقسام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيديولوجيين في الحروب الثقافية المحتدمة.

وينطوي عمل إيكين على ثغرات منهجية تستدعي التوقف النقدي عندها، وفي مقدمتها اقتصار دراستها المكثفة على ثمانية أعلام من الرجال حصراً، وتهميش الدور التأسيسي الذي لعبته الفيلسوفات والمفكرات الفرنسيات البارزات في تلك الحقبة مثل هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وسارة كوفمان ومونيك فيتيغ، وهن اللاتي قدمن إسهامات مفصلية في نقد المركزية الذكورية وإعادة صياغة مفاهيم الجسد والكتابة المتمردة.

ويلاحظ القارئ الفاحص أيضاً غياباً تاماً لرمز فكري محوري بحجم رينيه جيرار الذي أطر في مؤتمر جونز هوبكنز التاريخي عام 1966 بداية دخول النظرية إلى أميركا، والذي تتيح نظريته حول «الرغبة المحاكاتية» تفسيراً عميقاً للخصومات الشرسة وحالة التنافس الرهيب التي سادت بين أعلام البنيوية والتفكيك وهم يسعون لتحقيق التمرد والفرادة الذاتية عبر تقليد الأنماط المتصارعة.

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية

ويتعلق مأخذ آخر بطبيعة المنهج الذي اعتمدته الكاتبة؛ إذ غلب اهتمامها بالطرائف البايوغرافية والتفاصيل الشخصية على حساب الفحص الفلسفي الغائر للمتون والاحتجاجات النظرية، الأمر الذي قد يمنح انطباعاً مضللاً بأن الفلسفة مجرد صرعة ثقافية عابرة أو موضة فكرية ترتبط بزمن محدد. ويبدو أنها في محاولتها للتوفيق بين موقعها السابق كطالبة مأخوذة بالنظريات وموقعها الحالي بوصفها محررة صحافية مرموقة في جريدة «نيويورك تايمز»، قد فضلت تبسيط الأفكار لصالح الحبكة السردية المشوقة، متخليةً عن التعمق العلمي الذي تتطلبه مساجلات عاتية من وزن المناظرة التاريخية بين فوكو ودريدا حول فلسفة ديكارت وسؤال العقلانية.

ومع ذلك، فإن للفرنسيين قيمة استثنائية تستمدها من قدرة إيكين الباهرة على صياغة مراجعة فكرية ممتعة تجمع الرشاقة الصحافية إلى العمق الثقافي، متجنبةً السقوط في فخ الإدانة السطحية أو التبجيل الأعمى لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ الفكر البشري.

في نهاية هذه الرحلة الممتدة عبر الأفكار والسير نخلص إلى أن القيمة الباقية للنظرية الفرنسية تكمن في منحنا أدوات النقد اليقظ والتفحص الصارم للغة، وإيقاظ التشكك الدائم أمام الشعارات السياسية التي تتزين بزي الحقائق السرمدية. وسيظل عمل إيكين دعوةً مفتوحةً لإعادة اكتشاف هؤلاء المفكرين المعقدين واستعادة روح المساءلة الفكرية الحرة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى بناء وعي نقدي متماسك ومحصن ضد التبسيط والتضليل والسطحية المعرفية.