ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

بينما تنتظر أوروبا بقلق أداءه في انتخابات مايو

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
TT

ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان

كانت الساعة قد قاربت الخامسة والنصف مساء، عندما خرج فرانك ماغنيس، رئيس مكتب حزب «البديل لألمانيا» في مدينة بريمن (وهي أيضاً ولاية)، من تجمّع للاحتفال برأس السنة الجديدة، نظمته صحيفة «فيزر كوريير» المحلية. وأخذ ماغنيس طريقاً مختصرة للوصول إلى سيارته، التي كان قد ركنها في مرأب قريب، فمرّ بالقرب من مسرح «غوتيه بلاتز»، ودخل فناء المسرح، ثم عبر في طريق جانبي صغير. وهناك في ذلك الزقاق سقط أرضاً بعدما تلقى ضربة على رأسه من الخلف. في اليوم التالي انتشرت صور له مستلقياً في سرير مستشفى. وجهه مضرج بالدماء، والكدمات أغلقت إحدى عينيه. وبينما بادر حزبه إلى الكلام عن «محاولة اغتيال» نفذها اليسار المتطرف، أدان الساسة من كل الأطياف، يسارية ويمينية ووسطية: «الاعتداء». وكتبت وسائل الإعلام الألمانية افتتاحيات ومقالات ترفض فيه العنف السياسي، حتى ولو كان موجهاً ضد مسؤولين في حزب متطرف، يُتهم هو نفسه بالتحريض على الكراهية والعنف ضد الأجانب. ومن سريره في المستشفى، كان ماغنيس يلتقي الصحافيين واحداً تلو الآخر، ويردّد روايته بصوت متكسر منخفض، زاعماً أنه لا يتذكر كثيراً من الاعتداء؛ لأنه أغمي عليه بعد تلقيه الضربة؛ لكنه يدّعي أن العامل الذي وجده في الزقاق، أخبره أن 3 رجال كانوا يلحقون به، وعندما اقتربوا منه رفعوا قبعاتهم على رؤوسهم، ووجه أحدهم له ضربة بعصا كانت بيده، ثم انهال الثلاثة عليه ركلاً وضرباً بعد سقوطه أرضاً. بالنسبة للقيادي المتطرف، كانت هذه «محاولة اغتيال» عليها «بصمات» اليسار المتطرف، حسب زعمه؛ غير أن الشرطة خالفته بعدما شاهدت شريطاً للحادث. إذ قالت إنه سقط أرضاً بعد تلقيه ضربة وجهها له أحد الرجال بمرفقه من الخلف، قبل أن يلوذ بالفرار مع رفيقيه. والكدمات، وفق الشرطة، تلقاها على الأرجح من ارتطام وجهه عندما سقط أرضاً.
حتى اللحظة، الدوافع مجهولة، ويُرجَّح ألا تُعرف قبل القبض على الجناة. علماً بأن المتحدث باسم الادعاء في بريمن، أشار لإمكانية أن يكون منفذو الاعتداء «مجرد أغبياء»؛ لكن هذا الرأي لم يُرضِ ماغنيس ولا حزبه. وبالتالي، رغم استمرار الغموض، أعادت الحادثة إلى الواجهة الجدل حول عنف التطرف اليميني واليساري في ألمانيا ووسط أوروبا.

قبل مائة سنة، أي في يناير (كانون الثاني) 1919، كانت ألمانيا تعيش انتفاضة مسلحة يقودها اليسار المتطرف، بقيادة المناضلة الشيوعية روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت. تُعرف هذه الانتفاضة باسم «ثورة يناير»، أو «ثورة سبارتاكوس». وكان هدف هذه الثورة الشيوعية التخلص من «جمهورية فايمار» - التي أسست بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وعمَّرت حتى 1933، عندما وصل أدولف هتلر إلى السلطة - وتأسيس دولة شيوعية أسوة بالاتحاد السوفياتي آنذاك.
يومذاك، فشلت الثورة في تحقيق أهدافها، وقُمعت، واعتقل قائداها وجرى إعدامهما يوم 15 يناير. ورغم غياب كثير من التشابه في الأحداث والتطورات السياسية التي رافقت «جمهورية فايمار» وما يحدث في ألمانيا اليوم، فإن المقارنة عادت تحديداً إلى ما يتعلق بعنف اليسار ومستقبل اليمين. وكان المعلِّقون من المنتمين لحزب «البديل لألمانيا» أو المتعاطفون مع اليمين المتطرف، هم الذين بدأوا يشيرون إلى عودة عنف أيام «جمهورية فايمار» في تعليقات على «تويتر»، في حين كتبت صحيفة «تزايت»، في تعليق على الأمر: «المقارنة لا تجوز؛ لأن التشابه التاريخي غير موجود». وأضافت: «خسارة الحرب وجمهورية تضم حفنة من الديمقراطيين والمؤسسات المهتزة، كل هذا يحمل القليل جداً من التشابه مع الفيدرالية الألمانية الحالية». ولكن المقالة أشارت إلى سهولة الحديث عن التشابه، ربما لأن هذا العام يصادف الذكرى المئوية لنهاية روزا لوكسمبورغ.
مع هذا، فعودة الحديث عن عنف اليسار ليس من دون سبب. فالاعتداءات على رموز اليمين المتطرف في ألمانيا تزداد، مع أن الاعتداء على ماغنيس كان الأعنف. ففي العادة تستهدف الاعتداءات مكاتب الحزب أو منازل ساسته، ولا تتخطى بشكل عام التخريب، من تكسير ورشِّ الطلاء على مقرات الحزب أو منازل قادته.
ولعل ما يزيد من التوتر والقلق من ازدياد هذه الأعمال وتفاقمها، اقتراب الانتخابات المحلية في 3 ولايات ألمانية بنهاية الصيف المقبل. إحدى هذه الولايات ولاية بريمن؛ حيث وقع الاعتداء على ماغنيس. أما الولايتان الأخريان فهما براندنبرغ وساكسونيا، بشمال شرقي البلاد. وفي الولايتين تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب «البديل» على الأحزاب الأخرى، ما يعني أن حظوظ الحزب المتطرف في دخول البرلمانات المحلية لهذه الولايات، كبيرة جداً.

- المواجهة المسلحة
في المقابل، مع اقتراب هذه الانتخابات، ظهرت دعوة على موقع لليسار المتطرف، تدعو إلى «قتال البديل لألمانيا». وبثت الدعوة على موقع «إنديميديا» تحت عنوان: «ابدأوا - قاتلوا البديل لألمانيا». وتشير في نصها إلى اقتراب الانتخابات في ساكسونيا، التي يمكن أن توصل «البديل لألمانيا» إلى البرلمان المحلي. وتضيف: «الرسائل والحوارات والمظاهرات لم تعد تنفع. علينا أن نكون أكثر عملية وفعالية. لنحوِّل (المعركة) إلى أسوأ ما يمكن للبديل لألمانيا، ولداعميه والمتعاطفين معه، في الأشهر القليلة التي ستسبق انتخابات ساكسونيا...»؛ مشيرة إلى ضرورة التحوُّل إلى «القتال المسلح».
ومن هنا، يتوقع محللون أن تزداد أعمال العنف ضد «البديل لألمانيا» خلال الأشهر المقبلة. ويرى المحلل السياسي ناصر جبارة، من معهد «برلين إنسايدرز للدراسات السياسية والإعلامية»، أن «المد الذي أطلقه اليمين الشعبوي بات مادة خصبة لازدياد أعمال العنف»، ويتوقع أن تتكاثر «المشاحنات الاجتماعية في أوروبا، وفي ألمانيا خصوصاً، خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة». واللافت أن اليمين المتطرف يتكلم الآن عن «خطاب سياسي تحريضي» هو الذي دفع إلى الاعتداء على رئيس مكتبه في بريمن، داعياً إلى وقف هذا الخطاب. لكن كثيرين أشاروا إلى أن الحزب نفسه يعتمد خطاباً شبيهاً يؤدي إلى اعتداءات متكررة على اللاجئين، كما حصل أخيراً في مدينة كيمنيتس، بعد قتل لاجئ سوري شاباً ألمانياً من أصول مهاجرة في المدينة. من ناحية أخرى، يحذر البعض من أن العنف ضد قادة اليمين المتطرف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع بالناخبين إلى التصويت له «من باب التعاطف» مع أعضائه، الذين يبدون بصورة الضحية بعد تعرضهم للاعتداء. دعوة اليسار المتطرف هذه لشن هجمات مسلحة على «البديل لألمانيا» تبدو مدفوعة بنوع من الإحباط من استمرار تقدم هذا الحزب في استطلاعات الرأي، وعجز الأحزاب المعتدلة الوسطية عن وقف زحفه. فالحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، الشريك في الائتلاف الحاكم، يبدو متجهاً نحو هزائم كبيرة، قد تؤدي إلى تحوّله للحزب الرابع في البلاد. في حين يستمر نزف أصوات حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (المحافظ) الذي يقود الحكومة، كما أثبتت انتخابات محلية العام الماضي. وهنا يقول جبارة إنه من المتوقع أن يحقق «البديل لألمانيا» نجاحات «كبيرة» في الولايات الثلاث التي ستشهد انتخابات في الخريف، وأن تتحقق هذه الانتصارات على حساب الأحزاب الرئيسة الأخرى، وعلى رأسها الاشتراكيون والديمقراطيون المسيحيون. ويضيف: «أعتقد على خلفية الانتخابات في هذه الولايات، لن تبقى الأمور على حالها».
وحقاً، يعتقد محللون أن على الحزبين الرئيسين إدخال إصلاحات جذرية على أنظمتهما، إذا أرادا استعادة ثقة الناخبين. فالاشتراكيون الذين انتخبوا أندريا ناهليس زعيمة جديدة لهم، بعد الخسائر الكبيرة التي مُنوا بها خلال انتخابات سبتمبر (أيلول) 2017 العامة، لم يتمكنوا من استعادة الشعبية التي فقدوها؛ بل على العكس، يستمر نزيف أصوات الاشتراكيين، ويخسرون أكثر داخل معسكر اليسار لمصلحة حزب «الخضر»، الذي بات متقدماً عليهم في كثير من الولايات. ومع ذلك، فإن ناهليس باقية، والحزب ما زال شريكاً في الحكومة، رغم إدراكه أن مشاركته بها تسرِّع القضاء عليه. الديمقراطيون المسيحيون أيضاً اختاروا انتخاب زعيمة جديدة لهم، خلفاً للمستشارة أنجيلا ميركل، التي تقودهم منذ 18 سنة، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين. ولكن «خليفة» ميركل، ما كانت سوى أنيغريت كرامب كارنباور، التي اختارتها ميركل بنفسها لتكون أمينة عامة للحزب في مارس (آذار) الماضي، وهي لا تختلف كثيراً عنها في السياسات والاستراتيجيات. وما حصل أن الحزب المحافظ الحاكم لم يختَر رجل الأعمال والسياسي العائد بعد عقد من الغياب، مريدريش ميرز، رغم الحديث عن أن حزب «البديل لألمانيا» كان يتخوَّف من وصوله للزعامة؛ لأنه سيكون قادراً على سحب كثير من الأصوات منه.
وفي هذا الشأن، يرى ناصر جبارة أنه رغم إدراك الحزب أن عليه الابتعاد عن ميركل، ووعي أعضائه ضرورة التغيير «ما كان حزب ميركل قادراً على الخروج من عباءتها، فالإصلاحات الجذرية داخل الأحزاب الرئيسة ليست سهلة».

- التجربة النمساوية
يعتبر البعض أن النمسا كانت «أنجح» من ألمانيا في وقف مدِّ اليمين المتطرف. ومع أن حزب الحرية اليميني الشعبوي المتطرف يشارك في الحكومة الحالية، فإن تأييده يتراجع بشكل مستمر منذ دخوله الائتلاف. والسبب المستشار النمساوي وزعيم حزب الشعب سيباستيان كورتز.
كورتز، الشاب الذي لا يتجاوز عمره 32 سنة، يقود عملياً حزباً محافظاً؛ لكن اللغة التي يستخدمها أقرب إلى لغة اليمين المتطرف، لدرجة أن هاينز كريستيان شتراخا، زعيم حزب الحرية، اتهمه خلال الانتخابات الأخيرة، بأنه «يسرق أفكار حزبه، فيما يتعلق بالهجرة واللجوء». ومعلوم أن كورتز، الذي كان أحد أبرز منتقدي فتح ميركل أبواب ألمانيا أمام اللاجئين عام 2015، لم يتردد في عقد اتفاق مع حزب الحرية، يدخلهم الحكومة ويحوِّل زعيمهم إلى نائبه.
وأما الفارق الأساسي بين كورتز واليمين المتطرف، فهو تأييد الأول الكامل والمطلق لفكرة الاتحاد الأوروبي. ولقد كان شرطه الوحيد لإدخال اليمين المتطرف إلى حكومته، كف الأخير عن مهاجمة الاتحاد الأوروبي، والتشكيك بجدوى انتماء النمسا للاتحاد.
اليوم يعتقد كثيرون أن على الساسة الألمان الاقتداء بالنمسا، لردع «البديل لألمانيا». إذ يقول الصحافي النمساوي إيفالد كونيغ - الذي يعمل أيضاً محللاً سياسياً في «برلين إنسايدرز» - إن «على ألمانيا أن تحذو حذو النمسا»، مضيفاً أن «الأحزاب الألمانية الوسطية عادة ما تتعاطى مع اليمين المتطرف بردة فعل متعنتة». ويحث على «ضرورة أن تكون لديهم أفكارهم الخاصة، ولا تكون أفكارهم مقتصرة فقط على الرد».
وإزاء قلق الأوروبيين من تقارب كورتز الكبير من اليمين المتطرف، واتهام بعضهم له بأنه سمح بتحويل خطاب اليمين المتطرف العنصري إلى أن يصبح خطاباً مقبولاً في أوروبا، يرد كونيغ: «لكن حزب الحرية النمساوي ليس حزباً متطرفاً بمستوى البديل لألمانيا». ويتابع: «لقد تعلم من الماضي وغيَّر نفسه، كي يتمكن من المشاركة في الحكم». أيضاً يعتبر كونيغ كورتز «محافظاً وليس متطرفاً». ويستطرد: «إنه يأخذ الأصوات من أمام حزب الحرية، ولو لم يكن هو زعيم حزب الشعب لكان حزب الحرية في الطليعة الآن». ثم يقارن كونيغ بين حزب الشعب النمساوي والحزبين الكبيرين في ألمانيا، فيقول: «الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي لا يعرفان ماذا يريدان، لذا فإن القاعدة الشعبية تتركهما وتفضل البديل لألمانيا وأحزاباً أخرى؛ لأن لديها استراتيجيات عملية». ويرى أن كورتز متقدم خطوة على الحزبين الألمانيين.

- اختبار الانتخابات الأوروبية
في أي حال، لعل الاختبار الأول لقوى اليمين المتطرف في ألمانيا والنمسا وباقي دول الاتحاد، قد تكون الانتخابات الأوروبية المقررة في مايو (أيار) المقبل. وتراهن هذه القوى على توسيع كتلتها في البرلمان، علماً بأنها منقسمة في البرلمان الحالي بين كتلتين: الأولى بقيادة حزب الاستقلال البريطاني الذي قاد البلاد إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والثانية بقيادة الجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة مارين لوبان، مجموعهما 84 مقعداً من أصل 751 مقعداً في البرلمان الأوروبي.
ولقد بدأت هذه القوى المتطرفة تحضيراتها لمحاولة التوحُّد في الانتخابات المقبلة. ومن بين «المستشارين» الذي يحاولون توحيدها، المنظِّر الأميركي ستيف بانون، الذي عمل مستشاراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب لفترة، آتياً من الموقع الإخباري «برايبارت» اليميني المتطرف. يعمل بانون اليوم مستشاراً لفيكتور أوروبان، رئيس وزراء المجر، تحضيراً للانتخابات الأوروبية. ويُعد أوروبان، الذي أعيد انتخابه لولاية ثالثة في أبريل (نيسان) الماضي، من أشد الزعماء السياسيين الأوروبيين شعبوية وأكثرهم تطرفاً يمينياً. ورغم تلقي بلاده كثيراً من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي، فهو دائماً يتهجَّم على الاتحاد، ويرفض تطبيق القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة.
إزاء فرصة نجاح قيام حلف لليمين المتطرف، يلحظ ناصر جبارة «انقسامات كبيرة» بين الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف الدول الأوروبية، قد تشكل عائقاً أمام تشكيل حلف كهذا. ويضيف: «إنهم يعانون انقساماً؛ لأنهم يتنافسون فيما بينهم على مَن يتطرَّف أكثر... هم أيضاً يعانون من قلة التنظيم، ما يعني أنهم قد لا يتمكنون من خوض الانتخابات بكتلة نيابية موحَّدة». لكنه، مع ذلك، يتحدث عن «ظروف مؤاتية» قد تفسح المجال أمام تقدم اليمين المتطرف بشكل كبير في تلك الانتخابات. ويشير إلى استطلاع للرأي أجراه الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي، يعطي أحزاب اليمين المتطرف 20 في المائة من مقاعد البرلمان الأوروبي. وهي نسبة – كما يقول جبارة - إذا تحققت «فستكون كبيرة جداً، وستعطي هذه الأحزاب الفرصة لتعطيل قرارات، وهذا خطير للغاية».
في مثل هذه الظروف، فإن عنف اليسار المتطرف ضد رموز اليمين المتطرف - مع أنه ما زال بعيداً في الشكل عن عنف «ثورة سبارتاكوس» قبل 100 سنة - وعن الحركات اليسارية التي شهدتها ألمانيا في الماضي الأقرب، مثل منظمة «بادر ماينهوف»، قد يجد حافزاً جديداً، إذا ما حقق اليمينيون المتطرفون فعلاً كل هذه الانتصارات المتتالية، في الأشهر المقبلة.

- نظرية أوروبان عن «حضارتين أوروبيتين»
قبل يومين، أعلن رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان، دعمه الكامل لمبادرة إيطالية – بولندية، لتشكيل تحالف يضم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، تحضيراً لانتخابات مايو (أيار) المقبل. وقال الزعيم المجري اليميني تعليقاً على هذا التحالف، إن «هدف المجر كسب غالبية معادية للهجرة في البرلمان الأوروبي». وتحدث أوروبان عن اتجاه أوروبا نحو «حضارتين»، الأولى قال إنها ستكون خليطاً بين المسلمين والمسيحيين في دول مثل ألمانيا، والثانية ستكون فقط للمسيحيين في دول وسط أوروبا. ووصف أوروبان وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الذي اقترح فكرة الحلف على بولندا أثناء زيارته لوارسو قبل يومين، بأنه «بطل»، لمنعه المهاجرين غير الشرعيين من دخول إيطاليا عبر البحر، إلا أن بولندا بدت متحفِّظة على تشكيل حلف مع سالفيني، الذي تعتبره مقرباً من روسيا.
ونقلت صحف عن سياسيين بولنديين من حزب القانون والعدالة الحاكم، نفيهم أن أي اتفاق قد تم التوصل إليه حول حلف أوروبي خلال لقاء سالفيني وياروسلاف كاجينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة الحاكم، الذي يعد الرجل الأقوى في بولندا، رغم عدم تبوئه أي منصب رسمي.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.