ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

بينما تنتظر أوروبا بقلق أداءه في انتخابات مايو

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
TT

ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان

كانت الساعة قد قاربت الخامسة والنصف مساء، عندما خرج فرانك ماغنيس، رئيس مكتب حزب «البديل لألمانيا» في مدينة بريمن (وهي أيضاً ولاية)، من تجمّع للاحتفال برأس السنة الجديدة، نظمته صحيفة «فيزر كوريير» المحلية. وأخذ ماغنيس طريقاً مختصرة للوصول إلى سيارته، التي كان قد ركنها في مرأب قريب، فمرّ بالقرب من مسرح «غوتيه بلاتز»، ودخل فناء المسرح، ثم عبر في طريق جانبي صغير. وهناك في ذلك الزقاق سقط أرضاً بعدما تلقى ضربة على رأسه من الخلف. في اليوم التالي انتشرت صور له مستلقياً في سرير مستشفى. وجهه مضرج بالدماء، والكدمات أغلقت إحدى عينيه. وبينما بادر حزبه إلى الكلام عن «محاولة اغتيال» نفذها اليسار المتطرف، أدان الساسة من كل الأطياف، يسارية ويمينية ووسطية: «الاعتداء». وكتبت وسائل الإعلام الألمانية افتتاحيات ومقالات ترفض فيه العنف السياسي، حتى ولو كان موجهاً ضد مسؤولين في حزب متطرف، يُتهم هو نفسه بالتحريض على الكراهية والعنف ضد الأجانب. ومن سريره في المستشفى، كان ماغنيس يلتقي الصحافيين واحداً تلو الآخر، ويردّد روايته بصوت متكسر منخفض، زاعماً أنه لا يتذكر كثيراً من الاعتداء؛ لأنه أغمي عليه بعد تلقيه الضربة؛ لكنه يدّعي أن العامل الذي وجده في الزقاق، أخبره أن 3 رجال كانوا يلحقون به، وعندما اقتربوا منه رفعوا قبعاتهم على رؤوسهم، ووجه أحدهم له ضربة بعصا كانت بيده، ثم انهال الثلاثة عليه ركلاً وضرباً بعد سقوطه أرضاً. بالنسبة للقيادي المتطرف، كانت هذه «محاولة اغتيال» عليها «بصمات» اليسار المتطرف، حسب زعمه؛ غير أن الشرطة خالفته بعدما شاهدت شريطاً للحادث. إذ قالت إنه سقط أرضاً بعد تلقيه ضربة وجهها له أحد الرجال بمرفقه من الخلف، قبل أن يلوذ بالفرار مع رفيقيه. والكدمات، وفق الشرطة، تلقاها على الأرجح من ارتطام وجهه عندما سقط أرضاً.
حتى اللحظة، الدوافع مجهولة، ويُرجَّح ألا تُعرف قبل القبض على الجناة. علماً بأن المتحدث باسم الادعاء في بريمن، أشار لإمكانية أن يكون منفذو الاعتداء «مجرد أغبياء»؛ لكن هذا الرأي لم يُرضِ ماغنيس ولا حزبه. وبالتالي، رغم استمرار الغموض، أعادت الحادثة إلى الواجهة الجدل حول عنف التطرف اليميني واليساري في ألمانيا ووسط أوروبا.

قبل مائة سنة، أي في يناير (كانون الثاني) 1919، كانت ألمانيا تعيش انتفاضة مسلحة يقودها اليسار المتطرف، بقيادة المناضلة الشيوعية روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت. تُعرف هذه الانتفاضة باسم «ثورة يناير»، أو «ثورة سبارتاكوس». وكان هدف هذه الثورة الشيوعية التخلص من «جمهورية فايمار» - التي أسست بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وعمَّرت حتى 1933، عندما وصل أدولف هتلر إلى السلطة - وتأسيس دولة شيوعية أسوة بالاتحاد السوفياتي آنذاك.
يومذاك، فشلت الثورة في تحقيق أهدافها، وقُمعت، واعتقل قائداها وجرى إعدامهما يوم 15 يناير. ورغم غياب كثير من التشابه في الأحداث والتطورات السياسية التي رافقت «جمهورية فايمار» وما يحدث في ألمانيا اليوم، فإن المقارنة عادت تحديداً إلى ما يتعلق بعنف اليسار ومستقبل اليمين. وكان المعلِّقون من المنتمين لحزب «البديل لألمانيا» أو المتعاطفون مع اليمين المتطرف، هم الذين بدأوا يشيرون إلى عودة عنف أيام «جمهورية فايمار» في تعليقات على «تويتر»، في حين كتبت صحيفة «تزايت»، في تعليق على الأمر: «المقارنة لا تجوز؛ لأن التشابه التاريخي غير موجود». وأضافت: «خسارة الحرب وجمهورية تضم حفنة من الديمقراطيين والمؤسسات المهتزة، كل هذا يحمل القليل جداً من التشابه مع الفيدرالية الألمانية الحالية». ولكن المقالة أشارت إلى سهولة الحديث عن التشابه، ربما لأن هذا العام يصادف الذكرى المئوية لنهاية روزا لوكسمبورغ.
مع هذا، فعودة الحديث عن عنف اليسار ليس من دون سبب. فالاعتداءات على رموز اليمين المتطرف في ألمانيا تزداد، مع أن الاعتداء على ماغنيس كان الأعنف. ففي العادة تستهدف الاعتداءات مكاتب الحزب أو منازل ساسته، ولا تتخطى بشكل عام التخريب، من تكسير ورشِّ الطلاء على مقرات الحزب أو منازل قادته.
ولعل ما يزيد من التوتر والقلق من ازدياد هذه الأعمال وتفاقمها، اقتراب الانتخابات المحلية في 3 ولايات ألمانية بنهاية الصيف المقبل. إحدى هذه الولايات ولاية بريمن؛ حيث وقع الاعتداء على ماغنيس. أما الولايتان الأخريان فهما براندنبرغ وساكسونيا، بشمال شرقي البلاد. وفي الولايتين تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب «البديل» على الأحزاب الأخرى، ما يعني أن حظوظ الحزب المتطرف في دخول البرلمانات المحلية لهذه الولايات، كبيرة جداً.

- المواجهة المسلحة
في المقابل، مع اقتراب هذه الانتخابات، ظهرت دعوة على موقع لليسار المتطرف، تدعو إلى «قتال البديل لألمانيا». وبثت الدعوة على موقع «إنديميديا» تحت عنوان: «ابدأوا - قاتلوا البديل لألمانيا». وتشير في نصها إلى اقتراب الانتخابات في ساكسونيا، التي يمكن أن توصل «البديل لألمانيا» إلى البرلمان المحلي. وتضيف: «الرسائل والحوارات والمظاهرات لم تعد تنفع. علينا أن نكون أكثر عملية وفعالية. لنحوِّل (المعركة) إلى أسوأ ما يمكن للبديل لألمانيا، ولداعميه والمتعاطفين معه، في الأشهر القليلة التي ستسبق انتخابات ساكسونيا...»؛ مشيرة إلى ضرورة التحوُّل إلى «القتال المسلح».
ومن هنا، يتوقع محللون أن تزداد أعمال العنف ضد «البديل لألمانيا» خلال الأشهر المقبلة. ويرى المحلل السياسي ناصر جبارة، من معهد «برلين إنسايدرز للدراسات السياسية والإعلامية»، أن «المد الذي أطلقه اليمين الشعبوي بات مادة خصبة لازدياد أعمال العنف»، ويتوقع أن تتكاثر «المشاحنات الاجتماعية في أوروبا، وفي ألمانيا خصوصاً، خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة». واللافت أن اليمين المتطرف يتكلم الآن عن «خطاب سياسي تحريضي» هو الذي دفع إلى الاعتداء على رئيس مكتبه في بريمن، داعياً إلى وقف هذا الخطاب. لكن كثيرين أشاروا إلى أن الحزب نفسه يعتمد خطاباً شبيهاً يؤدي إلى اعتداءات متكررة على اللاجئين، كما حصل أخيراً في مدينة كيمنيتس، بعد قتل لاجئ سوري شاباً ألمانياً من أصول مهاجرة في المدينة. من ناحية أخرى، يحذر البعض من أن العنف ضد قادة اليمين المتطرف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع بالناخبين إلى التصويت له «من باب التعاطف» مع أعضائه، الذين يبدون بصورة الضحية بعد تعرضهم للاعتداء. دعوة اليسار المتطرف هذه لشن هجمات مسلحة على «البديل لألمانيا» تبدو مدفوعة بنوع من الإحباط من استمرار تقدم هذا الحزب في استطلاعات الرأي، وعجز الأحزاب المعتدلة الوسطية عن وقف زحفه. فالحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، الشريك في الائتلاف الحاكم، يبدو متجهاً نحو هزائم كبيرة، قد تؤدي إلى تحوّله للحزب الرابع في البلاد. في حين يستمر نزف أصوات حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (المحافظ) الذي يقود الحكومة، كما أثبتت انتخابات محلية العام الماضي. وهنا يقول جبارة إنه من المتوقع أن يحقق «البديل لألمانيا» نجاحات «كبيرة» في الولايات الثلاث التي ستشهد انتخابات في الخريف، وأن تتحقق هذه الانتصارات على حساب الأحزاب الرئيسة الأخرى، وعلى رأسها الاشتراكيون والديمقراطيون المسيحيون. ويضيف: «أعتقد على خلفية الانتخابات في هذه الولايات، لن تبقى الأمور على حالها».
وحقاً، يعتقد محللون أن على الحزبين الرئيسين إدخال إصلاحات جذرية على أنظمتهما، إذا أرادا استعادة ثقة الناخبين. فالاشتراكيون الذين انتخبوا أندريا ناهليس زعيمة جديدة لهم، بعد الخسائر الكبيرة التي مُنوا بها خلال انتخابات سبتمبر (أيلول) 2017 العامة، لم يتمكنوا من استعادة الشعبية التي فقدوها؛ بل على العكس، يستمر نزيف أصوات الاشتراكيين، ويخسرون أكثر داخل معسكر اليسار لمصلحة حزب «الخضر»، الذي بات متقدماً عليهم في كثير من الولايات. ومع ذلك، فإن ناهليس باقية، والحزب ما زال شريكاً في الحكومة، رغم إدراكه أن مشاركته بها تسرِّع القضاء عليه. الديمقراطيون المسيحيون أيضاً اختاروا انتخاب زعيمة جديدة لهم، خلفاً للمستشارة أنجيلا ميركل، التي تقودهم منذ 18 سنة، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين. ولكن «خليفة» ميركل، ما كانت سوى أنيغريت كرامب كارنباور، التي اختارتها ميركل بنفسها لتكون أمينة عامة للحزب في مارس (آذار) الماضي، وهي لا تختلف كثيراً عنها في السياسات والاستراتيجيات. وما حصل أن الحزب المحافظ الحاكم لم يختَر رجل الأعمال والسياسي العائد بعد عقد من الغياب، مريدريش ميرز، رغم الحديث عن أن حزب «البديل لألمانيا» كان يتخوَّف من وصوله للزعامة؛ لأنه سيكون قادراً على سحب كثير من الأصوات منه.
وفي هذا الشأن، يرى ناصر جبارة أنه رغم إدراك الحزب أن عليه الابتعاد عن ميركل، ووعي أعضائه ضرورة التغيير «ما كان حزب ميركل قادراً على الخروج من عباءتها، فالإصلاحات الجذرية داخل الأحزاب الرئيسة ليست سهلة».

- التجربة النمساوية
يعتبر البعض أن النمسا كانت «أنجح» من ألمانيا في وقف مدِّ اليمين المتطرف. ومع أن حزب الحرية اليميني الشعبوي المتطرف يشارك في الحكومة الحالية، فإن تأييده يتراجع بشكل مستمر منذ دخوله الائتلاف. والسبب المستشار النمساوي وزعيم حزب الشعب سيباستيان كورتز.
كورتز، الشاب الذي لا يتجاوز عمره 32 سنة، يقود عملياً حزباً محافظاً؛ لكن اللغة التي يستخدمها أقرب إلى لغة اليمين المتطرف، لدرجة أن هاينز كريستيان شتراخا، زعيم حزب الحرية، اتهمه خلال الانتخابات الأخيرة، بأنه «يسرق أفكار حزبه، فيما يتعلق بالهجرة واللجوء». ومعلوم أن كورتز، الذي كان أحد أبرز منتقدي فتح ميركل أبواب ألمانيا أمام اللاجئين عام 2015، لم يتردد في عقد اتفاق مع حزب الحرية، يدخلهم الحكومة ويحوِّل زعيمهم إلى نائبه.
وأما الفارق الأساسي بين كورتز واليمين المتطرف، فهو تأييد الأول الكامل والمطلق لفكرة الاتحاد الأوروبي. ولقد كان شرطه الوحيد لإدخال اليمين المتطرف إلى حكومته، كف الأخير عن مهاجمة الاتحاد الأوروبي، والتشكيك بجدوى انتماء النمسا للاتحاد.
اليوم يعتقد كثيرون أن على الساسة الألمان الاقتداء بالنمسا، لردع «البديل لألمانيا». إذ يقول الصحافي النمساوي إيفالد كونيغ - الذي يعمل أيضاً محللاً سياسياً في «برلين إنسايدرز» - إن «على ألمانيا أن تحذو حذو النمسا»، مضيفاً أن «الأحزاب الألمانية الوسطية عادة ما تتعاطى مع اليمين المتطرف بردة فعل متعنتة». ويحث على «ضرورة أن تكون لديهم أفكارهم الخاصة، ولا تكون أفكارهم مقتصرة فقط على الرد».
وإزاء قلق الأوروبيين من تقارب كورتز الكبير من اليمين المتطرف، واتهام بعضهم له بأنه سمح بتحويل خطاب اليمين المتطرف العنصري إلى أن يصبح خطاباً مقبولاً في أوروبا، يرد كونيغ: «لكن حزب الحرية النمساوي ليس حزباً متطرفاً بمستوى البديل لألمانيا». ويتابع: «لقد تعلم من الماضي وغيَّر نفسه، كي يتمكن من المشاركة في الحكم». أيضاً يعتبر كونيغ كورتز «محافظاً وليس متطرفاً». ويستطرد: «إنه يأخذ الأصوات من أمام حزب الحرية، ولو لم يكن هو زعيم حزب الشعب لكان حزب الحرية في الطليعة الآن». ثم يقارن كونيغ بين حزب الشعب النمساوي والحزبين الكبيرين في ألمانيا، فيقول: «الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي لا يعرفان ماذا يريدان، لذا فإن القاعدة الشعبية تتركهما وتفضل البديل لألمانيا وأحزاباً أخرى؛ لأن لديها استراتيجيات عملية». ويرى أن كورتز متقدم خطوة على الحزبين الألمانيين.

- اختبار الانتخابات الأوروبية
في أي حال، لعل الاختبار الأول لقوى اليمين المتطرف في ألمانيا والنمسا وباقي دول الاتحاد، قد تكون الانتخابات الأوروبية المقررة في مايو (أيار) المقبل. وتراهن هذه القوى على توسيع كتلتها في البرلمان، علماً بأنها منقسمة في البرلمان الحالي بين كتلتين: الأولى بقيادة حزب الاستقلال البريطاني الذي قاد البلاد إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والثانية بقيادة الجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة مارين لوبان، مجموعهما 84 مقعداً من أصل 751 مقعداً في البرلمان الأوروبي.
ولقد بدأت هذه القوى المتطرفة تحضيراتها لمحاولة التوحُّد في الانتخابات المقبلة. ومن بين «المستشارين» الذي يحاولون توحيدها، المنظِّر الأميركي ستيف بانون، الذي عمل مستشاراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب لفترة، آتياً من الموقع الإخباري «برايبارت» اليميني المتطرف. يعمل بانون اليوم مستشاراً لفيكتور أوروبان، رئيس وزراء المجر، تحضيراً للانتخابات الأوروبية. ويُعد أوروبان، الذي أعيد انتخابه لولاية ثالثة في أبريل (نيسان) الماضي، من أشد الزعماء السياسيين الأوروبيين شعبوية وأكثرهم تطرفاً يمينياً. ورغم تلقي بلاده كثيراً من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي، فهو دائماً يتهجَّم على الاتحاد، ويرفض تطبيق القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة.
إزاء فرصة نجاح قيام حلف لليمين المتطرف، يلحظ ناصر جبارة «انقسامات كبيرة» بين الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف الدول الأوروبية، قد تشكل عائقاً أمام تشكيل حلف كهذا. ويضيف: «إنهم يعانون انقساماً؛ لأنهم يتنافسون فيما بينهم على مَن يتطرَّف أكثر... هم أيضاً يعانون من قلة التنظيم، ما يعني أنهم قد لا يتمكنون من خوض الانتخابات بكتلة نيابية موحَّدة». لكنه، مع ذلك، يتحدث عن «ظروف مؤاتية» قد تفسح المجال أمام تقدم اليمين المتطرف بشكل كبير في تلك الانتخابات. ويشير إلى استطلاع للرأي أجراه الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي، يعطي أحزاب اليمين المتطرف 20 في المائة من مقاعد البرلمان الأوروبي. وهي نسبة – كما يقول جبارة - إذا تحققت «فستكون كبيرة جداً، وستعطي هذه الأحزاب الفرصة لتعطيل قرارات، وهذا خطير للغاية».
في مثل هذه الظروف، فإن عنف اليسار المتطرف ضد رموز اليمين المتطرف - مع أنه ما زال بعيداً في الشكل عن عنف «ثورة سبارتاكوس» قبل 100 سنة - وعن الحركات اليسارية التي شهدتها ألمانيا في الماضي الأقرب، مثل منظمة «بادر ماينهوف»، قد يجد حافزاً جديداً، إذا ما حقق اليمينيون المتطرفون فعلاً كل هذه الانتصارات المتتالية، في الأشهر المقبلة.

- نظرية أوروبان عن «حضارتين أوروبيتين»
قبل يومين، أعلن رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان، دعمه الكامل لمبادرة إيطالية – بولندية، لتشكيل تحالف يضم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، تحضيراً لانتخابات مايو (أيار) المقبل. وقال الزعيم المجري اليميني تعليقاً على هذا التحالف، إن «هدف المجر كسب غالبية معادية للهجرة في البرلمان الأوروبي». وتحدث أوروبان عن اتجاه أوروبا نحو «حضارتين»، الأولى قال إنها ستكون خليطاً بين المسلمين والمسيحيين في دول مثل ألمانيا، والثانية ستكون فقط للمسيحيين في دول وسط أوروبا. ووصف أوروبان وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الذي اقترح فكرة الحلف على بولندا أثناء زيارته لوارسو قبل يومين، بأنه «بطل»، لمنعه المهاجرين غير الشرعيين من دخول إيطاليا عبر البحر، إلا أن بولندا بدت متحفِّظة على تشكيل حلف مع سالفيني، الذي تعتبره مقرباً من روسيا.
ونقلت صحف عن سياسيين بولنديين من حزب القانون والعدالة الحاكم، نفيهم أن أي اتفاق قد تم التوصل إليه حول حلف أوروبي خلال لقاء سالفيني وياروسلاف كاجينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة الحاكم، الذي يعد الرجل الأقوى في بولندا، رغم عدم تبوئه أي منصب رسمي.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.