برهم صالح مرشح الأكراد لرئاسة العراق وحديث عن «دعم» أميركي ـ إيراني

صراع المناصب السيادية يقترب من نهايته... والعبادي يرد بعنف على بيان «الدعوة»

برهم صالح وزوجته في مركز اقتراع بمدينة السليمانية عام 2014 (غيتي)
برهم صالح وزوجته في مركز اقتراع بمدينة السليمانية عام 2014 (غيتي)
TT

برهم صالح مرشح الأكراد لرئاسة العراق وحديث عن «دعم» أميركي ـ إيراني

برهم صالح وزوجته في مركز اقتراع بمدينة السليمانية عام 2014 (غيتي)
برهم صالح وزوجته في مركز اقتراع بمدينة السليمانية عام 2014 (غيتي)

في وقت حسم العرب السنّة، الأسبوع الماضي، مرشحهم لرئاسة البرلمان العراقي عبر اقتراع سري للنواب أسفر عن فوز محمد الحلبوسي بهذا المنصب، ينتظر أن يتقدم الكرد بأكثر من مرشح لرئاسة الجمهورية يوم الثلاثاء المقبل، وسط ترجيحات بأن المنصب سيؤول إلى الدكتور برهم صالح بعد عودته إلى صفوف «الاتحاد الوطني الكردستاني».
وحسم «الاتحاد الوطني» رسمياً أمس اسم مرشحه برهم صالح، لكن مرشحين آخرين من الأكراد، وبعضهم مستقل، أعلنوا ترشحهم للمنصب بشكل فردي مثل النائب السابق سردار عبد الله، وسفير العراق في الفاتيكان عمر البرزنجي، ووزير الموارد المائية السابق عبد اللطيف رشيد. أما الرئيس الحالي فؤاد معصوم فحسم موقفه بعدم التقدم للترشح لدورة رئاسية جديدة.
وأشار بيان رئاسي، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إلى أن «الرئيس فؤاد معصوم لم يقدّم طلباً إلى مجلس النواب لترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية». وأضاف البيان أن معصوم بانتظار قرارات «الاتحاد الوطني الكردستاني» والأطراف السياسية الكردية الأخرى في هذا الصدد.
وكان «الاتحاد الوطني» أعلن، أمس، ترشيح برهم صالح لمنصب رئاسة الجمهورية. وقال سعدي أحمد بيره، المتحدث باسم الحزب، في مؤتمر صحافي بعد اجتماع المجلس القيادي في مدينة السليمانية، أن التصويت لترشيح برهم صالح جاء بالغالبية. وصوّت «الاتحاد الوطني» خلال الاجتماع أيضاً على عودة برهم صالح إلى صفوف الحزب بعدما انشق عنه نهاية العام الماضي. وشهد اجتماع المجلس القيادي للحزب انسحاب رئيس هيئة العاملة لـ«الاتحاد الوطني» ملا بختيار اعتراضاً على فكرة عودة صالح.
وأفيد في السليمانية بأن اجتماع قيادة «الاتحاد الوطني» كُرّس لحسم المنافسة بين ثلاثة من مرشحي الحزب على منصب الرئاسة، وهم كل من محمد صابر ولطيف رشيد وبرهم صالح. وأوضحت مصادر مطلعة أن كلاً من الرئيس العراقي المنتهية ولايته فؤاد معصوم وملا بختيار رئيس الهيئة العاملة في المكتب السياسي رفضا ترشيح نفسيهما لخوض المنافسة.
وتابعت أن برهم صالح حصل على 26 صوتاً من أصوات أعضاء القيادة الذين أدلوا بأصواتهم في اقتراع سري، فيما حصل محمد صابر على 15 صوتاً مقابل صوت واحد فقط للطيف رشيد.
وجاء ترشيح صالح رسمياً من قبل «الاتحاد الوطني» بعد تقديم استقالته من زعامة حزبه الحديث النشأة (التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة) تنفيذاً للشرط الذي وضعه «الاتحاد» لقاء قبول ترشيحه، بحسب ما أعلن المتحدث باسم «الاتحاد» سعدي أحمد بيرة في مؤتمر صحافي مقتضب بعد اجتماع القيادة.
وكان مبعوث الرئيس الأميركي إلى التحالف ضد «داعش» بريت ماكغورك قد حث أعضاء متنفذين في قيادة «الاتحاد الوطني»، في لقائه معهم يوم الاثنين في السليمانية، على تأييد ترشيح صالح الذي يحظى أيضاً بقبول من الجانب الإيراني وكثير من القوى العراقية الفاعلة، الشيعية والسنية، فضلاً عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني الحاكم في إقليم كردستان والحاصل على 25 مقعداً في الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق.
وأكد مصدر مطلع في «الديمقراطي» لـ«الشرق الأوسط» أن برهم صالح كان قد التقى بارزاني مرتين أخيراً بعيداً عن وسائل الإعلام ونجح في كسب موافقته على ترشيحه لرئاسة العراق. وجزم المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه، بأن «الديمقراطي» سيعلن موافقته على ترشيح صالح لرئاسة العراق «في غضون يوم أو يومين».
وأصدرت قيادة «الاتحاد الوطني» بعد اجتماعها بياناً مقتضباً أكدت فيه أنها تلقت رسالة من صالح يطلب فيها العودة مع رفاقه إلى صفوف الاتحاد، و«قد تمت الموافقة على طلبه من أجل حشد الطاقات والإمكانات خدمة للصالح العام، وبناء على ذلك سيكون هو مرشح الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية».
بيد أن قرار عودة صالح إلى صفوف «الاتحاد الوطني» تسبب في انقسام حزبه (التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة) إلى فريقين؛ الأول وهم الأقلية القليلة من المؤيدين له الذين عادوا معه إلى صفوف «الاتحاد» لقاء ضمان مواقع جيدة لهم فيه، والثاني وهم الغالبية التي ترفض العودة وتصر على إدامة «التحالف» كحزب مستقل وتريد انتخاب زعيم جديد له خلفاً لصالح. ويتصور مؤيدو هذا الفريق أنه غدر بهم واستغلهم ورقة ضغط على قيادة «الاتحاد الوطني» للحصول على منصب رئيس الجمهورية فقط.
وفي تصريح مقتضب، قال عبد الصمد محمد، القيادي في «التحالف»: «نحن نؤيد أي قرار يتخذه برهم صالح، طالما أنه يخدم المصالح العليا لشعب كردستان، حتى لو اقتضى ذلك العودة إلى صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني».
أما إبراهيم أحمد، المرشح عن «التحالف» للانتخابات النيابية المقررة في إقليم كردستان نهاية الشهر الحالي، فقال إن «من حقي وحق مئات من كوادر التحالف أن نتساءل لماذا تركنا صفوف الاتحاد الوطني ولماذا نعود إليه بهذه السرعة؟!». وتابع في تصريحات للصحافيين: «على المستوى الشخصي سأنهي مقاطعة الانتخابات وأبدأ منذ الغد بالحملة الانتخابية كمرشح عن التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة، وسأخوض الانتخابات وأنا واثق تماماً من الفوز فيها».
وأصدرت قيادة «التحالف» بياناً مختصراً أكدت فيه أن برهم صالح استقال من زعامته، وأنه عاد مع بعض القياديين إلى صفوف «الاتحاد الوطني».
وقال محمد رؤوف القيادي في «التحالف» الذي تلا البيان إن حزبهم «سيواصل مشواره وعمله السياسي»، وإن اجتماعاً موسعاً لقيادته سيعقد لاحقاً «لتنظيم شؤونه».
في غضون ذلك، أكد الناطق باسم كتلة «الفتح» أحمد الأسدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «موقفنا من مسألة المرشح الكردي لرئاسة الجمهورية مرتبط بالقرار الذي يصدر عن الحزبين الكرديين الرئيسيين؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني»، مشدداً على أن «الدكتور برهم صالح شخصية محترمة وهو مقبول بالنسبة لنا، لكن القرار النهائي بشأنه يتصل بالتوافق داخل البيت الكردي».
إلى ذلك، لم يحسم الشيعة بعد اسم مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء في وقت بات يجري فيه تداول كثير من الأسماء على مستوى مرشحي التسوية بعد انسحاب هادي العامري من سباق التنافس على المنصب أول من أمس وتراجع حظوظ رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي بعد أزمة البصرة. وبشأن الأسباب التي دفعت العامري إلى سحب ترشيحه، قال محمد سالم الغبان وزير الداخلية السابق والقيادي في «منظمة بدر» لـ«الشرق الأوسط» إن «العامري أراد أن يبيّن أنه غير متمسك بالترشيح رغم أنه من استحقاقه لكونه مرشح الكتلة الأكبر» في البرلمان. وأضاف الغبان أن «العامري مقتنع برأي المرجعية باختيار شخص يحظى بتوافق ودعم الجميع لينجح في المرحلة القادمة التي تواجه تحديات كثيرة، أهمها إعادة ثقة الشارع بالحكومة من خلال إرادة صادقة وجادة في تغيير الواقع، خصوصاً الخدمي».
وكان رئيس «تحالف النصر»، حيدر العبادي، رد مساء الثلاثاء على بيان قادة «حزب الدعوة» الذي حمّله مسؤولية تشظي الحزب، فعبّر عن استغرابه للبيان كونه «يجانب الحقائق ويثير أكثر من علامة استفهام عن توقيته ونشره في المواقع ضمن الحملة المنظمة لتسقيطنا وتسقيط باقي الدعاة». وسرد العبادي، في ردِّه الشديد اللهجة، وقائع كثيرة في سياق العلاقة بينه وبين نوري المالكي داخل «الدعوة»، معتبراً عقد جلسة للبرلمان العراقي مخصصة للبصرة بمثابة «أمر دبّر بليل» من أجل الإيقاع به.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».