ميّ سكاف... صرخة أمل سورية

الأربعاء - 13 ذو القعدة 1439 هـ - 25 يوليو 2018 مـ Issue Number [14484]

كان آخر تعليق لها قبل أن ترحل، بصفحتها في «فيسبوك» يوم السبت: «لن أفقد الأمل... لن أفقد الأمل... إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد».
هكذا ودّعت الفنانة السورية «الشجاعة» مي سكاف، الحياة في «ظروف غامضة» كما قالت قريبتها ديما ونوّس، في غربتها الباريسية بشقة بعيداً عن شوارع دمشق وساحاتها ومسارحها وبردى ودمّر والهامة.
رحلت بأملها وألمها، في محطة الانتظار الفرنسية، مثلها مثل المهاجر السوري القديم، الذي لم يكفّ عن شاميته، كاتب هذه الصحيفة الكبير، غسان الإمام.
قد يتهم البعض هذه الفنانة صاحبة النقاء الوطني، بالبراءة السياسية أو قل السذاجة، وهي التي لم ترهبها تخويفات المنظرين لحلف الطوائف والأقليات، وهي المسيحية الشامية، وأعلنت صراحة أن سوريا لا تستحق أن يورثها حافظ لبشار وبشار لحافظ الثاني!
ظهرت الفنانة الراحلة في أحد اللقاءات المتلفزة، وهي تتحدث عما أدلت به للمحقق الأمني، لدى اعتقالها عام 2013، عندما سألها المحقق عن الهدف من انخراطها الفاعل في الثورة والشيء الذي تريده منها، فقالت له: «لا أريد لابني أن يحكمه ابن بشار الأسد!».
أعلنت رفضها لنظام الأسد، اعتقلت في صيف 2011، مع عدد من المثقفين والفنانين السوريين الذين كانوا يستعدون للسير في مظاهرة سلمية في دمشق. وحال إطلاق سراحها، بعد أيام، غادرت سوريا متسللة مع ابنها وتوجهت إلى الأردن، ومنه تمكنت من اللجوء إلى فرنسا.
قبل ذلك اعتقلت وحوكمت وخوّنت من نظام بشار أكثر من مرة، لكنها لم تخضع. صممت على الوفاء للحلم حتى اليوم الأخير في شقتها الباريسية وحيدة ليس معها أحد. دفعت ثمناً فادحاً لمعارضتها للنظام، وبسبب نشاطها السياسي استولت اللجان الشعبية في سوريا على شقتها في جرمانا بريف دمشق.
كان يسعها منافقة بشار وجنرالات أمنه، أو الدفاع بشكل طائفي مبطن كما صنع دريد لحام (غوّار) وبقية «الغوارات»، أو تقدم نفسها وجهاً ناعماً لواقع دموي ميليشياوي رثّ كما فعل كثر من نساء الفن الأسدي.
أريد فقط الإشادة بوجود شخصيات مثل مي سكاف أو الروائية سمر يزبك ضمن صفوف الشعب السوري ضد هذا النظام العجيب. صحيح أنها أصوات لا تملك مقاتلين وميليشيات وعلاقات دولية، لكنها بالحدّ الأدنى تضمن أن الغضب السوري، في بدايته الأولى، قبل أن تلوثه النصرة وداعش وذئاب تركيا ودببة سوريا وثعالب قطر وضباع إيران، كان غضباً عفوياً يغرف من كل الأنهار والينابيع السورية، دون لوثة طائفية أو دينية أو إثنية.
ميّ سكاف... صفحة سورية بيضاء.