التوسعة الكبرى منذ أن وضع إبراهيم القواعد

الثلاثاء - 29 شهر رمضان 1439 هـ - 12 يونيو 2018 مـ Issue Number [14441]

المتأمل في ما يشهده الحرمان الشريفان من خدمة ورعاية وتطوير وتوسعة لرفع طاقتهما الاستيعابية باستمرار، تلبيةً لتكاثر أعداد الحجيج والزوار وما يلقونه من عناية واهتمام، يدرك عِظَم المسؤولية التي تنهض بها قيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة، مهبط الوحي، وموطن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ومنذ أن أمر الله نبيه إبراهيم (عليه السلام) بأن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا رجالاً وعلى كل ضامر، فالحرم المكي يشهد توافداً بشرياً كثيفاً ظلت أعداده في تزايد مطرد عاماً تلو آخر، ما استدعى توسعته وتطويره باستمرار لكي يستوعب البيتُ المعمور ملايين الحجيج والمعتمرين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
وقبل أن أسلط الضوء على توسعة الملك سلمان بن عبد العزيز، وهي أكبر توسعة للحرمين الشريفين منذ أن وضع إبراهيم القواعد، أود إلقاء نظرة سريعة على التطور التاريخي للتوسعات التي مرّت بأقدس مسجدين على وجه الأرض عبر مختلف العصور، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن الحرم المكي الشريف شهد أوائل التوسعات في عهد الخلفاء الراشدين، وتحديداً في زمن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (رضي الله عنهما)، ثم توالت حركة الإصلاحات المعمارية وإعادة الترميم والتطوير على أيدي بعض صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومن تبعهم بإحسان.
ففي عامي 64 و65 من الهجرة اشترى الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير (رضي الله عنهما) دُوراً مجاورة للمسجد الحرام فضمها إليه، كما قام ببناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل (عليه السلام)، ثم بنى عبد الملك بن مروان ما تهدّم من المسجد الحرام، بسبب قتال الحجاج لابن الزبير، كما أجرى بعض التطوير في مرافق المسجد، وفي عام 91هـ حدّث ابنه الوليد بن عبد الملك بناء المسجد بإصلاحات معمارية، مستخدماً الرخام والساج. وكذلك شهد الحرم المكي إصلاحات وترميمات عدة في عهد الدولتين العباسية والعثمانية.
ولكن اللافت في تاريخ توسعة الحرمين الشريفين هو ما انتهجته الدولة السعودية الحديثة منذ قيامها على يد المؤسس الملك عبد العزيز، طيّب الله ثراه، من إيلاء البيت الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة اهتماماً خاصاً منقطع النظير.
فبالإضافة إلى ما قام به الملك عبد العزيز، من جهود جليلة لتوحيد الجزيرة العربية وتأمين طرق الحجيج والمعتمرين، فقد قام أواخر عام 1924 بإعادة ترميمات الحرمين الشريفين، مشدداً على ضرورة بذل كل غالٍ ونفيس في سبيلهما، وشهد عهده إصلاحات معمارية شملت مختلف مكونات البيت العتيق وما جاوره من أراضٍ ومساحات تم ضمها إليه.
ثم بعد ذلك تتابع أبناؤه البررة ملوك المملكة العربية السعودية في خدمة الحجيج والمعتمرين، دلالة على حبهم وتفانيهم في خدمة الإسلام والمسلمين، وهذا ما أكده لي الملك سلمان عندما التقيته مطلع شهر رمضان الجاري، حين قال: «إننا نتشرف بخدمة الإسلام والمسلمين، وهذا دورنا الذي نفتخر به، كما أننا نتعاون مع غير المسلمين في سبيل الأمن والسلام».
ومن أبرز شواهد اهتمام قادة المملكة بالحرمين الشريفين، أن الملك ينتقل إلى مكة المكرمة في شهر رمضان المبارك وأيام الحج للإشراف بنفسه على مناسك الحج والعمرة، ومتابعة أحوال الحجاج والزائرين عن كثب.
وهذه حقيقة مسلّمة بأن المملكة قدمت خدمات جليلة للإسلام والمسلمين ورعايتهم، وتيسير سبل الحج والعمرة وزيارة المشاعر المقدسة ومسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المسلمين في كل مكان، وهذا أمر يقرّ به العدو قبل الصديق ولا ينكره إلا جاحد... كيف لا وفي مثل هذا اليوم، ليلة القدر، يجتمع في مكة المكرمة وحدها ملايين المسلمين، وفي أيام الحج أيضاً يجتمع في مساحة محدودة ملايين المسلمين يتحركون في وقت واحد وباتجاه واحد، وما هذا بالأمر البسيط والهين ولكنه توفيق من الله واهتمام من الدولة السعودية التي تقف على قدم واحدة من ملكها إلى المواطن فيها لرعاية هذه المناسك وتلبية احتياجات تلك الأعداد الهائلة من مختلف البلدان واللغات.
وددتُ أن أسطّر في هذه المساحة انطباعاتي عما شاهدته وأعجبت به من التوسعة الكبرى للمسجد الحرام التي تم تنفيذها برعاية وإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، على ثلاث مراحل، عايشتها كلها متابعاً بصفتي سفيراً لجمهورية جيبوتي لدى المملكة وعميداً للسفراء فيها. وقد شملت المراحل الثلاث توسعة الحرم ذاته وكذلك الساحات الخارجية ومنطقة الخدمات والتكييف ومحطات الكهرباء ومحطات المياه وغيرها، ليتسع البيت العتيق لأكبر عدد من الحجاج والعمّار في التاريخ بما يربو على مليوني شخص.
وفي هذا السياق أيضاً ينبغي أن أشير إلى أن أعمال التوسعة والتطوير لم تقتصر على المسجد الحرام بل شملت أيضاً الحرم النبوي في المدينة المنورة الذي بناه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيديه الشريفتين في العام الأول من الهجرة المباركة، وشهد أعمال صيانة وتوسعة على مر العصور المتعاقبة بدءاً بالعصر النبوي نفسه، ومروراً بعصر الخلفاء الراشدين، ثم الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وانتهاء بعهد الدولة السعودية التي حملت على عاتقها مسؤولية رعاية الحرمين الشريفين وخدمة الحجيج والمعتمرين والزوار بتفانٍ وإخلاص ودقة متناهية شهد لها القاصي والداني.
واليوم نعايش، نحن المسلمين، شعوباً ومسؤولين، بكل فرح وفخر واعتزاز تتويج عمارة الحرمين الشريفين بالتوسعة الكبرى والأكثر تطوراً ورونقاً وبهاءً، منذ أن وضع إبراهيم القواعد من البيت، سائلين المولى عز وجل أن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كل مكروه، ويجازي قادتها خيراً عما قدموه للإسلام والمسلمين من خدمات جليلة وعناية بالغة شملت الإنسان والمكان في أقدس بقعتين على وجه الأرض.
* سفير جمهورية جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي لدى السعودية