أخطاء فرنسية أثناء الانتداب تكررها الدول الكبرى اليوم

إعادة طبع كتاب كيسيل نجم الصحافة الفرنسية اللامع عام 1925 عن سوريا

الغوطة كانت {بحيرة من الخضرة} كما يصفها المؤلف
الغوطة كانت {بحيرة من الخضرة} كما يصفها المؤلف
TT

أخطاء فرنسية أثناء الانتداب تكررها الدول الكبرى اليوم

الغوطة كانت {بحيرة من الخضرة} كما يصفها المؤلف
الغوطة كانت {بحيرة من الخضرة} كما يصفها المؤلف

ظل السؤال «ما الذي يمكن فعله حيال سوريا؟» يمثل لنحو 7 سنوات موضوعاً لعدد لا يحصى من المؤتمرات والمنتديات والمفاوضات الدبلوماسية حول العالم، لكن دون أن يلوح في الأفق بعد أي طيف لإجابة. هل تفاجأت؟ لا ينبغي أن تفعل، فالسؤال ليس بالجديد، فقد تم طرحه للمرة الأولى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية التي كانت الأراضي السورية جزءاً منها.
وكان البحث عن إجابة لهذا السؤال هو ما دفع جوزيف كيسيل، نجم الصحافة الفرنسية اللامع في ذلك الوقت، عام 1925، إلى زيارة المنطقة التي تخضع لـ«الانتداب» الفرنسي، الذي كان حديث العهد حينها، من أجل إجراء تحقيق صحافي عن ثورة ضد الحكم الأجنبي. وقد تم نشر التحقيق الصحافي عشر مرات، ثم أعيد نشره في كتاب أصبح من أعمال الصحافة الفرنسية الكلاسيكية. بدأ كيسيل نفسه في التحول إلى روائي، ثم في النهاية أصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية. وقد تم نشر طبعة جديدة من كتاب «في سوريا»، في باريس، بعد تزايد اهتمام الرأي العام بما أصبح مسألة وقضية دولية مهمة بالنسبة للجيل الحالي.
حاول كيسيل، خلال فترة إقامته في سوريا التي امتدت إلى عدة أسابيع، لقاء أكبر عدد ممكن من الأشخاص، وإجراء مقابلات معهم، حيث نرى الصحافي يتحدث مع زعماء قبائل، ورجال أعمال بارزين، وشخصيات دينية، وقادة من الجيش الفرنسي، فضلاً عن رجل الشارع العادي.
ويتكون جزء كبير من سلسلة تحقيقات كيسيل من قصص رحلات صغيرة تصور سوريا كأرض جميلة، وهبها الله تنوعاً طبيعياً وإنسانياً خلاباً. وتم وصف مدينة الغوطة، الواقعة على أطراف دمشق، التي شهدت أخيراً كثيراً من الهجمات المهلكة بالأسلحة الكيماوية من جانب قوات بشار الأسد، بأنها «بحيرة من الخضرة»، بفضل ما تتمتع به من حدائق وبساتين غناء تسحر الألباب.
ويقدم لنا المؤلف في أثناء وصفه لعشاء مع طهاة من قبيلة شمر، التي جاءت من العراق لأنها رفضت «تدخل الإنجليز» في شؤونهم الخاصة، درساً موجزاً لكنه شجي ومؤثر في علم الأعراق و«حوار الحضارات».
قال أحد كبار رجال القبيلة شاكياً: «أراد الإنجليز منا التوقف عن الغزوات، وإرسال أبنائنا وبناتنا إلى المدارس. إذا فعلنا ذلك، ماذا سيتبقى من عاداتنا إذن؟». ويفضل الرجل الفرنسيين لأنهم لا يعلمون ما الذي يفعلونه في سوريا، على حد تعبير كيسيل الذي يحمل قدراً من الدعابة. فقد اكتشف كيسيل في مرحلة مبكرة من أسفاره أن الفرنسيين ليس لديهم أدنى فكرة عن كيفية التعامل مع أرض مضطربة، ترفض الانصياع والخضوع لحكمهم. وكان ردهم على الانتفاضة الشعبية عبر ثلاثة جوانب: الجانب الأول، حشد وتعبئة الأقليات، وتحديداً المسيحيين الذين كان عددهم آنذاك يصل إلى 500 ألف، والعلويين الذي كان يبلغ عددهم نحو مائة ألف، والدروز الذين لا يبلغ عددهم نحو 50 ألف، في مواجهة الأكثرية المسلمة التي يزداد عددها على 4.5 مليون. مع ذلك، وجد القادة العسكريون الفرنسيون بين الأقليات الأصغر عدداً، خصوصاً الشركس والتركمان، مقاتلين أكثر ولاءً وحماسة. وكان كابتن كوليه، الذي رأى كيسيل أنه النسخة الفرنسية من الرحالة الإنجليزي الذي لقب بـ«لورانس العرب»، يقود وحدة من نخبة الشركس. وكان الجانب الثاني من الاستراتيجية الفرنسية هو تقسيم الأراضي، التي ورثوها عن العثمانيين، إلى «سوريا نافعة» و«مساحات شاسعة من الأرض الخراب» التي لا تستحق القتال من أجلها. ومثلما تحاول روسيا حالياً تقسيم سوريا إلى خمسة أجزاء «كمناطق بها تصعيد محدود»، كان هناك اعتقاد حول تبني الفرنسيين لنسختهم الخاصة من سياسة «فرق تسد»، فقد اقتطعوا بالفعل جزءاً للمسيحيين المارونيين في لبنان، وجزءاً آخر لتركيا، لتأمين حدودهم الشمالية الشرقية، وكذلك تبنوا فكرة استمالة العلويين، الذين تمت إساءة فهمهم ورؤيتهم كمتعاونين أوفياء، ومكافآتهم بدولة صغيرة خاصة بهم مطلة على البحر المتوسط.
ووقت إجراء كيسيل لذلك التحقيق الصحافي، كان يتم عرض سياسة «فرق تسد» الفرنسية في سوريا، كخطة لإقامة دولة اتحادية (فيدرالية)، وهي فكرة تحمس لها البعض من «أهل البلد». وكانت باريس تدرك منذ البداية أن القوة العسكرية وحدها لن تفي بالغرض، حيث لم يكن لدى فرنسا، التي خرجت لتوها من الحرب العالمية الأولى بقتلى يزيد عددهم على المليون، القوة البشرية اللازمة لخوض حرب استعمارية بلا نهاية. كذلك كان إخماد الثورة السورية مكلفاً، في وقت لم تتعافى فيه الخزانة الفرنسية من صدمة الصراع الدامي المصيري الذي خاضته الأمة ضد الألمان من عام 1914 حتى 1918. وفي واحدة من المفارقات المثيرة للاهتمام في التاريخ، كان الفرنسيون في سوريا خلال عشرينات القرن العشرين في وضع مماثل لوضع روسيا اليوم، حيث كان هناك نقص في الأفراد والأموال اللازمة للبقاء في سباق الماراثون المميت هذا.
ويورد كيسيل، على سبيل الدعابة، كثيراً من «الحلول السحرية» التي قدمها المعلقون، على اختلاف أنماطهم، ومن يقدمون أنفسهم كمخططين استراتيجيين، لحل «المشكلة السورية»، ويخلص إلى تفنيدها جميعهاً، مع الإشارة إلى إحباط تجاه إمكانية العثور على مخرج من المأساة السورية، حيث كتب: «في نهاية فترة إقامتي في سوريا، يبدو لي أن كل الأنظمة هناك غير مجدية، ويمكن الدفاع عنها أو رفضها لأسباب وجيهة وغير وجيهة».
وأضاف: «هناك طريق النزعة الانفصالية أو طريق الوحدة والاتحاد، هناك الطريق الليبرالي أو الطريق الاستبدادي. قد يرغب المرء في وجود ملك بقدر ما قد يرغب في وجود برلمان، ويدعم أياً من الخيارين في صفحة، لكن لن تجدي أي من تلك الخيارات نفعاً، لأنه لا توجد دولة أكثر تعقيداً وأكثر تمرداً بطبيعتها من سوريا».
ورغم حدة تلك الملاحظات كصحافي، خلص كيسيل إلى ما يبدو حلاً بيروقراطياً لـ«المشكلة السورية»، حيث دعا إلى الامتناع عن تبني طريقة التغيير السريع للمسؤولين عن المستعمرة من باريس، والالتزام بزيادة عدد القوات المخصصة للحملة، من أجل التصدي إلى حركات التمرد التي تزعزع استقرار البلد، كذلك طالب فرنسا بشكل أساسي بالالتزام جدياً بهذا الملف.
وكتب: «هل فرنسا قادرة على تحقيق ذلك؟ إذا كانت الإجابة بلا، فمصير الانتداب سيكون الفشل الحتمي». ونحن نعلم جميعاً أن الانتداب الفرنسي قد فشل في نهاية المطاف، لكن ليس للسبب الذي ذكره كيسيل، فلا يوجد أي قدر من «الالتزام» أو «الجهد» الفرنسي الذي يمكنه تحقيق النجاح، ما ظل القادة في باريس، إلى جانب كيسيل، مصرين على إقصاء الشعب السوري عن سيناريوهات الصراع الكثيرة. ويظل الأسوأ من ذلك هو إنكارهم الصريح لوجود ما يسمى «الشعب السوري» بالأساس.
وقد تم النظر إلى التنوع العرقي والديني والطائفي واللغوي الذي يتسم به نسيج الشعب السوري باعتباره «انقساماً يتعذر إصلاحه»، وتم تجاهل إمكانية العثور على الوحدة في ذلك التنوع. وهذا تحديداً هو الخطأ نفسه الذي ترتكبه الدول الكبرى المنخرطة في الصراع السوري اليوم، وعلى رأسها روسيا، خصوصاً من خلال اللعب ببطاقة الطائفية. وتشبه أكثر النقاشات بشأن سوريا في أروقة حكم الدول الكبرى اليوم الصورة التي استعرضها كيسيل لأفكار ومواقف قادة الاستعمار الفرنسي في تلك الأيام، حيث لم يكن هناك ما يسمى «الشعب السوري»، وقولهم إنهم مضطرون إلى الاعتماد على الأقليات لحماية مصالحهم الاستراتيجية. ومن المهم دائماً التعلم من التاريخ، لكن أحياناً يكون الحرص على عدم التعلم من التاريخ على القدر نفسه من الأهمية.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.