فاشيولينسي لـ «الشرق الأوسط»: العرب يريدون فتح نوافذهم على العالم

الكاتب الكولومبي يتحدث عن زياراته للمنطقة وتأثيرات ألف ليلة وليلة على أعماله

هيكتور أباد فاشيولينسي
هيكتور أباد فاشيولينسي
TT

فاشيولينسي لـ «الشرق الأوسط»: العرب يريدون فتح نوافذهم على العالم

هيكتور أباد فاشيولينسي
هيكتور أباد فاشيولينسي

يعد الكاتب الكولومبي هيكتور أباد فاشيولينسي أحد أكبر المؤلفين في أميركا اللاتينية اليوم. وهو ينحدر من عائلة مثقفة ومناضلة. ولقد أهدى إحدى رواياته لذكرى والده، هيكتور أباد، الأستاذ الجامعي والمدافع القوي عن حقوق الإنسان الذي اغتيل أيام العنف الرهيبة التي عصفت بالبلاد في كولومبيا.
وتمتاز أعمال فاشيولينسي بأبعادها الجمالية، واكتنازها بالمشاعر العميقة في الوقت نفسه. ولقد سلط كتاب كبار، مثل الروائي ماريو فارغاس يوسا الحائز على جائزة نوبل في الآداب لعام 2010، الضوء على ما تتمتع به أعمال الكاتب من جودة، وعمق، وجمال أخاذ.
والعمل جارٍ على ترجمة روايته «المشرق يبدأ من القاهرة»، التي كتبها عام 2002 إلى العربية. وهذه هذه الرواية الثانية التي تترجم له بعد «النسيان: مذكرات».
في هذا اللقاء معه، يتحدث فاشيولينسي عن تجربته الأدبية وانطباعاته عن زياراته لمنطقة الشرق الأوسط ومعرفته بأدب المنطقة.

> نجد في روايتك «المشرق يبدأ من القاهرة» رؤية خاصة لمنطقة الشرق الأوسط؟ من أين استمددت هذه الرؤية؟
- لم أزر قط أية دولة في منطقة الشرق الأوسط قبل رحلتي الأولى إلى القاهرة في عام 2000. وقبل السفر قرأت كتباً ألفها مسافرون آخرون حول مصر، ومن بينهم فرنسيون، وعرب، وإسبان، وأميركيون. ولكن عندما وصلت إلى القاهرة، حاولت أن أرى بعيني وأكتب عما أراه بكل وضوح. كان من المقرر في بداية الأمر أن يجد الكتاب طريقه للنشر في إسبانيا، ولكنني أعرف أن أغلب قرائي هم من مواطني قارة أميركا اللاتينية.
ويمكن القول إن هذه الرواية هي رحلة أكثر منها رواية، ولكن فيها ما قاله ستندال عن الروايات: إنها المرآة التي تجوب الشوارع والطرق، وتحاول هذه المرآة عبر رحلتها استكشاف والتعبير عن كل شيء تراه. كل شيء جميل وقبيح في آن واحد. وكل ما تمكنت مرآة عيني وأذني أن تلتقطاه خلال الرحلة سجلته، في محاولة مضنية لتجنب التحيز قدر الإمكان.
> في تلك الرحلة، ما الذي أثار إعجابك في مصر؟
- عشت دائما في البلدان المسيحية وزرت الكثير منها. ولذا، كانت التجربة الأولى التي واجهتها عبر زيارتي إلى بلد مسلم كمصر هي الوجود الكثيف للدين. لقد تزامنت رحلتي مع حلول شهر رمضان، وحاولت محاكاة الواقع هناك. أجل، لقد حاولت التوقف عن تناول الطعام والشراب خلال ساعات النهار. وزرت كل المساجد التي تمكنت من زيارتها، وتحدثت إلى كثير من الناس هناك. كما ذهلت كثيرا من بُعد عبادات مصر الفرعونية القديمة عن الواقع المعاصر، وزوال هذه الشعائر والمعتقدات تماما من حياة المصريين. من المثير للإعجاب حقا أن نرى كيفية تلاشي الممارسات الثقافية وظهور غيرها لتحل محلها.
> متى يكون كتابك «المشرق يبدأ من القاهرة» متوفراً في المكتبات العربية؟
- إن المحررين هم المسؤولون عن تحديد مثل هذه الأمور. سوف يُباع الكتاب أول الأمر في مدينة القاهرة. وأتطلع إلى نشره بعد ذلك في كل من لبنان والمغرب والجزائر. ولقد كنت في زيارة مؤخرا إلى البحرين، ولذلك أود أيضا أن يكون الكتاب متاحا هناك.
> ما سر سحر «الليالي العربية» عليك؟ من أية ناحية، أثرت الليالي على كتاباتك؟
- إن «ألف ليلة وليلة» هو أحد الأعمال القصصية الرائعة في كل الأزمان. فهي تتضمن قدرا من الأدب الإيروسي المثير، وكذلك السحر، والمآدب، والاقتصاد، والخيانة، والإغراء. إنه عمل أدبي كامل، وهو الكتاب الذي يعلمك بطريق غير مباشر عجائب الكلمات والآداب، وهناك وجود لكنه مؤجل للعنف كذلك. إن الحكايات تأتينا بمعانٍ مغايرة للموت والعنف، ولكن في المركز منها يبقى الحب الكبير. لقد تمكنت شهرزاد من مداواة داء السلطان بكلماتها، وليس هناك سحر أبلغ من ذلك. وهو السر في أن ذلك العمل قد خلب ألباب الكثير من القراء، ليس فقط في الشرق الأوسط، أو فرنسا وأميركا اللاتينية، وإنما في جميع أنحاء العالم.
> هذه هي الرواية الثانية من مؤلفاتك التي تُترجم إلى اللغة العربية، فهل سنحت لك الفرصة للتواصل مع بعض القراء من العالم العربي؟
- أجل، عدت إلى زيارة القاهرة قبل بضعة أعوام لعرض رواية «النسيان: مذكرات»، وكان من دواعي سروري وشرفي أن أوجه حديثي إلى جمع من زملائي الكتاب، والصحافيين، والمحررين هناك. كما تمكنت من رؤية كيف أن الخوف والتهديد من حفنة من الإرهابيين قد عصفت بصناعة السياحة في القاهرة. وعندما زرت الأهرامات كنت السائح الوحيد هناك بكل أسف. وبالنسبة للدولة التي تحتاج بشدة إلى الموارد، كان الأمر أشبه بمأساة حقيقية. لقد ساورتني نفس المشاعر الحزينة عندما تلمست حجم الخواء الذي تعاني منه سوق خان الخليلي الشهيرة وبأكثر من أي وقت مضى، كان عبارة عن ظلال قاتمة لما شاهدته بعيني في نفس المكان قبل 15 عاما في زيارتي الأولى للبلاد.
> في رأيك، ما هو السبب وراء اهتمام العالم العربي بالأدب في أميركا اللاتينية؟
- لا أعرف على وجه التحديد، ليست لدي فكرة واضحة. ولكن هذا الاهتمام والفضول يعكس بشكل جيد صورة العرب بالدرجة الأولى. إنهم يريدون أن يفتحوا أبوابهم على العالم، وليس فقط على الثقافة الشعبية ومتابعة شاشات التلفاز الواردة إليهم من الولايات المتحدة. وربما أنهم يرغبون في رؤية ما استطعنا بناءه في مجال الثقافة والآداب. وقد يريدون أن يقوموا ببناء شيء مماثل عندهم.
> هل لديك أي معرفة بالأدب العربي؟
- أجل، بعض الأعمال الكلاسيكية، والشعر الصوفي، وألف ليلة وليلة. وقرأت لنجيب محفوظ كثيرا قبل سفري إلى القاهرة. وأعرف بعض الأدباء ممن يعيشون في أوروبا، ولكنني لست على دراية بالشعراء والروائيين المعاصرين. ربما لم نهتم كثيرا بأعمال الترجمة، وقد ينبغي علينا محاكاة أعمالهم والبدء في ترجمتها في أميركا اللاتينية كذلك، ومحاولة الاقتراب منهم بنفس الطريقة التي يحاولون فيها التقرب من عالمنا.
نحن مقصرون في ترجمة الأدب العربي.
> رواياتك تتميز بالعمق والجمال، كما يجمع الكثير من النقاد. من أين تنبع هذه الروعة في مؤلفاتك؟
- أشكرك! وأتمنى أن يكون قولك صحيحاً. وإن كان هناك شيء من هذا القبيل، فأعتقد أنه يرجع بالأساس إلى الأصالة. إنني لا أحاول محاكاة الآخرين في أعمالي أو البروز بصورة تعاكس الحقيقة. إنني أحاول أن أتلمس سبيل الصدق، والأصالة، والوضوح في أعمالي.
> إن أردت أن أنصح أحدهم بقراءة كتاب من أعمالك، فأي عمل تختار؟
- أعتقد أن أفضل ما يمكنني التوصية به هما الكتابان المنشوران باللغة العربية: «النسيان: مذكرات»، و«المشرق يبدأ من القاهرة». وكم أود أن أرى ترجمة عربية لكتاب «المخفي» ذات يوم، ولكنها لن تكون مهمة يسيرة في هذا الوقت. فعلى الرغم من أن العلاقات المثلية قد جاء ذكرها في كتاب ألف ليلة وليلة، فإنني أعتقد أن هذه القضية لن تنال الاستحسان الذي تستحقه اليوم، مع إنني لست هكذا إلا أن أحد أبطال الرواية هو كذلك.
> إنك من مواطني كولومبيا، وبلادكم تمر في الآونة الراهنة بلحظة تاريخية بسبب عملية السلام. فهل تعتقد أن الفن والأدب لديهما القدرة على المساهمة في شيء من عملية المصالحة الجارية في البلاد؟
- دور الرواية هو التثقيف العاطفي، فهي تنقلنا بعيدا للغاية عن أنفسنا، وتضعنا في مواقف عاشها وخبرها أناس آخرون. إن الأنانية هي فقدان التصور والخيال، وفقدان القدرة على ما يمكن أن نكون عليه في المواقف الدراماتيكية كما هو الحال للآخرين. ودور الأدب هو التثقيف في هذا النوع من التصور والخيال، وهو السبب في أنه من المفيد للغاية لأخلاقيات المجتمع.
> ما الذي تعمل على تأليفه في الوقت الحالي؟
- إنني أسجل مذكرات أيام الشباب. ولسوف أعمل على نشرها خلال العام الحالي.
> ما هي الكلمة المفضلة لديك في اللغة الإسبانية؟
- إنها كلمة ذات أصل عربي؛ «المخدة»، وتعني الوسادة.



غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended