الزنك ومكافحة الإسهال

يلعب دورا كبيرا في زيادة المناعة ويحافظ على كفاءة الجهاز العصبي

مواد غذائية تحتوي على الزنك
مواد غذائية تحتوي على الزنك
TT

الزنك ومكافحة الإسهال

مواد غذائية تحتوي على الزنك
مواد غذائية تحتوي على الزنك

من المعلومات الأكثر شيوعا بين الناس أن الفيتامينات والمعادن لها أهمية بالغة في الحفاظ على الصحة، حتى إن معظم الأمهات يرغبن في إعطاء أطفالهن الفيتامينات الدوائية بشكل وقائي دون احتياج حقيقي، وهذا سلوك خاطئ إذ يجب العودة للطبيب لتحديد احتياج الطفل من عدمه.
وقد يكون الزنك أقل شهرة من بعض المعادن والأملاح الأخرى الضرورية للجسم مثل الكالسيوم أو الحديد خاصة للأطفال، ولكن الحقيقة أن الزنك يعد من أهم العناصر لضمان الصحة الجيدة سواء للبالغين أو للأطفال خاصة الذين يعانون من سوء التغذية في حالة إصابتهم بالإسهال. ويمكن له أن ينقذهم من الإسهال الشديد والنزلات المعوية التي تعد من أهم أسباب وفاة الأطفال قبل سن الخامسة.

* أهمية الزنك
أكدت أحدث دراسة نشرت في مكتبة «كوكرين» (Cochrane Library) وهي عبارة عن مجموعة من قواعد البيانات في مجال الطب والصحة العامة) أهمية الزنك في الوقاية من الإسهال. وكان الباحثون قد ركزوا في بحثهم على الدور الذي يمكن أن يلعبه الزنك في زيادة المناعة والوقاية من الأمراض في هذه المرحلة العمرية. وقاموا بتجميع بيانات من 80 تجربة سابقه شملت 205401 طفل، تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و12 عاما، كان معظمهم من الدول النامية والفقيرة.
وتوصلوا في مجمل الدراسات إلى أن إمداد الأطفال بالزنك كما هو الحال مع الفيتامينات والمعادن الأخرى يمكن أن يكون ذا فائدة صحية عظيمة. وأوضحوا أن المواد الإضافية الخارجية بما فيها الزنك لا يجب أن تستخدم في حالة اتباع نظام غذائي متوازن في الدول الغنية التي تتوافر فيها مصادر المعادن من خلال الطعام دون الحاجة إلى توفره كدواء. ولكن تلك المواد الإضافية ذات فائدة كبيرة للأطفال الذين يعانون من نقص التغذية الصحيحة.
ومن المعروف أن الزنك على وجه التحديد يلعب دورا كبيرا في زيادة المناعة وتكوين الكثير من العناصر المهمة للجسم مثل الكربوهيدرات والدهون وبعض الإنزيمات، ويدخل في صنع الحامض النووي، وكذلك الحفاظ على كفاءة الجهاز العصبي. ولا بد من الحصول عليه من خلال الطعام، حيث إن الجسم لا يقوم بتصنيعه.
وتقدر نسبة الأشخاص الذين يعانون من نقص الزنك في العالم بنحو واحد من كل ستة أشخاص، كما أن هناك واحدا من كل 58 طفلا يموتون قبل عمر الخامسة بأمراض يلعب نقص الزنك فيها دورا كبيرا. وقد لاحظت الدراسة أن الأطفال الذين تناولوا كميات أقل من الزنك كانوا أكثر عرضة للإسهال، كما أن الأطفال الذين تناولوا الزنك بشكل كاف كانوا أطول قليلا من أقرانهم مما يؤكد أن الزنك له دور في البلوغ (إلا أن الدراسة أشارت إلى أن الغذاء الصحي المتكامل يلعب دورا أهم في البلوغ من الزنك)؟ وعلى الرغم من أن تناول الزنك قد يسهم في زيادة القيء في بعض الأطفال إلا أن الدراسة خلصت إلى أن فوائد تناوله تفوق عدم تناوله بشكل كبير.

الحد من الإسهال
وكانت منظمة الصحة العالمية (WHO) قد أشارت سابقا إلى أنه يتحتم مواجهة الإسهال عند الأطفال، والذي يتسبب في وفاة مليون طفل سنويا دون الخامسة في العالم كله، وأن معظم هذه الوفيات في الدول الفقيرة والنامية. وذكرت أن هناك من التوصيات التي يمكن أن تساعد في الحد من نسبة الوفيات وكان من ضمن هذه التوصيات استخدام الزنك بشكل روتيني في جرعات نحو 20 مليغراما يوميا للأطفال بعد عمر ستة أشهر أو بجرعات عشرة مليغرامات يوميا للأطفال أقل من ستة أشهر. وكان من ضمن التوصيات أيضا التأكيد على وجود مياه نظيفة لتجنب انتقال العدوى، وكذلك يجب توفير محلول معالجة الجفاف لمعظم دول العالم. وأشارت إلى أن تناول الزنك يلعب دورا في الوقاية من الإسهال لأنه يلعب دورا فعالا في تكوين البروتين ونمو الخلايا ونقل الماء والمعادن من الأمعاء فضلا عن أنه يقلل من عدد مرات الإسهال وشدته.
وأشارت المنظمة أيضا إلى أن نقص الزنك يزيد من فرص الإصابة بعدوى الجهاز الهضمي خاصة في الدول الفقيرة حيث لا يتوفر الزنك عن طريق الغذاء (الزنك يوجد في المنتجات الحيوانية، ومعظم الدول الفقيرة تعاني من نقص الثروة الحيوانية) أو نتيجة لمشكلات في امتصاصه حيث إن وجود مادة مثل «الفياتين» الموجودة في الخبز تقلل من امتصاص الزنك «phytates».
وللأسف فإن معظم الأطباء في الدول النامية لا يستخدمون الزنك كعلاج أو كوقاية من حالات الإسهال لعدم قناعتهم التامة بالدور الذي يلعبه في الوقاية، كما أن هناك مخاوف من أن الجرعات العالية من الزنك قد تعيق امتصاص بقيه الأملاح المعدنية الأخرى مثل الحديد والكالسيوم. وفى النهاية يجب على سكان الدول النامية والفقيرة عدم إغفال الدور الذي يلعبه الزنك في الحفاظ على حياة الأطفال.

* استشاري طب الأطفال



طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر
TT

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

قامت لجنة من خبراء طب الأطفال، تابعة للجمعية الصينية للتعليم الطبي China Medical Education Association، بوضع بروتوكول موحد لتشخيص عرض الصفير المتكرر لدى الرضع والأطفال الصغار. وتكونت اللجنة من متخصصين في الجهاز التنفسي للأطفال وعلم الحساسية، ونُشرت إرشاداتهم في مجلة تشخيص طب الأطفال Pediatric Investigation في الخامس من مارس (آذار) الماضي.

عرَض مرضي شائع

من المعروف أن عرض الصفير يُعد واحداً من أكثر أعراض أمراض الجهاز التنفسي شيوعاً في الأطفال، وينتج عن وجود ضيق في مجرى الهواء، سواء الشعب الهوائية الكبيرة أو القصيبات الصغيرة، ويصيب في الأغلب الأطفال دون سن الخامسة، وتكمن المشكلة الأساسية في تشخيص وعلاج الصفير في حالات وجود أسباب متعددة لحدوثه، ما يستلزم ضرورة استبعاد كثير من الأمراض عن طريق فحوصات وكشف سريري.

وقال الخبراء إن هذه الإرشادات تهدف إلى تزويد الأطباء، بطريقة موحدة لتعزيز دقة التشخيص وفاعلية العلاج، في حالات الأطفال الذين يعانون من العرض بشكل متكرر، ولذلك كانت الخطوة الأولى نحو وضع هذه الإرشادات، هي وضع تعريفات مهمة لتسهيل التشخيص والعلاج:

• التعريف الأول الذي قام الباحثون بتحديده، هو تعريف العرض نفسه (أي الصفير المتكرر)، استناداً إلى نموذج حدوثه، حيث عُرّف على أنه حدوث ثلاث نوبات أو أكثر، بشرط أن يفصل بين كل نوبة وأخرى فترة سبعة أيام خالية تماماً من الأعراض

• التعريف الثاني الذي قام الباحثون بتحديده، هو تعريف المريض نفسه حيث عُرف الرضع والأطفال الصغار بأنهم الذين تتراوح أعمارهم بين 29 يوماً وحتى ثلاث سنوات.

• تعريفات لتصنيف العرض: بعد ذلك، قام الباحثون بوضع تعريفات لتصنيف عرض الصفير المتكرر، استناداً إلى شكل الأعراض على سبيل المثال (صفير يحدث فجأة نتيجة لالتهاب فيروسي، وصفير ناتج عن عوامل متعددة سواء كانت نتيجة التهابات أو أسباب أخرى مثل الحساسية ويحدث باستمرار، وصفير غير مصنف).

• كما طرحت تعريفات استناداً لشكل الاستجابة المناعية مثل (صفير نتيجة لأسباب تحسسية وصفير غير تحسسي)، وتعريفات استناداً إلى العمر الذي بدأ فيه ظهور الأعراض (صفير مبكر عابر، وصفير مستمر مبكر الظهور، وصفير متأخر الظهور). وفي النهاية تعريفات استناداً إلى شدة الأعراض (صفير خفيف الحدة وصفير شديد الحدة).

فحص سريري ومختبري

اهتمت لجنة الخبراء، بإرشادات متنوعة تعتمد على الطريقة التقليدية لتشخيص الأمراض التنفسية، بداية من ضرورة رصد التاريخ المرضي للطفل بدقة، والاهتمام بالفحص السريري بشكل خاص، حيث يُعد من أهم الخطوات الأولية للتشخيص.

وشددت اللجنة على ضرورة إجراء فحوصات مختبرية لتعزيز تشخيص الحساسية على وجه التحديد، لأنها من أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث عرض الصفير، مثل تعداد كريات الدم البيضاء المسؤولة عن الحساسية eosinophil count، وأيضاً التحاليل التي يتم عملها لاختبار مسببات الحساسية المختلفة، مثل ذرات الغبار وحبوب اللقاح وبعض أنواع الطعام والمواد الكيميائية، عن طريق الكشف عن الأجسام المضادة.

وشملت التوصيات أيضاً، الاهتمام بعمل الأشعات المختلفة على الصدر، سواء الأشعة العادية (أشعة إكس) أو الأشعة المقطعية، أو الرنين المغناطيسي، لرصد أي تغيرات تحدث في الجهاز التنفسي تكون مصاحبة لعرض الصفير، مما يسهم في التوصل إلى التشخيص بسهولة.

وأوضحت اللجنة، أن اختبارات وظائف الرئة، في الأغلب يتم تجاهلها في معظم الأحيان، على الرغم من أهميتها الكبيرة للوقوف على صحة الرئة، وربما يكون ذلك ناتجاً من عدم توفر الأجهزة التي تقوم باختبارات وظائف التنفس في كثير من المراكز الطبية، خصوصاً مع اعتماد معظم الأطباء على الأشعة والكشف السريري.

فيروسات وبكتيريا

وقال الخبراء، إن العدوى الفيروسية تُعد من أكثر أسباب عرض الصفير المتكرر شيوعاً في الرضع والأطفال الصغار، لذلك قاموا بوضع الإرشادات التي توصي بضرورة إجراء فحوصات للكشف عن المسببات الفيروسية للأمراض التنفسية الشائعة، مثل الفيروس المخلوي التنفسي RSV، والفيروس المسبب للإنفلونزا والفيروس الأنفي (أشهر سبب لحدوث نزلات البرد) والفيروس الغدي.

بالإضافة إلى مسببات الأمراض الفيروسية، تؤكد الإرشادات على ضرورة إجراء فحوصات للكشف عن العدوى البكتيرية، مثل المكورات الرئوية. وعلى الرغم من أن العدوى البكتيرية أقل شيوعاً فإنها أخطر بكثير من العدوى الفيروسية، ويمكن أن تؤدي إلى مضاعفات شديدة الحدة، لذلك يجب علاجها مبكراً بشكل صحيح.

وشملت الفحوصات المساعدة الأخرى التي أوصت بها اللجنة، لتشخيص عرض الصفير المتكرر، فحوصات يمكن عملها حينما تكون هناك أعراض أخرى مرتبطة دائما بحدوث الصفير مثل فحص درجة حموضة المريء، خصوصاً عند الرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة، لأن الصفير المتكرر في الأغلب يرتبط بمرض الارتجاع المعدي والمريء (GERD).

وأفادت اللجنة بأن استخدام منظار الشعب الهوائية، يمكن أن يكون وسيلة تشخيصية مهمة جداً في بعض الحالات. وأخيراً لفتت اللجنة النظر إلى ضرورة وضع العامل الجيني في الاعتبار، في تشخيص حالات الصفير المتكرر. ونصحت اللجنة، بضرورة وضع خطة متابعة طويلة الأمد للعلاج تعتمد بشكل أساسي على مبدأ «تقييم الحالة بشكل عام لكل طفل، ثم التشخيص، ثم العلاج، وفي حالة استمرار الأعراض وعدم التحسن يجب إعادة التقييم، وإعادة التشخيص مرة أخرى».

وفي النهاية، أكدت اللجنة، أن التركيز على تشخيص السبب في عرض الصفير، أفضل من افتراض أنه مجرد عرض لمرض حساسية الصدر (الربو)، ثم البدء في استخدام الأدوية التي تحسن الحالة، مثل الكورتيزون، وموسعات الشعب الهوائية، وفيتامين دي، والبروبيوتيك، ومضادات الهيستامين.

• استشاري طب الأطفال


التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه
TT

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

مع كل عام، يأتي الثاني من أبريل (نيسان) ليذكّر العالم بأن اضطراب طيف التوحد لم يعد مجرد تشخيص طبي يُدرج في السجلات؛ بل قضية إنسانية ومجتمعية متكاملة تمس الكرامة والحقوق والفرص. وفي هذا العام (2026)، يرفع العالم شعاراً لافتاً: «Autism and Humanity – Every Life Has Value»، أي «التوحد والإنسانية - لكل حياة قيمتها»، وهو شعار يحمل دلالة عميقة تتجاوز حدود التوعية التقليدية، ليؤكد أن لكل إنسان قيمته الكاملة، وأن الاختلاف في طرق الإدراك أو التواصل لا ينتقص من هذه القيمة؛ بل يندرج ضمن التنوع الطبيعي في البشر.

لم يعد الحديث عن التوحد مقتصراً على الأعراض أو التصنيفات الطبية؛ بل تحوّل إلى نقاش أوسع حول الاندماج والعدالة الصحية وتكافؤ الفرص. وهو تحول يعكس تطوراً مهماً في الخطاب العالمي، تقوده منظمات دولية على رأسها «الأمم المتحدة» و«منظمة الصحة العالمية»، نحو تبني مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity)، الذي يرى أن الاختلافات العصبية ليست خللاً بالضرورة؛ بل جزء من التنوع الطبيعي في البشر.

اضطراب طيف التوحد

• اضطرابات تطورية عصبية. يعرّف اضطراب طيف التوحد (ASD) بأنه مجموعة من الاضطرابات التطورية العصبية التي تتميز بوجود صعوبات في التفاعل الاجتماعي، والتواصل اللفظي وغير اللفظي، وأنماط سلوكية مقيدة ومتكررة، تختلف مظاهره من شخص لآخر، مع تباين واسع في القدرات والاحتياجات بين الأفراد، وهو ما يفسر استخدام مصطلح «الطيف» عن كونه مجرد تشخيص طبي. فبعض الأفراد قد يحتاجون إلى دعم كبير في حياتهم اليومية، بينما قد يتمكن آخرون من العيش بشكل مستقل نسبياً مع بعض التحديات الطفيفة.

ووفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، يشمل اضطراب طيف التوحد حالات كانت تُشخّص سابقاً بشكل منفصل؛ مثل التوحد الكلاسيكي، ومتلازمة أسبرغر، واضطراب النمو الشامل غير المحدد. ويعكس هذا التغيير فهماً أوسع لطبيعة الاضطراب وتنوع مظاهره.

وتشير تقديرات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن نحو واحد من كل 100 طفل حول العالم يقع ضمن هذا الطيف، مع اختلافات ملحوظة في معدلات التشخيص بين الدول تبعاً لمستوى الوعي وتوفر الخدمات الصحية.

غير أن التحدي لا يكمن في تعريف التوحد بقدر ما يكمن في سد الفجوة بين المعرفة العلمية والتطبيق العملي، إذ لا تزال حالات كثيرة تُشخّص متأخراً، أو تُساء قراءتها في مراحل مبكرة، أو تُفهم في إطار ضيق لا يعكس طبيعتها الحقيقية.

• الأسباب والعوامل المساهمة. لا يوجد سبب واحد محدد لاضطراب طيف التوحد؛ بل يُعتقد أنه ناتج عن تفاعل معقّد بين عوامل وراثية وبيئية. وتلعب العوامل الوراثية دوراً رئيسياً، إذ تشير الدراسات إلى أن القابلية للإصابة ترتبط بعدد من الجينات، وليس بجين واحد محدد، مع وجود تباين كبير في الأنماط الجينية بين الأفراد.

إلى جانب ذلك، قد يسهم بعض العوامل البيئية في زيادة احتمالية الإصابة، خصوصاً خلال فترات النمو المبكر. وتشمل هذه العوامل ما يتصل بمرحلة الحمل، مثل التعرض لبعض العدوى أو العوامل البيئية الضارة. كما نوقش في بعض الدراسات ارتباط نقص بعض العناصر الغذائية - مثل فيتامين دي - بزيادة الخطر، إلا أن هذه العلاقات لا تزال قيد البحث ولم تُحسم بشكل قاطع.

وعلى المستوى العصبي، تُظهر الأبحاث وجود اختلافات في بنية الدماغ ووظائفه لدى بعض الأشخاص ضمن طيف التوحد، خصوصاً في الشبكات المرتبطة بالتواصل الاجتماعي ومعالجة المعلومات. كما أشارت دراسات إلى تغيرات في بعض النواقل العصبية، مثل السيروتونين، إلا أن طبيعة هذه التغيرات ودورها السببي لا تزال موضع دراسة مستمرة.

• من التوعية إلى الاندماج. على مدى سنوات، ركّزت الجهود العالمية على نشر الوعي بالتوحد، وهو هدف مهم في مراحله الأولى. إلا أن الخطاب الحديث - كما تعكسه توجهات الأمم المتحدة (United Nations) - انتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على ثلاثة مفاهيم رئيسية:

- القبول (Acceptance) بدل الاكتفاء بالتوعية.

- الاندماج (Inclusion) بدل العزل أو التهميش.

- التمكين (Empowerment) بدل الرعاية السلبية.

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن المشكلة لا تكمن في الشخص المصاب بالتوحد ذاته؛ بل في البيئات التي لا تزال غير مهيأة لاحتواء هذا التنوع البشري.

التشخيص والتأهيل

• التشخيص المبكر. تؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن التشخيص والتدخل المبكرين يمثلان نقطة التحول الحاسمة وحجر الأساس في تحسين نتائج الأطفال المصابين بالتوحد؛ إذ تسهم البرامج التدخلية المبكرة في تطوير المهارات وتعزيز القدرة على التكيف والاستقلالية، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات مستمرة، من أبرزها:

- نقص الوعي المجتمعي.

- تأخر الإحالة إلى المختصين.

- تفاوت توافر الخدمات المتخصصة ومحدوديتها في بعض المناطق.

وهذا ما يجعل الاستثمار في برامج الكشف المبكر والتأهيل المهني ضرورة ملحة لتعزيز فرص الأطفال في المستقبل.

• التدخلات المتخصصة المبكرة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في تطوير مهارات الأطفال ذوي التوحد وتحسين جودة حياتهم. وتشمل هذه التدخلات:

- التدخلات السلوكية: تهدف إلى تعليم مهارات جديدة وتقليل السلوكيات غير المرغوبة.

- العلاج اللغوي والتواصلي: يركز على تحسين القدرة على فهم اللغة والتعبير عنها، واستخدام وسائل تواصل بديلة إذا لزم الأمر.

- العلاج المهني (الوظيفي): يساعد الأفراد في تطوير المهارات الحياتية اليومية، مثل العناية بالنفس والمهارات الحركية الدقيقة.

- الدعم الأسري والتربوي: يوفر الإرشاد والدعم للأسر، وتكييف البيئات التعليمية لتلبية احتياجات الأفراد ذوي التوحد.

• دور الأسرة والتعليم. لا يقتصر تأثير التوحد على الطفل وحده؛ بل يمتد إلى الأسرة التي تعيش تجربة معقدة تجمع بين القلق والأمل والتكيف. وتشدد توصيات منظمة «الصحة العالمية» على أهمية: تقديم الإرشاد والتثقيف الأسري، وتوفير الدعم النفسي للأهل، وإشراك الأسرة في خطط التدخل العلاجية.

والأسرة شريك أساسي في عملية التأهيل وتمثل حجر الأساس في استمرارية الرعاية ونجاحها، وليست مجرد متلقٍ للخدمة.

ويُعدّ التعليم أحد أبرز المؤشرات على مدى تقدم المجتمعات في التعامل مع التوحد، وهو أحد أهم محاور إدماج هؤلاء الأطفال في المجتمع. فبدلاً من عزل الأطفال في برامج منفصلة، تدعو السياسات الحديثة إلى دمجهم في البيئات التعليمية المناسبة، مع توفير التعديلات اللازمة.

ولم يعد الهدف مجرد إلحاقهم بالمدارس؛ بل ضمان مشاركتهم الفعلية من خلال: تكييف المناهج التعليمية، وتدريب المعلمين، وتوفير بيئات تعليمية مرنة تدعم التنوع. وهنا يظهر الفرق بين وجود الطالب داخل الفصل، وشعوره الحقيقي بالانتماء والمشاركة.

• تلبية الاحتياجات. رغم التركيز الكبير على الأطفال، تظل احتياجات البالغين من ذوي التوحد أقل حضوراً في السياسات الصحية والاجتماعية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى الحاجة لرؤية ممتدة، وإلى أهمية: دعم فرص العمل، وتعزيز برامج الاستقلالية، وتوفير خدمات طويلة المدى.

إن التوحد ليس مرحلة عابرة؛ بل حالة تستمر مدى الحياة، ما يتطلب نموذج رعاية يمتد عبر المراحل العمرية المختلفة من الطفولة إلى الشيخوخة.

ورغم التقدم العلمي، لا تزال المفاهيم الخاطئة حول التوحد تمثل عائقاً حقيقياً أمام التشخيص المبكر والاندماج الفعلي. وقد تؤدي هذه الوصمة إلى: تأخر طلب المساعدة، وإخفاء الحالة، وعزلة اجتماعية غير مبررة.

ومن هنا، فإن تغيير الثقافة المجتمعية يمثل خطوة لا تقل أهمية عن أي تدخل طبي أو تأهيلي.

• تقنيات الدعم الحديثة. شهدت التكنولوجيا تطورات مستمرة تسهم في دعم الأفراد ذوي التوحد. ويمكن للتطبيقات والأدوات الرقمية أن تساعد في تحسين مهارات التواصل، وتوفير برامج تعليمية مخصصة، وتقديم أدوات مساعدة للأفراد الذين يعانون من صعوبات حسية. كما تلعب التقنيات دوراً في تسهيل التشخيص المبكر وتوفير برامج تدريبية للأسر والمختصين.

تحدي المفاهيم الخاطئة

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن التوحد يرتبط بضعف الذكاء. في الواقع، يمتلك كثير من الأفراد ذوي التوحد مستويات ذكاء طبيعية أو حتى مرتفعة، وقد يتميزون في مجالات معينة مثل الرياضيات، أو الفن، أو الموسيقى، أو الحفظ. وتكمن التحديات الأساسية في التواصل الاجتماعي والتفاعل، وليس بالضرورة في القدرات المعرفية العامة.

كما أن التقبل المجتمعي يعدّ عنصراً حيوياً لضمان حياة كريمة ومنتجة للأفراد ذوي التوحد. ويتطلب ذلك زيادة الوعي المجتمعي بالتوحد، وتحدي الصور النمطية والمفاهيم الخاطئة، وتوفير فرص متكافئة في التعليم والعمل والحياة الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، فإن دور الأسر، والمؤسسات التعليمية، والجمعيات المتخصصة، ووسائل الإعلام، والمجتمع ككل، أساسي في بناء بيئة شاملة وداعمة.

وختاماً، لم يعد التوحد قضية صحية فحسب؛ بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع ترتبط بالتنمية المستدامة، حيث يرتبط بحقوق الإنسان، ويتقاطع مع مفاهيم التعليم الجيد، والعمل اللائق، وتقليل الفوارق الاجتماعية.

إن تمكين الأفراد من ذوي التوحد لا يعود بالنفع عليهم وحدهم؛ بل يسهم في بناء مجتمعات أكثر تنوعاً وابتكاراً وعدالة، من خلال: تعزيز التنوع، ودعم الابتكار، وبناء بيئات أكثر شمولاً وعدالة.

وفي ضوء الشعار العالمي لهذا العام، لم يعد السؤال عما يجب أن يتغير وكيف نتعامل مع التوحد بوصفه اضطراباً قائماً مثلما كان في الأعوام السابقة، بل أصبح الأهم: كيف نعيد بناء مجتمعاتنا لتستوعب الجميع وتحتوي هذا التنوع الإنساني؟

إن التوحد لا ينتقص من قيمة الإنسان؛ بل يكشف عن حاجتنا لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الاختلاف. وبين التقدم العلمي والتحديات الواقعية، تبقى الحقيقة الأهم، وهي:

«لكل إنسان قيمته... ولكن هذه القيمة لا تكتمل إلا حين نعترف بها ونمنحها مكانها العادل في المجتمع».

* استشاري طب المجتمع


تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا

تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا
TT

تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا

تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا

على مدار سنوات طويلة، تلقى الرجال رسائل متضاربة حول جدوى الفحوصات الدورية للكشف عن سرطان البروستاتا. وكانت الأداة الرئيسية لهذا الكشف هي تحليل دم يقيس «المستضد البروستاتي النوعي (PSA) prostate-specific antigen»، وهو مادة كيميائية تُنتجها غدة البروستاتا بصورة طبيعية. ولكن، ومع القفزات النوعية التي تجاوزت مجرد فحص «المستضد البروستاتي النوعي»، باتت لدى الرجال وأطبائهم الآن معلومات إضافية -وأكثر دقة- لتوجيه عمليات التشخيص وبروتوكولات العلاج المحتملة.

رصد السرطان

• دور المستضد البروستاتي النوعي بدأت عمليات الكشف عن سرطان البروستاتا في التسعينات، عندما أصبح اختبار «المستضد البروستاتي النوعي» الأداة الرئيسية «بالاشتراك مع الفحص السريري اليدوي للمستقيم، للتحقق من وجود أي تعرجات أو تضخم في غدة البروستاتا». ومنذ ذلك الحين، ظل تفسير نتائج اختبار «المستضد البروستاتي النوعي» عملية معقَّدة.

تشير قراءة «المستضد البروستاتي النوعي» التي تقل عن 4 نانوغرام لكل ملّيلتر «ng/mL» إلى أنه من غير المرجح إصابة الرجل بالسرطان (رغم أن احتمال وجوده يظل قائماً). أما إذا بلغت النسبة 10 نانوغرام/ميليلتر أو أكثر، فإن الأمر يصبح مثيراً للقلق، بينما تشير قراءات «المستضد البروستاتي النوعي» المرتفعة للغاية إلى وجود سرطان البروستاتا بشكل شبه قطعي.

ومع ذلك، يقع كثير من الرجال في المنطقة الرمادية التي تتراوح فيها مستويات «المستضد البروستاتي النوعي» لديهم بين 4 و9.9 نانوغرام/مليلتر؛ حيث غالباً ما تعود المستويات المرتفعة هنا إلى حالات شائعة مثل تضخم البروستاتا الحميد «BPH» أو التهاب البروستاتا. وحتى إذا كان ارتفاع «المستضد البروستاتي النوعي» المتوسط ناتجاً عن سرطان البروستاتا، فمن المرجح أن يكون المرض من النوع منخفض الدرجة «بطيء النمو وقليل المخاطر من حيث الانتشار»، ومن غير المحتمل أن يؤثر في جودة حياة الرجل أو متوسط عمره المتوقع.

إن ما يثير القلق أكثر من مجرد قراءة واحدة مرتفعة قليلاً، هو الارتفاع السريع في مستويات «المستضد البروستاتي النوعي»، الذي قد يشير إلى وجود سرطان من درجة أعلى يتطلب تدخلاً عاجلاً. وعلى سبيل المثال، إذا كانت قراءة «المستضد البروستاتي النوعي» للمريض تبلغ 3 نانوغرام/ميليلتر «وهي نسبة تُعد آمنة عموماً»، ثم أُعيد الفحص بعد 6 إلى 12 شهراً ولم يطرأ تغيير يُذكَر، فمن المرجح أن تكون التوصية بالمراقبة الدورية المنتظمة. أما إذا قفزت النسبة إلى 3.8 نانوغرام/ميليلتر أو أكثر، فإن ذلك يستدعي تقييماً أعمق وربما إجراء فحوصات إضافية.

• المعايير السابقة. في الماضي، كان ارتفاع مستويات «المستضد البروستاتي النوعي» أو ازديادها السريع -حتى عند المستويات المنخفضة- يضع المريض غالباً أمام خيارين: إما إجراء خزعة البروستاتا «وهي عملية تدخلية لأخذ عينات من أنسجة البروستاتا قد تؤدي إلى آثار جانبية مثل الألم، أو النزيف، أو العدوى، أو حتى علاجات تكميلية غير ضرورية»، وإما الاستمرار في تكرار تحاليل الدم «للمستضد البروستاتي النوعي»، مع أو من دون الفحص السريري اليدوي للمستقيم.

وربما يلجأ الأطباء أيضاً إلى استخدام تعديلين على اختبار «المستضد البروستاتي النوعي» للمساعدة على توجيه هذا القرار الثنائي:

تطورالاختبارات

• التطور المستمر لعمليات الفحص. خضعت فحوصات الكشف عن سرطان البروستاتا لآلية تحول جذري خلال العقد الماضي، حيث باتت الآن عملية متعددة الخطوات. ويقول الدكتور مارك بي. غارنيك، إخصائي الأورام ورئيس تحرير دليل كلية الطب بجامعة هارفارد لأمراض البروستاتا: «لقد ولّت الأيام التي كانت فيها قراءة (المستضد البروستاتي النوعي) المرتفعة عن المعدل الطبيعي تعني اقتياد المريض فوراً لإجراء الخزعة».

إن التطورات في كيفية استخدام اختبار «المستضد البروستاتي النوعي»، وإضافة التقنيات الحديثة، واستحداث طرق فحص جديدة، جعلت تشخيص سرطان البروستاتا أكثر دقة من أي وقت مضى. ويضيف الدكتور غارنيك: «أصبحنا الآن أفضل بكثير في تحديد سرطان البروستاتا منخفض الدرجة الذي يمكن مراقبته، والسرطان الأكثر شراسة الذي يتطلب علاجاً فورياً».

• تطورات في فحص سرطان البروستاتا. أسهمت مجموعة من التطورات العلمية في إحداث ثورة في طرق الكشف عن سرطان البروستاتا، ولعل أبرزها هو استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي «MRI». ففي حال تأكدت إيجابية فحص «المستضد البروستاتي النوعي»، غالباً ما يتبع ذلك إجراء مسح بالرنين المغناطيسي، الذي يمكنه تحديد المناطق المشبوهة داخل غدة البروستاتا التي قد تحتوي على خلايا سرطانية.وبفضل ذلك، يمكن للرجال الذين رُصدت لديهم نتائج «المستضد البروستاتي النوعي» غير طبيعية، ولكن نتائج الرنين المغناطيسي لديهم سلبية، تجنب إجراء الخزعة والاكتفاء بمواصلة مراقبة مستويات «المستضد البروستاتي النوعي» عبر فحوصات المتابعة. أما إذا كانت نتائج الرنين المغناطيسي إيجابية، فعادةً ما تصبح الخزعة ضرورية. وهنا يلعب الرنين المغناطيسي دوراً حيوياً آخر بمساعدة الأطباء في إجراء «خزعة موجهة» تركز بدقة على المناطق التي أظهر المسح وجود أدلة على الإصابة بالسرطان فيها.

ومن التطورات الأخرى لتحديد مدى ضرورة إجراء الخزعة، استخدام فحوصات بول خاصة بالتزامن مع الرنين المغناطيسي، إذ تبحث هذه الفحوصات عن مؤشرات حيوية للسرطان. ويقيس أحد الاختبارات مستويات بروتين «PCA3» الذي تُنتجه خلايا البروستاتا، حيث تزداد نسبته عندما تتحول هذه الخلايا إلى خلايا سرطانية. ويبحث اختبار آخر عن مستويات مرتفعة من مؤشرين حيويين، هما «HOXC6» و«DLX1 mRNA»، اللذان يرتبطان بسرطان البروستاتا الأكثر عرضة للانتشار. في حين تشير المستويات المنخفضة للغاية في البول إلى وجود سرطان أقل شراسة.

إن هذه التطورات لا تعني بالضرورة تبسيط عملية الكشف عن سرطان البروستاتا، لكنها تمنح الرجال وأطباءهم نهجاً تشخيصياً وعلاجياً أكثر دقةً وملاءمةً من أي وقت مضى.

• ما الذي غيّر رأي هذا الطبيب؟ من جهته يقول الدكتور هوارد ليفين، الأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة هارفارد ورئيس التحرير الطبي لمنشورات هارفارد الصحية: «حتى وقت قريب، كنت أختار تجنب إجراء فحص (المستضد البروستاتي النوعي) للكشف عن سرطان البروستاتا». ووفقاً للدكتور ليفين، فإن هذه التطورات غيّرت رأيه، وبات الآن يُجري فحوصات دم دورية لمستوى «المستضد البروستاتي النوعي».* رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»