وزير المالية السعودي: تشكيل اللجنة العليا لحصر قضايا الفساد يدعم بيئة الاستثمار

أكد أنه لا امتيازات أو استثناءات لأي من المستثمرين

وزير المالية السعودي: تشكيل اللجنة العليا لحصر قضايا الفساد يدعم بيئة الاستثمار
TT

وزير المالية السعودي: تشكيل اللجنة العليا لحصر قضايا الفساد يدعم بيئة الاستثمار

وزير المالية السعودي: تشكيل اللجنة العليا لحصر قضايا الفساد يدعم بيئة الاستثمار

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن الأمر الملكي الكريم، القاضي بتشكيل لجنة عليا لحصر قضايا الفساد برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، يأتي في إطار تكريس دولة القانون وفق المعايير الدولية، وتفعيل حقيقي لأنظمة مكافحة الفساد، التي تطبقها حكومة المملكة.
وأوضح الجدعان أن عمل لجنة حصر قضايا الفساد يصب في ضمان حقوق الدولة وحماية المال العام، بما يعزز برامج التنمية الوطنية المستدامة ويكرس للمنهج الإصلاحي، الذي تتبناه حكومة خادم الحرمين الشريفين في اجتثاث الفساد، وترسيخ مبادئ الحوكمة والمحاسبة والعدالة.
وشدد وزير المالية على أن هذه القرارات الحازمة ستحافظ على البيئة الاستثمارية في السعودية، وتعزز مستوى الثقة في تطبيق النظام على الجميع.
وأشار الجدعان إلى أن ما يتم من إجراءات يأتي في سياق قانوني وفق أسس نظامية ترتكز على العدالة والمساواة وحماية حقوق الأفراد والجهات الاعتبارية والمال العام، وهو ما يعزز ثقة المتعاملين في بيئة الأعمال التجارية والاستثمارية بالمملكة، ويحقق التنافس العادل بين المستثمرين، ويُسهم في تطويرها وفق أفضل الممارسات الدولية المتقدمة.
وقال إن «حكومة المملكة بهذه القرارات تدشن عهداً ونهجاً جديداً من الشفافية والوضوح والمحاسبة، والالتزام أمام المواطنين والمجتمع الدولي بمحاربة الفساد وآثاره السيئة على كيان الدولة سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً»، مشيراً إلى أن الدولة ماضية في عدم التسامح أو التغاضي عن أي مخالفات لمعايير الأعمال التجارية المحلية أو العالمية.
وأضاف الجدعان: «لن يكون هناك أي امتيازات أو استثناءات لأي من المستثمرين كائناً من كان، وذلك لتوفير مناخ استثماري عادل وشفاف يقوم على الجدارة والاستحقاق بعيداً عن المحسوبية والمحاباة، نحو توفير بيئة صحية جاذبة للاستثمار تسهم في تعجيل وتيرة التحول الوطني لتحقيق رؤية المملكة 2030»، موضحاً أن هذه الإجراءات تأتي في سياق متكامل مع الإجراءات السابقة من حيث الشفافية والإفصاح وتعزيز العدالة في التعاملات الحكومية.
وفي إطار ذي صلة، فإن الأمر الملكي الكريم القاضي بتشكيل لجنة عليا لحصر قضايا الفساد، من المتوقع أن ينعكس «إيجاباً» على الاقتصاد السعودي، حيث سيسهم هذا القرار التاريخي في تقليل معدلات الهدر على المشاريع، ورفع كفاءة الإنفاق، والحفاظ على المال العام.
كما سيسهم هذا القرار التاريخي في حماية الممتلكات العامة والخاصة، بالإضافة إلى الحد من الكوارث الناتجة عن فساد المشاريع، هذا بالإضافة إلى زيادة معدلات الثقة في الاستثمار داخل المملكة، وتعزيز فرص النمو الاقتصادي.
من جهة أخرى، أنهى مؤشر سوق الأسهم السعودية تعاملاته أمس (الأحد) على اللون «الأخضر»، وسط تزايد ملحوظ في معدلات السيولة النقدية المتداولة، في مؤشر يؤكد قوة وجاذبية سوق الأسهم المحلية.
وفي هذا الشأن، أغلق مؤشر سوق الأسهم على مكاسب بنسبة 0.3 في المائة، عند مستويات 6979 نقطة، أي بارتفاع 22 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها نحو 4.1 مليار ريال (1.09 مليار دولار).
يشار إلى أنه في مؤشر يؤكد إيجابية الإصلاحات الاقتصادية السعودية، حققت المملكة تقدماً غير مسبوق في مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الدولية لعام 2018، وذلك إثر تطبيقها كثيراً من الإصلاحات والإجراءات التي أسهمت في تحسين بيئة الأعمال التجارية والاستثمارية، وعززت من ثقة المستثمرين.
وصنف تقرير حديث صادر عن «مجموعة البنك الدولي» المملكة من بين أفضل 20 بلداً إصلاحياً في العالم، والثانية من بين أفضل البلدان ذات الدخل المرتفع ودول مجموعة العشرين من حيث تنفيذ إصلاحات تحسين مناخ الأعمال.
وجاء تقدم السعودية الإيجابي في مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال 2018 في 6 محاور من أصل 10، وهي: حماية أقلية المستثمرين، وإنفاذ العقود، وبدء النشاط التجاري، والتجارة عبر الحدود، وتسجيل الملكية، وتسوية حالات الإفلاس.
وقد دفعت الإصلاحات القوية التي أجرتها المملكة إلى إحراز التقدم في حماية أقلية المساهمين، حيث حلت في المرتبة العاشرة على مستوى العالم، الأمر الذي يبعث بإشارة قوية إلى المستثمرين المهتمين بالاستثمار في السعودية، كما أنه يعزز من ثقة المستثمرين في السوق المحلية ويسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية.
وشملت الإصلاحات تسهيل إجراءات دفع الضرائب من خلال تحسين نظامها الإلكتروني لرفع الإقرارات الضريبية وتسديد الضرائب، ما أدى إلى تخفيض عدد الساعات اللازمة لدفع الضرائب من 67 إلى 47 ساعة.
كما عملت المملكة أيضاً على زيادة تسهيل التجارة عبر الحدود من خلال تقليل عدد الوثائق المطلوبة للتخليص الجمركي، ما أدى إلى انخفاض الوقت اللازم لتجهيز الوثائق المطلوبة بـ9 أيام بالنسبة للصادرات (من 90 يوماً إلى 81 يوماً) والواردات (من 131 يوماً إلى 122 يوماً).
ومن بين الإصلاحات التي قامت بها المملكة؛ تحسين كفاءة نظام إدارة الأراضي لتبسيط إجراءات تسجيل الملكية، حيث تمتلك نظاماً فعالاً لتسجيل الأراضي، إذ لا تستغرق عملية نقل الملكية سوى يوم ونصف اليوم دون أي تكلفة. وعلى النقيض من ذلك، يستغرق الأمر أكثر من 22 يوماً، ويكلف 4.2 في المائة في المتوسط من قيمة العقار في البلدان ذات الدخل المرتفع التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.
وتعتبر هذه المرة الأولى التي تحقق فيها المملكة إصلاحات في 6 محاور في عام واحد، مقارنة بـ4 إصلاحات فقط في عامي 2009 و2011.
وجاء تقدم السعودية في مؤشر حماية أقلية المساهمين المستثمرين من 63 إلى 10 عالمياً بعد إصلاحات أسهمت في زيادة حقوق المساهمين ودورهم في القرارات المهمة، وتوضيح هياكل الملكية والرقابة، والمطالبة بقدر أكبر بشفافية الشركات وتنظيم عملية الإفصاح عن المعاملات مع الأطراف المعنية، وغير ذلك من الضوابط والاشتراطات.
وارتفع ترتيب السعودية بمؤشر إنفاذ العقود من المرتبة 105 إلى 83 عالمياً، فيما يعود ذلك إلى الوقت والتكلفة اللازمين لتسوية النزاعات التجارية في المحاكم، بالإضافة إلى نوعية الإجراءات القضائية وفاعلية نظام المحاكم.
وفيما يخص مؤشر بدء النشاط التجاري، فقد تقدم ترتيب المملكة من 147 إلى 135، ومن أهم أسباب ذلك التقدم الإيجابي؛ تقليل عدد الإجراءات لبدء النشاط التجاري، وإنشاء منصة «مراس» لتسجيل المنشآت التجارية التي أطلقت أخيراً لتقدم الخدمات الحكومية ذات العلاقة ببدء وممارسة العمل التجاري في مكان واحد، بالإضافة إلى تقليل الإجراءات والمدد الزمنية المطلوبة لتأسيس العمل التجاري.
وحول تسجيل الملكية، فقد تقدم ترتيب السعودية في السنة الأخيرة من 32 إلى 24، فيما يأتي أهم أسباب هذا التقدم الإيجابي في تقليل عدد الإجراءات والأيام الخاصة بتسجيل الملكية العقارية.


مقالات ذات صلة

«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

الاقتصاد أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

أعلن البنك الأهلي السعودي نجاحه في إتمام طرح سندات رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى (AT1) مقوّمة بالدولار الأميركي، بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)

«السعودية للكهرباء» تعزز ملاءتها المالية بـ2.4 مليار دولار عبر صكوك دولية

أتمت «الشركة السعودية للكهرباء» طرح صكوك دولية ذات أولوية وغير مضمونة مقوّمة بالدولار الأميركي، بقيمة إجمالية بلغت 2.4 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد السعودية تعزز ثقلها الدولي في «دافوس 2026» بوفد رفيع يمهد مسارات الازدهار play-circle

السعودية تعزز ثقلها الدولي في «دافوس 2026»

تشارك السعودية بوفد رفيع المستوى في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في مدينة دافوس السويسرية بين 19 و23 من يناير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رسم تخيلي لمشروع «دار غلوبال» مع منظمة ترمب في الدرعية بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط) play-circle 03:04

خاص رئيس «دار غلوبال»: السعودية سوق عقارية جاذبة ومن الأكبر في «العشرين»

قال الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال» العقارية، زياد الشعار، إن السوق السعودية تُعد اليوم من أكبر الأسواق العقارية في دول مجموعة العشرين

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد نساء يمشين أمام متحف قصر المصمك في الرياض (أ.ف.ب)

«فيتش» تثبّت تصنيف السعودية عند «إيه +» مع نظرة «مستقرة»

ثبّتت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية التصنيف الائتماني طويل الأجل للسعودية عند درجة «إيه+»، مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«المراعي» ترفع أرباحها الفصلية 8 % إلى 124 مليون دولار بدعم نمو الإيرادات

جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

«المراعي» ترفع أرباحها الفصلية 8 % إلى 124 مليون دولار بدعم نمو الإيرادات

جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جناح «المراعي» في أحد المعارض المقامة في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

ارتفع صافي ربح شركة «المراعي» السعودية، أكبر شركة لإنتاج وتوزيع الأغذية والمشروبات في الشرق الأوسط، خلال الربع الرابع من عام 2025 بنسبة 8 في المائة ليصل إلى 464.8 مليون ريال (124 مليون دولار)، مقارنة مع 430.7 مليون ريال (115 مليون دولار) في الربع المماثل من عام 2024.

وبحسب بيان الشركة المنشور على موقع سوق الأسهم السعودية (تداول)، الأحد، يُعزى هذا الارتفاع إلى نمو الإيرادات، وضبط التكاليف، وتحسّن مزيج المبيعات.

وأوضحت الشركة أن مساهمة قطاعات التشغيل الرئيسية التي أدت إلى نمو صافي الربح بنسبة 8 في المائة جاءت على النحو التالي:

- قطاع الألبان والعصائر: ارتفع صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، نتيجة زيادة المبيعات في جميع الأسواق، بقيادة السوق المصري، إضافة إلى ضبط التكاليف.

- قطاع المخبوزات: سجَّل ارتفاعاً في صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، مدعوماً بتحسّن مزيج المبيعات.

- قطاع الدواجن: انخفض صافي الربح خلال الربع الحالي مقارنة بالعام السابق، غير أن أثر الانخفاض جرى تخفيفه من خلال زيادة حجم المبيعات المرتبطة بمشروع توسعة قطاع الدواجن وتحقيق وفورات الحجم.

وسجَّلت المبيعات خلال الربع الرابع من عام 2025 نمواً بنسبة 5.8 في المائة لتبلغ 5.4 مليار ريال (1.44 مليار دولار)، مقارنة مع 5.1 مليار ريال (1.36 مليار دولار) في الفترة المماثلة من عام 2024، مدفوعة بالنمو في غالبية الأسواق وجميع قنوات البيع، بقيادة قطاعات الدواجن، والأغذية، والألبان، والمخبوزات، والمياه المعبأة.

وتُعد شركة «المراعي»، التي تعمل في مجال إنتاج وتوزيع الأغذية والمشروبات في الشرق الأوسط، أكبر شركة ألبان متكاملة رأسياً على مستوى العالم.

وعلى أساس فصلي، تراجع صافي الربح بنسبة 24 في المائة مقارنة بالربع الثالث من عام 2025، الذي بلغ فيه 613.2 مليون ريال (163.5 مليون دولار)، وذلك بسبب تنوع مزيج المبيعات والتغير الموسمي في الأنماط الاستهلاكية.

وبلغت ربحية السهم بنهاية العام الماضي 2.48 ريال للسهم، مقارنة مع 2.34 ريال للسهم للفترة المماثلة من عام 2024.

يُذكر أن الشركة كانت قد أعلنت في 5 يناير (كانون الثاني) الحالي عن أثر ارتفاع سعر الديزل اعتباراً من 1 يناير 2026، مشيرةً إلى أن الأثر المباشر للزيادة سيؤدي إلى تكلفة إضافية تُقدَّر بنحو 70 مليون ريال (18.7 مليون دولار) للعام الحالي، إضافة إلى أثر غير مباشر متوقع من أجزاء أخرى في سلاسل الإمداد. وأكدت «المراعي» استمرار تركيزها على كفاءة الأعمال، وتحسين التكاليف، ومبادرات أخرى للتخفيف من أثر هذه الزيادة.


المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)

بينما تحتفل الأجنحة السياسية في واشنطن بالذكرى السنوية الأولى لتنصيب الرئيس دونالد ترمب لولاية ثانية في 20 يناير (كانون الثاني)، يجد الرئيس نفسه في اليوم التالي، أمام اختبار قضائي شديد الأهمية. ففي أروقة المحكمة العليا، تبدأ المرافعات الشفهية في قضية ترمب ضد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، لترسم معالم الصراع بين السلطة التنفيذية واستقلالية القرار النقدي.

لا يبدو اختيار التوقيت محض صدفة؛ فبعد عام كامل من محاولات إعادة صياغة الاقتصاد الأميركي وفق رؤية «ماغا» (Make America Great Again)، يستهل ترمب عامه الثاني بهجوم جبهوي على «الفيدرالي». ويرى مراقبون أن نجاح ترمب في هذه القضية غداة ذكرى تنصيبه سيكون بمثابة «إعلان سيادة» كاملة على مفاصل الدولة كافة، بما في ذلك المؤسسات التي ظلت محصنة لعقود.

كما يأتي هذا التاريخ في توقيت شديد الحساسية، بعد أيام قليلة من إعلان رئيس «الفيدرالي» جيروم باول عن خضوعه لتحقيقات جنائية من وزارة العدل، مما يجعل من قرار المحكمة «حجر زاوية» لمستقبل الجهاز المصرفي بأكمله.

من الاحتفالات إلى المرافعات

بعد تسليط الأضواء على منجزات العام الأول في الـ20 من الشهر الحالي، تنتقل العدسة إلى المحكمة العليا؛ حيث يحاول الفريق القانوني للرئيس إقناع القضاة بأن حصانة أعضاء الفيدرالي (مثل ليزا كوك) تعيق قدرة الرئيس على تنفيذ تفويضه الشعبي. وفي المقابل، تقف كوك مدعومة بقرارات المحاكم الأدنى التي رفضت إقالتها، لتؤكد أن البنك المركزي ليس «إدارة تابعة»، بل مؤسسة تقنية يجب أن تبقى بعيدة عن تقلبات السياسة.

يشير القانونيون إلى أن تدخل القضاء في تفاصيل السياسة الاقتصادية بهذا الحجم لم يُشهد منذ حقبة «الاتفاق الجديد» للرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينات. وتعد قضية «كوك» النزاع الاقتصادي الثاني الذي يصل للمحكمة العليا بعد الطعن في قانونية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب.

ويحذر خبراء الاقتصاد من أن تحويل «الاحتياطي الفيدرالي» إلى هيئة تابعة سياسياً قد يؤدي إلى عواقب كارثية على استقرار العملة الخضراء. وفي هذا السياق، يرى جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا ببركلي، أن السيطرة السياسية على عرض النقود وأسعار الفائدة تؤدي حتماً إلى تضخم جامح، وهو درس أكدته تجارب دولية مريرة.

رغم أن المحكمة العليا تتمتع بأغلبية محافظة (6 إلى 3)، فإن القضاة أبدوا في مداولات أولية شكوكاً تجاه توسيع صلاحيات الرئيس في المجال الاقتصادي البحت. وتترقب الأسواق العالمية ما سيسفر عنه هذا النزاع، حيث من المتوقع صدور الأحكام النهائية بشأن قضيتي التعريفات الجمركية وإقالة ليزا كوك بحلول نهاية يونيو (حزيران) 2026.


صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
TT

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

في عام 2019، اجتاحت تركيا موجة من عدم الاستقرار الاقتصادي بعدما قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شيتينكايا لرفضه الانصياع لأوامره لخفض الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة وتصاعد التضخم. اليوم، يبدو أن هذا المشهد «غير التقليدي» ينتقل إلى واشنطن، لكن بحدة أكبر، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». فالمعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي وسمعة المؤسسات الأميركية التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد كسر باول التقاليد الصارمة لمنصبه هذا الأسبوع، حينما ظهر في مقطع فيديو مباشر ليفضح ما وصفه بـ«المناورة» القضائية ضده. وتتمحور القضية حول تحقيق تجريه وزارة العدل في مشروع ترميم مقر البنك الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار دولار.

لكن خلف كواليس الأرقام، يبدو أن الهدف الحقيقي ليس مراقبة الميزانية؛ فقد صرح باول بوضوح أن هذا التحقيق ما هو إلا «ذريعة» ووسيلة ضغط لابتزازه سياسياً لإجبار البنك على خفض معدلات الفائدة إلى مستويات تقترب من 1 في المائة. ويرى ترمب أن هذا الخفض هو «الوقود» اللازم لإنعاش الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات، متجاهلاً استقلالية القرار النقدي.

هذا الصدام العلني أثار قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث يرى خبراء، مثل غيتا غوبيناث من جامعة هارفارد، أننا نعيش «لحظة تاريخية» قد تترك آثاراً باقية في هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام المالي العالمي.

أعمال البناء في مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الانقسام داخل المعسكر الجمهوري

لم يمر تصعيد وزارة العدل دون «نيران صديقة»؛ فحتى حلفاء ترمب الأكثر إخلاصاً أبدوا قلقاً من تكتيكات المدعية العامة جينين بيرو. لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، ألمح إلى أن وزارة العدل ربما «تسرعت في إطلاق الزناد» ضد باول.

وفي كابيتول هيل، بدأت أصوات جمهورية وازنة، يقودها السيناتور ثوم تيليس، بالتمرد علناً، مهددين بعرقلة أي مرشح جديد يخلف باول ما لم تتوقف هذه الملاحقات. هذا الانقسام يضع ترمب في مأزق؛ فبدلاً من «تطهير» البنك من خصومه، قد ينتهي به الأمر بمواجهة تمرد داخل حزبه يعيق قدرته على تعيين خلف «موالٍ» بالكامل.

معركة ليزا كوك

بينما يتوجه ترمب إلى دافوس للدفاع عن أفكاره الاقتصادية أمام النخبة العالمية، تراقب الأوساط القانونية بترقب المحكمة العليا. القضية تتعلق بمحاولة ترمب إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك بتهم تتعلق باحتيال عقاري مزعوم. وهو ما نفته كوك جملة وتفصيلاً.

ووفقاً للمسؤول السابق في «الاحتياطي الفيدرالي» فريد ميسكين، فإن قرار المحكمة سيكون «نقطة تحول تاريخية»؛ فإذا أقر القضاة حق الرئيس في إقالة أعضاء البنك المركزي لأسباب سياسية، فإن ذلك سيمنح ترمب السلطة المطلقة لاستبدال مجلس المحافظين بأكمله وإحلال «أتباع» يأتمرون بأمره، مما يحول «الفيدرالي» من حارس للعملة إلى مجرد فرع تابع للبيت الأبيض.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لدى دخوله مقر البنك المركزي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تراقب بصمت

حتى الآن، تبدو أسواق الأسهم والسندات في «وول ستريت» هادئة، مراهنةً على قدرة «الفيدرالي» على الصمود. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة تحركات «تحوطية» بدأت تظهر؛ فمؤسسات مالية كبرى مثل «بيمكو» بدأت بتنويع أصولها بعيداً عن الدولار، استشعاراً لمخاطر «التسييس الزاحف» للسياسة النقدية.

ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون، أن دولاً وشركات بدأت بالفعل في «التأمين الذاتي» ضد تقلبات السياسة الأميركية، ليس عبر الهروب الجماعي، بل بوضع خطط بديلة لا تعتمد كلياً على العملة الخضراء.

هذا التوجه لا يعني انهيار الدولار غداً، بل يعني تآكلاً تدريجياً في الثقة بالولايات المتحدة كـ«ملاذ آمن». وكما يقول كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي: «كانت أميركا تقود العالم بالقدوة في بناء المؤسسات، والآن يبدو أنها اختارت تقديم مثال مختلف تماماً».

الضرر الذي لا يمكن إصلاحه

الخطر الحقيقي لهذه المواجهة يتجاوز شخص باول؛ فهو يتعلق بـ«التسييس الزاحف» الذي قد يستمر لعقود. لايل برينارد، المسؤولة السابقة في «الاحتياطي الفيدرالي»، تحذر من «الأثر الخفي»؛ حيث سيصبح مسؤولو السياسة النقدية في المستقبل يرتعدون خوفاً من الملاحقات الجنائية إذا اتخذوا قرارات لا تعجب الرئيس. في هذا السيناريو، لن تصبح الفائدة أداة لمحاربة التضخم، بل لخدمة الدورات الانتخابية، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي برمته على «فوهة بركان» من عدم اليقين.