«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

المنظمة أثبتت قدرتها على مواجهة كل التحديات من «الأخوات السبع»... إلى النفط الصخري

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
TT

«أوبك» في عيدها الـ57: من فكرة بالقاهرة إلى عملاق في فيينا

مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)
مقر أوبك الرئيسي في فيينا (رويترز)

احتفلت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) يوم السبت 14 سبتمبر (أيلول) بعيد ميلادها السابع والخمسين. وأصدرت المنظمة بياناً بهذه المناسبة قال فيه الأمين العام الحالي النيجيري محمد سنوسي باركيندو إن هذا اليوم يذكرنا بجهود كل أولئك الذين عملوا بجهد من أجل المنظمة.
ولا يقف الأمر عند تذكر الأشخاص بل كذلك الأحداث. فلقد واجهت أوبك خلال الأعوام السبعة والخمسين التي شهدتها الكثير من التحديات، بدءاً بسلطة «الأخوات السبع» على سوق النفط، وانتهاء بالمواجهة بين دولها وشركات النفط الصخري في الولايات المتحدة.
ومنذ اليوم الأول للمنظمة، كان الدفاع عن أسعار النفط هو أساس التعاون بين كل دولها. ومنذ ولادتها وأوبك تواجه المنتجين الآخرين في السوق، الذين ساهموا بشكل أو بأخر في عدم استقراره أو عدم استقرار الأسعار عند مستويات عادلة.

كيف نشأت أوبك؟
رغم أن التاريخ الرسمي لإنشاء المنظمة هو 14 سبتمبر 1960، فإن فكرة إنشائها تعود إلى أبعد من ذلك، وتحديداً إلى منتصف الأربعينات الميلادية عندما بدأت منطقة الشرق الأوسط في التوسع في إنتاج النفط عقب الحرب العالمية الثانية. فقبل الحرب العالمية الثانية كانت فنزويلا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ومع بدء تدفق نفط السعودية والعراق وإيران والكويت وغيرها في المنطقة إلى الولايات المتحدة، تقلصت واردات أميركا من النفط الفنزويلي وأصبحت المنافسة على الأسعار بينهما عالية.
ويقول بيير ترزيان في كتابه «أوبك: القصة الداخلية» إن وزير النفط الفنزويلي خوان بابلو بيريز ألفونزو فكر في عام 1946 أو 1947 في عقد اتفاق مع منتجي الشرق الأوسط بحيث يضمن استقرار أسعار النفط لدولته. وأرسلت فنزويلا في نهاية الأربعينات وفداً من ثلاثة أشخاص إلى المنطقة للتباحث على إمكانية إيجاد طريقة لدعم المداخيل النفطية للدول من دون اللجوء إلى تخفيض الإنتاج.. وعرضت فنزويلا على الدول فكرة زيادة الضريبة على الشركات الأجنبية المنتجة للنفط.
وفي الخمسينات والستينات، زادت سطوة الشركات الدولية على سوق النفط وأصبح تسعيره في قبضة سبع شركات عرفت باسم «الأخوات السبع» وهي إكسون وموبيل وغلف وتكساكو وشيفرون وبي بي ورويال دتش شل. وكان من الصعب بيع النفط وتكريره خارج منظومة تكرير هذه الشركات. ونظراً لظروف السوق والاقتصاد العالمي فلقد قامت الشركات بتخفيض أسعار النفط من دون الرجوع إلى الدول التي تعمل فيها.. وعندما فكرت الشركات في تخفيض أسعار النفط مرة أخرى ثارت هذه الدول، وبدأت التحركات الفعلية في البحث عن طريقة لمواجهتها.
ولحسن الحظ كان وزير النفط السعودي في تلك الفترة عبد الله الطريقي يفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها وزير النفط الفنزويلي بيريز ألفونزو. واقتنصت فنزويلا فرصة تجمع وزراء النفط العرب في القاهرة في أبريل (نيسان) عام 1959 لتبعث وزيرها الذي التقى بالطريقي هناك عن طريق الصحافية الأميركية واندا يابلونسكي، التي عرفتهما على بعضهما البعض كما ذكر الطريقي ذلك لاحقاً.وفي اجتماع سري في المعادي، التقى رؤساء وفود السعودية وفنزويلا والكويت وإيران والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، مع موفد الجامعة العربية محمد سلمان، وخرجوا باتفاق سموه «معاهدة المعادي» وكانت تلك المعاهدة نواة اتفاق تأسيس أوبك التي تم توقيعها بعد عام ونصف في بغداد. وشاء القدر أن لا تنضم الجمهورية العربية المتحدة ولا قطر التي حضر موفدها إلى اجتماع بغداد إلى اتفاق التأسيس. كما امتنعت المكسيك عن المشاركة رغم جهود فنزويلا. وتم تأسيس أوبك على يد خمسة أعضاء مؤسسين هم السعودية والكويت والعراق وإيران وفنزويلا.
الستينات
اختارت أوبك جنيف كمقر للمنظمة، إلا أن عدم إعطاء السلطات السويسرية «أوبك» صفة المنظمة الدبلوماسية أدى إلى نقلها في عام 1965 إلى فيينا، التي أعطتها صفة دبلوماسية كاملة. وبعدما تم تأسيس المنظمة لم تكن هناك الكثير من الأحداث الكبيرة، وظلت أوبك تواصل مساعيها للتحكم في ثروتها النفطية والتأثير على الشركات الدولية طيلة الستينات.
ولم تكن الشركات النفطية مهتمة بصورة كبيرة بقيام أوبك في تلك الفترة، خصوصاً بعد خروج الطريقي من الوزارة، إذ أنه كان من أشد الأعداء للشركات النفطية. ومع تولي الشيخ أحمد زكي يماني المنصب في عام 1962، اتخذت أوبك سياسة هادئة تقوم على الحوار الهادئ مع الشركات. إلا أن حركات الاستقلال وتأميم النفط مع نهاية العقد السادس أصابت الشركات بالهلع. وفي هذا العقد بدأت أوبك تأخذ مكانها كأكبر تجمع نفطي حيث ارتفع إنتاج المنظمة من 13.9 مليون برميل يومياً في عام 1965 إلى 30.5 مليون برميل يومياً في 1969 بحسب تقديرات تقرير بريتيش بتروليم الإحصائي السنوي.
السبعينات
كانت السبعينات من القرن الماضي أكثر القرون جنوناً في تاريخ أوبك. إذ أممت ليبيا قطاعها النفطي مما أدى إلى انهيار منظومة الامتيازات النفطية، وبدأت الدول واحدة تلو الأخرى تأمم شركاتها النفطية. وشهد هذا العقد حدثين أثرا في تاريخ أسعار النفط، وهما المقاطعة النفطية في 1973 والثورة الإيرانية في عام 1979، وبفضل هذه الأحداث وصلت أسعار النفط إلى قرابة 32 دولارا في 1979 وهو ما يعادل 104 دولارات بأسعار عام 2016 حسب تقديرات بريتيش بتروليم. وأدت هذه الأسعار العالية إلى بدء الدول المستهلكة في البحث عن مصادر بديلة وهو ما استمر حتى اليوم. وبدأت الدول خارج أوبك في زيادة إنتاجها تدريجياً مع بقاء الأسعار عالية. وتطورت المنظمة في ذلك العقد وبلغ عدد أعضائها 13 عضواً، وعقد أوبك أول اجتماع لها على مستوى رؤساء الدول في الجزائر في عام 1975. وشهد عام 1975 حدثاً آخر، وهو اختطاف 11 وزيراً من أوبك على يد الإرهابي الفنزويلي كارلوس الثعلب. وبسبب هذه الحادثة ظلت اجتماعات أوبك تعقد في جنيف لسنوات طويلة جداً حتى عادت في الثمانينات إلى فيينا.
الثمانينات
لقد كانت الثمانينات عنوان لإخفاق أوبك في إدارة السوق النفطية. لقد شربت أوبك حتى الثمالة بفضل أسعار النفط العالية غير مبالية بما قد يحدث في المدى البعيد بسبب ذلك. ولكن وزير النفط السعودي الشيخ يماني كان ضد ارتفاع الأسعار، إلا أنه لم يستطع التغلب على رغبة باقي الوزراء بإبقائها عالية. وبقيت الأسعار عند مستويات الثلاثينات منذ 1979 حتى عام 1982، وبسبب هذا الزيادة قام الكثير من المنتجين في بحر الشمال ومصر والمكسيك وماليزيا وغيرها بزيادة إنتاجهم وغرقت السوق بالنفط نتيجة لذلك، مما اضطر أوبك إلى عقد اجتماع في لندن في مارس (آذار) عام 1983 تبنت فيه للمرة الأولى نظام الإنتاج عن طريق الحصص، مع بقاء السعودية المنتج المرجح الذي يخفض أكثر من الباقين.
وكانت هذه السياسة أكبر تحول في المنظمة حتى ذلك الوقت، لكن بسبب ضعف الالتزام بالحصص والغش، هبطت الأسعار. وتخلت السعودية عن نظام الحصص قبل الجميع، وعادت للإنتاج بكامل قوتها.. ونشأت حرب أسعار بين الدول على الحصص أدت إلى هبوط أسعار النفط أكثر حتى وصلت إلى 14 دولارا في عام 1986.
وعادت أوبك مجدداً إلى الاتفاق، ولكن متوسط الأسعار ظل منخفض تحت 20 دولار في الغالب حتى عام 2000، وشهدت الثمانينات الحرب العراقية الإيرانية وهي أول حرب بين دولتين عضوتين في أوبك.
التسعينات
في التسعينات شهدت السوق النفطية تطورات كثيرة مع ظهور العولمة وقضايا التغير المناخي ومع الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي أثرت بشكل كبير على الطلب على النفط بنهاية العقد. وشهد مطلع العقد حرباً جديدة في الخليج بعد اعتداء العراق على الكويت، ساهمت في رفع متوسط أسعار النفط لمدى عامين تقريباً فوق مستوى 20 دولارا.
وشهدت التسعينات أخطاء كثيرة لأوبك، حيث كانت هناك مواجهة بين السعودية وفنزويلا بعد إعلان الأخيرة عدم التزامها باتفاقيات أوبك ورغبتها في زيادة إنتاجها بصورة فردية.
وفي عام 1997 أخطأ وزراء أوبك خطأ كبيراً في اجتماع جاكرتا، حيث اجتمعوا قبيل الأزمة الآسيوية بفترة وجيزة وقرروا زيادة إنتاجهم.
ولكن التسعينات كانت كذلك فترة غير مسبوقة من ناحية التقارب بين المنتجين والمستهلكين وبين أوبك وخارج أوبك. حيث بدأ أول حوار للمنتجين والمستهلكين في عام 1990، أعقبه حوارات كثيرة أدت إلى إنشاء منتدى الطاقة الدولي. وبفضل هبوط أسعار النفط تواصلت أوبك مع النرويج والمكسيك وروسيا وغيرها من أجل إنقاذ الأسعار. وأدى هذا التقارب إلى عقد أول اتفاق بين المنتجين في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية.

العقد الأول من الألفية الثانية
في هذا العقد ظهرت الصين كمستهلك كبير للنفط، وهو ما ساهم في تحسن الطلب العالمي وبقاء الأسعار عالية. وفي هذا العقد استفحلت المضاربات المالية في أميركا وانهارت أسواق المال هناك في نهاية العقد، وهو ما أدى إلى ركود اقتصادي عالمي. وبسبب المضاربات وصلت أسعار النفط إلى مستوى تاريخي في يوليو (تموز) 2008 عند 147 دولارا للبرميل. وشهد هذا العقد أحد أهم الاتفاقات التي عقدتها أوبك وهو اتفاق وهران في الجزائر، عندما قررت المنظمة في أواخر 2008 أن تخفض إنتاجها بواقع 4.2 مليون برميل يومياً من أجل وقف التدهور في الأسعار التي انخفضت في عام واحد من 147 دولارا إلى مستويات الثلاثين دولاراً. وواجهت أوبك تحديات على مستوى اتفاقيات المناخ، وكذلك على مستوى تهدئة الأسواق عقب غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003، وانتشرت نظرية تقول بأن إنتاج النفط سيصل إلى الذروة تبنتها الحكومات الغربية وأدت إلى مخاوف حيال مستقبل الطاقة وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار أيضاً.
العقد الثاني من الألفية
في أواخر عام 2010 انطلق ما يعرف بـ«ثورات الربيع العربي»، وأدى هذا إلى انقطاع النفط من دول كثيرة أبرزها ليبيا. وبسبب الاضطرابات الجيوسياسية ومخاوف نقص الإمدادات وصلت أسعار النفط إلى 100 دولار مجدداً واستقرت عند هذا المستوى بين 2011 و2014.
ولكن التاريخ يعيد نفسه، وبسبب الأسعار العالية استفحل الإنتاج من خارج أوبك وبخاصة من مناطق النفط الصخري في الولايات المتحدة وانهارت الأسعار منذ منتصف 2014. وما زالت الأسواق تعاني حتى اليوم بسبب هذا الوضع. واتخذت أوبك سياستين هامتين في هذا العقد، الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وهي سياسة الحصة السوقية التي واجهت رفضاً شديداً، ومن ثم غيرتها في الجزائر في سبتمبر 2016 إلى سياستها الثانية وهي تخفيض الإنتاج، والتي ما زالت معمولا بها حتى اليوم.
وأمام أوبك تحديات كبرى بعد ظهور السيارات الكهربائية وتهديدها لمستقبل الطلب على الوقود وإعلان الحكومات المختلفة وقف إنتاج السيارات العادية في 2040، وسينتظر التاريخ ماذا ستفعل أوبك لمواجهة تحديات العقد الثاني التي قد تؤثر على النفط لسنوات طويلة جداً.


مقالات ذات صلة

النفط يكسر حاجز الـ100 دولار ويهوي بنسبة 5% وسط آمال التهدئة

الاقتصاد مضخة حفر ومنصة حفر جنوب ميدلاند، تكساس (رويترز)

النفط يكسر حاجز الـ100 دولار ويهوي بنسبة 5% وسط آمال التهدئة

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 5 في المائة يوم الأربعاء وسط توقعات بوقف إطلاق نار محتمل يُخفف من اضطرابات الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد «سيراويك 2026»: حرب الشرق الأوسط تُربك «دافوس الطاقة» في هيوستن

«سيراويك 2026»: حرب الشرق الأوسط تُربك «دافوس الطاقة» في هيوستن

تنطلق في مدينة هيوستن الأميركية، يوم الاثنين، فعاليات مؤتمر «سيراويك»، أكبر تجمع عالمي لقطاع الطاقة، وسط أجواء استثنائية طغت عليها أصداء الحرب.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يلقي كلمة خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 (أرشيفية - رويترز)

واشنطن تضغط على عمالقة النفط لزيادة الإنتاج المحلي وكسر حصار «هرمز»

ناقش وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم، يوم الأحد، مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة، مجموعة واسعة من القضايا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد ناقلات نفط في مضيق سنغافورة (رويترز)

النفط يتراجع بعد اتفاق السلطات العراقية والكردية على اتفاقية تصدير

تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء بعد أن توصلت الحكومة العراقية والسلطات الكردية إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط عبر ميناء جيهان.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو في محطة نفطية بمدينة يوكوهاما (أ.ف.ب)

النفط يعاود ارتفاعه مع تزايد المخاوف بشأن مضيق هرمز

استأنفت أسعار النفط ارتفاعها، يوم الثلاثاء، في ظل رفض عدة دول لمطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالمساعدة في تأمين مضيق هرمز الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.