هل سبق أن تخيّلت نفسك في عمر متقدّم، وكيف ستكون بعد 25 أو 50 سنة؟ فكرة قد لا تراود كثيرين، لكنها شكّلت مدخلاً لمواجهة بين زمنين مختلفين لشخص واحد، اسمه وعد. وقد وضعها الكاتب ديمتري ملكي، بالتعاون مع المخرج شادي الهبر، في إطار عمل مسرحي بعنوان «وعد ووعد»، عُرض مؤخراً بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مسرح «شغل بيت». والعمل من بطولة إبراهيم الحسيني، وعلي بيضون.
سهّلت بعض التطبيقات الإلكترونية استيعاب فكرة مماثلة، من خلال تقنيات متطوّرة تُظهر الشخص في عمر متقدّم. ومن باب الفضول، استخدم كثيرون تطبيقات من هذا النوع، ورسموا صورة افتراضية لأنفسهم في زمن الشيخوخة. كذلك تطرّقت برامج تلفزيونية إلى الموضوع نفسه، أبرزها «حكايتي مع الزمان»، الذي قدّمته الإعلامية منى أبو حمزة عبر إحدى الشاشات العربية. وكانت فكرته ترتكز على استضافة ضيفين لخوض التجربة، بمساعدة فريق عالمي متخصّص في المكياج، يتولّى تحويل ملامحهما ليبدوا أكبر سنّاً بنحو 25 أو 50 عاماً. وتتمحور الأسئلة حول همومهما المستقبلية ومدى تقبّلهما فكرة التقدّم في العمر.
لكن المخرج شادي الهبر قرّر وضع زمن الشباب وزمن الشيخوخة تحت مجهر المسرح. ومن خلال حوار شيّق يتناول أحلام الشباب وخيبات الأمل والحبّ لدى شخص واحد في عمرين مختلفين، يولّد العمل حالة من العبثية، ويضع المشاهد أمام مواجهة بين الإنسان وصورته المستقبلية، حيث تتقاطع الأحلام مع الخيبات، وتُطرح أسئلة عن الذات وما يبدّله الزمن فيها.
تبدأ الحكاية على مقعد خشبي في حديقة عامة، حيث يجلس رجل في الثمانين من عمره غارقاً في قراءة كتاب. وفجأة، يظهر شاب في مقتبل العمر يجلس إلى جانبه، لتبدأ بينهما محادثة حول الكتاب، الذي يتبيّن أنه كتاب الحياة بما تحمله من دروس نتعلّمها مع مرور الزمن.

يحمل الرجلان الاسم نفسه: وعد. لكنّ أحدهما في العشرينات من عمره، والآخر في الثمانين. ومن خلال هذا اللقاء الافتراضي، يخوضان حواراً تتقاطع فيه تجارب الماضي وتطلّعات المستقبل، ويتوقّفان عند الأخطاء التي ارتكباها، والذكريات الحلوة والمرّة التي رافقتهما، والأحلام التي خنقتها التقاليد والقيود المفروضة عليهما. ورغم الفارق العمري بينهما، يعترف كلّ منهما بأنه لم يتمكّن يوماً من فهم كتاب الحياة واستيعاب دروسه. أما النصيحة الأبرز التي يوجّهها الرجل المسنّ إلى الشاب، فهي أن يستمتع بكلّ لحظة من هذه الرحلة. فعندما يتقاعد الإنسان ويبتعد عن العمل، يجد نفسه أمام فسحة يستعيد فيها شريط حياته، فيحاسب نفسه على بعض ما فعل، ويبتسم لأخطاء ارتكبها. فالماضي لا يمكن تغييره، وما مضى لا يعود، مهما تمنّينا استعادته.
ويؤدّي إبراهيم الحسيني وعلي بيضون دوري شخصيتَي وعد في مرحلتَي الشباب والشيخوخة، فينجحان بأسلوب يثير فضول المُشاهد ويضعه أمام تساؤلات عدّة. وبتوجيهات الهبر، يتنقّل الممثّلان بين مواقف العمل وحواراته بإيقاع يحافظ على حيويته، رغم اقتصار الخشبة عليهما. أما الفكرة الافتراضية التي انطلق منها الهبر والكاتب ديمتري ملكي، فتدفع الحضور إلى التفاعل مع العمل وإسقاط مواقفه على تجاربهم الشخصية. فملاحظات الشاب واندفاعه، في مقابل خبرة الرجل المسنّ ونظرته إلى الحياة، تفتحان الباب أمام مراجعة الذات وإعادة النظر في خيارات اتّخذناها أو أحلام تخلّينا عنها. فالعمر يمضي سريعاً، واللحظة التي نعيشها لا تتكرّر بالصورة نفسها. وإذا كان الشباب يرتبط بالفتوّة والحماسة والغضب والتمرّد على الواقع، فإن التقدّم في العمر يمنح الإنسان مساحة أوسع للتروّي والنضج واستخلاص العبر. وبين هاتين المرحلتين، يجد المشاهد نفسه معنيّاً بما يجري أمامه، كأنّه ينظر إلى صورتين مختلفتين منه في مرآة واحدة.

ويبرز التناقض بين أفكار الشخصيتين ومواقفهما، فالشباب حماسة واندفاع، فيما التقدّم في العمر يحضّ على التروّي والتأمّل. ولا يغفل ملكي والهبر عن استحضار أفكار مألوفة تراودنا في مراحل مختلفة من حياتنا؛ فنحن نصرّ أحياناً على أننا لن نكبر، فيما نتوق في سنّ المراهقة إلى بلوغ سنّ الرشد سريعاً، ونعدّ الأيام والساعات حتى نتحرّر من قيود أهلنا. لكنّ الإجابة التي يقدّمها العمل تختصرها عبارة «يا ريت»، بما تحمله من حنين. فيا ليتنا نعود إلى زمن أهلنا، عندما كانت فرص الإفلات من رقابتهم محدودة، ويا ليتنا نستعيد أيام اللعب والرسم على الجدران، عندما كانت متعتنا في تفاصيل بسيطة لا نعرف قيمتها إلا بعدما تصبح جزءاً من الماضي.
وتضفي الصور العبثية والمَشاهد المنبثقة من الخيال على العمل مزيجاً من الألم والأمل، وتُذكّرنا بأنّ أحلامنا وتطلّعاتنا وقصصنا العاطفية لا يمكن استعادتها كما كانت، مهما حاولنا العودة إليها. فالزمن يمضي ولا يعود، واللحظات التي نعيشها لا تتكرّر، وهو ما تختصره المقولة الشائعة «العمر غفلة».
ينجح الهبر في استدراج المشاهد إلى هذا العالم الافتراضي، من خلال إيقاع مسرحي يتجدّد بالأداء التمثيلي. ويمزج الواقع بالخيال في تنقّل يشبه تعاقب الليل والنهار، من دون الوقوع في فخّ الخطابة المباشرة. كما يمرّر العمل رسائل تدعو إلى التأمّل في علاقتنا بالزمن، وفي ما نريده من الحياة قبل أن يصبح الماضي مجرّد صفحات في كتاب الذكريات.
وتأتي ساعة الرحيل في ختام العمل لتؤكّد أننا لا نتحكّم بالوقت، بل هو الذي يتحكّم بنا. لذا، من الأجدى أن نسير مع الحياة ونتقبّل تقلّباتها، بدلاً من مصارعتها ومحاولة إخضاعها لإرادتنا.


