أعاد كشف أثري فريد من نوعه بدلتا مصر تسليط الضوء على عواصم تاريخية قديمة، بعد أن كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، خلال أعمال حفائر الإنقاذ بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، أحدهما للملك رمسيس الثاني، ويُرجح أن الآخر للملك نفسه، وكذلك كتلة جرانيت عليها نقوش بالخط الهيروغليفي تتضمن عدداً من الألقاب الملكية لرمسيس الثاني.
وجاء هذا الكشف عقب عثور مواطنين بقرية بهبيت الحجارة، على كتلة حجرية تحمل نقوشاً، وذلك أثناء عمله بقطعة أرض يمتلكها، فبادر بإبلاغ التفتيش الأثري المختص، الذي انتقل على الفور إلى الموقع وأجرى معاينة أشارت إلى أثرية الكتلة المكتشفة. وأسفرت الأعمال عن الكشف عن بقايا التمثالين والكتلة الجرانيتية.
وتضم محافظات دلتا مصر العديد من المواقع الأثرية بعضها كانت لعواصم أسرات مصرية قديمة من بينها تل بسطة بمحافظة الشرقية وكانت عاصمة البلاد في عهد الأسرة الثانية والعشرين، وصا الحجر بمحافظة الغربية وكانت عاصمة البلاد في عصر الأسرة السادسة والعشرين. بينما تضم محافظة القليوبية موقع «تل اليهودية» الذي يعود تاريخه لزمن الهكسوس.

الكشف الجديد عدّه وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي إضافة مهمة للاكتشافات الأثرية التي تشهدها مصر، ويسهم في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ منطقة بهبيت الحجارة وأهميتها الأثرية والحضارية.
وأشار، في بيان للوزارة، إلى «الحرص على مواصلة أعمال البحث والتنقيب الأثري بمختلف المواقع على مستوى الجمهورية، بالتوازي مع جهود حماية التراث الأثري والحفاظ عليه»، وثمّن الوزير وعي المواطن الذي بادر بالإبلاغ عن الكتلة الحجرية فور العثور عليها، مؤكداً أن ذلك يعكس أهمية دور المجتمع في حماية التراث الحضاري المصري.
وقال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن الكشف الأول يتمثل في رأس ضخم لتمثال الملك رمسيس الثاني، يبلغ ارتفاعه نحو 1.60 متر، ويظهر الملك مرتدياً التاج المزدوج، الذي يرمز إلى توحيد مصر العليا والسفلى.
أما الكشف الثاني، فيتمثل في الجزء الأكبر من تمثال ملكي يبلغ طوله نحو مترين ونصف المتر، يُرجح أنه أيضاً للملك رمسيس الثاني، ويفتقد ساقيه وقاعدته، ويظهر الملك مرتدياً غطاء الرأس الملكي المعروف باسم «النمس».
أما الكتلة المكتشفة وعليها نقوش قديمة، فهي مصنوعة من الجرانيت الوردي، ويبلغ طولها نحو 1.30 متر، وتقع على مسافة متر واحد تقريباً إلى الشمال من التمثال الثاني، وتحمل بقايا نقوش هيروغليفية تتضمن لقبين للملك رمسيس الثاني.
وتعدّ منطقة بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية من المواقع الأثرية المهمة في دلتا مصر، وتشتهر ببقايا معبد ضخم مكرس لعبادة الإله «إيزيس»، فضلاً عما تضمه من كتل وعناصر معمارية من الجرانيت، تعكس الأهمية الدينية والمعمارية التي حظيت بها المنطقة في مصر القديمة. وتضم محافظة الغربية أيضاً موقعاً مهماً كان عاصمة لإحدى الأسرات القديمة في منطقة صا الحجر.
ويرى عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، أن اكتشاف تمثالين ضخمين للملك رمسيس الثاني يذكرنا بأن مصر لا تزال تخبئ تحت ترابها صفحات لم تُقرأ بعد من تاريخها العظيم. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «اللافت في هذا الحدث أن مواطناً مصرياً عثر على الموقع الأثري بالصدفة وقام بإبلاغ الجهات المختصة، في واقعة تؤكد أن حماية التراث مسؤولية مشتركة، وأن وعي المواطن قد يكون بداية لاكتشاف يضيف الكثير إلى معرفتنا بالماضي».
وأكد أن «لهذه الاكتشافات أهمية خاصة في دلتا النيل التي ما زالت تبوح بأسرارها، تلك المنطقة التي شهدت قيام مدن ومراكز دينية وسياسية كبرى في العصور القديمة، ثم تغيرت معالمها بفعل تحولات مجاري النهر وتراكم الرواسب والتوسع العمراني».
وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن ظهور آثار في منطقة بهبيت الحجارة يعد بداية لمرحلة جديدة في هذه المنطقة الأثرية المهمة، لاكتشاف مزيد من أسرارها، كما أنه يؤكد امتداد نفوذ الملك «رمسيس الثاني» في جميع ربوع الدولة المصرية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الكشف يشير إلى جانب من أبعاد الحياة الدينية في هذه المنطقة الآثرية بالإشارة لمعبد إيزيس، حيث يعد من أهم المعابد المخصصة لعبادتها في دلتا مصر»، ويلفت إلى أن بهبيت الحجارة اشتق اسمها من «بر حبيبت» والتي تعني «بيت الأعياد»، وأبرز ملامح المعبد كانت في العصر المتأخر، متوقعاً أن «يؤدي هذا الكشف لاكتشاف المزيد من أسرار هذه المنطقة في عصورها المختلفة».





