قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.
لكنها سرعان ما تكشف عن شيء آخر يتجاوز استعادة الموروث؛ فالرموز والأشكال والخطوط التي تظهر في لوحاته لا تأتي باعتبارها نقلاً لما هو قائم في الذاكرة، وإنما تدخل في تكوينات جديدة تمنحها معنى مختلفاً، وتضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلة الفن الحديث.
هذا الجانب من تجربة الفنان الراحل قدمه المعرض الاستعادي في غاليري «ياسين» بالزمالك، من خلال مجموعة من الأعمال التي تتيح متابعة مسيرته وتطور لغته التشكيلية.
وتكشف نحو 25 لوحة يضمها المعرض أن عالم مرسي لا يعرف حدوداً حادة بين الرسم والنحت، ولا بين الماضي والحاضر؛ فالسطح الذي يرسم عليه يمكن أن يتحول إلى مساحة ذات تضاريس، تدخل فيها الخامة نفسها طرفاً في التعبير.
وقد منحت هذه الخاصية أعماله حضوراً مادياً واضحاً، خصوصاً في المراحل التي استخدم فيها الرمل والعجائن، ليصبح ملمس اللوحة جزءاً من معناها وليس مجرد إضافة تقنية.

ويرى هاني ياسين مدير الغاليري أن لوحات مرسي تكشف عن اهتمام مبكر بالخطوط والمساحات وبناء التكوين، وهو ما ارتبط بصورة وثيقة بتأثره بالفن المصري القديم.
وقال ياسين لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن هذا التأثر قائماً على الاقتباس المباشر؛ إذ كان من المعروف أن عبد الوهاب مرسي كان يستوعب جيداً طريقة بناء الصورة لدى المصري القديم، ثم يرسم، وفي لوحاته نجد للخط وظيفة أساسية، وللمساحة قيمة مستقلة، وللرمز قدرة على اختزال أفكار ومعتقدات كاملة»، مضيفاً أن «سنوات عمله في مركز تسجيل الآثار، التي امتدت من 1958 إلى 1974 قد ساعدته في ذلك، فقد أتاحت له هذه التجربة احتكاكاً مباشراً بالآثار المصرية القديمة ورسومها ونقوشها، كما درس الفن أكاديمياً وتخصص لاحقاً في أعمال الحفر، وهو ما انعكس على تعدد الوسائط في تجربته».
لكن لم يتوقف الفنان عند هذا الحد؛ إذ تظهر الأعمال أنه مع الوقت تحولت العناصر التي عرفها في المعابد والمقابر والبرديات إلى مفردات شخصية.
فمن اللافت أن الوجوه والأشكال الحيوانية والطيور والأسماك والنجوم والرموز الهندسية تظهر داخل اللوحة، لكنها لا تحافظ بالضرورة على وظيفتها الأصلية؛ فنجد أن الفنان قد انتزعها من سياقها التاريخي ووضعها في علاقات جديدة، لتصبح في النهاية جزءاً من تكوين بصري جديد.

وفي هذه النقطة تحديداً تكمن أهمية تجربته مع التراث الإسلامي أيضاً؛ فمرسي لم يكن ينظر إلى الذاكرة المصرية بوصفها مرحلة واحدة، وإنما تعامل معها بوصفها طبقات متراكمة.
فإلى جانب المرجع الفرعوني، تظهر في أعماله آثار البيئة الإسلامية، خصوصاً في ميله إلى الزخرفة الهندسية وتكثيف السطح والتعامل مع الفراغ باعتباره مساحة قابلة للمعالَجة.
وتتصل هذه الرؤية كذلك بنشأته في البيئة الريفية المصرية؛ فقد ولد في فاقوس بمحافظة الشرقية (شرق الدلتا) عام 1931، وحملت تجربته الفنية منذ بداياتها أثراً واضحاً لعلاقة الإنسان بالأرض وبالمكان.
وتظهر هذه العلاقة في الألوان وفي تقسيمات المساحات وفي حضور عناصر تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة البيئة المصرية.
ومن هنا يمكن فهم انتقاله إلى استخدام الرمل كخامة في بعض أعماله باعتباره تطوراً طبيعياً في تجربته، وقد أتاحت له هذه الخامة أن يضيف إلى اللوحة ملمساً وبروزاً، وأن يوسع حدود العلاقة بين اللون والسطح.
وقد جعل ذلك أعماله تقترب من منطقة مشتركة بين التصوير والنحت؛ فالتصوير الجداري عند المصري القديم نفسه لم يكن منفصلاً بصورة قاطعة عن النحت البارز.

يقول ياسين: «هذه الصلة وجد فيها مرسي مدخلاً لتطوير تجربته الخاصة، لا سيما أنه وضع الرمل على سطح اللوحة، ثم تعامل معه باللون، فبات السطح يحمل أثراً بصرياً وملمسياً في الوقت نفسه».
من هنا تتسع مسيرة مرسي خارج حدود الرسم الزيتي؛ يضيف ياسين قائلاً: «المتأمل للوحاته يجد أن الرسم والحفر والسطوح البارزة والعجائن الرملية ظلت جميعها تقنيات تخدم بحثاً واحداً عن لغة يستطيع من خلالها أن يكون مصرياً ومعاصراً في الوقت نفسه، لكن القيمة الأساسية في أعماله لا تكمن في عدد التقنيات التي استخدمها بقدر ما تكمن في الطريقة التي جمع بها بينها، وهي طريقة مميزة للغاية».
ومن خلال هذه الأعمال، تبدو تجربة عبد الوهاب مرسي أقرب إلى مسار طويل ظل فيه التراث حاضراً، لكن من دون أن يتحول إلى قيد؛ فكل مرحلة أضافت إلى لغته شيئاً جديداً، بينما بقيت مصر بموروثها وبيئتها ومفرداتها نقطة الانطلاق الأساسية .






