أكد المخرج الدنماركي مادس منغل أن العلاقات الأسرية وتعقيداتها شكلت المنطلق الأساسي لفيلمه الروائي الطويل الأول «الضيف» (The Guest)، مشيراً إلى أن الأسرة تظل أكثر العلاقات تأثيراً في تشكيل شخصية الإنسان، مما دفعه إلى تقديم عمل يستكشف ما تتركه الروابط العائلية من آثار تمتد عبر الأجيال.
وقال مادس منغل في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» إن فكرة الفيلم تأثرت بالسينما الدنماركية، لا سيما فيلم «الاحتفال»، لذلك سعى إلى تقديم دراما تدور أحداثها خلال فترة زمنية محددة، تتناول موضوعات الغفران والمصالحة والإرث العاطفي الذي ينتقل بين الآباء والأبناء.

وتدور أحداث «الضيف» حول الزوجين كارل وإيميلي اللذين يستعدان لقضاء عطلة نهاية أسبوع في أحد الفنادق المطلة على البحر للاحتفال بإعلان اسم طفلهما والترحيب به رسمياً داخل العائلة، غير أن وصول والدة كارل، التي انقطعت علاقته بها منذ سنوات، يقلب أجواء الاحتفال رأساً على عقب، ويعيد فتح ملفات الماضي وجراحه القديمة، لتتحول المناسبة العائلية إلى مواجهة تكشف ما تركته سنوات الصمت وسوء الفهم من آثار داخل أفراد الأسرة.
وعرض الفيلم أخيراً ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك في نسخته الماضية، وحصد جائزتين بارزتين، هما الجائزة الخاصة للجنة التحكيم، إلى جانب جائزة أفضل مخرج لمادس منغل.
وعدّ المخرج الدنماركي أن «مجرد اختيار الفيلم للمنافسة في المسابقة الرسمية للمهرجان كان بالنسبة له إنجازاً كبيراً، لذلك جاء الفوز بالجائزتين مفاجأة لم يكن يتوقعها»، معتبراً أن الاستقبال الذي حظي به الفيلم في المهرجان تجاوز كل ما كان يأمل فيه.
ولفت إلى أن رحلة إنجاز الفيلم استغرقت سنوات، ليس بسبب الجوانب الإبداعية فقط، وإنما نتيجة صعوبة توفير التمويل، موضحاً أن «تطوير أي فيلم يحتاج إلى وقت طويل لإعادة كتابة السيناريو أكثر من مرة، إلى جانب البحث عن الشركاء والجهات المنتجة القادرة على تمويل المشروع».

وأضاف أن كثيراً من المخرجين في بداياتهم يواجهون المشكلة نفسها، إذ يمثل توفير الميزانية أحد أكبر التحديات التي تواجه أي فيلم مستقل، وهو ما يفسر طول الفترة التي استغرقها المشروع قبل الوصول إلى مرحلة التصوير.
وعن أصعب مراحل التصوير، قال إن «مشهد مائدة الطعام كان الأكثر تعقيداً، لأنه امتد لنحو خمس عشرة صفحة في السيناريو، وضم عدداً كبيراً من الممثلين والكومبارس، إلى جانب استخدام كاميرتين في الوقت نفسه، وهو ما تطلب تنسيقاً دقيقاً بين جميع عناصر فريق العمل».
وأضاف مادس منغل أن التحدي الأكبر لم يكن تقنياً فقط، وإنما تمثل أيضاً في قدرة الممثلين على الحفاظ على المستوى نفسه من الأداء طوال ساعات التصوير، وحفظ هذا الكم الكبير من الحوار، مؤكداً أن المشهد كان مرهقاً، لكنه تحول في النهاية إلى واحد من أكثر المشاهد التي استمتع فريق العمل بتنفيذها.
وأكد أن بناء علاقة الجمهور بالشخصية الرئيسية لم يعتمد على تقديمها بصورة مثالية، وإنما على كشف دوافعها تدريجياً، موضحاً أن «المشاهد لا يتعاطف مع الشخصية لأنه يعرف كل شيء عنها منذ البداية، بل لأنه يكتشف مع مرور الوقت الأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ قراراتها، فيبدأ بفهمها والنظر إليها من زاوية مختلفة»، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن أسلوب التصوير جاء امتداداً للحالة النفسية للشخصيات، إذ عمل مع مدير التصوير على أن تتحرك الكاميرا بطريقة تعكس التوتر وعدم الاستقرار اللذين يسيطران على أفراد الأسرة، موضحاً أن كل حركة للكاميرا كانت مرتبطة بالمشاعر التي تمر بها الشخصيات، مع مراعاة طبيعة أماكن التصوير والإمكانات الإنتاجية المتاحة، بما يخدم السرد الدرامي ويمنح المشاهد إحساساً بأنه يعيش الأحداث من داخلها.

وأشار إلى أن الفيلم لا يسعى إلى إصدار أحكام على شخصياته أو تقسيمها إلى شخصيات جيدة وأخرى سيئة، وإنما يحاول فهم الدوافع التي تحركها، مؤكداً أن هذا التعقيد هو ما يجعله أكثر قرباً من الواقع، لأن العلاقات العائلية في الحياة لا تخضع لتصنيفات بسيطة، بل تتداخل فيها المشاعر والذكريات والخيبات بصورة تجعل الحكم عليها أمراً شديد الصعوبة.
وأضاف أن تجربة الأبوة كان لها تأثير مباشر في نظرته إلى الفيلم أثناء إنجازه، إذ دفعته إلى التفكير بصورة مختلفة في مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، ليس فقط من خلال ما يقدمونه لهم من رعاية، وإنما أيضاً من خلال ما يورثونه لهم من مخاوف وجراح وعادات قد تنتقل دون قصد من جيل إلى آخر.
وأوضح أن «هذا السؤال ظل حاضراً طوال مراحل الكتابة، وهو ما انعكس على بناء الشخصية الرئيسية التي تخشى أن تتحول مع مرور الوقت إلى نسخة من والدتها، رغم محاولاتها المستمرة للهروب من ماضيها».
وأشار إلى أن الفيلم يقدم المرض النفسي بوصفه أحد العناصر التي تؤثر في العلاقات داخل الأسرة، موضحاً أنه كان حريصاً على عدم تقديم شخصية الأم باعتبارها شخصية شريرة أو مسؤولة وحدها عن كل ما حدث، بل أراد أن يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين شخصية الإنسان والمرض الذي يعاني منه، وكيف يمكن أن يجتمع التعاطف والغضب تجاه الشخص نفسه في الوقت ذاته.
واعتبر المخرج الدنماركي أن الدراما العائلية لا تزال تمتلك مكانة مهمة في السينما، رغم الاعتقاد السائد بأن هذا النوع من القصص أصبح أقرب إلى المسلسلات التلفزيونية.
