أسماء عربية وعالمية تزيّن الدورة الجديدة لمهرجان «ڤينيسيا»

يُفتتح بفيلم حول الصحافة والحرية الإعلامية

- Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)
- Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)
TT

أسماء عربية وعالمية تزيّن الدورة الجديدة لمهرجان «ڤينيسيا»

- Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)
- Ink.jpg سام روكول في «حبر» (نتفليكس)

«لأولئك الذين يسخرون من وضع السينما ليس أمامهم سوى دخول صالة تعرض فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان ليدركوا أن السينما ليست على فراش الموت، بل إنها تستطيع دوماً أن تولد من جديد، ويمكنها أيضاً أن تلد رؤية الإلهام».

قال رئيس مهرجان ڤينيسيا السينمائي ألبرتو بباربيرا في كلمته أمام الصحافة قبل يومين عندما كشف عن أفلام الدورة الثالثة والثمانين من المهرجان العريق (الأول تاريخاً في العالم) التي ستقام ما بين الثاني والثاني عشر من الشهر التاسع هذا العام.

السينما أداة لفهم العالم

حرص المهرجان الإيطالي على حشد ما يثبت هذا القول أثمر عن عشرات الأفلام التي لا يستطيع الناقد أو السينمائي تجاهلها موزّعة في 7 أقسام متوازية تقودها مسابقة مؤلّفة من 20 فيلماً لأسماء مختلطة ما بين مخرجين ذوي خلفيات تشهد بتاريخ كل منهم البارز وبين جدد يطأون ميدان السينما بأعمال تعكس جدّية محاولاتهم.

وقال باربيرا محدداً: «الأفلام المشاركة في دورة هذا العام هي وسادة من الأفكار التي تؤكد أن السينما هي أداة غير عادية لفهم العالم الحقيقي. كل مشكلات الحياة الحاضرة الكبيرة معكوسة (في الأفلام) أو تحمل صداها».

واحدة من مزايا مهرجان ڤينيسيا هي أن أفلام الافتتاح أجدى وأفضل من أفلام افتتاح مهرجاني برلين وكان اللذين يؤلّفان، مع هذا المهرجان الإيطالي، المناسبات الرائدة في عالم المهرجانات. افتتاح برلين في دورته السادسة والسبعين (فبراير/ شباط الماضي) كان الفيلم الألماني - الأفغاني «لا رجال صالحون» الذي حاول الانتماء إلى سينما الحدث السياسي، لكنه لم يكن ذلك العمل الجيد والموحي بقدر ما كان الفيلم الذي يحاول طرح موضوعه بإلحاح.

أما «كان» فقد اختار فيلماً لاهياً، فكرة وتنفيذاً، لافتتاح دورته التاسعة والسبعين في مايو (أيار) هذا العام، وهو الفيلم الفرنسي «القبلة الكهربائية» لبيير سلڤادوري الذي لم يكن أهلاً لافتتاح مهرجان بحجم وأهمية «كان».

أمّا مهرجان ڤينيسيا فتوجّه، هذا العام، صوب فيلم يدور حول الصحافة والحرية الإعلامية في عام 1996 عندما قام روپرت مردوك ولاري لامب بتأسيس صحيفة «ذا صن». الفيلم هو «حبر» (Ink) والمخرج هو داني بويل الذي من بين أفلامه سلسلةأفلام الزومبي التي انطلقت بفيلم «28 يوماً لاحقاً» ‪28 Days Later في 2008. فيلمه الجديد بيع مسبقاً لمنصة «نتفليكس»، لكنَّ عَرْضَه في ڤينيسيا هو العرض العالمي الأول شأنه في ذلك شأن كل الأفلام المشاركة .في المسابقة. وهذه هي المرّة الأولى التي يشترك فيها بويل في هذا المهرجان.

روني وكيت مارا في «باكينغ فاستارد» (هانواي بيكتشرز).

حفر في كل اتجاه

بعض أفلام ڤينيسيا، هذا العام، ستتميّز بغرابة موضوعاتها وفي مقدّمتها «Bucking Fastard» للألماني ڤرنر هرتزوغ وبطولة الشقيقتين روني مارا وكيت مارا. موضوع شائك هذا الذي يطرحه هرتزوغ؛ إذ يدور حول فتاتين توأمين تشقان نفقاً للوصول إلى حيث تعتقدان أن عالماً من الحب الخالص يكمن في الطرف الآخر من الجبل. ما يميز حضور الفيلم ليس فقط أنها المرّة الأولى التي تشترك فيها الشقيقتان بفيلم واحد، بل أن هرتزوغ كان قد سحبه من مهرجان «كان» ردّاً على رغبة المهرجان الفرنسي عرضه خارج المسابقة.

أحد فرسان السينما الأوروبية الجديدة هو فلوريان زلر الذي سبق له أن حقق الفيلم الناجح «الأب» في سنة 2020، ثم أتبعه بفيلمه (غير الناجح) «الابن» سنة 2022. فيلمه الجديد هو «ملجأ» (Bunker) الذي لا يخلو من الحفر أيضاً كون حكايته تدور حول مهندس (خافييه باردم) يقوم بحفر ملجأ لحساب ملياردير في الوقت الذي تكتشف زوجته (بينيلوبي كروز) أن المشروع الذي سينصرف زوجها له سيؤثر في علاقتهما وحبّها له بعد 17 عاماً من الزواج.

هناك حفر مختلف في الماضي يوفّره المخرج مارتن ماكدونه (McDounaph) عبر «وايلد هورس ناين» من بطولة سام روكول وستيف بوشيمي وجون مالكوڤيتش. يدور حول عميلين للسي آي إيه (روكول ومالكوفيتش) يتم إرسالهما إلى تشيلي لمساعدة الحكم اليميني سنة 1973.

بينيلوبي كروز ستكون بين الحاضرين هذا العام (وورنر)

كروز وباردم والشقيقتان مارا كما مالكوفيتش وروكول سيحضرون عروض أفلامهم، كذلك روبرت باتنسون (نشاهده حالياً في «الأوديسة») ممثلاً فيلم «برايمتايم» الذي يدور حول صحافي أودع تحقيقاته برنامجاً تلفزيونياً ناجحاً. الفيلم من إخراج لانس أوبنهايم ذي الخلفية في السينما التسجيلية. هذا الفيلم هو أحد الأعمال الأميركية المشاركة في هذا المهرجان بجانب فيلم «رفقة» (Company) لكيسي أفلك، وفيلم «أسس الفلسفة» (The Basics of Philosophy) لبول شرادر الذي سبق أن كتب فيلم مارتن سكورسيزي «سائق التاكسي»، ثم انطلق صوب الإخراج منجزاً 30 فيلماً حتى الآن.

اشتراكات لمخرجين عرب

من الأفلام الأخرى المشتركة في المسابقة «عودة لبوينس آيريس» للإيطالي ماركو بيكيس و«جندي صغير طيّب» (Un Bon Petit Sodat) للفرنسية ستيفاني بريز، و«انظر للخلف» للكوري هيروكازي كوري-إيدا» والإيطالي ناني موريتي سيعرض «سيحدث ذلك الليلة» (It Will Happen Tonight) وهو اعتاد سابقاً على عرض أفلامه في مهرجان «كان».

هناك أيضاً فيلم عربي متسابق للمصرية مي الطوخي بعنوان «امرأة مجهولة»، وفيلم فلسطيني تسجيلي بعنوان «المواطن أسامة» لأحمد حسونة (خارج المسابقة). يعرض الفيلم حياة رجل فلسطيني عليه واجبان حتميان هما العناية بعائلته وتنفيذ مهامه المتلاحقة كمصوّر فوتوغرافي وكل ذلك في أتون ما تعيشه مدينة غزّة.

ملصق فيلم «لا فردوس إذا قتلتك امرأة» للكردي العراقي الأصل هلكوت مصطفى

خارج المسابقة أيضاً «لا فردوس إذا قتلتك امرأة» للكردي العراقي الأصل (نرويجي الإقامة) هلكوت مصطفى، حيث نرى محترفة قتل عراقية تعود إلى العراق كي تنقذ شقيقتها المحتجزة من قبل عناصر «داعش». ويقدّم الفلسطيني مؤيد عليان (يعيش في أمستردام) فيلمه الجديد «حوار مع البحر». هذا المخرج سبق أن حقق بضعة أفلام من قبل من بينها «بيت في القدس» (2023)، و«تقارير عن سارا وسليم» (2018) وكلاهما يطرحان دراميات عاطفية تقع أحداثها في فلسطين من دون أن تكون حديثة التوجه.

اللبناني رامي قُديّه سبق أن حقق فيلماً تسجيلياً بعنوان «دواليب الحرب» (Wheels of War) لحساب تلفزيون «الجزيرة». فيلمه الجديد قد يكون الروائي الأول له، ويدور حول امرأتين تخططان لسرقة بنك في نفس العام الذي شهد الحجز على الودائع المصرفية في لبنان.

السياسة عالقة في أهداب مهرجان ڤينيسيا، هذا العام، كشأنها في الأعوام السابقة (وكشأنها في مهرجانات عديدة أخرى)، لكن ذلك يتبع حرص المهرجان الإيطالي على تعدد التوجهات وليس تبنيها. من بين هذه التوجهات، لجانب ما سبق، فيلم الأميركية باربرا كوبل التسجيلي «يونيون تاون». هذا الفيلم مؤلف من 3 حكايات حول مطالبات العمّال الأميركيين في 3 مؤسسات (بينها أمازون) برفع أجورهم.

فيلم آخر ذو صلة بالسياسة ولو كنتيجة لما يقع هو «Dau» للروسي الأصل (نُزعت عنه هويّته) إليا خزانوفسكي الذي يُعرض في المسابقة الرسمية. هناك فيلم إيراني مشترك في هذه المسابقة هو «قليل من الضوء» لعلي أصغري. في المقابل هناك فيلم إسرائيلي لأموش غيتاي بعنوان «الطريق إلى أريحا» الذي يدور حول الصراع الدائر في غزّة.


مقالات ذات صلة

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

سينما «الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

ترى سغوالدو أن قوة الفيلم تكمن في التفاصيل الصغيرة والحياة اليومية، وفي ما يبدو عادياً لأول وهلة، لكنه يكشف عن حجم القيود التي كانت تواجهها النساء...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

تعرض فيلم «الست لما» للفنانة المصرية يُسرا إلى انتقادات لاذعة بعد عرضه للمرة الأولى مساء الأربعاء في القاهرة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
TT

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)

تراجعت «إذاعة الأغاني» المصرية عن تعديل بعض فقرات خريطة بثها اليومي بعد انتقادات «سوشيالية»، كان أبرزها تعديل مواعيد الفقرات الغنائية لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وإذاعتها في مواعيد مغايرة لما اعتاده المستمع.

وأكدت «زوبعة» خريطة الإذاعة الجديدة، التي أُعلن عنها قبل أيام، تعلُّق عدد كبير من الجمهور المصري بنجوم الطرب القدامى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وغيرهم، والرغبة في الاستماع إليهم بشكل منتظم، من دون المساس بفقراتهم الغنائية اليومية، وفق نقاد.

ومن بين الانتقادات التي سلَّطت الضوء على الخريطة الجديدة، التي أثارت الجدل، منشورٌ للكاتب خالد منتصر عبر موقع «إكس» قبل يومين، وصف خلاله تغيير موعد فقرة أم كلثوم بأنه «عكننة» للسمّيعة، متذوقي صوت «الست».

وأعلن حساب «إذاعة الأغاني» على موقع «فيسبوك» مواعيدها الجديدة، التي ستبدأ الخميس، استجابة وتلبية لرغبة عدد كبير من مستمعي الإذاعة. وحسب البيان، فقد تقرر مدُّ فترة أم كلثوم حتى منتصف الليل، على أن تبدأ حفلتها الساعة 11 مساءً، وهو الموعد المحدد الذي اعتاده المستمع طوال السنوات السابقة، إلى جانب وجود فقرات لفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، ستُذاع في مواعيدها السابقة ضمن «فترة أم كلثوم»، التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءً.

ويرى الناقد الفني عماد يسري أن تراجع «إذاعة الأغاني» عن تعديل مواعيد فقرات نجوم الطرب القدامى، بعد الانتقادات، دليلٌ على الانتشار الواسع للإذاعة بين الجمهور المصري، الذي يتفاعل معها بشكل بارز؛ لأنها صاحبة أثر، ولأن بينها وبين المستمع ثقةً متبادلةً منذ سنوات طويلة.

«كوكب الشرق» أم كلثوم (إذاعة الأغاني على موقع «فيسبوك»)

وأوضح عماد يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استجابة الإذاعة لطلبات المستمعين تشير إلى أنها تسير وفق رغباتهم، وأنها ما زالت راسخة، ولها دور مؤثر وفعّال في وجدان الناس على اختلاف مراحلهم العمرية»، مضيفاً: «كل شيء عُرضة للتغيير، ولكن لا بد من وضع التفاعل وآراء الناس في الحسبان».

وتعليقاً على المواعيد الجديدة، أكدت تعليقات «سوشيالية» أن أغاني «الزمن الجميل والذكريات» لا يناسبها ضجيج النهار والانشغال بالعمل، بل تتطلب الهدوء. وأشارت تعليقات أخرى إلى أن «عودة بث أغاني أم كلثوم في الخامسة أعادتهم إلى ذكريات سبعينات القرن الماضي».

وأُنشئت «إذاعة الأغاني» مطلع الألفية الجديدة، وتحتفي بشكل خاص بنجوم الطرب القدامى، عبر إذاعة أغانيهم في مواعيد وفقرات محددة يومياً، إلى جانب وجود فترة ثابتة لأغاني أم كلثوم وحفلاتها النادرة.

مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) المصري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد الإذاعي شريف عبد الوهاب، وكيل وزارة الإعلام ورئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، أن «إذاعة الأغاني» من أهم المحطات، حتى إنها أصبحت الملاذ الوحيد بعد اختفاء محطة «أم كلثوم» مؤخراً، لافتاً إلى أن تغيير المواعيد صدم الجمهور في بادئ الأمر؛ نظراً إلى ارتباطه بأصوات طربية في مواعيد بعينها.

وكشف شريف عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن تثبيت فترة أغاني أم كلثوم من الساعة الخامسة حتى ما بعد منتصف الليل هو محاولة من «إذاعة الأغاني» لإحياء برنامج «إذاعة أم كلثوم» القديم، حسب الترتيب الذي اعتاده الناس، موضحاً أن «تثبيت البرنامج الغنائي اليومي أمر ضروري؛ لأنها محطة متخصصة، ولا بد أن تكون خريطتها اليومية معروفة مسبقاً للناس».


مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.


«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
TT

«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)

على ضفاف فرع رشيد بدلتا مصر، تقف مدينة فُوّه شاهدةً على تاريخ طويل من الحِرَف والصناعات التي صنعت شخصيتها، ومن بينها حرفة الكِليم التي ارتبطت بعائلات المدينة، وتناقلت الأجيال مهاراتها مئات السنوات.

ومع القرن الـ19، تجاوزت سمعة منتجات هذه الحرفة حدود مصر؛ إذ أقبل أوروبيون على شراء السجاد والكليم اليدوي من المدينة.

ولم يكن سجاد فُوّه بعيداً عن المشهد المصري؛ إذ حرصت الأسر العريقة على وجوده في بيوتها، كما استُخدم في فرش المساجد خلال مراحل تاريخية مختلفة.

ويتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول، إلى جانب الأهرامات وأبو الهول، ومفردات من التراث الإسلامي، بينها المساجد والآيات القرآنية.

وتظهر كذلك مَشاهد من حياة العرب في الصحراء والحياة اليومية للفلاح المصري، لتصبح القطعة المنسوجة أكثر من مجرّد منتج للاستخدام أو لديكور المنزل؛ فهي مساحة بصرية تختزن هوية المكان وملامحه وذاكرته.

أدوات قديمة وبسيطة تصنع أروع المنسوجات (إدارة صندوق التنمية الثقافية)

وفي محاولة لحماية هذه الذاكرة من التراجع، بدأت مصر توثيق الكليم الفُوهي من خلال خطوات عملية وعلمية اتخذها «بيت التراث المصري»، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، في أول مهمّة ميدانية للبيت خارج القاهرة منذ تأسيسه عام 2022.

ولا يقتصر هدف هذا التوثيق على تسجيل عناصر حرفة الكليم، وإنما يمتد إلى وضع التدابير اللازمة لصونها وضمان استمرارها، وفق مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يرتبط ذلك بأن البيت تأسس ليكون أحد المراكز الأساسية المعنية بجمع عناصر التراث الثقافي غير المادي وتوثيقها، وإنشاء قواعد بيانات يمكن الرجوع إليها في دراسة هذا التراث ووضع خطط للحفاظ عليه».

وتلفت فاطمة مصطفى إلى أنّ «اختيار فُوّه لتكون المحطة الأولى لعمل (بيت التراث) خارج القاهرة لم يكن مصادفة»، مفسِّرةً ذلك بـ«تنوّع الحرف التقليدية في المدينة، إلى جانب ما أظهرته البيانات التي قدَّمها عضو مجلس النواب النائب محمد عبد العليم داود، وما طرحته مؤسّسات المجتمع المدني والحرفيون والمهتمون بالتراث، من تراجع أعداد العاملين بالكليم عاماً بعد عام، وهو ما عزَّز الحاجة إلى الإسراع في توثيق الحرفة وصونها».

أحد الحرفيين خلال ممارسة مهارات صناعة الكليم بفُوّه (الشرق الأوسط)

ووفق مديرة «بيت التراث المصري»، فإنّ أبناء المدينة أكدوا تناقص أعداد الحرفيين، وطالبوا بتوثيق الكليم ووضع الأساس العلمي لصونه. ومن هنا جاءت المهمّة الميدانية التي جمعت بين الاستماع إلى أصحاب الحرفة، ورصد واقعها، وتسجيل تفاصيلها داخل بيئتها الأصلية.

وعن تفاصيل العمل، أوضحت: «لم تتعامل بعثة (بيت التراث) مع الكليم بوصفه قطعة نسيج منفصلة عن سياقها، وإنما عملت على توثيق المنظومة المرتبطة بالحرفة».

وفي هذا السياق، شملت المهمّة 3 عناصر مترابطة، هي الكليم اليدوي والحرام والنول؛ تمهيداً لإعداد ملف علمي لكلّ منها، وإدراج المعلومات ضمن قاعدة البيانات الوطنية التي يعمل البيت على إنشائها.

وشارك الفريق البحثي كاملاً في المهمّة، بما يوفّر للباحثين خبرة ميدانية في تطبيق منهجية الحصر القائمة على المجتمع المحلّي، ويتيح الوصول إلى المعرفة التي لا تزال محفوظة لدى أصحاب الحرفة، وفق مديرة البيت.

باحثو «بيت التراث» خلال لقاءاتهم مع ممارسي حرفة الكليم والاستماع إلى خبراتهم (الشرق الأوسط)

ولا يتوقّف العمل عند جمع المعلومات؛ إذ يجري راهناً إعداد فيلم وثائقي عن الكليم الفُوهي، على أن تكون هذه المرحلة مدخلاً لإعداد خطط لصون الحرفة ودراسة حاجات العاملين بها، من منافذ البيع والتسويق إلى فرص التدريب.

وتتطلَّع المرحلة المقبلة، وفق مصطفى، إلى الاستفادة من خبرات الحرفيين المخضرمين في تدريب جيل جديد، فتنتقل المهارة من «المعلم» أو «الأسطى المخضرم» إلى الشباب، ولا تنقطع السلسلة التي حفظت الكليم الفُوهي طوال عقود.

وترى مديرة «بيت التراث المصري» أنّ «إدراج عناصر التراث على القوائم الدولية يكتسب أهمية، لكنه ليس الغاية الوحيدة؛ فالهدف الأساسي أن يظلَّ التراث حياً وممارساً وحافظاً للهوية، واستمرار الحرفة هو في ذاته أحد أقوى أسباب قدرتها على الحضور في تلك القوائم».

مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى (الشرق الأوسط)

وتضيف أنّ الصون ينبغي «أن تكون له جدوى اجتماعية واقتصادية تعود على أصحاب الحرفة، وهو جانب يحظى بأولوية في عمل البيت؛ انطلاقاً من أنّ الحفاظ على الكليم لا ينفصل عن تحسين ظروف ممارسيه، وإيجاد أسواق لمنتجاتهم، وتعزيز قدرتهم على البقاء».

بدوره، يرى ابن مدينة فُوّه، أحمد الديب، رائد الأعمال ومؤسِّس علامة «Kilimesta» والمهتم بصون الكليم اليدوي وتطويره، أنّ «قيمة الخطوة تتجاوز مجرّد تسجيل طريقة الصناعة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الكليم الفُوهي يتمتّع بخصوصية واضحة، سواء لجهة كثافة الرموز والعناصر التراثية التي تظهر في تصميماته، أو جودة التصنيع، أو المهارة المتراكمة لدى الحرفيين، فضلاً عن ثراء مصادر الإلهام المستمدة من البيئة المحلّية، وفي مقدّمتها العمارة التي تتميّز بها فُوّه».

ويرى الديب أنّ توثيق الحرفة يخلق مرجعاً يحفظ تاريخها وتقنياتها وخاماتها وأدواتها وخبرات ممارسيها، فضلاً عن الروايات الشفوية المتّصلة بها. وهذه المعرفة، في رأيه، لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة الفردية، وإنما أن تصبح أساساً يمكن أن يستفيد منه الباحثون والمؤسّسات الثقافية والأجيال الجديدة.

ولا ينظر الديب إلى مهمّة توثيق كليم فُوّه على أنها نهاية المطاف، بل بداية لمسار أطول، تنتقل فيه الحرفة من ذاكرة الحرفيين إلى ذاكرة موثّقة، ومن ورشات محلّية إلى حضور ثقافي واقتصادي أوسع.

ويبقى التحدّي الحقيقي، وفق قوله، في «ألا يتحوّل الكليم الفُوهي إلى صورة محفوظة في أرشيف، بل أن تظلّ الأيدي قادرة على نسجه».