أفاقت العاصمة الإسبانية، صباح السبت، على رفيف رياح من الرماد والدخان، وتحت وهج الحرائق الهائلة التي تحيط بخاصرتها الشمالية منذ يوم الجمعة، وتهدد بالقضاء على الأخضر واليابس بعد أن خرجت كلياً عن السيطرة؛ ما دفع الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية، وطلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي لإخماد ما وصفته رئيسة حكومة مدريد الإقليمية بـ«أخطر وأكبر حريق» في تاريخ المدينة.

ومن بروكسل، أعلن ناطق بلسان المفوضية أن الاتحاد الأوروبي أرسل سبعاً من طائرات أسطول الطوارئ لمساعدة إسبانيا وفرنسا للسيطرة على الحرائق التي أجبرت السلطات في البلدين على إجلاء ما يزيد على 270 ألف شخص حتى الآن. وحذّر من أن «الاتحاد يستعدّ لظروف أشدّ قسوة، مع تفاقم الظواهر المناخية القصوى».
وأضاف الناطق أن «الآتي أعظم وأكثر وحشية وخطورة. عسانا لا نقع في براثن جهنم، لكننا نستعد لذلك». وكانت مجموعة من خبراء المناخ الأوروبيين قد نبّهت، يوم الخميس الماضي، من أن الجفاف الذي يسيطر على القارة الأوروبية، هذا الصيف، لا يعود إلى قلة الأمطار التي هطلت بغزارة وكميات وافرة هذه السنة، بل إلى موجة الحر التي تتسبب في تجفيف التربة، وتسهّل نشوب الحرائق.
قاعدة 30 -30 -30
وفي مدريد، تواجه فرق الإطفاء صعوبات جمّة لمنع اتساع دائرة النيران في الغابات المحيطة بها. ويقول الخبراء إن خطورة هذه الحرائق تكمن في تجاوزها معادلة 30-30-30، أي أنها تتطور في حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، ونسبة رطوبة دون 30 في المائة ورياح تتجاوز سرعتها 30 كيلومتراً في الساعة. ويقول رجال الإطفاء إن أي محاولة لإخماد الحرائق في مثل هذه الظروف هي بمثابة الذهاب مباشرة إلى الموت الحتمي.

التطور الوحيد الذي يبعث على بعض التفاؤل في هذا السيناريو الكارثي، هو أن الحرائق الناشبة في مقاطعة «آفيلا» المتاخمة لمدريد لم تتلاق مع الحرائق في محيط العاصمة، الأمر الذي في حال حصوله من شأنه أن يؤدي إلى تكوين كتلة من النيران تستحيل السيطرة عليها، ويمكن أن تتسبّب في دمار هائل.
وإزاء صعوبة التدخل في الظروف الراهنة، أعطت وزارة الداخلية تعليماتها لفرق الإطفاء بترك الغابات والحقول تحترق، والتركيز على إجلاء المواطنين من المناطق المهددة ريثما تتحسن الظروف المناخية. وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إن الأولوية تتمثل في «إنقاذ الأرواح وحماية المناطق المأهولة»، محذراً من أن إخماد الحرائق سيكون مهمة «معقدة» بسبب عدم وضوح اتجاهات الرياح وقوتها، رغم تراجع درجات الحرارة.
ويقول أحد رجال الإطفاء إنها لمعجزة حقاً أنه لم تسجّل أي حالة وفاء حتى الآن، ويخشى أنه في حال التقاء حرائق «آفيلا» مع حرائق مدريد، «يمكن لهذه الكارثة أن تلتهم نصف مقاطعة العاصمة».
إجلاء عشرات الآلاف
وأعلنت وزارة الداخلية أن عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم في منطقة مدريد وحدها تجاوز 70 ألف شخص، بزيادة 25 ألفاً على الحصيلة المعلنة في وقت سابق، بينما كانت السلطات المحلية قد أجلت، الجمعة، أكثر من 1200 من المسنين وذوي الإعاقة من المؤسسات الطبية ودور الرعاية في المنطقة.
ويعترف رودريغو كاسيريس، وهو إطفائي من مدريد تخلّى عن إجازته الصيفية، وعاد ليساند زملاءه، أن «الكل يستميت من أجل السيطرة على هذه الحرائق التي تتجاوز أبشع الكوابيس التي كنا نتوقعها».

وقال مار نيكولاس، رئيس بلدية برونيت القريبة من البلدات التي طالتها النيران، إن المنطقة تشهد حرائق كل صيف، «لكن هذا الحريق كان مروعاً». كما حذّر رئيس السلطة المحلية فرانسيسكو مارتين أغيري من أن يوم السبت سيكون «صعباً» بسبب الرياح غير المنتظمة، لكنه رأى أن ارتفاع الرطوبة النسبية وانخفاض درجات الحرارة يوفّران «فرصة حقيقية» لتحقيق تقدم في احتواء الحريق.
في موازاة ذلك، عاد الخبراء إلى التنبيه بأن غياب تدابير الوقاية وتعزيز الجهوزية يعدّ أحد العوامل الرئيسية في تفاقم هذه الظواهر الكارثية المرشحة للتكرار في المستقبل. ويشددون على ضرورة زيادة الاستثمار في أنشطة تنظيف الغابات والحقول، وشقّ الممرات العازلة فيها، وتجهيز المعدات الكافية للمكافحة والاحتواء.
ويتوقف أحد الاختصاصيين عند السرعة الهائلة التي تقدمت بها نيران الحرائق في محيط العاصمة الإسبانية؛ إذ قضت في ساعات على مساحات شاسعة من الغابات الجبلية المعمّرة، وذلك بفضل كثافة الأعشاب الجافة التي تراكمت نتيجة الامطار الغزيرة التي هطلت خلال فصل الشتاء، والتي كان من المفترض تنظيفها قبل نهاية الربيع.
