لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

أداء سحر عساف وإيلي يوسف يوازن بين الكوميديا والبوح الإنساني

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
TT

لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)

تدخل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» إلى المسرح من الباب الأصعب؛ من نصّ يعرف إلى أين يذهب، ويملك أدواته قبل أن تُضاء الخشبة. حين يكون البناء الدرامي مُحكَماً، يتحرَّر العرض من عبء تعويض ضعف النصّ. فالنصّ الجيّد لا يختصر العمل، لكنه يمنحه عصباً داخلياً يحميه من الترهُّل، ويمنح المُخرج والممثلين مادة قادرة على الاحتمال والتشكُّل وإنتاج المعنى. هكذا تأتي النسخة اللبنانية من «تعويذة جميلة» للكاتب الأميركي غريغ كاليراس على هيئة اختبار مسرحي لشيء أعقد التباساً من علاقة زوجية تمرّ بأزمة. إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنّ ما اعتقده ثابتاً صار قابلاً للزوال.

أخطر ما يفعله الوقت أنه يُبدّل طريقة النظر... لا الأشياء (سحر عساف)

بطلا المسرحية (مسرح «KED»- منطقة الكارنتينا البيروتية) «جاد» و«لين» زوجان أمضيا 12 عاماً معاً، يستيقظان ذات ليلة على انكسار ما كان يجمعهما. لا يحتاج النصّ إلى حدث كبير كي يُحرّك الخشبة. بجملة يتبدَّل الهواء في الغرفة. ومنها يبدأ الانهيار المخيف، حيث لا عدوّ واضحاً، ولا خيانة، ولا مأساة قابلة للتسمية. هناك شعور انسحب من مكانه وترك وراءه فراغاً لم يكن مُعلَناً قبل تلك اللحظة.

على ديكور يوحي بالسرير، تدور المسرحية كأنها داخل مساحة مفتوحة على طبقات كثيرة. السرير مسرح صغير للحياة المشتركة. أرشيف للسنوات. مكان يختزن فيه الزواج تاريخه، من البدايات إلى الشروخ. فوقه تُستعاد الآثار المُتراكمة للعلاقة. يصير السرير طاولة اعتراف تُرمَى عليها جميع الأوراق دفعة واحدة.

ليس الزمن ما يسرق العلاقات... اعتيادُها أنفسها (إيلي يوسف)

في هذا الفضاء، تعرف مُخرجة المسرحية لينا أبيض أين تضع يدها وأين تترك النصّ يَجري. تظهر لمستها في ضبط الإيقاع وإبقاء الخشبة مشدودة إلى القلق الكامن بين ما يُضحك وما يُوجع. لا تنجرف نحو استعراض إخراجي يبتلع النصّ، ولا تكتفي بإدارته من بعيد. تتركه في الواجهة من دون أن يفقد العرض بصمتها.

الإضاءة تكشف عمّا تحاول الشخصيات إخفاءه. الضوء يعمل مثل ضمير بصري. يقترب حين يضيق هامش الإنكار ويمنح العتمة وظيفة نفسية. فالليل في المسرحية مجال تسقط فيه الأدوار اليومية. في النهار يمكن للعلاقة أن تختبئ خلف العادة والعمل والواجبات. في الليل، تعلو الحقيقة فوق كلّ شيء.

وحين تدخل الممثلةٌ سحر عساف (مُترجِمةُ النصّ مع طارق تميم) والممثلُ إيلي يوسف مناخَ المسرحية، يتركان للشخصيتَيْن أن تتشكّلا على مهل من دون استعجال الذروة. الأداء يقوم على التقاط الخلل الذي يُصيب الإنسان حين يفقد تعريفه المُعتاد لنفسه داخل علاقة طويلة. ينجحان في جَعْل الخوف مُضحكاً أحياناً ومكشوفاً أحياناً أخرى، من دون دفعه إلى حيِّز المُبالغة العاطفية. يُعطيان من منطقة داخلية، حيث التمثيل يخرج من رغبته في الإقناع نحو حقيقة اللحظة.

وهما يُبيّنان أنّ الخشبة ليست حكراً على الأسماء الأوسع تداولاً. هناك ممثلون يُثبتون حضورهم حين تمنحهم التجربة فرصة عادلة، وحين يمتلكون ما يكفي من الوعي بجسد الشخصية. وهذه المسرحية تختبر الممثلَيْن بعيداً عن لمعان الاسم. تضعهما في مواجهة الوقت والجمهور وشفافية الأداء، فتحتفظ العلاقة بمنطقها الإنساني حتى في أكبر لحظاتها عبثية.

لا أحد يخرج من المسرح الشخصَ نفسَه الذي دخله... ولو أنكر ذلك (الجهة المُنتِجة)

الكوميديا في العرض ليست غايته. محطّات كثيرة تُضحِك، والحوار يعرف كيف يلتقط المفارقة، لكنّ الضحك يظهر حين تعجز الشخصيات عن احتمال الحقيقة. من هذه الناحية، لا تنتمي المسرحية إلى الترفيه الخفيف، ولا تكتفي بسرد خلاف زوجيّ فوق سرير. الضحك طريق جانبية نحو ما لا يُقال مباشرة. يضحك المتلقّي، ثم يشعر أنّ الضحكة لم تكن بعيدة عن مكان مؤلم فيه.

لا تنشغل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» بسؤال بقاء الزوجين معاً. المسألة أبعد من مصير علاقة. إنها تقترب من سؤال الاعتياد حين يصير عمىً ناعماً، ومن الطريقة التي يتوقَّف بها الإنسان عن رؤية مَن يعيش بقربه. مع الوقت، لا يختفي الآخر دائماً. أحياناً يبقى في المكان نفسه، لكن العين تفقد دهشتها أمامه. تضع المسرحية يدها على جرح لا يخصُّ الزواج وحده. إنها تتحدّث عن كلّ ما نملكه ونكفُّ عن رؤيته، والأشياء التي لا نخسرها فجأة، وإنما نخسر قدرتنا على الانتباه إليها.

تستغرق المسرحية 70 دقيقة في الحديث عن علاقة بين اثنين. لكنها في عمقها تحفر في علاقة الإنسان بما يظنُّ أنه يعرفه عن نفسه. وما إن تختلّ هذه الصورة، حتى يصبح كلّ ما حوله قابلاً لإعادة القراءة. هنا يغادر العرض حكايته الخاصة ويصبح شأناً شخصياً لكلّ مَن شاهده.


مقالات ذات صلة

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.


فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
TT

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية التي صدرت عام 1995 لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون والإخراج الذكي لأنغ لي. لذا، عندما سألتها المنتجة إنديا فلينت عام 2024 عما إذا كانت مهتمة بتقديم معالجة سينمائية جديدة للرواية، شعرت أوكلي بالحماس، لكنها أدركت في الوقت ذاته أنها ستواجه حتماً مقارنات مع الفيلم السابق. تقول أوكلي (38 عاماً) عن فيلمها: «لا أحد يدعي أن هذه هي النسخة النهائية أو المطلقة للعمل، وهذا الأمر يخفّف بعضاً من الضغط». ويتناول الفيلم قصة الشقيقتين داشوود -إلينور الرزينة (التي تمثل «العقل»)، وماريان المندفعة عاطفياً (التي تمثل «العاطفة»)- وذلك في أعقاب وفاة والدهما، حيث تواجهان الفقر المفاجئ وتجدان نفسيهما محط أنظار عدد من الخُطّاب.

نالت إيما تومسون جائزة الأوسكار عن سيناريو «العقل والعاطفة» في عام 1996 (imdb)

شهدت نسخة عام 1995 قيام كل من تومسون وكيت وينسلت بدور الشقيقتين، في حين لعب هيو غرانت وآلان ريكمان دوري الحبيبين في حياتهما. وقد أسهم ذلك الفيلم -الذي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو- في تجديد الاهتمام بأعمال أوستن؛ إذ كان واحداً من ستة أعمال سينمائية وتلفزيونية اقتُبست من قصصها وصدرت خلال عامي 1995 و1996.

غير أن أوكلي وديانا ريد (30 عاماً) -كاتبة السيناريو الجديد- رأتا أن هناك مبرراً لتقديم معالجة درامية جديدة تتناول قضايا أزلية، مثل التبعية المالية والاجتماعية والفراغ الأخلاقي لدى الطبقات العليا. وقالت أوكلي: «أعتقد أن حقيقة إنتاج ذلك الفيلم الأول قبل 30 عاماً قد أتاحت مجالاً لإعادة استكشاف القصة من منظور جديد». وتضم النسخة التي أعدتها أوكلي في طاقم تمثيلها كلاً من ديزي إدغار-جونز في دور «إلينور»، وإسمي كريد-مايلز في دور «ماريان»، وجورج ماكاي وهربرت نورد في دوري الخاطبين.

أومأت ريد -التي انضمت إلى أوكلي عبر مكالمة فيديو من لندن في شهر أغسطس (آب)- موافقةً على ذلك. وقالت: «هناك جانب مألوف للغاية ومعاصر في الصراع المحوري بين الشقيقتين وفي طبيعة ما يفرق بينهما»، مضيفةً: «غالباً ما تكون السمات التي تجذبنا لشخص ما هي نفسها التي ينتهي بها المطاف لتكون مصدراً لاستيائنا منه». وقد شرعت كل من أوكلي وريد في معالجة الرواية من منظورين يجمعان بين الواقعية القاسية المتمثلة في الانهيار المالي للأسرة، والرابطة العميقة التي تجمع الشقيقتين بالطبيعة. واستذكرت أوكلي توجيهها لفريق تصفيف الشعر والمكياج بضرورة «الحرص على أن يكون المكياج بسيطاً وقليل الأثر قدر الإمكان».

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

«أردتُ تقديم نسخة من القصة تتسم بالبساطة والعفوية»، هكذا أوضحت رؤيتها للطابع البصري والجمالي للفيلم. وفي إشارة منها إلى أن الشقيقات قضين وقتاً طويلاً في المنزل بصحبة والدهن -الذي كان قد تُوفي للتو- أضافت قائلة: «لم أستطع أن أتقبل فكرة أنهن، في ظل تلك الظروف، كنّ سيظهرن بالمظهر نفسه الذي تظهر به امرأة تعيش في لندن وتحضر الحفلات الراقصة كل عام». بالنسبة إلى أوكلي كانت النساء في تصورها لذلك العالم يعتمدن تسريحات شعر فضفاضة تبدو وكأن الرياح قد عبثت بها قليلاً (بعيداً عن التجعيدات المصففة بإحكام)، ويرتدين فساتين انسيابية. وأوضحت قائلة: «عندما أشاهد الأعمال المقتبسة من روايات أوستن، أشعر أحياناً بمسافة تفصلني عن الشخصيات، ويعود ذلك إلى طريقة تصفيف شعرهن أو المظهر المثالي والنظيف للغاية لملابسهن. لذا، أردتُ تقديم شيء أكثر واقعية وعفوية، يلامس الجانب الإنساني البسيط».

شمل ذلك تشكيل وحدة مختصة بالطبيعة، ضمت فريقاً من المصورين الفوتوغرافيين ومصوري الفيديو الذين قضوا ساعات في التخييم وسط التضاريس الوعرة بجنوب غربي إنجلترا. وقد تمثلت مهمتهم في إضفاء لمسات بصرية تعكس «الإيقاع البطيء» على الفيلم، مثل العناكب وهي تنسج خيوطها، والنحل وهو يتنقل بين الزهور، والضوء وهو ينساب عبر التلال الوعرة. تقول أوكلي: «عند تخيل عالمٍ يعود إلى ما قبل 200 عام، حيث لا وجود للشاشات ولا شيء يقطع الأفق أمام البصر، ندرك أن انتقال الشخصيات للعيش في ذلك الكوخ يمثّل تجربة صعبة للغاية. لذا، كنت أرغب حقاً في استكشاف ذلك الرابط؛ ليس فقط مع الطبيعة، بل أيضاً مع علاقة الشخصيات بالزمن». كما تطلّب هذا النهج خلق أجواء أكثر قتامة، بدلاً من الاعتماد على الغرف المشرقة التي تغمرها أشعة الشمس.

الممثلة البريطانية فيونا شو في دور الأم في مشهد من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

تقول مصممة الإنتاج فرانشيسكا دي موتولا -في مكالمة فيديو أجريت مؤخراً من برلين حيث كانت تعمل على مشروعها القادم-: «لقد شاهدنا من قبل أفلاماً تدور أحداثها في المملكة المتحدة داخل قصور ريفية ضخمة وفخمة، لكن ذلك لم يكن البتة ما كنا نبحث عنه». وعندما تعلق الأمر بتصوير تدهور أوضاع الأسرة -إذ تضطر العائلة إلى مغادرة منزلها بعد وفاة الأب، لأن ملكية المنزل تؤول بالكامل إلى ابنه من زواجه الأول- أوضحت دي موتولا أنهم ركزوا على إظهار التبعات العملية التي واجهتها بنات عائلة «داشوود». فعلى سبيل المثال، حين تنتقل الأسرة من قصر ريفي في مقاطعة «ساسكس» إلى كوخ «بارتون» الأصغر بكثير في مقاطعة «ديفونشاير»، لا يرافقهن سوى خادم واحد، وبدلاً من المشاهد التقليدية التي تظهر الشخصيات وهن يستعددن لحضور الحفلات الراقصة، نرى مشاهد لهن وهن يقمن بأعمال الغسيل والطهي وتقطيع الحطب.

قالت دي موتولا: «إنك ترى كيف يضطرون إلى التأقلم مع حياة جديدة تماماً؛ إذ بات عليهم الآن القيام بكل تلك المهام المرتبطة بالعيش في القصور، وهي أمور عادةً ما يتولى شخص آخر مساعدتك في إنجازها». وأشارت ليندا تروست -وهي أستاذة اللغة الإنجليزية في كلية «واشنطن وجيفرسون» بولاية بنسلفانيا وشاركت في تحرير كتاب عن الاقتباسات السينمائية لأعمال أوستن- إلى أن النزعة الواقعية كانت حاضرة في اقتباسات أعمال أوستن من قبل؛ فعلى سبيل المثال، طُلب من الممثلين في المسلسل القصير «إيما» (Emma) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1972 ألا يغسلوا شعورهم بانتظام، وذلك لكي يبدو أقل كثافة وهيشاناً وأكثر ملاءمة لطبيعة العصر الذي تدور فيه أحداث القصة.

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

لم يتردد بعض صُنّاع الأفلام أيضاً في إظهار الجوانب الخشنة والواقعية القاسية، فعلى سبيل المثال، أظهر فيلم «الإقناع» (Persuasion) الصادر عام 1995 شخصية «آن إليوت» وهي تستقل عربة بصحبة خنزير وإوزة، كما صوّر المسلسل القصير «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 2008 كوخاً متداعياً وأجواء يسودها هطول مستمر للمطر. ومع ذلك، ترى «تروست» أن ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتصوير القذارة والأوساخ التي ميّزت تلك الحقبة الزمنية بصدق وواقعية. غير أن الهدف الأسمى بالنسبة إلى «أوكلي» لم يكن الالتزام الصارم بالدقة التاريخية؛ إذ أوضحت أنها سعت -من خلال التخلي عن بعض مظاهر البريق واللمعان التي باتت سمة معتادة في الأعمال الفنية- إلى إبراز المشاعر الإنسانية الكامنة في القصة. وقالت «أوكلي» إن الشخصيات ربما لا تتسم بـ«الجرأة أو خفة الظل بالمعنى العصري، لكن ذلك لا ينفي إنسانيتها»، مضيفة: «لا يزال بإمكانك التواصل معها بعمق، وإدراك مدى صدق قصصها وقدرتها على ترك أثرٍ في النفس».

* خدمة «نيويورك تايمز»


منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
TT

منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)

تعود الفنانة المصرية منى زكي لمنطقتها الدرامية المفضلة لتناقش مجدداً هموم وقضايا المرأة عبر مسلسل «طالع نازل- الحب اللي كان» الذي تقوم ببطولته أمام محمد شاهين، ومريم الخشت، وحمزة دياب، وميمي جمال، وليلى عز العرب، ومن تأليف سماء عبد الخالق وإنجي القاسم، وإخراج هاني خليفة.

وحظي المسلسل الذي تعرضه منصة «شاهد» باهتمام لافت، وتصدر «الترند» عبر «غوغل»، السبت، في مصر، بعد ساعات من طرح حلقتيه الأولى والثانية.

وكشفت الحلقات الأولى من المسلسل الذي تدور أحداثه في 10 حلقات عبر دراما نفسية اجتماعية، كيف تفانت سيدة الأعمال نورا الشريف التي تؤديها منى زكي في إدارة أعمال زوجها الموسيقار الشهير علي داوود ويؤدي دوره الفنان محمد شاهين، حيث تهتم بكل صغيرة وكبيرة في حياته، وقد ساندته منذ بداياته حتى يحقق أحلامه في النجاح والشهرة، بينما يفاجئها بخبر زواجه السري.

محمد شاهين يقدم أداءً لافتاً بالمسلسل (منصة شاهد)

الصدمة لم تكن فقط في زواجه الذي أخفاه على مدى عامين، بل أيضاً في انتظاره مولوداً من زوجته الجديدة برغم أنه رفض الإنجاب من البداية عند زواجه بنورا، وأقنعها بذلك وقد ظلت تتوق للأمومة. وكان الانفصال خياراً بديهياً في هذه الحالة لكنها لا تفعل ذلك، بل تبقى تمارس دورها المعتاد في حياته وتطلب منه منحها مهلة للتفكير.

تلجأ نورا لطبيب، لتحقق رغبتها في الإنجاب فيخبرها أن الحمل لم يعد ممكناً لها بأي وسيلة، فتبدأ رحلة الانتقام لإفشال زواجه وإنقاذ حياتها التي انهارت، وتهدم ما قامت ببنائه على مدى سنوات ويتحول «الحب الذي كان» لساحة حرب وصراع ويصبح سقوط أحدهما مرهوناً بسقوط الآخر، وتفتح دراما «طالع نازل» باباً مغلقاً حول ثمن الخيانة وتحول العواطف إلى صراع مدمر.

وقالت منى زكي إن أكثر ما جذبها لشخصية «نورا» اختلافها عما قدمته من قبل في الدراما السينمائية والتلفزيونية، واصفة البطلة بالسيدة القوية التي لديها القدرة على السيطرة على حياتها والتحكم بمن حولها، إلى أن يأتي حادث مفصلي يهز السيطرة على مشاعرها، لافتة «عبر بيان لمنصة شاهد» إلى أن «نورا ليست مجرد امرأة ارتبط زوجها بأخرى، بل شخصية لديها تناقضات عديدة، وهو ما جعل الدور جذاباً ومختلفاً وأخرجها من دائرة الأمان في أدائه»، حسبما تؤكد.

ولعل أهم ما استوقف الناقدة ماجدة خير الله هو رد فعل «نورا» في مشهد اعتراف زوجها بزواجه من أخرى، وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هي لم تصرخ وتولول كما كان متوقعاً، بل امتصت الصدمة رغم شعورها بانهيار عالمها لكنها تخفي ذلك، بينما ينشغل عقلها بالتفكير فيما تنتويه، وقد أدَّتها منى زكي بكل روحها وأحاسيسها، كما كان محمد شاهين بارعاً في أدائه بهذا المشهد المهم، وترقبه لرد فعلها، وقدمه المخرج هاني خليفة بتكامل شديد من حيث الأداء والإضاءة، فهو مخرج يجيد التقاط اللحظات المؤثرة لشخصياته، وقد نجح في جذب الجمهور من أول حلقة وجعله في ترقب للحلقات القادمة».

لافتة إلى أن دور منى زكي في فيلم «سهر الليالي» الذي أدَّت فيه شخصية امرأة تعرف بخيانة زوجها وتواجهه ببكاء واستجداء، يختلف عن دورها في هذا المسلسل «فهي هنا امرأة قوية تسعى لإنقاذ حياتها، خصوصاً بعدما وجدت نفسها وقد ضحَّت بالأمومة لأجل زوجها، بينما زوجته الجديدة تنتظر مولوداً، ما يُعد بالفعل صدمة قاسية لأي امرأة».

منى زكي وميمي جمال في أحد مشاهد المسلسل (منصة شاهد)

بينما توقع الناقد محمد عبد الرحمن أن يكون «طالع نازل» من أهم الأعمال الدرامية بموسم الخريف، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المسلسل ينطلق من قصة شديدة الكلاسيكية حيث الزوج الخائن الذي يرتبط بزوجة أخرى تاركاً من صنعت نجاحه، لينطلق العمل إلى معالجة غير مطروقة من قبل»، مؤكداً أن «منى زكي تعيد عبر هذا العمل التأكيد على حسن اختيارها للقضايا الاجتماعية التي تقدمها على الشاشة، فتقدم شخصية لم تحرقها الدراما المصرية من قبل، مديرة الأعمال والزوجة المحبة التي نسيت الأمومة من أجل رجل لم يرد الجميل، عبر أداء مميز للفنانة المصرية البارزة وسط تشويق لافت، كما يقدم الفنان محمد شاهين أيضاً دوراً صعباً يتطلب مهارات أداء يتملكها بكل تأكيد»، وفق الناقد الفني. لافتاً إلى أن لمسة المخرج هاني خليفة عادة ما تكون أكثر وضوحاً مع الممثلين الموهوبين، وهو ما يتضح مع باقي فريق العمل.

واعتادت منى زكي طرح قضايا وأزمات المرأة في أعمالها الأخيرة التي لاقت نجاحاً لافتاً ومن بينها «لعبة نيوتن» و«تحت الوصاية»، و«رحلة 404»، كما أسست قبل عامين شركة لإنتاج أفلام قصيرة تطرح وجهات نظر صانعات الأفلام العرب بالاشتراك مع الناشرة مي عبد العظيم، وكان أول أفلامها الفيلم القصير «Alone» للمخرجة منى داوود الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان هوليوود للفيلم العربي.