«جوائز المونو» تنطلق من بيروت... وطموح لجَمْع المسرحيين العرب

32 عرضاً تتنافس على 15 فئة وفق تحكيم مستقلّ وسرّي

الفنّ لا يُوزَن ولكن يمكن الاقتراب منه بضمير يقظ (المونو)
الفنّ لا يُوزَن ولكن يمكن الاقتراب منه بضمير يقظ (المونو)
TT

«جوائز المونو» تنطلق من بيروت... وطموح لجَمْع المسرحيين العرب

الفنّ لا يُوزَن ولكن يمكن الاقتراب منه بضمير يقظ (المونو)
الفنّ لا يُوزَن ولكن يمكن الاقتراب منه بضمير يقظ (المونو)

يستعدّ مسرح «المونو» في بيروت لإطلاق الدورة الأولى من جوائزه المسرحية، في حفل يُقام ليلة 10 أغسطس (آب) المقبل، ويجمع فنانين وكتّاباً ومخرجين وتقنيين أسهموا في مواصلة الحركة المسرحية اللبنانية خلال عام أثقلته الحرب والاضطرابات. وينقل «تلفزيون لبنان» الحفل الذي تُقدّمه الممثلة والمخرجة زينة دكّاش والممثل طلال الجردي، على أن تتخلّله عروض فنّية وتكريمات لمسيرات مسرحية.

جاء الإعلان عن «جوائز المونو» خلال مؤتمر صحافي أقيم في المسرح، بحضور لجنة التحكيم وعدد من الفنانين والإعلاميين. وبدت مديرة هذه الخشبة جوزيان بولس شديدة الارتباط بالمكان الذي تُديره، وهي تتحدَّث عن ساعات العمل الطويلة التي تمضيها بين قاعاته وكواليسه. وصفت تعبها بالمُفرح، مشيرة إلى أنّ المسرح بات شاهداً على حضورها اليومي أكثر من منزلها العائلي، بعدما تحوَّل العمل فيه إلى جزء أساسي من حياتها.

وترى بولس في إطلاق الجوائز خطوة غير مسبوقة على صعيد المسرح اللبناني، آملةً أن تتّسع التجربة لتشمل فنانين وعاملين في المسرح من دول عربية. فهي تطمح إلى أن تستضيف بيروت، التي تتمسّك بصورة المدينة الثقافية المنفتحة، أسماء وتجارب عربية ضمن دورات مقبلة، فيتحوّل الحفل ملتقى للمسرحيين يتجاوز الحدود المحلّية.

التحكيم الحقيقي هو أن تُنصف ما تُحبّ وما لا يشبه ذائقتك أيضاً (المونو)

ووصفت موعد 10 أغسطس بالمحطّة المفصلية في مسيرة المسرح؛ لِما يحمله من اعتراف بالجهود التي بُذلت خلال مرحلة شديدة القسوة. جاء حديثها أمام وسائل إعلام بينها «تلفزيون لبنان»، المؤسّسة التي بدأت فيها مسيرتها، وارتبط تاريخها أيضاً بوالدها الراحل جان كلود بولس، أحد الأسماء التي تركت أثراً عميقاً في مرحلة ازدهار الشاشة الرسمية. وتضع جوزيان «تلفزيون لبنان» إلى جانب منزلها العائلي ومسرح «المونو» ضمن أكثر الأمكنة التصاقاً بسيرتها الشخصية والمهنية.

وشدَّدت بولس على استقلالية عملية التحكيم، مؤكدةً أنها بقيت خارج مسار التصويت ولم تطَّلع على خيارات أعضاء اللجنة. واستُبعِدت من المنافسة الأعمال التي شاركت فيها تمثيلاً أو إخراجاً، تفادياً لأي تعارُض في المصالح، وحفاظاً على نزاهة النتائج وصدقيتها.

وتشمل المنافسة 32 عرضاً قُدِّمت على خشبتَي «المونو» و«آكت» بين سبتمبر (أيلول) 2025 وأواخر يوليو (تموز) 2026، من دون تمييز بين العروض المقدَّمة في القاعة الكبرى وتلك التي استضافها المسرح الصغير. وتتنافس الأعمال ضمن 15 فئة، تتوزَّع بين أفضل عرض وإخراج ونصّ أصلي وإعداد مسرحي، وجوائز التمثيل في الأدوار الرئيسية والثانوية، والسينوغرافيا والأزياء والإضاءة والصوت والموسيقى الأصلية، إضافة إلى جائزة خاصة للشباب وأخرى فخرية لمسيرة استثنائية.

وراء كلّ جائزة ساعات طويلة من الشكّ أكثر من اليقين (المونو)

وتتولّى تقييم الأعمال لجنة مستقلّة يرأسها وليد دكروب، وتضمّ سوسن عوّاد، وربيع الشامي، وروزيت فاضل، وفادي جنبرت، وسرمد لويس، وميرانا النعيمي، وميسا حنوني يعفوري. كما يحضر رأي الجمهور ضمن آلية التقييم. وأكدت بولس أنّ التصويت جرى بسرّية تامة، والمُحكِّمين لم يعرفوا اختيارات بعضهم قبل الانتقال إلى مرحلة النقاش النهائي.

وتحدَّث أعضاء اللجنة بروح من الدعابة عن «الورطة» التي وضعتهم فيها جوزيان بولس، في إشارة إلى صعوبة المُفاضلة بين تجارب فنّية متنوّعة. غير أنهم وصفوها بورطة جميلة، أتاحت لهم إعادة النظر في أدوات التقييم وفي علاقتهم الشخصية بالخشبة.

وفي ردّ على سؤال «الشرق الأوسط» عن احتمال نشوء انقسامات حادّة داخل اللجنة؛ نظراً إلى ارتباط تلقّي المسرح بالذائقة الفردية، قال دكروب إنّ «الفن لا يُقاس بالمسطرة»، مؤكداً أنّ النقاشات لم تصل إلى صدامات حادّة. وأوضح أنّ اللجنة احتكمت إلى معايير جمالية وفنّية، مع الإبقاء على مساحة لسحر العمل وقدرته على ملامسة المتلقّي وإشباع حاجة داخلية باتت أكثر إلحاحاً وسط الأزمات.

وأشار إلى أنّ الوصول إلى التصويت النهائي شكَّل عبئاً شخصياً ونفسياً على أعضاء اللجنة، فالمَهمّة تختلف عن تقييم الطلاب وفق معايير أكاديمية مباشرة. وقد تحوَّلت الاجتماعات، وفق تعبيره، إلى تمرين ذهني على مراجعة الذائقة وصياغة الأحكام والانفتاح على قراءة الآخر، ضمن نقاش وصفه بالراقي والمسؤول.

وسيحمل الفائزون مجسَّماً صمَّمته الفنانة اللبنانية كاتيا طرابلسي، واختارت أن تجعل منه صورة مكثَّفة عن طبيعة المسرح. يبدو المجسَّم للوهلة الأولى كتلة واحدة، ثم يكشف عند تأمّله عن وجوه وشخصيات وتكوينات مُتداخلة، في إحالة إلى العمل الجماعي الذي يجمع الكاتب والمخرج والممثل والمصمّم والتقني والموسيقي والجمهور.

وتترك الفراغات داخل التصميم مساحات مفتوحة للخيال والتأويل، في حين تشير الأزهار المتفتّحة عند القاعدة إلى قدرة الإبداع على النمو وسط الظروف القاسية. وتتوسَّط المجسَّم عين ترمز إلى وظيفة المسرح في إعادة تدريب الإنسان على رؤية ذاته والعالم كما لم يعتدهما. أما الموسيقى الخاصة بدخول الفائزين، فقد ألَّفها المغنّي وكاتب الأغنيات والمنتج اللبناني أنطوني توما خصوصاً للحفل.

وكشفت بولس أنّ برنامج عروض «المونو» لعام 2027 بات ممتلئاً، في مؤشّر إلى الحركة التي يشهدها المسرح رغم الرياح المُعاكسة. كما ألمحت إلى عودة قريبة لاسم وصفته بـ«عملاق المسرح»، مفضّلةً الاحتفاظ بهويته رغم محاولات الصحافيين انتزاع الإعلان منها.

وتُراهن إدارة «المونو» على أن تتحوَّل الجوائز تقليداً سنوياً يواكب الإنتاج المسرحي اللبناني، ويمنح العاملين فيه منبراً للاحتفاء بجهودهم. وتأتي الدورة الأولى من تجربة مسرح حافظ على عروضه وأضوائه في أكثر المراحل اضطراباً، مؤكداً أنّ الخشبة تظلّ قادرة على جَمْع الناس وصناعة معنى مشترك حين تضيق المساحات الأخرى.


مقالات ذات صلة

فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

يوميات الشرق تغيَّر اللقب... وبقي الصباح على عادته (أ.ب)

فاز بـ«نوبل»... ثم ذهب ليُعدّ وجبات أطفاله

أمضى الدكتور كارل دايسيروث ساعات طويلة في الردّ على اتصالات التهنئة، بعدما علم في الساعات الأولى من صباح الاثنين بفوزه بجائزة نوبل في الطبّ...

«الشرق الأوسط» (ستانفورد (كاليفورنيا))
يوميات الشرق حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

ترى كارمن بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أعمال كميل سلامة تركت أثرها في ذاكرة المُشاهد اللبناني («فيسبوك» الفنان)

كميل سلامة: تأثّرتُ بجائزة «المونو» لأنها أكّدت أنّ جيلاً جديداً يعرفني

رغم مسيرته الطويلة، يرى كميل سلامة أنّ هناك آخرين من الجيل القديم يستحقون التكريم...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

قال المخرج الروماني فلورين شيربان الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من «لوكارنو السينمائي» إن فيلمه «أنت لا تنتمي إلى هنا» بدأ من سؤال عن العلاقة بين الأب والابن.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)

منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
TT

منى زكي تعود إلى منطقتها الدرامية المفضلة عبر «طالع نازل»

منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)
منى زكي في لقطة من مسلسل «طالع نازل» (منصة شاهد)

تعود الفنانة المصرية منى زكي لمنطقتها الدرامية المفضلة لتناقش مجدداً هموم وقضايا المرأة عبر مسلسل «طالع نازل- الحب اللي كان» الذي تقوم ببطولته أمام محمد شاهين، ومريم الخشت، وحمزة دياب، وميمي جمال، وليلى عز العرب، ومن تأليف سماء عبد الخالق وإنجي القاسم، وإخراج هاني خليفة.

وحظي المسلسل الذي تعرضه منصة «شاهد» باهتمام لافت، وتصدر «الترند» عبر «غوغل»، السبت، في مصر، بعد ساعات من طرح حلقتيه الأولى والثانية.

وكشفت الحلقات الأولى من المسلسل الذي تدور أحداثه في 10 حلقات عبر دراما نفسية اجتماعية، كيف تفانت سيدة الأعمال نورا الشريف التي تؤديها منى زكي في إدارة أعمال زوجها الموسيقار الشهير علي داوود ويؤدي دوره الفنان محمد شاهين، حيث تهتم بكل صغيرة وكبيرة في حياته، وقد ساندته منذ بداياته حتى يحقق أحلامه في النجاح والشهرة، بينما يفاجئها بخبر زواجه السري.

محمد شاهين يقدم أداءً لافتاً بالمسلسل (منصة شاهد)

الصدمة لم تكن فقط في زواجه الذي أخفاه على مدى عامين، بل أيضاً في انتظاره مولوداً من زوجته الجديدة برغم أنه رفض الإنجاب من البداية عند زواجه بنورا، وأقنعها بذلك وقد ظلت تتوق للأمومة. وكان الانفصال خياراً بديهياً في هذه الحالة لكنها لا تفعل ذلك، بل تبقى تمارس دورها المعتاد في حياته وتطلب منه منحها مهلة للتفكير.

تلجأ نورا لطبيب، لتحقق رغبتها في الإنجاب فيخبرها أن الحمل لم يعد ممكناً لها بأي وسيلة، فتبدأ رحلة الانتقام لإفشال زواجه وإنقاذ حياتها التي انهارت، وتهدم ما قامت ببنائه على مدى سنوات ويتحول «الحب الذي كان» لساحة حرب وصراع ويصبح سقوط أحدهما مرهوناً بسقوط الآخر، وتفتح دراما «طالع نازل» باباً مغلقاً حول ثمن الخيانة وتحول العواطف إلى صراع مدمر.

وقالت منى زكي إن أكثر ما جذبها لشخصية «نورا» اختلافها عما قدمته من قبل في الدراما السينمائية والتلفزيونية، واصفة البطلة بالسيدة القوية التي لديها القدرة على السيطرة على حياتها والتحكم بمن حولها، إلى أن يأتي حادث مفصلي يهز السيطرة على مشاعرها، لافتة «عبر بيان لمنصة شاهد» إلى أن «نورا ليست مجرد امرأة ارتبط زوجها بأخرى، بل شخصية لديها تناقضات عديدة، وهو ما جعل الدور جذاباً ومختلفاً وأخرجها من دائرة الأمان في أدائه»، حسبما تؤكد.

ولعل أهم ما استوقف الناقدة ماجدة خير الله هو رد فعل «نورا» في مشهد اعتراف زوجها بزواجه من أخرى، وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هي لم تصرخ وتولول كما كان متوقعاً، بل امتصت الصدمة رغم شعورها بانهيار عالمها لكنها تخفي ذلك، بينما ينشغل عقلها بالتفكير فيما تنتويه، وقد أدَّتها منى زكي بكل روحها وأحاسيسها، كما كان محمد شاهين بارعاً في أدائه بهذا المشهد المهم، وترقبه لرد فعلها، وقدمه المخرج هاني خليفة بتكامل شديد من حيث الأداء والإضاءة، فهو مخرج يجيد التقاط اللحظات المؤثرة لشخصياته، وقد نجح في جذب الجمهور من أول حلقة وجعله في ترقب للحلقات القادمة».

لافتة إلى أن دور منى زكي في فيلم «سهر الليالي» الذي أدَّت فيه شخصية امرأة تعرف بخيانة زوجها وتواجهه ببكاء واستجداء، يختلف عن دورها في هذا المسلسل «فهي هنا امرأة قوية تسعى لإنقاذ حياتها، خصوصاً بعدما وجدت نفسها وقد ضحَّت بالأمومة لأجل زوجها، بينما زوجته الجديدة تنتظر مولوداً، ما يُعد بالفعل صدمة قاسية لأي امرأة».

منى زكي وميمي جمال في أحد مشاهد المسلسل (منصة شاهد)

بينما توقع الناقد محمد عبد الرحمن أن يكون «طالع نازل» من أهم الأعمال الدرامية بموسم الخريف، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المسلسل ينطلق من قصة شديدة الكلاسيكية حيث الزوج الخائن الذي يرتبط بزوجة أخرى تاركاً من صنعت نجاحه، لينطلق العمل إلى معالجة غير مطروقة من قبل»، مؤكداً أن «منى زكي تعيد عبر هذا العمل التأكيد على حسن اختيارها للقضايا الاجتماعية التي تقدمها على الشاشة، فتقدم شخصية لم تحرقها الدراما المصرية من قبل، مديرة الأعمال والزوجة المحبة التي نسيت الأمومة من أجل رجل لم يرد الجميل، عبر أداء مميز للفنانة المصرية البارزة وسط تشويق لافت، كما يقدم الفنان محمد شاهين أيضاً دوراً صعباً يتطلب مهارات أداء يتملكها بكل تأكيد»، وفق الناقد الفني. لافتاً إلى أن لمسة المخرج هاني خليفة عادة ما تكون أكثر وضوحاً مع الممثلين الموهوبين، وهو ما يتضح مع باقي فريق العمل.

واعتادت منى زكي طرح قضايا وأزمات المرأة في أعمالها الأخيرة التي لاقت نجاحاً لافتاً ومن بينها «لعبة نيوتن» و«تحت الوصاية»، و«رحلة 404»، كما أسست قبل عامين شركة لإنتاج أفلام قصيرة تطرح وجهات نظر صانعات الأفلام العرب بالاشتراك مع الناشرة مي عبد العظيم، وكان أول أفلامها الفيلم القصير «Alone» للمخرجة منى داوود الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان هوليوود للفيلم العربي.


«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)
عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)
TT

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)
عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)

قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.

لكنها سرعان ما تكشف عن شيء آخر يتجاوز استعادة الموروث؛ فالرموز والأشكال والخطوط التي تظهر في لوحاته لا تأتي باعتبارها نقلاً لما هو قائم في الذاكرة، وإنما تدخل في تكوينات جديدة تمنحها معنى مختلفاً، وتضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلة الفن الحديث.

هذا الجانب من تجربة الفنان الراحل قدمه المعرض الاستعادي في غاليري «ياسين» بالزمالك، من خلال مجموعة من الأعمال التي تتيح متابعة مسيرته وتطور لغته التشكيلية.

وتكشف نحو 25 لوحة يضمها المعرض أن عالم مرسي لا يعرف حدوداً حادة بين الرسم والنحت، ولا بين الماضي والحاضر؛ فالسطح الذي يرسم عليه يمكن أن يتحول إلى مساحة ذات تضاريس، تدخل فيها الخامة نفسها طرفاً في التعبير.

وقد منحت هذه الخاصية أعماله حضوراً مادياً واضحاً، خصوصاً في المراحل التي استخدم فيها الرمل والعجائن، ليصبح ملمس اللوحة جزءاً من معناها وليس مجرد إضافة تقنية.

شخصية رمزية تتشكل من وحدات هندسية وزخرفية في معالجة تختزل الملامح الإنسانية داخل بناء بصري (الشرق الأوسط)

ويرى هاني ياسين مدير الغاليري أن لوحات مرسي تكشف عن اهتمام مبكر بالخطوط والمساحات وبناء التكوين، وهو ما ارتبط بصورة وثيقة بتأثره بالفن المصري القديم.

وقال ياسين لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن هذا التأثر قائماً على الاقتباس المباشر؛ إذ كان من المعروف أن عبد الوهاب مرسي كان يستوعب جيداً طريقة بناء الصورة لدى المصري القديم، ثم يرسم، وفي لوحاته نجد للخط وظيفة أساسية، وللمساحة قيمة مستقلة، وللرمز قدرة على اختزال أفكار ومعتقدات كاملة»، مضيفاً أن «سنوات عمله في مركز تسجيل الآثار، التي امتدت من 1958 إلى 1974 قد ساعدته في ذلك، فقد أتاحت له هذه التجربة احتكاكاً مباشراً بالآثار المصرية القديمة ورسومها ونقوشها، كما درس الفن أكاديمياً وتخصص لاحقاً في أعمال الحفر، وهو ما انعكس على تعدد الوسائط في تجربته».

لكن لم يتوقف الفنان عند هذا الحد؛ إذ تظهر الأعمال أنه مع الوقت تحولت العناصر التي عرفها في المعابد والمقابر والبرديات إلى مفردات شخصية.

فمن اللافت أن الوجوه والأشكال الحيوانية والطيور والأسماك والنجوم والرموز الهندسية تظهر داخل اللوحة، لكنها لا تحافظ بالضرورة على وظيفتها الأصلية؛ فنجد أن الفنان قد انتزعها من سياقها التاريخي ووضعها في علاقات جديدة، لتصبح في النهاية جزءاً من تكوين بصري جديد.

عمل يستحضر مفردات من الرموز المصرية القديمة ضمن تكوينات هندسية ومساحات لونية كثيفة (الشرق الأوسط)

وفي هذه النقطة تحديداً تكمن أهمية تجربته مع التراث الإسلامي أيضاً؛ فمرسي لم يكن ينظر إلى الذاكرة المصرية بوصفها مرحلة واحدة، وإنما تعامل معها بوصفها طبقات متراكمة.

فإلى جانب المرجع الفرعوني، تظهر في أعماله آثار البيئة الإسلامية، خصوصاً في ميله إلى الزخرفة الهندسية وتكثيف السطح والتعامل مع الفراغ باعتباره مساحة قابلة للمعالَجة.

وتتصل هذه الرؤية كذلك بنشأته في البيئة الريفية المصرية؛ فقد ولد في فاقوس بمحافظة الشرقية (شرق الدلتا) عام 1931، وحملت تجربته الفنية منذ بداياتها أثراً واضحاً لعلاقة الإنسان بالأرض وبالمكان.

وتظهر هذه العلاقة في الألوان وفي تقسيمات المساحات وفي حضور عناصر تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة البيئة المصرية.

ومن هنا يمكن فهم انتقاله إلى استخدام الرمل كخامة في بعض أعماله باعتباره تطوراً طبيعياً في تجربته، وقد أتاحت له هذه الخامة أن يضيف إلى اللوحة ملمساً وبروزاً، وأن يوسع حدود العلاقة بين اللون والسطح.

وقد جعل ذلك أعماله تقترب من منطقة مشتركة بين التصوير والنحت؛ فالتصوير الجداري عند المصري القديم نفسه لم يكن منفصلاً بصورة قاطعة عن النحت البارز.

تتجاور في أعمال الفنان الرموز المستلهمة من الحضارة المصرية القديمة مع الخطوط والتكوينات التجريدية (الشرق الأوسط)

يقول ياسين: «هذه الصلة وجد فيها مرسي مدخلاً لتطوير تجربته الخاصة، لا سيما أنه وضع الرمل على سطح اللوحة، ثم تعامل معه باللون، فبات السطح يحمل أثراً بصرياً وملمسياً في الوقت نفسه».

من هنا تتسع مسيرة مرسي خارج حدود الرسم الزيتي؛ يضيف ياسين قائلاً: «المتأمل للوحاته يجد أن الرسم والحفر والسطوح البارزة والعجائن الرملية ظلت جميعها تقنيات تخدم بحثاً واحداً عن لغة يستطيع من خلالها أن يكون مصرياً ومعاصراً في الوقت نفسه، لكن القيمة الأساسية في أعماله لا تكمن في عدد التقنيات التي استخدمها بقدر ما تكمن في الطريقة التي جمع بها بينها، وهي طريقة مميزة للغاية».

ومن خلال هذه الأعمال، تبدو تجربة عبد الوهاب مرسي أقرب إلى مسار طويل ظل فيه التراث حاضراً، لكن من دون أن يتحول إلى قيد؛ فكل مرحلة أضافت إلى لغته شيئاً جديداً، بينما بقيت مصر بموروثها وبيئتها ومفرداتها نقطة الانطلاق الأساسية .


8 أسئلة تقود لتحوّل إيجابي في علاقة الأبناء بالآباء

على الأبناء إدراك ما يحتاجونه بالفعل من الآباء (بكسلز)
على الأبناء إدراك ما يحتاجونه بالفعل من الآباء (بكسلز)
TT

8 أسئلة تقود لتحوّل إيجابي في علاقة الأبناء بالآباء

على الأبناء إدراك ما يحتاجونه بالفعل من الآباء (بكسلز)
على الأبناء إدراك ما يحتاجونه بالفعل من الآباء (بكسلز)

تتسم العلاقات بين الأبناء البالغين وآبائهم بطبيعة معقدة متعددة الأبعاد، وقد تكون في بعض الأحيان مصدراً للإحباط والتوتر. والخبر السار أنه من الممكن إحداث تحسينات في هذه العلاقة، شريطة الانطلاق من أرضية قائمة على الفهم والاستيعاب.

في مقال لها نُشر، الجمعة، على موقع «سيكولوجي توداي»، كتبت الدكتورة سوزان نيومان، عالمة نفس اجتماعي ومؤلفة كتب في هذا المجال، أن الخطوة الأولى لتغيير مسار المشكلات القائمة بين الأبناء البالغين وآبائهم تكمن في تحديد هذه التحديات وتشخيصها بوضوح.

وأوضحت أنه على عكس ما تعتقده، فإن لديك خيارات واضحة لتوجيه مسار علاقتك بهما، حتى مع الآباء الذين يتسمون بصعوبة الطباع. في المقابل، عندما يُسمح للمشكلات بالتفاقم، فإنها تهدد العلاقة بين الابن البالغ ووالديه؛ على سبيل المثال، إذا حاول الوالدان فرض سيطرتهما على أبنائهما البالغين، فقد يؤدي ذلك لتوتر العلاقة، وقد ينفجر في صورة مشاحنات أو حتى القطيعة التامة.

تتساءل نيومان عن السبب الذي يمنع العائلات من السعي نحو توازن عادل في القوى بمجرد أن يصل الأبناء لمرحلة البلوغ، قائلة: «نميل عادةً للتمسك بأنماط سلوكية تعود لمرحلة طفولة الأبناء، لأن تصحيحها يبدو صعباً».

وأضافت: «كيف يمكنك تغيير أم تتدخل في شؤونك، أو أب متسلط، أو آخر يصر دائماً على أنه على حق»، مشددة على أن: «التحسينات البسيطة تسهم بشكل كبير في إصلاح العلاقة وتجنب التفاعلات المؤذية».

أسئلة واجبة

تذكر نيومان أنه قبل أن تتمكن من بناء رابطة أكثر راحة وإرضاءً مع أحد والديك، عليك إدراك واقع العلاقة الحالي وتحديد أكثر الأمور التي تزعجك. وأضافت: ستتيح الإجابة عن الأسئلة التالية تحديد مواطن الخلل وترتيب أولويات ما تحتاج لمعالجته: هل تشعر أن العلاقة متوازنة؟ وأن والديك يتوقعان منك أشياء كثيرة؟ هل يتدخل والداك بشكل مفرط في حياتك؟ وهل يؤثران على طريقة تفكيرك؟ هل تتواصل معهما بشكل مفرط أم نادر؟ وهل الحدود بينكما واضحة ومفهومة للطرفين؟ هل يحترم والداك مشاعرك؟ وهل تشعر بالتوتر أو الذنب تجاههما؟

تشدد نيومان على أن إجاباتك على الأسئلة السابقة ستساعدك في رسم خريطة طريق تحدد جوانب المشكلة، مما يقلل من شعورك بالانزعاج أو التوتر. وحتى لو كنت تعتقد أن والديك لا يستطيعان التغيير أو لا يرغبان فيه، فلا يزال هناك مجال لإجراء تعديلات بسيطة تخفف من مشاعر الاستياء، أو تجعلك على الأقل أكثر تقبلاً لمواقفهما المزعجة.

رؤى أولية

تؤكد نيومان على أنه بمجرد أن تفهم الجوانب التي تود معالجتها، يحين الوقت للتغيير، موضحة أن طبيعة العلاقة بين الأبناء والآباء لم تتشكل بين عشية وضحاها، ومن غير المرجح حدوث تغيير جذري وسريع؛ لذا ينبغي أن يكون الهدف تحسينات جزئية يتراكم أثرها بمرور الوقت.

تضرب نيومان بعض الأمثلة التي يمكن البدء منها، مشددة على أن هذه الخطوات تعتمد على طبيعة الصعوبات التي تواجهها. تقول إذا كنت تشعر بالذنب تجاههما، فأدرك أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الشعور بالالتزام تجاه شخص ما بدافع الشعور بالذنب، وبين الرغبة الصادقة في التواصل معه. اسعَ لبناء تواصل حقيقي يجعلك راغباً في البقاء على اتصال بوالديك والوجود معهما أو سماع أخبارهما. ركّز على اهتمامات مشتركة مثل السياسة، أو الطهي، أو شؤون الأحفاد، ووجّه دفة الحوار دائماً نحو هذه الموضوعات «الآمنة».

وتضيف أنه إذا كان أحد والديك يحاول التحكم في حياتك، فحدد المجالات التي يمكنك فيها تقليل التفاعل أو الحد من مشاركة تفاصيل حياتك.

وتتابع بأنه عليك أن تعبّر بهدوء عن شعورك عندما تلاحظ أن أحد والديك يمارس سيطرة مفرطة، أو يوجه انتقادات كثيرة، أو يفرض مطالب تعجيزية. يمكنك القول: «يا أبي، أشعر وكأنني طفل في العاشرة عندما تقول كذا وكذا، أو عندما تملي عليّ ما يجب فعله».

وتختتم بقولها إنه من خلال معالجة المشكلات التي حددتها، ستصبح أقل عرضة للتأثر بما يزعجك، وأكثر انفتاحاً لبناء علاقة أوثق.