تشهد مسارح العاصمة المصرية القاهرة على مدار أكثر من أسبوعين حراكاً وزخماً فنياً لافتاً بفضل الدورة الـ19 من المهرجان القومي للمسرح المصري، والتي تشمل نحو 35 عرضاً متنوعاً، ويأتي ذلك عقب سفر المهرجان إلى فضاءات جغرافية جديدة خصوصاً مدينة المنصورة (دلتا مصر) التي حظيت بنصيب الأسد من الورش والعروض خارج القاهرة هذا العام وسط احتفاء وحضور كبيرين.
وقال الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، القائم بأعمال وزير الثقافة، في كلمته بحفل افتتاح المهرجان مساء السبت إن «الدورة الحالية تعكس رؤية تؤمن بأن الثقافة حق لكل مواطن، وأن العدالة الثقافية ممارسة عملية وليست مجرد شعار، وهو ما تجسد في امتداد فعاليات المهرجان إلى خارج العاصمة، ووصولها إلى عدد من المحافظات».
وأوضح عادل عبده، مدير المهرجان، أن «فعاليات المهرجان في المنصورة شهدت تنظيم 72 فعالية متنوعة، شارك فيها كبار الفنانين والمتخصصين، وشملت ورشاً فنية في مختلف التخصصات، وورشاً لذوي الإعاقة، وعدداً من الندوات، وعروض القراءة المسرحية».

وتتضمن الدورة الحالية 35 عرضاً ضمن المسابقة الرسمية و3 عروض خارجها من أبرزها «أداجيو» للمخرج السعيد منسي، و«الملك لير» لمحمود الحسيني، و«سما» لأيمن مصطفى، و«التياترو» لأحمد فؤاد، و«ليلة القتلة» لأدهم وليد، و«لحظة واحدة» ليوسف مراد منير.
ويستضيف مسرح «السامر» بحي «العجوزة» بالقاهرة 4 عروض هي «البؤساء» لإبراهيم الفقي، و«يوم أن قتلوا الغناء» لأحمد عمارة، و«هوامش الجبرتي» لعمرو الرفاعي، و«شبح الأوبرا» لحسام التوني.
وتُعرض على خشبة «الهناجر» بدار الأوبرا مسرحيات «ضيق تنفس» لأحمد علاء و«الجريمة والعقاب» لمحمود الحسيني و«لسه فاكر» لمحمود فيشر، بينما يعرض مسرح «ميامي» بوسط القاهرة مسرحيات «حكاية دائرة الطباشير القوقازية» لعمر رأفت و«المضطر يركب القطر» لإفريم كامل و«شبابيك» لمحمد عمر و«أوليفار بالعربي» لسمر جلال.

وشهد حفل الافتتاح لحظات إنسانية مؤثرة وسط أجواء مبهجة ومداعبات للنجوم أضفت حالة من الطرافة والحميمية، منها رد الفعل التلقائي والعفوي الذي صدر عن الفنانة إسعاد يونس وهي تعبر عن فرحتها بتكريمها.
وخطفت إسعاد يونس الأنظار عبر تفاعلها مع الخلفية الموسيقية التي تزامنت مع تسلمها للجائزة والتصفيق الحار الذي حظيت به من قبل المسرحيين والنقاد. كما أهدت التكريم إلى أرواح الفنانين والمخرجين الراحلين سمير غانم وسهير البابلي والسيد راضي وسمير العصفوري.
ويحفل تاريخ إسعاد يونس (76 سنة) بالعديد من المسرحيات الناجحة في حقبتي السبعينات والثمانينات من أبرزها «الدخول بالملابس الرسمية» و«عروسة تجنن» و«جحا يحكم المدينة».

فيما نفت الفنانة شهيرة أن «يكون تكريمها نتيجة صلة النسب التي تجمعها بالفنان محمد رياض رئيس المهرجان»، متوجهة بالشكر إلى أعضاء اللجنة العليا «صاحبة القرار في هذا الشأن»، وداعبت الحضور بقولها: «هل هناك شخص يكرّم حماته؟»، لتنفجر القاعة بالضحك.
ومن أشهر تجارب شهيرة المسرحية «بداية ونهاية» المأخوذة عن رواية نجيب محفوظ و«البلدوزر» و«عودة الغائب» و«مصر فوق كل المحن» و«تصبح على خير يا حبة عيني» و«طائر البحر»، وهي الأعمال التي تتركز في فترة نهاية السبعينات وطوال حقبة الثمانينات.

وعبر استعراضات راقصة أثارت الإعجاب، جسّد عرض «سفر» من تصميم وإخراج الفنان وليد عوني الذي اُفتتح به الحفل قصة حب بين شاب وفتاة يرتديان الملابس الريفية الجميلة والزاهية، بداية من تعارفهما حتى النهاية السعيدة التي تُوجت بحفل الزفاف وإلقاء العروس باقة الورد على الجمهور في لفتة لاقت استحسان الحضور وتفاعلهم.
وعَدّ المخرج وليد عوني، العرض «إشارة رمزية إلى خروج المهرجان بعروضه وأنشطته الفكرية وندواته من العاصمة القاهرة إلى الأقاليم المختلفة التي تتميز بالطابع الريفي الجميل».
وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «راعى في الحفل أن يجمع بين البساطة والتفاؤل والبهجة في صياغة بصرية حركية تهدف إلى التعبير عن خصوصية الجغرافيا المصرية خارج العاصمة، لا سيما فيما يتعلق بالنيل ومفردات الحضارة والتاريخ».
ورغم تعبيره عن سعادته بتكريمه في هذه الدورة من المهرجان، فإن الفنان أحمد ماهر اعتبر أن تكريمه ضمن فعاليات المهرجان «جاء متأخراً للغاية»، مشيراً إلى أنه «أكثر أبناء جيله غزارة في الإنتاج المسرحي».

وتعليقاً على كلمة ماهر، أوضح الناقد المسرحي د. عبد الكريم الحجراوي أن «مشكلة تكريم أصحاب التجارب الإبداعية الفارقة في الفن المصري تنبع من ضخامة الأعداد وتشعب المجالات التي يستحق أصحابها التكريم».
وأضاف في تصريح إلى «الشرق الأوسط» أنه «ينبغي عمل قاعدة بيانات شاملة ودقيقة لكل ما يخص فن المسرح في البلاد بحيث تكون مرجعاً أصيلاً ومعتمداً يضم كل الأسماء الجديرة بالاحتفاء بحيث لا تكون التكريمات عشوائية، أو في أحسن الأحوال اجتهادات فردية، ونفاجئ كل عام بنسيان هذا الاسم أو ذاك».
وحصدت كلمة الفنان أحمد عبد العزيز تعاطفاً واسعاً بسبب نبرة صوته التي جاءت ضعيفة للغاية بسبب إجرائه عملية جراحية في الأحبال الصوتية مؤخراً، إلا أنه «أصر على مخالفة تعليمات الأطباء من أجل الحضور احتراماً لمكانة المسرح في قلبه»، وفق تعبيره.

وأضاف أنه «إذا أردنا مجتمعاً راقياً وسليماً بعيداً عن العنف والتطرف، فعلينا أن نهتم بالمسرح المدرسي، وإذا تعاونت كل من وزارة التربية والتعليم مع وزارة الثقافة في هذا الشأن فسوف نصنع جيلاً من الشباب الواعد والمختلف».
كما طالبت إسعاد يونس بضرورة تسجيل وتوثيق جميع عروض المسرح للحفاظ عليها من الضياع، وهو ما وجد ترحيباً كبيراً من المسرحيين الحاضرين بحفل الافتتاح.
