قال المخرج الإيطالي أومبرتو كارتيني إن أكثر ما يقلقه اليوم ليس ما يواجهه الشباب من أزمات، لكن عدم منح الكبار الوقت الكافي للاستماع إليهم، معتبراً أن المجتمعات الحديثة فقدت تدريجياً قدرتها على الإنصات إلى الأجيال الجديدة، حتى باتت الجهات الوحيدة التي تحاول فهمهم هي شركات التسويق، لكنها لا تفعل ذلك بدافع إنساني، وإنما لمعرفة احتياجاتهم وتحويلها إلى منتجات قابلة للبيع.
وأضاف أومبرتو كارتيني في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط» أن هذه الفكرة كانت منطلقاً أساسياً لفيلمه الجديد «زملاء الدراسة» (Classmates)، الذي يحاول الاقتراب من عالم المراهقين بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الصور النمطية التي كثيراً ما تحاصرهم.
ورأى كارتيني أن المدرسة لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل مساحة تختصر المجتمع بكل تناقضاته؛ لأن ما يحدث داخل الفصل الدراسي ليس سوى انعكاس لما يجري خارجه، مشيراً إلى أن كثيرين ينظرون إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة تعليمية فحسب، في حين يراها هو مكاناً تتجسد فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية بصورة أكثر وضوحاً، حيث يلتقي أشخاص يحمل كل منهم عالمه الخاص، بما فيه من مخاوف وأحلام وانكسارات... وهو ما حاول أن ينقله إلى الشاشة بعيداً عن المعالجات التقليدية التي اعتادت عليها أفلام المدارس.

ويُعرض «زملاء الدراسة» ضمن الدورة الحالية من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك، وهو فيلم مقتبس عن رواية «غداً اختبار شفهي» (Domani interrogo) للكاتبة الإيطالية غايا تشينتشاريللي، المستوحاة من تجربتها الشخصية خلال عامها الأول في التدريس. ويتابع الفيلم رحلة معلمة للغة الإنجليزية تُنقل إلى مدرسة ثانوية في ضاحية ريبيبيا على أطراف العاصمة الإيطالية روما، لتجد نفسها أمام فصل دراسي فقد الجميع الأمل فيه، يضم مراهقين يعيشون وسط التفكك الأسري والعنف والمخدرات والأحكام المسبقة، في حين تحاول أن تجد طريقاً إلى عالمهم من دون أن تتخلى عن إيمانها بأن التعليم لا يزال قادراً على صنع فارق في حياة الإنسان.
وأوضح كارتيني أن بداية المشروع تعود إلى اللحظة التي وقع فيها بين يديه كتاب غايا تشينتشاريللي، مؤكداً أنه لم يشعر وهو يقرأه بأنه أمام عمل روائي تقليدي، وإنما أمام حياة تنبض بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لأن الكاتبة كتبت الرواية انطلاقاً من تجربة شخصية عاشتها مؤلفتها عندما بدأت العمل في التدريس؛ ولذلك جاءت شخصياتها حقيقية، لا تتحرك وفق قواعد الدراما بقدر ما تتحرك وفق منطق الحياة نفسها.

المخرج الإيطالي أكد أن هذا الصدق هو أول ما جذبه إلى الرواية، وجعله يسعى إلى تحويلها إلى فيلم، رغم أن الحصول على حقوق الاقتباس لم يكن سهلاً، لكنه كان مقتنعاً بأن هذه الشخصيات تستحق أن تنتقل من الورق إلى الشاشة، لكونها تحمل ما يكفي من الإنسانية لتصل إلى أي مشاهد، بغض النظر عن ثقافته أو بلده.
وأشار كارتيني إلى أن تجربته مع الفيلم «تجاوزت حدود الإخراج، وتحولت إلى تجربة إنسانية خالصة»؛ إذ وجد نفسه يرتبط تدريجياً بالممثلين الشباب الذين أدوا الشخصيات، كما ارتبط بالشخصيات نفسها التي خرجت من صفحات الرواية، مشيراً إلى أن هذا الارتباط لم يكن مصطنعاً، وإنما جاء نتيجة الوقت الطويل الذي قضاه معهم، حتى أصبحت العلاقة بينهم قائمة على الثقة أكثر من كونها علاقة مخرج بممثلين.
وقال إن «المجتمع اعتاد أن يصنف الشباب سريعاً؛ فيصف بعضهم بالمشاغبين أو الفاشلين أو عديمي المسؤولية، في حين يخفي كل واحد منهم قصة مختلفة لا يعرفها أحد»؛ لذلك كان حريصاً على «الاقتراب من دواخل الشخصيات، لا من تصرفاتها الظاهرة فقط؛ لأن الغضب أو العنف أو اللامبالاة ليست سوى قشرة خارجية تخفي وراءها قدراً كبيراً من الخوف والاحتياج».

وأضاف أن «الفيلم لا يدعو إلى تبرير أخطاء الشباب، بقدر ما يدعو إلى فهم الأسباب التي تقف خلفها؛ لأن إصدار الأحكام أسهل كثيراً من محاولة الإصغاء». وفي رأيه، فإن «اللحظة التي يبدأ فيها الكبار بالاستماع إلى المراهقين قد تكون البداية الحقيقية لأي تغيير». وأوضح كارتيني أن شخصية المعلمة كانت بالنسبة إليه «حجر الأساس الذي بُني عليه الفيلم كله»، لكنه منذ البداية رفض تقديمها باعتبارها «نموذجاً مثالياً أو بطلة تمتلك القدرة على تغيير الجميع»؛ لكونه كان يبحث عن «امرأة عادية، تحمل ما يحمله أي إنسان من تردد وضعف وخوف، وتدرك أن الفشل احتمال قائم في كل لحظة؛ لأن الشخصيات الكاملة لا تشبه الحياة، ولا تمنح الجمهور فرصة للتعاطف معها».




