«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور يخرج من السجن لتصفية حساباته وسط شبكة من الخارجين عن القانون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
TT

«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)

في عالم تحكمه المصالح الضيقة وتتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين القرابة والعداوة، يدور المسلسل السعودي الجديد «أحمر ولا أبيض»، الذي ينغمس في أجواء الـ«نيو-نوار»، عبر الشوارع الخلفية، والصفقات المشبوهة، وصراع أبناء العمومة الذين يلتهمهم الطمع. العمل الذي يأتي في 8 حلقات لعنوانه دلالة رمزية واضحة؛ فالأحمر هو لون الدم، والقرابة، والانتقام، في حين يمثل الأبيض الهدنة المفقودة أو السلام المستحيل.

تبدأ الحكاية من لحظة خروج «ناصر» (محمد الراشد) من السجن، بعد قضائه عقوبته إثر ضبطه متلبساً بتصنيع الخمور، بعدما وشى به رفيق دربه. وبدلاً من أن يكون هذا الخروج بداية للتطهر أو العودة إلى الحياة الطبيعية، يصبح فتيل الانفجار الذي يُعيده إلى بؤرة الصراع، حيث يتتبع المسلسل التحول التراجيدي لأبناء العمومة الذين بدأوا رحلتهم بتجاوز القانون وتصنيع الخمور في مساحة صغيرة وهامشية، قبل أن تجر أحدهم الأطماع إلى خيانة صاحبه والزج به في السجن.

يتناول المسلسل العالم السري لتجارة الخمور (شاهد)

تجارة تحت الظل

وما يجعل «أحمر ولا أبيض» مختلفاً هو أن الدراما السعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً واضحاً في الأنواع والحكايات، لكن طبيعة النشاط الذي يضعه المسلسل في قلب عالمه، والمتمثل في صناعة الخمور والاتجار بها سراً في مجتمع تُحظر فيه، تجعله يكشف الستار عن عالم سري تتشكل حوله شبكة من المصالح، ويمنح النص مساحة لمعاينة عالم يتحرك تحت السطح، بقوانينه وأسعاره وتحالفاته وخياناته.

وفي قلب هذا العالم تأتي الوصفة السرية التي صنعها ناصر وسماها «بلاك واين» أو «النبيذ الأسود»، وكانت شرارة الخيانة وكسر رابطة القرابة في آنٍ واحد، بعد أن عمد رفيقه إلى سرقة الوصفة، وتبدو هذه السرقة حدثاً مفهوماً في هذا العالم شديد القتامة؛ إذ تتلاشى الذرائع الأخلاقية، ويصبح كل شيء قابلاً للاستيلاء، من المال إلى الأسرار وحقوق الأقربين.

لذا، يتجاوز الانتقام في «أحمر ولا أبيض» حدود الثأر الشخصي، حيث يتجه ناصر فور خروجه من السجن للبحث عمّن خانه ومعاقبته، ومحاولة استعادة ما سُلب منه، في حين كان الطرف الآخر يبني نفوذه وثروته خلال سنوات سجنه، ليصبح الصراع بين أبناء العمومة أشبه بمواجهة بين ماضٍ يرفض أن يموت وحاضر مليء بالمخاطر.

صراع تجار الخمور يجمع البتيري والعيسى والراشد (شاهد)

رهان على الممثلين

المسلسل الذي بدأ يُعرض على منصة «MBC شاهد» يستمد جزءاً كبيراً من قوته من الجرأة في خيارات طاقم التمثيل، وتحديداً في قدرته على إعادة اكتشاف طاقات الممثلين بعيداً عن الصور الذهنية المعلبة لدى الجمهور. يبرز في هذا السياق الممثل محمد العيسى الذي يقدم الأداء الأكثر لفتاً للانتباه عبر أول حلقتين من العمل؛ إذ يتخلى عن عباءته الكوميدية الشهيرة ليتقمص شخصية «عبد المحسن»، العقل المدبر الشرس والبراغماتي. يظهر العيسى في هذا الدور ببرود حاد وحذر شديد، متحركاً تحت قناع من الحكمة الزائفة والهدوء المريب الذي يضاعف من منسوب الخطر الكامن في الشخصية، مستخدماً نبرة صوت جشة، وعصا يرتكز عليها طيلة الوقت، ونظرات حادة تصنع له هيبة مقلقة بوصفه زعيم عصابة لا يرحم.

في المقابل، يُكمل فهد البتيري هذا التحدي الدرامي بذكاء لافت عبر تجسيده شخصية «فيصل»، التي تمثّل الضلع الأكثر هشاشة وتحولاً في هذه الشبكة المعقدة، وينجح البتيري في إبراز الصراع النفسي الداخلي لشخصية يلتهمها الجشع تدريجياً، متأرجحاً ببراعة بين الضعف البشري والخيانة المطلقة للصديق والزوجة ولكل من يمت له بصلة.

كما يكتسب العمل ثقلاً درامياً مع حضور الفنان إبراهيم الحساوي، الذي يُضفي بخبرته الطويلة أبعاداً تراجيدية على العلاقات الأسرية المتشابكة، رغم أن حضوره في أول حلقتين ما زال محدوداً نسبياً. في حين تقدم فتون جار الله أداءً لافتاً في شخصية نورة، التي خلعت زوجها ناصر بعد أن دخل السجن، وتزوجت بعده بالرجل القاسي الذي جسّده عبد العزيز السكيرين.

ويشارك في العمل عدد آخر من الممثلين، إذ تضم عصابة الخمور سعيد صالح وتركي الشدادي ورنا جبران وأحمد التركي، فيما تقدم أصايل محمد دور زوجة فيصل التي لا تعرف شيئاً عن خبايا زوجها وأسراره الدفينة. والمسلسل من إخراج منير الزعبي الذي صبّ تركيزه على اللقاءات الثنائية المكتومة، وتوجيه الكاميرا لالتقاط لغة العيون والتوتر النفسي المتصاعد بين الشخصيات في الغرف المغلقة، انسجاماً مع الأجواء السوداوية للموسيقى التصويرية التي صاغها الموسيقار رضوان نصري، والتي جاءت لتعزز منسوب الأدرينالين والتوتر المصاحب للتحولات الحادة في السيناريو. ويكتمل هذا المزاج القاتم بتتر البداية بصوت إبراهيم الحكمي الذي يلخص مأساة الدم والأطماع.


مقالات ذات صلة

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

يوميات الشرق مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

قال المخرج الروماني فلورين شيربان الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من «لوكارنو السينمائي» إن فيلمه «أنت لا تنتمي إلى هنا» بدأ من سؤال عن العلاقة بين الأب والابن.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق انتصار تستعد لأعمال درامية جديدة (صفحتها على فيسبوك)

انتصار تراهن على التنوع في موسم سينمائي حافل

تعيش انتصار حالة استثنائية من النشاط السينمائي، بعدما فرضت حضورها في 6 أفلام خلال الموسم الصيفي الحالي، متنقلةً بين الكوميديا والأكشن والدراما الاجتماعية

مصطفى ياسين (القاهرة )
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق ميل غيبسون وداني غلوفر في «سلاح مميت 2» (آي إم دي بي)

ميل غيبسون يحلم بالجزء الخامس من «سلاح مميت»... لكن هل فات الأوان؟

يعترف ميل غيبسون هذه الأيام بأن مشروعه المؤجل منذ سنوات ما زال في مرحلة التطوير، وأنه لا يوجد موعد محدد بعد لبدء تصويره أو انتقاله من صفحات السيناريو إلى…

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات.

أحمد عدلي (القاهرة )

أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

بين مذاقات تراثية شهيرة صُنعت بحرفية، ولمسات عصرية تجمع بين الفخامة والجاذبية، تأتي تشكيلة حلوى المولد النبوي في مصر لهذا العام، التي تتحول معها القاهرة والمدن المصرية إلى لوحة نابضة بالألوان والبهجة، أما تفاصيلها فتتنوع بين الفولية، والسمسمية، والحمصية، واللوزية، والملبن، والدومية، والنوغا، وأقراص حلوى الحمص والسوداني والسمسم المقرمشة.

وفي تكرار سنوي، تشهد أرقى محلات الحلوانية الشهيرة زحاماً استثنائياً لشراء حلوى المولد، في طقس اجتماعي معروف، بينما تعكس الواجهات الزجاجية عشرات الأصناف من الحلوى، التي تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها، والكبار بروائح السمسم والسكر، التي يستعيدون معها ذكريات الطفولة.

وكعادتها، تشهد محلات الحلوانية محاولات متجددة للابتكار، وهذا العام حاول كثير من الأسماء اللامعة في عالم الحلوى تجديد شباب ما تعرضه من أصناف، عبر دمج النكهات الحديثة بالمذاق التقليدي المتوارث، واتجه البعض لابتكار حلوى غير معتادة، مثل «ماكارون جوز الهند» و«سويسرول قمر الدين»، مع دمج حلوى المولد مع مكونات أخرى لإنشاء أطباق مبتكرة مثل «آيس كريم حلاوة المولد»، فيما يتألق «الملبن» بنكهات لافتة مثل الكولا، كما توسعت المحال في إدخال المكسرات الفاخرة إلى الأصناف المعروفة، فيما توسعت أخرى في تغطيتها بطبقات من الشوكولاته والمارشملو.

أحد الشوادر التقليدية في ميدان السيدة زينب بالقاهرة لبيع «حلوى المولد» (الشرق الأوسط)

وفي تطوير لأحجام الأصناف الشهيرة، تم تقديم الملبن والنوغا وأقراص المكسرات بأحجام مصغرة (سواريه - ميني)، لتسهيل تناولها. ومع تفضيل بعض المصريين اتباع أنظمة غذائية، ظهرت الحلوى الصحية، التي تصنع من الحبوب الكاملة وبذور اليقطين والشيا والشوفان، أو أصناف مُحضّرة بكمية سكر أقل.

وكان أكثر ما حرصت عليه العلامات التجارية هذا العام فخامة التغليف والتصميم الخارجي لعلب وصناديق الحلوى، إذ حرصت المحلات الكبرى على ابتكار مفاهيم جديدة في الإهداء، والتوسع في تقديمها بأشكال فاخرة بما يناسب أن تكون هدايا راقية، حيث استوحت تصاميم العلب من تاريخ مصر وتراثها، أو بأشكال هندسية وقوالب غير معتادة، كما صنعت من الخشب أو المعادن المزخرفة لجعلها أكثر جاذبية، مع إمكانية تصميم صناديق بصورة من ستُهدى إليه، كما صممت صناديق صغيرة الحجم مخصصة للأطفال بأشكال جذابة.

ويبيّن محمد يسري، مدير التسويق الإلكتروني لـ«حلواني الحلمية»، أحد أقدم محال الحلويات في القاهرة، أن الأفكار الجديدة في هذا الموسم لا تعرف سقفاً محدداً، والمنافسة تدفع كل محل إلى ابتكار أساليب مختلفة كل عام، مشيراً إلى أن الابتكار لا يقتصر على الشكل والتغليف، بل يمتد إلى المذاق والمكونات أيضاً، حيث تحاول المحلات تقديم منتجات جديدة تلائم الأذواق الحديثة، إلى جانب الحفاظ على الطابع التقليدي الذي يرتبط به المستهلك.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التوجهات تعكس فهماً لطبيعة السوق، فموسم المولد النبوي يتطلب الجمع بين الأصالة والابتكار، واحترام العادات القديمة وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة، مبيناً أن التجديد في الشكل والتغليف لحلوى المولد أصبح ضرورة لمواكبة تطلعات المستهلكين، فهناك أجيال جديدة تبحث عن منتجات تُقدم في تغليف عصري يليق بالمناسبة، وفي المقابل هناك شريحة من العملاء ما زالت ترتبط بما هو تقليدي، مثل العلب الكرتونية القديمة التي تحمل لهم شعوراً بالحنين للماضي، وبالتالي المحال باتت مطالَبة بمواكبة الاتجاهين معاً.

«حلوى المولد» تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها (الشرق الأوسط)

إلا أن هذه الابتكارات تسببت في ارتفاع أسعار الحلوى، حسب حسن الفندي، رئيس شعبة السكر والحلوى باتحاد الصناعات المصرية، قائلاً في تصريحات صحافية، إن «تكاليف التعبئة والتغليف تضاعفت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، وهي السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار حلوى المولد هذا العام»، موضحاً أن متوسط الزيادة لا يتجاوز الـ15 في المائة عن العام الماضي، مبيناً أنها ارتفاعات منطقية وتتلاءم مع تكلفة الإنتاج الحالية.

وإذا كان المشهد داخل العلامات التجارية الراقية يعكس عناية فائقة بالتفاصيل؛ فإن الأسواق الشعبية لبيع حلوى المولد تبرز فيها أصناف الحلوى التقليدية، مع تقديم «العروسة والحصان» اللذين تتم صناعتهما عبر صهر السكر الخام، وكذلك عروسة المولد البلاستيكية. في ميدان السيدة زينب، اصطفت الشوادر والخيام التقليدية على جنبات الميدان، بينما تعرض عشرات الأصناف التي تتمسك بمذاقها وشكلها التقليدي مع بعض التطوير، كما تحافظ على أسعارها المناسبة التي تربط المستهلك بالمكان، من خلال العلب الاقتصادية التي تناسب مختلف الفئات، والعلب الفاخرة التي تضم تشكيلة كبيرة من الأصناف.

داخل أحد الشوادر، قال محمد زكي، أحد الباعة، وهو يشير إلى عدد من الزبائن من خلفه انشغلوا في اختيار محتويات العلب الخاصة بهم: «لدينا الأصناف الشعبية التي تلقى رواجاً، وأبرزها العلف (السوداني والسمسم)، والفواخر وهي الأنواع الفاخرة التي تضم الملبن واللديدة وغيرهما، ويبدأ السعر من 120 جنيهاً (الدولار يساوي 50.23 جنيه)، وهذا سر الإقبال علينا».

عروسة المولد أحد الطقوس المرتبطة بالمولد النبوي في مصر (الشرق الأوسط)

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط»: «الجديد هذا الموسم يتمثل في التوسع في استخدام قمر الدين، بإدخاله في عدد من الأصناف التقليدية، إلى جانب بعض الإضافات للملبن مثل الملبس، كما يظهر الفوندام ببعض الإضافات وبألوان مختلفة، التي توسعت فيها المصانع لإضفاء نوع من البهجة والفرحة على الحلوى لجذب الزبائن خصوصاً الأطفال».

وفي شادر آخر، يعرض عشرات القطع من عرائس المولد، قال التاجر محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار العرائس تبدأ من 250 جنيهاً وتتدرج وفق الحجم حتى 600 جنيه»، مشيراً إلى أن الأسر المصرية تحرص على شراء صغيرة الحجم لبناتهن الصغيرات، فيما يقبل الشباب في فترة الخِطبة على عرائس كبيرة الحجم لتقديمها هدية لخطيباتهم خلال موسم المولد.


فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
TT

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

قال المخرج الروماني فلورين شيربان، الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من مهرجان «لوكارنو السينمائي»، إن فيلمه الجديد «أنت لا تنتمي إلى هنا» (You Don't Belong Here) بدأ من سؤال شديد القسوة عن العلاقة بين الأب والابن، قبل أن يتسع ليصبح تأملاً في جيل كامل من الرجال وفي التصورات التي ورثها عن الرجولة والنجاح والإنسان المثالي.

وأوضح شيربان، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن البذرة الأولى للفيلم كانت تمريناً تمثيلياً كتبه منذ سنوات لطلاب مدرسة السينما التي أسسها، ويقوم على وضع ممثل في دور أب يشعر بالكراهية تجاه ابنه، مشيراً إلى أن المشهد بدا له «قوياً جداً وخاطئاً جداً» في الوقت نفسه، وظل عالقاً في ذهنه حتى بدأ في تطويره إلى فيلم.

وأضاف أن الفكرة ارتبطت لديه بجيل من الرجال ينتمي هو نفسه إليه، وربما ينتمي إليه المشاهد أيضاً، وهم أشخاص عاشوا في لحظة ما وهم يعتقدون أن العالم بأكمله ينتظر منهم أن يتركوا أثراً فيه، مشيراً إلى أن هؤلاء الأشخاص يمكن النظر إليهم باعتبارهم «شخصيات مأساوية»، لأن المسافة بين الصورة التي يحملونها عن أنفسهم وبين العالم الذي يجدون أنفسهم يعيشون فيه قد تتحول إلى مصدر عميق للألم والصراع.

المخرج الروماني - (الشركة المنتجة)

وتدور أحداث العمل الحائز جائزة «الفهد الذهبي» أرفع جوائز مهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الـ79، حول «ماريوس»، طبيب ناجح ورئيس الأطباء في مستشفى ببلدة رومانية صغيرة، يربي ابنه المراهق «إيوان» بمفرده بعد وفاة زوجته، وبينما يعتقد الأب أنه يعرف ابنه جيداً، يعيش إيوان حياة سرية، إذ يتنقل ليلاً مع مجموعة من الشباب المقنّعين، وخلال إحدى المواجهات، تتعرض المجموعة لرجل مسن من «الروما» وينتهي الاعتداء بوفاته.

وأوضح المخرج أن العلاقة بين الأب والابن صُممت منذ البداية لكي تكون صعبة على المشاهد، لأن جوهرها ليس مجرد خلاف مألوف بين جيلين، وإنما «غياب الاتصال» بين شخصين يفترض أن يكون الرابط بينهما هو الأقوى، مشيراً إلى أن انفصال المراهقين عن آبائهم أمر عرفته البشرية دائماً، لأن الأبناء في هذه المرحلة العمرية يميلون إلى الاعتقاد بأن آباءهم لا يفهمون شيئاً، لكنه رأى أن العلاقة في فيلمه أكثر قسوة، لأن الأب والابن لا يشتركان أصلاً في القيم نفسها، فالابن يمثل عكس الأب في كل شيء، لذلك كان من الضروري أن تبدو العلاقة بينهما «صعبة وغير طبيعية».

وشدد شيربان على أن العلاقة الأسرية ليست، رغم أهميتها، السؤال النهائي الذي يريد الفيلم طرحه، لأن اهتمامه الأساسي ينصب على تصور محدد لما يجب أن يكون عليه «الإنسان المثالي»، مشيراً إلى أن الأب يجسد هذا النموذج، ومن هنا جاء السؤال الذي يطارده الفيلم: «هل ما زال هذا النوع من الشخصيات، نموذجاً في هذا الزمن؟».

الفيلم حاز الإعجاب في مهرجان لوكارنو بسويسرا - (الشركة المنتجة)

وأضاف أن هذا السؤال هو بالنسبة إليه قلب الفيلم، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بابن خرج عن طريق أبيه، وإنما بأب ربما اكتشف أن النموذج الذي بنى حياته كلها على أساسه لم يعد قادراً على إنتاج علاقة سليمة مع الجيل التالي، وهنا يصبح الصراع بين الأب والابن صراعاً بين تصورين للإنسان، وليس مجرد مواجهة داخل أسرة واحدة.

وعن عنوان الفيلم «أنت لا تنتمي إلى هنا»، قال شيربان إن العنوان لا يخص الابن وحده، وربما لا يخصه أصلاً، إذ يمكن أن ينطبق على الأب أيضاً، مؤكداً أن الفيلم يتعمد إبقاء هذا السؤال مفتوحاً. وقال إن الفيلم بالنسبة إليه لا ينبغي أن يُختزل في تفسير واحد، ولذلك عندما يُسأل عما يعنيه العمل، يفضل أن يعيد السؤال إلى المشاهد، «ماذا كان الفيلم بالنسبة لك؟»، موضحاً أن هذه، في رأيه، من أكثر الأشياء المدهشة في السينما، إذ يمكن للفيلم نفسه أن يتحدث إلى شخص عن العنصرية، وإلى آخر عن انفصال الأب عن ابنه، وإلى ثالث عن مجتمع لا يملك الصبر الكافي تجاه مخاوف أفراده، بينما قد يراه شخص آخر فيلماً عن العدالة، وما يهمه في النهاية ليس ما كان يفكر فيه هو وحده أثناء صناعة الفيلم، وإنما الطريقة التي يتحدث بها الفيلم إلى كل مشاهد.

تناول الفيلم خطورة الجماعات المتطرفة - (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن شعور الابن بالحاجة إلى الانتماء هو أحد المداخل المهمة لفهم انجذابه إلى الجماعة المتطرفة، موضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي والوصول المبكر إلى كميات هائلة من المعلومات جعلا الشباب أكثر تعرضاً لنماذج وقدوات قد تكون مدمرة، والشباب في هذه المرحلة العمرية يميلون بطبيعتهم إلى قدر من التطرف، لأنهم يريدون تغيير العالم بسرعة، بينما تقدم لهم الجماعات المتطرفة وعداً بحل بسيط ومباشر لعالم شديد التعقيد.

وأضاف أن الشباب، خصوصاً الرجال الأصغر سناً، قد يكونون أكثر قابلية للانجذاب إلى هذه الأيديولوجيات مقارنة بالأجيال السابقة، في ظل اتساع مصادر المعرفة التي لم تعد محصورة في الأسرة والمحيط القريب، لافتاً إلى أن الطفل أو المراهق كان يتلقى في الماضي قدراً كبيراً من معلوماته عن العالم من والديه وعائلته، بينما أصبح اليوم قادراً على الوصول إلى نماذج وأفكار لا تمر بالضرورة عبر توجيه أو رقابة أسرية.

ناقش الفيلم جوانب مختلفة في العلاقة بين الأب والابن - (الشركة المنتجة)

وكشف شيربان أن اختيار الممثل الذي يؤدي دور الابن استغرق نحو عامين، لأن عملية اختيار الممثلين بالنسبة إليه ليست مجرد البحث عن شخص يستطيع أداء الدور، وإنما تمثل جزءاً من عملية الكتابة نفسها، فرؤية وجوه مختلفة وتجربة الشخصيات مع ممثلين متنوعين تساعده على اكتشاف ما يريده وما لا يريده، وعلى فهم الشخصية بصورة أعمق وأكثر دقة.

وأضاف أن العثور على ممثل في الثامنة عشرة من عمره يمثل تحدياً خاصاً، لأن معظم الممثلين في هذه السن لم يحصلوا بعد على تدريب احترافي كامل، ولذلك لا تنتهي عملية الاختيار بمجرد العثور على الشخص المناسب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة بناء الثقة والتدريب والعمل على الشخصية، حتى يصبح الممثل قادراً على الوصول إلى المستوى الذي يحتاج إليه الفيلم.


من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)
TT

من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)

في اكتشاف أثري نادر، عثر علماء آثار في جزر فارو، الواقعة شمال المحيط الأطلسي، على حجر أرضية يحمل نقوشاً رُونية، ويرجح أن يكون شاهداً على قبر يعود إلى نحو ألف عام، وقد يساعد في الكشف عن جانب من الحياة الدينية في الأرخبيل خلال بدايات انتشار المسيحية فيه، وفقاً لموقع «بوبيلار ميكانكس».

وعُثر على الحجر في موقع «آ.سوندوم (Á.Sondum)» الأثري بجزيرة ساندوي، الواقعة شمال المحيط الأطلسي بين آيسلندا وأسكوتلندا. ويضم الموقع بقايا مستوطنة يعود تاريخها إلى القرن الرابع على الأقل، كما كشفت الحفريات أساسات حجرية لمبنى يُعتقد أنه كان كنيسة صغيرة أو مكاناً للصلاة.

وتكمن أهمية الحجر في نقوشه الرونية، وهي حروف ذات أشكال بزوايا استُخدمت في المناطق الإسكندنافية قبل انتشار الأبجدية اللاتينية. وعلى الرغم من انتشار الأحجار الرونية في «العالم النوردي (أو الاسكندنافي)»، فإنها نادرة في جزر فارو؛ مما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً.

ولا يزال الباحثون غير متأكدين مما إذا كان الحجر قد أعيد استخدامه من فترة وثنية أقدم، أم إنه نُقش خلال السنوات الأولى لانتشار المسيحية في الجزر. وتمكن عالم الآثار في «المتحف الوطني»، هيلغي ميكيلسن، من قراءة جزء من النقش باللغة النوردية القديمة، ويبدو أنه يقول: «Her hvílur»؛ أي: «هنا يرقد».

وقد تشير العبارة إلى أن الحجر كان شاهداً على قبر في مقبرة تابعة للكنيسة. لكن الكلمات التي تليها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والترجمة. ويشبه النقش كتابات ظهرت على أحجار رونية أخرى عُثر عليها في جزر فارو، بينها حجر «ساندافاغور» الشهير.

ويشير تصميم المبنى إلى أنه كان يمتد من الشرق إلى الغرب، مع مدخل في الجهة الغربية، وهي سمة معمارية شائعة في الكنائس وأماكن الصلاة خلال العصور الوسطى المبكرة.

وتعزز مكتشفات أخرى أهمية الموقع؛ فقد عثر علماء الآثار على أجزاء من تمثال صغير للسيدة مريم العذراء، إضافة إلى «كولا»، وهو مصباح صغير كان يُستخدم لحرق الزيت أو الدهون الحيوانية. كما كشفت الحفريات أسفل الكنيسة الحالية في ساندور عن مبانٍ كنسية أقدم، وعُثر في المنطقة على عملات تعود إلى القرن الـ11.

ويبقى السؤال الأهم: من يرقد تحت الحجر؟

وتشير الأدلة إلى أن بعض القبور في تلك الحقبة كانت مخصصة لجنود سقطوا في المعارك أو لكبار السن، مع استخدام أحجار لتحديد موضع الدفن. وقد يكون النقش صلاة أو دعاء للمتوفى، لكن ذلك لن يتضح قبل استكمال قراءة النص.

ويواصل ميكيلسن وفريق من علماء الآثار والطلاب من جامعة آرهوس ومتحف «موزغارد» في الدنمارك أعمال التنقيب في الموقع حتى نهاية أغسطس (آب) الحالي، أملاً في العثور على مزيد من الأدلة التي تكشف عن تفاصيل الحياة الدينية في جزر فارو قبل نحو ألف عام.