فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

القنصل الفرنسي في جدة لـ«الشرق الأوسط»: المرحلة المقبلة قد تنقل التعاون من دعم المواهب إلى الإنتاج المشترك.

صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
TT

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)
صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

خلال 48 ساعة فقط، كان على مجموعة من صنّاع الأفلام السعوديين أن ينتقلوا من فكرة أولية إلى سيناريو، ثم إلى التصوير والمونتاج، وصولاً إلى فيلم مكتمل. لكن ما بدأ قبل ستة أعوام كتحدٍّ مكثف لاكتشاف المواهب السينمائية الشابة، يبدو اليوم مرشحاً لتجاوز حدود المنافسة الإبداعية، ليصبح منصة تفتح آفاقاً أوسع للتعاون والتبادل السينمائي بين السعودية وفرنسا.

وكشف القنصل الفرنسي في جدة، محمد نهاض، لـ«الشرق الأوسط»، عن تطلع الجانب الفرنسي إلى أن ينتقل التعاون السينمائي مع السعودية تدريجياً من مرحلة دعم المواهب وصقل المهارات إلى مرحلة إنتاج مشاريع وأفلام مشتركة بين البلدين. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه صناعة السينما السعودية نمواً متسارعاً وحضوراً متزايداً على الساحة الدولية، ما يفتح المجال أمام شراكات أوسع بين المؤسسات والمبدعين في الجانبين.

ويكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي بالتعاون مع «أليانس فرانسيز» والقنصلية العامة لفرنسا في جدة.

هذه المبادرة، التي انطلقت بوصفها مساحة لاكتشاف المواهب الناشئة وتطوير مهاراتها، تبدو اليوم مؤهلة للعب دور أكبر في تعزيز العلاقات المهنية والمؤسساتية بين قطاعي السينما في السعودية وفرنسا.

وقال القنصل نهاض لـ«الشرق الأوسط»: «تتيح لنا المرحلة المقبلة الانتقال تدريجياً من دعم المواهب وتطوير مهاراتها إلى ظهور مشاريع سينمائية مشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية».

من «48 ساعة» إلى فرنسا

هذه العلاقة لا تنتهي بتسليم الفيلم في يومين. فالمسار الذي صُمم لاكتشاف المواهب السعودية يصل بالفائزين إلى فرنسا؛ حيث يحصلون على فرصة لاختبار مشهد سينمائي مختلف، والاحتكاك بمحترفين دوليين وبناء شبكة علاقات تتجاوز حدود المسابقة.

وأوضح القنصل أن الفريق الفائز سيحظى ببرنامج في فرنسا يتضمن إقامة فنية، والتعرف إلى المشهد السينمائي الفرنسي، والمشاركة في مهرجان كليرمون فيران الدولي للفيلم القصير، معتبراً أن ذلك يمنح المواهب السعودية فرصة للتواصل المباشر مع محترفين دوليين وتبادل الخبرات وبناء علاقات «يمكن أن تفتح المجال أمام تعاونات مستقبلية».

وجاء ذلك على هامش حفل إعلان مؤسسة البحر الأحمر السينمائي نتائج النسخة السادسة من التحدي، بفوز فريقي «رصيف 17» و«أنيس الروح»، فيما حصل فيلم «نيابة عني» (On My Behalf) على تنويه خاص من لجنة التحكيم. وضمت اللجنة المخرجة وكاتبة السيناريو هدى بن يمينة، والممثل والمنتج السعودي صهيب قدس، والممثلة السعودية خيرية أبو لبن.

ولم تكن المنافسة محدودة منذ البداية؛ إذ اختارت المؤسسة 13 فقط من بين 127 طلب مشاركة تقدم بها صنّاع أفلام ناشئون من مناطق مختلفة في السعودية، قبل أن تخضع الأفلام المكتملة للتقييم. وخلال يومين، مر المشاركون بدورة إنتاج مضغوطة تبدأ بتطوير الفكرة وكتابة السيناريو، وصولاً إلى التصوير والمونتاج وتسليم العمل النهائي.

وسيحصل الفريقان الفائزان على فرصة إقامة دولية في فرنسا خلال عام 2027، إلى جانب عرض الفيلمين في الدورة المقبلة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.

شراكة تبحث عن مساحة أكبر

وينظر الجانب الفرنسي إلى الأمر باعتباره أبعد من برنامج لتدريب صنّاع الأفلام. فمع نمو السوق السينمائية السعودية، تتسع - وفق ما ذكر القنصل - مجالات التعاون لتشمل الإنتاج والتدريب وتبادل الخبرات والتقنيات، فضلاً عن خلق روابط مباشرة بين المنتجين والمهنيين في البلدين.

وأضاف أن فرنسا، بما تمتلكه من خبرات في مختلف مجالات صناعة السينما، يمكن أن تكون شريكاً للجهات السعودية في تطوير القطاع، مشيراً إلى أن ازدياد حضور المملكة على الساحة السينمائية الدولية يخلق بدوره فرصاً جديدة للمنتجين والمهنيين السعوديين والفرنسيين للالتقاء والعمل معاً.

وبذلك، يصبح الرهان في المرحلة المقبلة على تحويل تلك اللقاءات من فرص عابرة إلى شراكات مستدامة بين المؤسسات والمهنيين في البلدين، وهو ما أكد القنصل أن فرنسا تشجعه.

أما فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، فوصف المسابقة بأنها تضع صنّاع الأفلام الناشئين «أمام اختبار حقيقي، من الفكرة إلى الفيلم المكتمل في يومين فقط»، مشيراً إلى ما قدمته فرق هذا العام تحت ضغط التجربة.

وبعد ستة أعوام، ربما لم يعد السؤال الذي يطرحه «تحدي 48 ساعة» متعلقاً بما يستطيع المخرجون الشباب إنجازه خلال يومين فحسب، بل إلى أي آفاق يمكن أن تقودهم تلك التجربة بعد انقضائها. وبين جدة وفرنسا، تبدو الإجابة آخذة في الاتساع: من فيلم قصير يُنجز تحت ضغط الساعة، إلى علاقات مهنية وإقامات دولية، وصولاً إلى طموح معلن بأن تقود هذه المسارات مستقبلاً إلى مشاريع سينمائية سعودية - فرنسية مشتركة.


مقالات ذات صلة

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق يشهد المؤتمر مشاركة نخبة من النقاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمين بالسينما (واس)

مؤتمر دولي يناقش دور النقد في قراءة الأعمال السينمائية

يناقش «مؤتمر النقد السينمائي الدولي 4» يومي 5 و6 نوفمبر (تشرين الأول) دور النقد في قراءة الأعمال السينمائية، واستكشاف أبعاده الفنية والثقافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق 12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

سجّلت «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» حضوراً قياسياً في سباق جوائز الأوسكار بمشاركة 12 فيلماً مدعوماً في التنافس على جائزة أفضل فيلم دولي في الدورة الـ99.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)
الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ (الشرق الأوسط)
TT

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)
الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ (الشرق الأوسط)

10 سنوات ولا تزال مسرحية «جوغينغ» التي كتبتها وتُمثّلها وتخرجها حنان الحاج علي، تجول عربياً وعالمياً، وتنتقل من الصين إلى سنغافورة، وأميركا، وكندا، ومدن أوروبية. كما نالت الحاج علي عن أدائها في المسرحية جوائز عدة، من بينها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «إدنبرة» - اسكوتلندا. وفي لبنان تجاوزت عروض «جوغينغ» 350 عرضاً، كان آخرها يوم السبت الماضي في مدينة طرابلس، ضمن برنامج «أسبوع مرسح الفني».

نجاح باهر، في بلد يُعرض فيه العمل المسرحي أسبوعاً، وإن حلَّق يستمر شهراً ثم يُحال إلى التقاعد. أما «جوغينغ» المتقشّفة، التي تعتمد على ممثلة واحدة، وخشبة عارية، وحضور يتجاوز الساعة لامرأة تروي حكايا ألمها وحيرتها في مدينة لم تعرف سوى الحرب والأسى منذ عقود، فيُقبل عليها الجمهور منذ سنوات. وهو عمل تجمع فيه الفنانة بين قصصها الشخصية؛ زوجةً وأماً وامرأةً، في مجتمع يُحكم شروطه عليها، وخلاصة تجربتها الفنية الغنية.

عندما ندخل صالة العرض نكتشف أن حنان الحاج علي سبقتنا إلى هناك. ها هي مستلقية على ظهرها على الخشبة، تقوم بحركات رياضية، مثل التي تمارسها النساء يومياً في حياتهن العادية، تردد ألفاظاً كأنها غرغرة، لتمرين جهاز النطق.

تراجيديا نسائية متعددة الرؤوس (مواقع التواصل)

تُعرّفنا الممثلة بنفسها بعد ذلك، وبأنها لبنانية أصيلة في خمسيناتها، شيعية تزوَّجت من شاب ماروني وسيم، تقصد بالطبع المسرحي القدير روجيه عساف، ولها 4 أولاد. هكذا يبدأ العمل، وكلّ شيء يوحي بأنك تستمع إلى قصة الممثلة الحقيقية.

من البداية ينكسر الحاجز بين الخشبة والجمهور. فلا نعرف في أي لحظة بدأت المسرحية بالفعل، هل عند دخولنا الصالة، أم بعد أن طلبت الممثلة من أحد الحاضرين أن يقرأ نصاً تمهيدياً، لتكرّ من بعده سبحة الكلام، على لسان هذه الحكواتية المحنَّكة وهي تتقمص شخصيات لنساء سمعت قصصهن، أو تأثرت بحكاياهن، وتدغم سيرهن بقصتها الشخصية.

نساء بينهن من تعيش بيننا، وأخريات تأتي بهن من تاريخ سحيق مثل «ميديا» التي تستحضرها من المسرح الإغريقي، وتراجيديا يوربيدس. المرأة التي تنتقم من زوجها بعد أن تخلى عنها من أجل أخرى، غير عابئ بتضحياتها العظيمة وتخليها عن أهلها من أجله. تقرر «ميديا» أن تنتقم حتى الثمالة، تتظاهر بالمسامحة والقبول، وترسل فستاناً مسموماً لغريمتها عربونَ رضا، وتقتلها. وإمعاناً في الانتقام من زوجها وخيانته، تقتل أيضاً ولديها كي تكويه بالحزن عليهما.

وهو ما يفتح باب السؤال عند حكواتيتنا: «كم ألف ميديا وميديا في هذا البلد وفي العالم؟». الرجال يقولون شعراً: «وطني يا موطن الرجال»، والنساء يدفعن الثمن.

مشهد من المسرحية (الشرق الأوسط)

جريمة «ميديا» وهي تقتل أطفالها تجعل الحزن والصدمة يخيمان على الحضور، لكن الحاج علي في معرض سردها للقصص، تؤكد لنا أن الفكرة راودتها شخصياً، أي أن تقتل ابنها، عندما أُصيب بسرطان العظام، وهو في السابعة من عمره، وصار يصرخ ألماً؛ طلباً للخلاص.

كانت تلازم ولدها في المستشفى، وتخرج لممارسة المشي السريع في شوارع بيروت لبعض الوقت كي تتمكن من الاستمرار في العناية به. في لحظات الهرولة تتدفَّق الأفكار إلى رأسها، إذ خطر لها أن تخنق ابنها بوسادة تضعها على وجهه وتريحه من الألم. القتل حباً هو إحدى ثيمات المسرحية ومفارقاتها. فهي مبنية على مقاربة المتناقضات، والجمع بين الجدّ والهزل، الواقعي والفانتازي، الشكّ واليقين، الخيال والعقل. فهي تركض والحكايات تتداعى كأنما خيالها هو أيضاً يهرول في رحلة داخل الزمن.

لا تتوقَّف حنان الحاج علي عن تقمُّص أدوارٍ متوالية لشخصيات مختلفة (الشرق الأوسط)

نساء عدّة، تعيدنا إليهن الحكواتية في قصّ متشابك، تقفز فيه من حكاية إلى أخرى، جيئة وذهاباً بمرونة تتوافق وليونتها الجسدية، عندما تمارس رياضتها على الخشبة.

تُحدثنا الحاج علي تارةً عن نفسها، وأخرى عن «ميديا»، أو عن بيروت التي تشبه أي امرأة مخدوعة تمارس ثأرها، عن «إيفون» الرهيبة التي دسّت السم لبناتها الثلاث، وسجَّلت فيلماً يوثّق فعلتها. لكن الفيلم اختفى من أيدي المحقّقين، كما تختفي إثباتات كثيرة، حين يفضّل القضاء أن يغضَّ الطرف عن فعلة شنيعة. الأهم أن «إيفون» قتلت نفسها وبناتها لا كرهاً بهنّ، بل حبّاً، كي لا يعشن العذاب الذي عانته. بالمختصر هي بقتلهن تؤمّن لهن مستقبلهن.

كلّما بلغت السوداوية ذروتها، تجد الفنانة لمتفرّجها متنفَّساً صغيراً يُخرجه من كمده. عندما تشعر أن الحزن فاض بك، والتأثر طحنك وقد توالت عمليات قتل الأمهات لأولادهن، وهذه قمة في التراجيديا الإنسانية، خصوصاً مع «إيفون»، التي وضعت السمّ في سلطة الفاكهة لبناتها، تضحك حنان الحاج علي وتخبرنا بمنتهى البراءة بأنها أعدّت لنا، نحن الحضور، أشهى سلطة فاكهة يمكن أن نتذوقها. وقد خصصت ركناً صغيراً من الخشبة الفارغة، لتضع بعض مستلزماتها التمثيلية. ترينا ونحن نتفرج بتعجب علباً بلاستيكية شفافة، تحتوي على فاكهة مقطّعة؛ شهية بألوانها وطازجة بشكلها. تُحضّر الفنانة السَّلَطَة لجمهورها وتوزعها علينا في أوعية صغيرة، وهي تطلب منَّا التهامها. وإمعاناً في السخرية تضيف نقاطاً من السمّ القاتل.

لا تتوقَّف حنان الحاج علي عن تقمّص أدوار متوالية لشخصيات مختلفة، ولا تتردَّد في الخروج من دور حين يخطر لها ذلك، لتخاطب الجمهور كأنها منهم. مرة تختار مَن يقرأ رسالة، ومرة أخرى تسأل عن المتفرّج الذي يمكن أن يساعدها لاستكمال تمارينها الرياضية. وبين الفينة والأخرى، تطرح سؤالاً على الحضور، أو تُغيّر الأجواء بنكتة أو سخرية، ولا بأس بفتح حوار طويل بعد انتهاء العرض أيضاً.

«الكْرِيْم والفاكهة» جزء من العرض (الشرق الأوسط)

ولتكتمل المأساة لا بدّ من «زهرة». المرأة الجنوبية التي فقدت ولديها عام 2006 في الحرب الإسرائيلية على لبنان، ثم قُتل الثالث بعد أن دُفع به للقتال في سوريا عام 2013. هناك شَعَرَ الابن بأنه خُدع وحاول التراجع فقُضي عليه.

المسرحية كلّها قائمة على مزاوجة المتناقضات. المرأة الأم التي يُفترض أنها فيض حنان، تقتل أطفالها، المسرح في حالته الخيالية الأكثر تجلياً تكسره واقعية فجّة، والشك مشوب باليقين، والدراما تختلط بالسخرية الهزلية، واللباس الأسود يصبح أكثر سواداً حين تتشح الممثلة بالأحمر القاني مثل الدم. الهرولة المستمرّة، «جوغينغ»، التي تمارسها حكواتيتنا هي في عمقها عملية هروب من ثبات مميت.


«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
TT

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني، عبر بطله «سمعان»، الشاب المسيحي الذي يعمل كحارس أمن بإحدى البنايات الكبيرة بوسط القاهرة، ويقيم أعلى سطحها، غير أن حادثاً وقع له في طفولته شكل شخصيته، وجعله مستسلماً، وغير قادر على مواجهة الآخرين، في ظل كثير من التجاوزات التي يتعرض لها، مثلما يقول في حواره بالفيلم: «لم أخطط لإرث مهنة والدي كحارس أمن للعمارة، وقد قال لي إن حارس الأمن يجب أن يكون أميناً، ومطيعاً، لكنني أضفت لها الخوف»، هذا الأب الذي شهد «سمعان» مقتله منذ 10 سنوات خلال وجوده بصحبته بدولة ليبيا للعمل بها، حيث يتم ذبحه من قبل تنظيمات إرهابية، لا لشيء سوى لكونه مسيحياً، فيتساءل بين نفسه لماذا لم يقتلوني معه؟

وعُرض فيلم «خروج آمن» لأول مرة بمصر الثلاثاء، بصفته الفيلم الوحيد الذي يمثل مصر بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وهو من تأليف وإخراج محمد حماد.

يرضخ «سمعان» لإخفاء شاب متطرف يسكن العقار، وينبهه في إحدى المرات إلى وصول الشرطة، فتمنحه والدة الشاب المتطرف أموالاً، وحذاءً جديداً، كما يرضخ لطلب زميله «عمّار» لإيواء امرأة مسلمة مريضة حتى تعاود طبيباً بالعقار نفسه، فتقيم بغرفة شقيقه الذي تم سجنه بعد أن قام بالاعتداء على نجل شخصية نافذة، تنجح المرأة التي يرفض «سمعان» وجودها منذ البداية في تغيير كبير بحياته، دون أن تقصد، فيبدأ في مواجهة مخاوفه لأول مرة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد الأربعاء بحضور مخرج الفيلم محمد حماد ومنتجته خلود سعد، قال حماد إن فيلم «خروج آمن» يدعو للتسامح، كوننا نعيش تحت سماء واحدة اسمها الإنسانية، مؤكداً أنه ضد فكرة العنف لأي سبب، لافتاً إلى أن صعوبات «خروج آمن» هي من صنعت هذا الفيلم.

ملصق فيلم «خروج آمن» (الشركة المنتجة)

وحول الإيقاع الهادئ والبطيء بالفيلم، قال إن لكل إنسان في الحياة إيقاعاً، وإن إيقاع الفيلم يمثل تعاطيه هو شخصياً مع الحياة، وأضاف أنه يصنع أفلاماً «هاند ميد» تتطلب هذا الإيقاع، وأكد على كتابته للسيناريو قبل التصوير، وضبطه أولاً، مشدداً على أن الأفلام المستقلة في مصر لا تواجه أزمة إنتاجية، بدليل عرض 8 أفلام مصرية مستقلة هذا العام، إلى جانب نحو مائتي فيلم قصير سنوياً، لكن الأزمة أنها لا تحصل على اعتراف من الموزعين لكي يتصدوا لتوزيعها، مما يؤثر على فرص عرضها.

واستعان محمد حماد في بطولة الفيلم بممثلين غير محترفين، وهم: عمر مروان، ونهى فؤاد، وحازم عصام، ويوسف مصيلحي، إلى جانب الفنانة ماجدة منير، وقال إن 90 في المائة من ممثليه يخوضون تجربتهم الأولى بالفيلم، مما جعله يجري بروفات للممثلين على مدى 9 أشهر «بشكل متقطع»، كما لو كانت بروفات مسرح، على أن تكون في موقع التصوير، لأجل تحقيق المعايشة، وبرغم أن هذا يستغرق وقتاً، لكنه يمثل أهمية كبيرة بالنسبة له، ولهم.

اختيار الممثلين

وأشار حماد إلى أن مقياس اختياره للممثل هو أن يكون أفضل شخص مناسب للدور، سواء كان ممثلاً معروفاً، أو كان يمثل لأول مرة، لكنه يضع شرطاً أساسياً لكل من يعمل معه وهو «الالتزام، والتفرغ التام» للفيلم، كما لا بد أن يشعر كل مشارك بالفيلم كأنه المؤلف، والمخرج، والمنتج.

فيما تحدثت المنتجة خلود سعد عن ظروف إنتاج الفيلم قائلة إنهم بدأوا التصوير لفترة، ثم توقفوا للبحث عن تمويل، وقد أرسلت مشاهد من الفيلم لـ3 جهات مانحة، وسرعان ما تلقوا موافقتهم، كما أنهوا مرحلة ما بعد الإنتاج بمشاركة كل من المنتجة التونسية دروة بوشوشة، والمخرج إبراهيم بطوط، والمونتيرة دينا فاروق، لافتة إلى أن صناعة السينما تمر بمشكلات عديدة، لا سيما الأفلام المستقلة، موجهة نداء لشركات التوزيع لمنحهم فرصة جيدة لعرض أفلامهم، وترك الحكم عليها للجمهور.

ويعد فيلم «خروج آمن» إنتاجاً مشتركاً بين مصر، وقطر، وألمانيا، وتونس، وليبيا، وكان قد شهد مهرجان برلين عرضه الأول ضمن «قسم البانوراما»، كما شارك بمهرجانات «مونبلييه»، و«شانغهاي»، و«ميلانو»، و«كولونيا» بألمانيا، ويترقب جولة جديدة بالمهرجانات.

لقطة من فيلم «خروج آمن» (الشركة المنتجة)

وعَد الناقد محمود موسى «خروج آمن» أحد أهم الأفلام التي تتميز بالجرأة الفكرية، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «محمد حماد كمؤلف ومخرج قدم رؤية فنية تُحفز على التفكير، والتفاعل، فقد وضعنا في قلب عالم بطله المحاط بالمعاناة الشخصية التي توارث جانباً منها، وتحت الضغوط الأسرية والاجتماعية والنفسية التي تحيط به، وما بها من قلق، وخوف، فأدخلنا لكل عوالمه».

وأشار موسى إلى أن «أبرز نقاط قوة هذا الفيلم تتمثل في قدرة محمد حماد على تقديم معالجة إبداعية تكسر الحواجز، وتناقش موضوعات حساسة بأسلوب سلس، بعيداً عن النمطية، أو الخطابات السياسية، وقد خرجنا جميعاً من الفيلم بـ(خروج آمن)»، لافتاً إلى أن «حماد مُبدع لا يبحث عن الشهرة الإعلامية، أو السينمائية، بل يركز على مشروعه السينمائي الخاص، متمسكاً برأيه ورؤيته حتى لو استغرق الأمر سنوات من الغياب كما حدث مع هذا الفيلم.

ولفت إلى أن الفيلم يستحق المشاهدة أكثر من مرة، لما يتناوله من قضايا شديدة التعقيد، ويغوص بذكاء ونعومة في قضايا تتناول التشوهات الفكرية، والدينية، والاجتماعية.

وبعد 10 سنوات من الروائي الطويل الأول «أخضر يابس» عام 2016 الذي شارك بمهرجان لوكارنو السينمائي، يقدم حماد فيلمه الثاني «خروج آمن»، فيما أخرج منذ عام 2005 عدداً من الأفلام القصيرة، من بينها «الجنيه الخامس»، «سنترال»، «أحمر باهت»، و«غطاس عبده فانوس».


6 سمات تحدد مدى قوة علاقاتك العاطفية

للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)
للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)
TT

6 سمات تحدد مدى قوة علاقاتك العاطفية

للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)
للأصدقاء وكذلك للمحبين طقوسهم الخاصة مثل لقاء العشاء معاً كل يوم (بيكسلز)

تحوُّل الإعجاب إلى شعور عاطفي بالحب في مرحلة ما من مراحل العلاقة أمر يدركه معظم الناس. فإذا كنت تعيش قصة حب، ربما تتذكر وقتاً كنت تنظر فيه إلى شريكك من منظور الصداقة البحتة؛ وربما كانت الأمور في ذلك الوقت أفضل. على سبيل المثال، عرف «جيسون» و«شيري» بعضهما لسنوات قبل أن يقعا فجأة في الحب. ورغم أنها تشعر بالسعادة الآن، فإنها تتساءل عمَّا إذا كانت علاقتهما قد فقدت شيئاً ما عندما حلّ الحب محل الإعجاب.

تستعرض الدكتورة سوزان كراوس ويتبورن، الأستاذة الفخرية في علوم النفس والدماغ بجامعة ماساتشوستس الأميركية في أمهرست، في مقال لها نُشر، الثلاثاء، على موقع «سيكولوجي توداي»، نموذجاً مثمراً للصداقة في العلاقات العاطفية، وفق دراسة حديثة، قادها أوتغونبيليغ إردينيباتار من جامعة بريغام يونغ الأميركية (2026)، مقترحاً أن الشعور بالترابط بين الشريكين هو المحرك الأساسي لنمو العلاقة، ومشيراً إلى أن هذا الترابط يتجلى بوضوح من خلال «الصداقة»، التي يصفونها بأنها «عنصر جوهري لأي تواصل إنساني ذي معنى».

ورغم أهمية الصداقة في تعزيز هذا الترابط، يلاحظ إردينيباتار وفريقه أنها لم تحظَ بتعريف دقيق أو دراسة كافية في الأدبيات المتعلقة بالعلاقات العاطفية. لذا سعت دراستهم إلى الغوص في هذه التجربة، مما سمح باستخلاص سمات الصداقة من خلال تحليل دقيق للكلمات التي استخدمها الشركاء لوصف علاقاتهم.

السمات الست للصداقة

استندت نتائج دراسة «بريغام يونغ» إلى تحليل معمق لمقابلات أُجريت مع 81 ثنائياً (بمتوسط ​​عمر 37 عاماً). وقد صنّف نحو نصف المشاركين علاقاتهم بأنها صحية، بينما وصفها الباقون بأنها غير صحية (21 في المائة) أو مزيج من الحالتين (30 في المائة).

وبشكل عام، وصف المشاركون الصداقة بأنها عملية نشطة تتطلب الرعاية والاهتمام المستمر خلال التفاعلات اليومية. وقد تجلت هذه العملية النشطة عبر 6 سمات.

ينبغي للعلاقة القائمة على الحب أن تتضمن أيضاً مشاعر المودة والصداقة (بيكسلز)

وكما أفادت ويتبورن في مقالها، اعتبر الأزواج الذين شملتهم الدراسة مفهوم «التناغم والتقارب» إحدى السمات التي يختبرونها مع أصدقائهم وأحبائهم على حد سواء. إنك تشعر بانجذاب نحو شخص تحبه؛ ترغب في التحدث إليه ومشاركته المساحة ذاتها. ولا يتلاشى هذا التناغم بانتهاء مرحلة الانبهار الأولى، بل ينمو ويتطور مع مرور الوقت.

وأضافت أن الضحك والمرح المشترك أيضاً من هذه السمات الست، فأنت تقضي أوقاتاً ممتعة مع أصدقائك، ووفقاً لنتائج الدراسة فإنه يمكنك -بل ينبغي عليك- أن تحظى بأوقات ممتعة مع شريك حياتك أيضاً. قد يتخذ المرح أشكالاً متنوعة، بدءاً من تبادل النكات، وصولاً إلى المزاح المتبادل.

وتابعت أنه عندما تكون بصحبة صديق قديم، فإنك لا تجد صعوبة في الانفتاح عليه وإظهار طبيعتك الحقيقية. وبالمثل، أظهرت الدراسة أهمية أن يُفصح الشريكان عن مشاعرهما وتجاربهما دون خوف من الحكم عليهما أو التعرض للرفض.

وأشارت ويتبورن إلى أنه إذا فكرت في صديقك المقرب، فمن المرجح أنكما تستمتعان بالأنشطة ذاتها؛ كحضور الفعاليات الثقافية، أو التسوق، أو الطهي معاً، أو حتى الجلوس على الأريكة لمشاهدة فيلم. وبالمثل، أشار الأزواج المشاركون في الدراسة إلى وجود هذا النوع من الاستمتاع المتبادل.

وأوضحت أنه غالباً ما تتسم العلاقات بوجود طقوس معينة، سواء كانت احتفالات بذكرى سنوية أو مجرد تواصل يومي منتظم. للأصدقاء طقوسهم الخاصة، مثل لقاء الغداء الأسبوعي، أما في العلاقات العاطفية، فقد أشار المشاركون إلى أن هذه الطقوس تتخذ طابعاً يومياً؛ فقد يتبادلون القبلات عند المغادرة أو العودة إلى المنزل، أو يشاركون في إعداد وجبة العشاء معاً.

وأخيراً، يأتي العمل الجماعي والدعم المتبادل، ووفق ويتبورن، يتغلغل مفهوم العمل الجماعي في عديد من العلاقات الناجحة، سواء في بيئة العمل أو مع الأشخاص الذين تهتم لأمرهم. فأنت ترغب في الشعور بأنك تقف في نفس الصف مع الطرف الآخر، وأنكما تتشاركان النجاحات والأعباء على حد سواء. فمع الأصدقاء، تكون حاضراً لتقديم العون عند الحاجة، كإحضار وجبات الطعام لهم إذا ما ألمّ بهم المرض. وبالمثل، في العلاقات العاطفية، وكما أفاد المشاركون في الدراسة فإنهم يساند بعضهم بعضاً خلال الأوقات الصعبة.

وتختتم ويتبورن بالقول إنه يمكن -بل ربما ينبغي- للعلاقة القائمة على الحب أن تتضمن أيضاً مشاعر المودة والصداقة، مشددةً على أن هذه السمات الست ستساعدك في الحفاظ على الحب والمودة معاً، مما يجعل العلاقة أكثر حيوية وإشباعاً.