الأسد قد يُنقذ البشر من حوادث الطرق

دراسة ترصد أثراً غير متوقَّع للحيوانات المفترسة في حياة المجتمعات البشرية

الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
TT

الأسد قد يُنقذ البشر من حوادث الطرق

الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)
الأسد لا يظهر في الطريق لكن أثره يصل إليه (أ.ب)

تُرى، هل ثمة فائدة تُرجى من العيش إلى جانب الحيوانات المفترسة في مكان واحد؟ ربما تبدو العيوب واضحة للعيان؛ فأيّ شخص يعيش على مقربة من هذه المخلوقات الشرسة قد يتعرَّض ببساطة للافتراس. وقد يرى علماء البيئة، من جانبهم، أنها فرصة لا تُعوّض لمتابعة جهود حماية الأنواع الحية، أو التأكد من أنّ حيوانات بعينها لا تزال بعيدة عن حافة الانقراض.

لكن فريقاً بحثياً في الولايات المتحدة وجد أنّ الحيوانات المفترسة الكبيرة تنطوي على فائدة مباشرة للبشر، تتمثَّل في المساعدة على الحدّ من حوادث الطرق.

ويقول باحثون من معهد «شركاء علوم حماية الأنواع الحية» في ولاية واشنطن الأميركية، بعد دراسة تأثير وجود الأسود الجبلية في منطقة شبه جزيرة أولمبيك في واشنطن، إنّ وجود هذه الحيوانات المفترسة، وهي فصيلة من السنوريات التي تعيش في أميركا الشمالية، أسهم في تغيير سلوكيات الغزلان والأيائل في المنطقة، على نحو انعكس إيجاباً على معدلات حوادث تصادم السيارات بالحيوانات البرية على الطرق السريعة، وفق الدراسة التي نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «سيل برس» العلمية المتخصّصة في علوم الأنواع الحيّة.

غابة فيها أسد ليست الغابة نفسها في عيون الغزلان (أ.ب)

من جهته، يقول مدير معهد «شركاء علوم حماية الأنواع الحية»، رئيس فريق الدراسة، جاستن سوراشي، لموقع «بوبولار ساينس» المتخصّص في البحوث العلمية: «وجدنا أنّ الحيوانات المفترسة الكبيرة تجعل الطرق أكثر أماناً، من خلال تأثيرها على سلوكيات الفرائس والمساحات التي تتحرّك في نطاقها في الأماكن البرية».

وأوضح أنّ الغزلان، على سبيل المثال، تُغيّر نطاق تحركها في الغابات، وكذلك أوقات تحركها، في حال وجود الأسود الجبلية، ممّا يقلل مرات مرورها على الطرق السريعة وتحرّكاتها ليلاً، وهو التوقيت الذي تحدث فيه معظم حوادث الطرق الخطيرة.

وأشار إلى أنّ وجود الأسود الجبلية في شبه جزيرة أولمبيك «أدّى إلى الحد من معدلات حوادث تصادم الغزلان بالسيارات بنسبة 76 في المائة، مقارنةً بالأوقات التي تتراجع فيها أعداد الأُسود».

وأضاف: «من هذا المنطلق، فإن الأُسود الجبلية وغيرها من الضواري تُسدي خدمة للأنظمة البيئية في صورة تحسين السلامة على الطرق بالنسبة إلى البشر»، لا سيما أنّ الفريق البحثي وجد أنّ الغزلان تنشط بشكل أكبر خلال ساعات النهار في الأماكن التي تنتشر فيها الأُسود، بدلاً من ساعات الليل التي تكثر فيها حوادث الطرق. كما أنها تقضي مدّةً أطول في بيئتها الطبيعية داخل الغابات، بعيداً عن شبكات الطرق في المناطق المدنية.

ويرى مدير مبادرة «بوما بروغرام فور بانثيرا» المعنية بالحفاظ على الأسود الجبلية، وأحد المشاركين في الدراسة، الباحث مارك إيلبروك، أنّ الأُسود تُسهم بشكل أكبر في الحد من حوادث الطرق عن طريق إخافة الغزلان، وليس افتراسها. وأشار إلى أنه بفضل عامل الخوف، تؤدّي الأُسود الجبلية الدور الإيجابي نفسه الذي تؤدّيه المسارات المخصّصة لعبور الأنواع البرّية، والمعروفة باسم جسور الحياة البرّية في المناطق العمرانية.

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات كاميرات مزودة بأجهزة استشعار للحركة في 503 مواقع بمختلف أنحاء شبه جزيرة أولمبيك، رُكبت في إطار 7 مشروعات بحثية تُنفذ في أنحاء شبه الجزيرة.

للأسد ظلّ أطول من المسافة التي يمشيها (أ.ب)

وفي إطار هذه المشروعات، ثُبتت الكاميرات على مسافات متساوية، بفاصل يصل إلى 1.1 كيلومتر، وعلى ارتفاع 17 بوصة من سطح الأرض، بما يتيح لها رصد الفصائل المفترسة المتوسّطة إلى الكبيرة.

كما حرص الباحثون على جمع بيانات إضافية من أطواق مجهزة بأجهزة لتحديد المواقع، ثُبتت على الأُسود الجبلية التي تعيش في المنطقة، من يناير (كانون الثاني) 2020 حتى سبتمبر (أيلول) 2022.

وتحتوي قاعدة بيانات المشروع البحثي على معلومات تخصّ 59 حيواناً صُنِّفت بين كبيرة ومتوسّطة الحجم، وقُسّمت وفق أعمارها إلى حيوانات بالغة وشبه بالغة.

وفي إطار الدراسة، جمع الفريق البحثي أيضاً بيانات من هيئة النقل في ولاية واشنطن عن حوادث تصادم السيارات بالحيوانات البرّية في 7 مقاطعات بشبه جزيرة أولمبيك، على مدار 5 سنوات، من يوليو (تموز) 2020 حتى يونيو (حزيران) 2025.

وتبيّن خلال تلك المدّة أنّ غالبية حوادث الطرق تعلّقت بالغزلان، بواقع 1690 حادثة، تلتها الأيائل بـ178 حادثة، ثم حيوانات برّية من فصائل أخرى بـ67 حادثة، ممّا دفع الفريق البحثي إلى التركيز على الحوادث المتعلّقة بالغزلان تحديداً.

ويقول الباحث سوراشي: «أعتقد أنّ أهم النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة هي إثبات أن التعايش مع الحيوانات المفترسة كبيرة الحجم يعود، على الأرجح، ببعض الفائدة على المجتمعات البشرية في الوقت الحالي، وأن هذه الفوائد قد لا تقتصر على زيادة معدلات السلامة على الطرق».

وأضاف: «تظلّ القيمة الحقيقية لأنشطة الافتراس في أي منطقة سؤالاً مطروحاً، وأعتقد أنها من المسائل التي بدأ مجتمع الحفاظ على الحياة البرّية للتو في النظر إليها واستكشافها».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

يوميات الشرق أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)

«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

يخضع رجلٌ وصل إلى مدينة تورينو قادماً من ميامي عبر إسطنبول حالياً للتحقيق على خلفية اتهامات بالتهريب، ويواجه حكماً بالسجن أو غرامة مالية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

يتعيَّن على الجميع تقريباً ممّن يعتلون خشبة المسرح في أوبرا المتروبوليتان بنيويورك خوض اختبارات الأداء؛ حتى الأفعى التي ستستحوذ لبرهة على صدارة المشهد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق ما انكسر فيه لم يكتب نهايته (الجمعية الملكية لحماية الطيور)

بجناح مكسور... «النسر المعجزة» يعود إلى السماء

رُصد نسر بحري حيَّر الخبراء بتمكّنه من البقاء على قيد الحياة حتى مرحلة البلوغ، رغم إصابته بكسر شديد في أحد جناحيه، وهو يُحلّق مجدداً في السماء...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق النوع المكتشف من العناكب نادر ومهدد بالانقراض (جامعة أيداهو)

اكتشاف نوع نادر من العناكب المهددة بالانقراض بأميركا

أعلن فريق بحثي من جامعة أيداهو الأميركية اكتشاف نوع جديد من العناكب في الجبال الشمالية للولاية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الجوع يمحو المسافة بين المخلب والباب (رويترز)

دببة جائعة تغزو المنازل والمتاجر في غرب أميركا

سبق أن دخلت دببة إلى حاوية قمامة إيريكو من قبل، لكن اقتحام المنزل في وقت سابق من الشهر الماضي كان سابقة هي الأولى...

«الشرق الأوسط» (كولورادو)

روبرت باتنسون لـ«الشرق الأوسط»: المخاطرة تُخرِج الممثل من خانة الأمان

روبرت باتنسون ومخرج «برايمتايم» لانس أوبنهايم (أ.ب)
روبرت باتنسون ومخرج «برايمتايم» لانس أوبنهايم (أ.ب)
TT

روبرت باتنسون لـ«الشرق الأوسط»: المخاطرة تُخرِج الممثل من خانة الأمان

روبرت باتنسون ومخرج «برايمتايم» لانس أوبنهايم (أ.ب)
روبرت باتنسون ومخرج «برايمتايم» لانس أوبنهايم (أ.ب)

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا (5)

في فيلمه الجديد، يؤدي روبرت باتنسون ما يمكن وصفه بأنه ثاني دور لشخصية سلبية هذا العام.

الأول كان دوره في «الأوديسة»، وقد أدَّاه ببراعة جعلته موضع اهتمام لافت، لاعباً دور أنطينوس الذي يطمح إلى احتلال مقعد المملكة عبر الزواج من بينيلوبي (آن هاثاواي)، قبل عودة زوجها أوديسيوس (مات ديمون) بعد غياب سنوات.

روبرت باتنسون على السجادة الحمراء في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

وفي «برايمتايم»، يُقدّم شخصية مختلفة، لكنها تحمل القدر نفسه من الشوائب. فهو كريس هانسن، مضيف البرنامج التلفزيوني الإخباري الذي يسعى في سبيل تحقيق سبق إعلامي بكل الوسائل الممكنة، بما فيها استغلال قضية مُحقّة، هي الاعتداء جنسياً على القاصرين، المعروف بـ«البيدوفيليا». النية سليمة، لكن الوسيلة ليست كذلك. وهذا لا ينطبق على شخصية باتنسون فحسب، بل على الطريقة التي عالج بها المخرج لانس أوبنهايم الفيلم، قاصداً رسم خط موازٍ للحكاية. فهو، بدوره، يريد استغلال الموضوع أكثر من البحث فيه.

يتميّز باتنسون (40 سنة) بالشجاعة عند اختيار أدواره. ويكفي أنه انتبه إلى خطورة الاستمرار في أداء أدوار نمطية ضمن سلسلة من الأفلام النمطية؛ فقرَّر الابتعاد عنها رغم نجاحها. وهي خطوة ربما لم يجرؤ كثيرون على اتخاذها؛ لأن تلك الأفلام كانت بمنزلة منجم للنجاح، وكانت مغادرتها تنطوي على مخاطرة.

ففي عام 2008، كان أحد الوجوه الشابة التي شاركت في سلسلة «توايلايت» (Twilight)، التي تنتمي إلى أفلام الزومبي، لكنها انفردت بتصوير أبطالها الشباب، ومن بينهم باتنسون، على نحو رومانسي. وبعد أربعة أجزاء حققت له إعجاب الجمهور والشهرة، قرَّر البحث عن مشروعات درامية جادة مع مخرجين مميِّزين وذوي شهرة في المحافل العالمية.

وأدّى ذلك إلى تعاونه مرتين مع المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ؛ الأولى عام 2012 من خلال فيلم «كوزموبوليس»، والأخرى بعد عامين في «خرائط إلى النجوم» (Maps to the Stars).

باتنسون في «تينيت» (وورنر)

وظهر كذلك تحت إدارة فيرنر هرتزوغ في «ملكة الصحراء» عام 2015، وتنوَّعت بعد ذلك أدواره والشخصيات التي أدَّاها تحت إدارة مخرجين من وزن جيمس غراي في «المدينة المفقودة زد» (The Lost City of Z)، وكلير دوني في «حياة سامية» (High Life)، وروبرت إيغرز في «المنارة» (The Lighthouse)، وكريستوفر نولان في «تينيت» (Tenet).

خطة مدروسة

* ثمَّة أسئلة كثيرة ووقت قليل، لكنني أود أن أبدأ بفيلمك الأخير «برايمتايم». هل تردَّدت في قبول هذا الدور الذي قد لا يعجب جمهورك؟

- لماذا تعتقد أنه قد لا يعجب جمهوري؟

* هذا بالطبع ليس أمراً مؤكداً، لكنه احتمال قائم لأن الشخصية داكنة، وتمتزج فيها النيات الطيبة بالمصلحة الخاصة.

- نعم، صحيح، لكن هذا ما يجعل الدور جذاباً. بوصفك ممثلاً، عليك أن تختار إما المخاطرة وإما البقاء في خانة الأمان. بالنسبة إليّ، وأنت أخبرتني قبل المحادثة بأنك شاهدت كثيراً من أفلامي، لن أتمكن من الاستمرار في المهنة طويلاً إذا اخترت فقط ما يُفترض أن يكون فيلماً يلقى نجاحاً جماهيرياً. هناك من يفعل ذلك وينجح، وهناك من يفعله ويفشل. المخاطرة هي الخروج من هذا الترتيب المسبق.

روبرت باتنسون في مشهد من فيلم «برايمتايم» (A24 - أ.ب)

* لا شك في ذلك. نلاحظ أن عدداً من الممثلين حاولوا تغيير الأدوار التي لعبوها في سلاسل سينمائية وفشلوا؛ ما دفعهم إلى البقاء في تلك الأفلام. هل...

- (مقاطعاً) أفهم ذلك. أعتقد أنهم تأخروا في محاولة الخروج، وربما لم تكن اختياراتهم البديلة موفّقة.

* لكنك مرتبط بسلاسل، وستعود إلى أداء دور باتمان في جزء ثانٍ، وسنراك قبل نهاية العام في «كثبان 3» (Dune 3).

- كانت خطتي، عندما قررت التوقف عن «توايلايت»، أن أسعى إلى التنويع. لم يكن هدفي عدم العودة إلى أفلام السلاسل أو تجنّبها. هدفي الدائم هو أداء كثير من الأدوار المختلفة؛ لأن هذا هو دور الممثل. عندما مثّلت شخصية باتمان، كنت أدرك أنني سأعود إليها. مرَّت على ذلك الجزء 5 سنوات حتى الآن، والجزء الثاني لن يُعرض قبل عام 2028... وهذه فرصة رائعة للظهور في أفلام مختلفة.

* لكن قيل إنك رفضت بطولة «باتمان 2» عندما عُرضت عليك.

- هذا ما قيل، لكنه غير صحيح.

* هل صحيح أنك كنت تتحاشى الصحافة والإعلام كثيراً في بداياتك؟

- نعم. لم أكن أدري ماذا أقول. كانت فترة مجنونة، في الحقيقة.

* تقصد فترة نجاحك الأولى في أفلام «توايلايت»؟

- نعم.

في غرفة مغلقة

روبرت باتنسون كما ظهر في «الأوديسة» (يونيفرسال)

* دورك في «الأوديسة» يثير الإعجاب. في جوهره، هو دور رجل يريد استغلال الفرصة للزواج من الملكة، على أمل أن يصبح أكثر نفوذاً. أعتقد أن الجمهور أحب هذا الدور الجديد عليك؟

- نظرت إلى هذا الدور على أنه فرصة لتقديم شخصية تثير التساؤلات، رغم أنها ليست شخصية غامضة. ناقشت الموضوع مع كريس (كريستوفر نولان)، واتفقنا على أن الوضوح هو السبيل الصحيح لتقديم شخصية أنطينوس. عليها أن تبقى كذلك أمام الجمهور، لكن ليس أمام المرأة التي يريد الزواج منها. وكان عليَّ أيضاً أن أجعله شخصية محبوبة، لا عدائية أو مبتذلة.

* «الأوديسة» هو ثاني فيلم لك تحت إدارة كريستوفر نولان، بعد «تينيت» عام 2020. كيف كانت جولتك الأولى معه؟

- كانت ممتازة وغريبة في الوقت نفسه. ممتازة لأن الدور أعجبني، وأدَّيته باندفاع وقناعة لا بدَّ منهما لأي ممثل في أي عمل، كما أنني نفّذت معظم المشاهد الخطرة بنفسي.

* هل صحيح أنه لم يكن مسموحاً لك إلّا قراءة المشاهد الخاصة بدورك؟

- نعم، صحيح. كانت هناك سرية؛ لأنه فيلم يعتمد على الألغاز. وإذا تسرّبت معلومات عنه إلى الإعلام، فَقدَ الفيلم عنصرَي الغموض والمفاجأة. أُدخلت غرفة مغلقة لقراءة دوري، لكنني لم أكن الوحيد الذي طُلب منه ذلك. فلم يُسمح، مثلاً، لمايكل كين بأن يقرأ سوى المشاهد التي يظهر فيها.

* ماذا نتوقّع أن نشاهد في «كثبان 3» حين يصل إلى دور العرض في منتصف ديسمبر (كانون الأول) المقبل؟

- (يضحك) لا أنوي الإجابة عن هذا السؤال. لا أستطيع إلا أن أقول: مزيداً من المغامرات في ذلك العالم الفانتازي الغريب. حين شاهدت الجزء الثاني من السلسلة، فوجئت به؛ لأنني لم أكن على علم كامل بما أتوقعه. وأعتقد أنه الشعور نفسه هذه المرة أيضاً.


«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
TT

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)

يعود «حنظلة» إلى الخشبة اللبنانية محمَّلاً بنحو نصف قرن من الأسئلة التي وضعها الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونّوس في طريق رجل اختار السلامة أسلوباً للعيش، فوجد نفسه ذات يوم وسط ما أمضى حياته يتفاداه. في «رحلة حنظلة»، التي أعدَّها وأخرجها جو رميا، لا نشعر بالزمن الفاصل بين ولادة النصّ واللحظة اللبنانية الراهنة. ثمة إنسان ما زال يمشي بمحاذاة الحائط، يُساوم على القليل ليُحافظ على ما تبقَّى، ويُتقن التكيُّف إلى درجة تصعب معها معرفة متى ينتهي الصبر ويبدأ الخضوع.

بعد عروضها على خشبة «مسرح المونو» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحطُّ المسرحية في «مسرح دوار الشمس»، وقد سبقتها إليه الجوائز التي حصدتها قبل أسابيع في الدورة الأولى من «جوائز المونو». نال جو رميا جائزتَي «أفضل إخراج» و«أفضل اقتباس»، وحصلت بيا خليل على جائزة «اكتشاف العام». وهي جوائز تبدو عند مُشاهدة العمل متّصلة بما أُنجز على الخشبة أكثر ممّا أنها أوسمة مُلحَقة به. هناك بناء يعرف كيف يجمع عناصره فيمنح النصّ المكتوب قبل عقود حياةً معاصرة من دون أن يُثقله بمحاولات تحديث متكلَّفة.

بعض السجون تترك أبوابها مفتوحة (صوَر المُخرج)

يأخذ رميا عن ونّوس رجلاً خرج من السجن بعدما دفع ثمن حرّيته، ليكتشف أنّ ما ينتظره في الخارج امتداد لِما تركه خلف القضبان. «حنظلة» خسر زوجته وعمله، وتتوالى أمامه الوقائع كأنّ العالم قرَّر أن ينتزع منه المُسلَّمات التي عاش عليها؛ واحدةً تلو أخرى. إلى جانبه يظهر «حرفوش» العارف بممرات هذا العالم ومَكْره، فتتحرّك الرحلة بين الاثنين فيما يتبدّل المحيط وتبقى آليات الإخضاع مُتشابهة.

كتب ونّوس «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» مستنداً إلى نصّ لبيتر فايس، وأعاد صياغته داخل مشروعه المسرحي المُنشغِل بالسُّلطة والوعي ومسؤولية الفرد. قيمة «حنظلة» أنه لم يولَد بطلاً. إنه الرجل الذي درَّب نفسه على النجاة. يعرف كيف يتفادى الاصطدام، ويظنّ أنّ النأي بنفسه عن الشأن العام كفيل بإبقائه بعيداً عن الأذى. حين يصل الأذى إليه؛ تبدأ الرحلة.

يلتقط وسام بتديني هذا التكوين النفسي للشخصية من داخل الجسد. «حنظلة» لديه مُنحني الحضور قبل أن يكون مُنحني الظهر. في وقفته وتردُّده ونظرته التي تتأخَّر عن استيعاب الحدث، تتكوَّن شخصية أمضت زمناً طويلاً في تصغير نفسها كي تمرَّ بأمان. لا يقفز بتديني بـ«حنظلة» نحو الوعي، ويترك الصدمات تعمل فيه بالتراكُم. بذلك تصبح الشخصية إنساناً يمكن التعرُّف إليه قبل أن تصبح حاملةً لفكرة.

وسام بتديني يُلبس «حنظلة» انحناءاته (صوَر المُخرج)

يُقابله كارلوس أنطونيوس الذي يأخذ «حرفوش» إلى مساحة أدائية مُغايرة. يتحكّم في إيقاعه ويمنح الراوي حرارة الشارع وخبرته. يملك خفّة تسمح له بإيصال المرارة من دون أن تتحوّل الشخصية إلى منبر. تنشأ بين الممثلَيْن ثنائية مفيدة للعرض؛ أحدهما لا يزال داخل المتاهة، والآخر يعرف بعض خرائطها.

بيا خليل، التي استحقّت عن العمل جائزة «اكتشاف العام»، تتحرّك بين الشخصيات والنبرات بمرونة تحفظ لكلّ ظهور مَلْمَحه. التحوّل لديها لا يعتمد على تغيير الشكل وحده، إذ يتبدَّل الإيقاع الجسدي وطريقة احتلال الخشبة وفق الشخصية. أما علي منهد، فيستفيد العرض من تعدُّد أدواره في تكوين وجوه مختلفة للسُّلطة والمجتمع. يتغيَّر الشخص ويبقى شيء من الآلية التي يُواجهها «حنظلة» ثابتة، بينما يتمكّن النظام دائماً من العثور على وجه جديد يؤدّي الوظيفة.

كلّ هذه الويلات و«حنظلة» أمضى عمره طالباً السترة (صوَر المُخرج)

هذه الجماعيّة في الأداء من أسباب تماسُك العرض. حتى الفواصل بين المَشاهد، حيث كثيراً ما ينكشف خلل العرض، تدخُل في صُلب لغته. السجن يُفسِح مكانه لفضاء آخر، والمكان يتغيَّر بسرعة تكاد تُشبه السرعة التي تُبدِّل بها المؤسّسات أقنعتها أمام «حنظلة».

وللكوميديا وظيفة دقيقة. يضحك الجمهور على اختلال المواقف، وعلى «حنظلة» الذي يُحاول تطبيق منطقه البريء في عالم تحكمه قواعد ملوَّثة. شيئاً فشيئاً يصبح الضحك مَوْضع ريبة. اللبناني يعرف جيداً هذه الآلية. لقد حوَّل أزماته إلى نكات، وصاغ للانهيار قاموساً ساخراً، وتعلَّم أن يُخفّف ثقل العجز بالتهكُّم. قدرةٌ مثل هذه تُساعده على الاحتمال، وقد تجعله أيضاً يعتاد ما يحدث.

«حنظلة» و«حرفوش»... غفلة تمشي إلى جوار المعرفة (صوَر المُخرج)

تحتفظ «رحلة حنظلة» بقيمتها رغم السنوات. النصّ مُحكَم في انتقاله بين الخاص والعام، والإعداد اللبناني يُقرّبه من الواقع الحالي من غير أن يُفقده روح ونّوس، والإخراج يضبط الحركة والإيقاع والتحوّلات، فيما يمنح الممثلون الأفكارَ أجساداً وطبائعَ ودرجات متفاوتة من الوعي والخوف والمراوغة، حتى يصعب فصل «حنظلة» الآتي من ونّوس عن الرجل الذي يمكن أن نُصادفه اليوم خارج باب المسرح.

تنتهي الرحلة وقد خسر «حنظلة» كثيراً ممّا كان يظنّه أماناً، وربح ما يصعب العيش بعده كما كان قبله. لقد رأى. ومَن يرَ مرّة، فلا يعود قادراً على الاحتماء بالغفلة.


«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
TT

«تذكار» في الحقيبة يورّط مسافراً... رأس تمساح في المطار

أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)
أراد أن يحمل الرحلة معه... فحمل تبعاتها (الشرطة المالية)

يخضع رجلٌ وصل إلى مدينة تورينو قادماً من ميامي عبر إسطنبول حالياً للتحقيق على خلفية اتهامات بالتهريب، ويواجه حكماً بالسجن أو غرامة مالية.

ويواجه الرجل الإيطالي حُكماً بدفع غرامة مالية باهظة، أو ربما بالسجن، بعد العثور على رأس مجفَّف لتمساح من الأنواع المهدَّدة بالانقراض داخل أمتعته في مطار كاسيل تورينو.

وذكرت «الغارديان» أنّ الرجل كان قد وصل إلى المطار الواقع في المدينة الإيطالية شمال البلاد، عبر رحلة من ميامي عبر إسطنبول، وذلك نقلاً عن وحدة تورينو التابعة لفرقة الشرطة المالية الإيطالية. وكان رأس الحيوان الزاحف مغلَّفاً بورق بني في محاولة لإخفائه عن أعين سلطات التفتيش الأمني والجمارك.

وسرعان ما صادرته سلطات الحدود، وأخضعت المسافر، الذي قيل إنه كان عائداً من إجازة، للتحقيق على خلفية اتهامات بتهريب نوع من الأنواع المهدَّدة بالانقراض والخاضعة للحماية. وتحظى التماسيح بالحماية بموجب اتفاقية واشنطن، وهي اتفاقية عالمية وُقّعت عام 1973 لحماية النباتات والحيوانات المهدَّدة بالانقراض من مخاطر التجارة الدولية.

وفي حال إدانة الرجل، سيواجه حُكماً بدفع غرامة مالية تتراوح بين 20 ألفاً و200 ألف جنيه إسترليني، أو حُكماً بالسجن بين 6 أشهر وعام.

وذكرت الشرطة أنّ العملية في تورينو جاءت في إطار حملة أمنية أوسع نطاقاً في إيطاليا ضدّ تجارة الحياة البرية غير القانونية. وقالت الشرطة: «جاءت مصادرة الرأس بسبب استيراده دون الحصول على الشهادة المطلوبة أو الترخيص المحدَّد».

وتُعدّ إيطاليا مركز انتقال وعبور رئيسياً للتجارة غير القانونية في الحيوانات الغريبة، التي يجري الجزء الأكبر منها ضمن أنشطة الجريمة المنظَّمة. وأوضح فرع الصندوق العالمي للطبيعة في هذا البلد، في تقرير نُشر في بداية العام الحالي، أنّ «الاتجار غير القانوني بحيوانات تشمل سلاحف وطيور زينة وزواحف استوائية، بل حتى رئيسيات صغيرة، يحدث عبر قنوات على الإنترنت وعمليات تبادل عبر الحدود». وعام 2025، صُودِر شمبانزي كان مستحوَذاً عليه بطريقة غير قانونية، وفق التقرير.

ومع ذلك، يشتري سياح أشياء مثل رؤوس التماسيح المجفّفة هدايا تذكارية، من دون علم بأنّ إحضارها معهم إلى بلادهم أمر غير قانوني.

يُذكر أنه قُبِض على كندي في مطار دلهي خلال العام الماضي، بعد العثور داخل أمتعته على رأس تمساح كان قد اشتراه في تايلاند.