توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

المخرج البريطاني شارك بفيلمه الجديد في «تريبيكا السينمائي»

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
TT

توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)

يعود المخرج البريطاني توني كاي إلى واحدة من أكثر التجارب اضطراباً وتأثيراً في مسيرته المهنية من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «همبتي دمبتي إكس» (Humpty Dumpty X)، الذي يستعيد فيه كواليس صناعة فيلمه الشهير «التاريخ الأميركي إكس» الذي عُرض عام 1998، ولكن من منظور شخصي وإنساني مختلف تماماً.

الفيلم الوثائقي البريطاني - الأميركي الممتد لـ75 دقيقة، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، لا يكتفي بسرد تفاصيل الخلافات التي أحاطت بصناعة العمل في أواخر التسعينات، بل يتحول إلى رحلة داخل عقل المخرج نفسه، إذ يعيد النظر في سنوات الطموح والغضب والصدام مع هوليوود، محاولاً فهم ما جرى له كمخرج شاب كان يسعى بكل قوة للحفاظ على صوته الفني داخل منظومة سينمائية ضخمة ومعقدة.

أصبح المخرج البريطاني يمارس هواية الرسم منذ سنوات (الشركة المنتجة)

ومن خلال لقطات أرشيفية ومواد صوّرها بنفسه على مدار سنوات، يقدم «كاي» صورة شديدة الصراحة عن نفسه، بما فيها لحظات الانفعال والارتباك والهشاشة، في محاولة لفهم الماضي وإعادة بناء الذات من جديد.

ويُعد «التاريخ الأميركي إكس» من أبرز أفلام الدراما والجريمة في التسعينات، وهو من كتابة ديفيد ماكينا، ورُشح بطله إدوارد نورتون لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في الفيلم، الذي دارت أحداثه حول «ديريك فينيارد»، الشاب المنتمي لجماعات النازيين الجدد في لوس أنجليس، الذي يخرج من السجن بعد سنوات ليحاول إنقاذ شقيقه الأصغر من السقوط في دوامة الكراهية والعنف التي دمرت حياته، متطرقاً لقضايا العنصرية والتطرف والهوية داخل المجتمع الأميركي.

ويقول المخرج البريطاني توني كاي لـ«الشرق الأوسط»، في حوار عبر تطبيق «زووم»، إن فيلمه الوثائقي جاء بعد رحلة طويلة من التفكير ومحاولة فهم ما حدث له أثناء صناعة «التاريخ الأميركي إكس»، مؤكداً أن «مرور نحو 3 عقود منحه القدرة على رؤية التجربة بشكل أكثر نضجاً وهدوءاً».

وأضاف أن «الفيلم بالنسبة له يشبه لوحة فنية متعددة الطبقات، ظل يعمل عليها سنوات طويلة»، موضحاً أن «ما بدأ كصراع حول فيلم، تحول مع الوقت إلى تأمل أوسع في الطموح والذاكرة والنجاة والثمن النفسي للإبداع».

وأشار كاي إلى أن «التاريخ الأميركي إكس» كان أول أفلامه السينمائية، ووقتها كان مخرجاً شاباً مليئاً بالحماس والطموح، ويحاول حماية صوته الفني داخل منظومة هوليوودية ضخمة وسريعة ومعقدة، لافتاً إلى أن «التجربة لم تعد بالنسبة له مجرد معركة قديمة، بل أصبحت درساً إنسانياً وفنياً عن معنى الإبداع والهوية والقدرة على الاستمرار، وهو ما يلمسه من الأجيال الجديدة التي ما زالت حتى اليوم تتحدث معه عن تأثير الفيلم عليها، وهو ما يعتبره أكبر إنجاز حققه العمل».

قدم الفيلم رؤية حملت نظرة مختلفة من المخرج البريطاني (إدارة المهرجان)

وأكد أنه كان يجلس يوماً داخل طائرة ويفكر في مسؤوليته تجاه «التاريخ الأميركي إكس»، ورغبته في صناعة فيلم يمكنه تغيير عقلية شخص واحد على الأقل، وإقناعه بأن الكراهية والغضب لا يقودان إلى أي مكان، مشيراً إلى أن «الفيلم تحول مع مرور الوقت إلى مادة تُدرّس في الجامعات، وهذا الأمر جعله يدرك كيف تغير معنى العمل عبر السنوات، لا سيما بعدما شاهده جيل جديد بطريقة مختلفة تماماً عن وقت عرضه الأول».

وشدد كاي على أن «فيلمه الوثائقي الجديد ليس مجرد محاولة لاستعادة الماضي، بل محاولة لفهمه وتحويله إلى تجربة مفيدة للآخرين، خصوصاً صناع الأفلام الشباب، لافتاً إلى أن إعادة مشاهدة اللقطات القديمة كانت بالنسبة له مزيجاً من التأمل والمواجهة والنجاة النفسية، لأن الزمن غيّر طريقته في رؤية نفسه، واستطاع أخيراً أن يرى الصورة كاملة، ليس فقط ما كان يحدث حوله، بل أيضاً ما كان يحدث داخله».

المخرج البريطاني توني كاي قبل حلق لحيته (الشركة المنتجة للفيلم)

ووصف المخرج البريطاني بعض اللحظات بأنها كانت صعبة ومؤلمة لكونها كشفت له نسخة أصغر سناً من نفسه، مليئة بالطموح والانفعال والرغبة المستمرة في إثبات الذات، لكنه شعر أن الهروب من تلك المشاهد سيكون نوعاً من الكذب، لافتاً إلى أن الفيلم كان يجب أن يكون صادقاً بالكامل، خصوصاً إذا كان سيحمل أي قيمة حقيقية للأجيال الجديدة من المخرجين والفنانين.

وأوضح كاي أن أكثر ما تغيّر داخله مع مرور الوقت هو نظرته إلى تلك الفوضى القديمة، مؤكداً أنه توقف عن رؤية اللقطات كدليل على الصراع فقط، وبدأ يراها كجزء من حكاية إنسانية أكبر عن الإبداع، والضغط النفسي، والخوف، والرغبة في التمسك بالرؤية الفنية داخل نظام أكبر بكثير من الفرد نفسه.

وأشار إلى أن «الفوضى نفسها كانت جزءاً أساسياً من الفيلم، دون أن يحاول تقديم نفسه بصورة أكثر تماسكاً أو بطولة قد تُفقد العمل قيمته الحقيقية، لأن الفن الحقيقي لا يولد من اليقين، بل من الشك والخوف والهشاشة والرغبة المستمرة في خلق شيء له معنى، موضحاً أن إبقاء الكسور والجروح ظاهرة داخل الفيلم جعله أكثر صدقاً واكتمالاً».

واختار المخرج شخصية «همبتي دمبتي» - التي ترمز في الثقافة الإنجليزية للسقوط والانكسار - لتكون اسم الفيلم، مستعيداً من خلالها الخلافات التي حدثت بينه وبين شركة الإنتاج خلال خوض أولى تجاربه السينمائية.

لكن كاي يؤكد أن اختيار الاسم في الفيلم ليس عن السقوط أو التدمير، بل عن إعادة البناء والتعلم من الأخطاء، ومحاولة مساعدة الفنانين الشباب حتى لا يفقدوا أنفسهم بالطريقة نفسها، مشيراً إلى أن تجربته الوثائقية تجاوزت فكرة الحديث عن «التاريخ الأميركي إكس»، ليصبح فيلماً عن الفن نفسه، وعن الثمن النفسي والعاطفي والروحي للإبداع.

وأضاف أن «العمل يتناول فكرة التضحية، وما الذي يمكن أن يقدمه الفنان مقابل حلمه أو رؤيته الفنية»، مؤكداً أن «الشغف بالإبداع قد يكون ملهماً وقاسياً في الوقت نفسه».

وأشار كاي إلى أن تجربته مع «التاريخ الأميركي إكس» غيّرت فهمه لفكرة التعاون الفني، موضحاً أنه «كان ينظر للأمر بشكل بسيط في البداية، قبل أن يكتشف أن كل شخص داخل أي فيلم يحمل ضغوطه، وخوفه، وطموحه الخاص، وأن أهم ما تعلمه هو أن التعاون لا يتعلق بالانتصار الشخصي، بل بإيجاد إيقاع جماعي يحمي العمل ويحمي المشاركين فيه».


مقالات ذات صلة

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

يوميات الشرق عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

قال المخرج التشادي أشيل رونايمو إن فيلمه الروائي الطويل الأول «الدية» (DIYA) يحكي رحلة داخلية يخوضها بطله بحثاً عن الخلاص بعد حادث يغيّر حياته.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

وصلنا اليوم إلى أغنيات دعائية لا تدخل ضمن السياق الدرامي، ويقدمها مطربون غير مشاركين في العمل

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق أحمد السقا وياسمين عبد العزيز بطلا «خلّي بالك من نفسك» (الشركة المنتجة)

3 أفلام مصرية في قائمة العشرة «الأعلى إيراداً» بالسعودية

حققت 3 أفلام مصرية إيرادات لافتة في شباك التذاكر السعودي، وحازت مراكز متقدمة ضمن قائمة العشرة «الأعلى إيراداً»في السينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عمد المخرج لتقديم المصارعين بصورة إنسانية في الفيلم (الشركة المنتجة)

ديرخوا كاسونزو: «المصارع» يستعيد سيرة بطل كاد يلتهمه النسيان

قال كاسونزو إن فيلمه الوثائقي «المصارع» (Catcher) ينطلق من هاجس أساسي يتعلق بالذاكرة، ومصير الأشخاص الذين صنعوا المجد في حياتهم ثم انتهوا إلى النسيان.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)

الغزال العربي يوسِّع عائلته... 3 مواليد جديدة في السعودية

وُلدوا هنا حيث يُعاد ترميم ما خسرته البرّية (واس)
وُلدوا هنا حيث يُعاد ترميم ما خسرته البرّية (واس)
TT

الغزال العربي يوسِّع عائلته... 3 مواليد جديدة في السعودية

وُلدوا هنا حيث يُعاد ترميم ما خسرته البرّية (واس)
وُلدوا هنا حيث يُعاد ترميم ما خسرته البرّية (واس)

سجَّلت «هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبد الله» في السعودية 3 مواليد جديدة للغزال العربي في منطقة التيسية خلال الربع الثاني من عام 2026، في مؤشّر يعكس تقدُّم برامج المحافظة على الأنواع الفطرية المهدَّدة بالانقراض، ونجاح جهود الإكثار في تنمية أعداد الغزال العربي، بما يدعم مستهدفات إعادة توطينه في موائله الطبيعية، ويعزّز استدامة التنوّع الأحيائي في نطاق المحمية.

ويأتي تسجيل المواليد ضمن منظومة متكاملة تتبناها الهيئة لاستعادة الأنواع الفطرية، تبدأ بالإكثار وتنمية المجموعات، وترتبط بحماية الموائل وتهيئتها، وصولاً إلى إعادة التوطين، بما يعزّز فرص تكوين مجموعات مستقرّة في موائلها الطبيعية، وينقل برامج الإكثار من جهود للمحافظة على الكائنات الفطرية إلى مسار يدعم استعادتها واستدامتها على المدى البعيد.

ويمثّل تكاثر الغزال العربي في التيسية، الواقعة جنوب الدهناء وشمال نفود المظهور والتابعة لمنطقة حائل، مؤشّراً على تطوّر برامج «الإكثار» وقدرتها على تحقيق نتائج تدعم تنمية المجموعات المستهدفة. كما يعزّز دور المنطقة ضمن جهود الهيئة للمحافظة على الحياة الفطرية، بوصفها نطاقاً يحتضن برامج إكثار الأنواع الفطرية وتنمية مجموعاتها في موائلها الطبيعية.

وتكتسب برامج «الإكثار» أهميتها بوصفها إحدى أدوات استعادة الكائنات الفطرية الأصيلة والمحافظة على مكوّنات التنوّع الأحيائي، إذ لا تقتصر نتائجها على زيادة الأعداد، وإنما تمتدّ إلى دعم استعادة الأنواع في موائلها وتعزيز استقرارها، بما يسهم في رفع قدرة النظم البيئية على المحافظة على تنوعها واستدامتها، واستعادة التوازن بين مكوّناتها الطبيعية.

وتواصل «هيئة تطوير محمية الإمام تركي بن عبد الله» توسيع أثر برامجها في المحافظة على الحياة الفطرية واستعادة النظم البيئية، من خلال نهج يربط حماية الأنواع بتنمية موائلها واستدامتها، بما يعزّز إسهام المحمية في تحقيق المستهدفات الوطنية لحماية التنوّع الأحيائي واستعادة النظم البيئية، اتساقاً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» ومبادرة السعودية الخضراء.


علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
TT

علماء يُحذّرون من انتشار الأمراض بسبب الجفاف

مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)
مجموعة من السحالي النافقة في قاع بركة جافة بكاليفورنيا (معهد كاري)

حذَّر فريق من العلماء من أن الجفاف لا يعني بالضرورة انخفاض الأمراض المنقولة عن طريق الماء، مشددين على أنه في كثير من الحالات، قد نشهد تأثيراً مضاعفاً غير متوقع، حيث يؤدي شح الماء فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية.

وتساعد ورقتهم البحثية المنشورة، الأربعاء، في مجلة «تريندز إن إيكولوجي أند إيفولوشن»، على حل هذه «المفارقة بين الجفاف والأمراض». وتضع إطاراً لفهم خصائص واستراتيجيات الطفيليات التي يُرجح أن تُفضّل فترات الجفاف.

قالت تارا ستيوارت ميريل، عالمة بيئة الأمراض المائية في معهد كاري الأميركي لدراسات النظم البيئية، والمشاركة في تأليف الدراسة: «لقد وضعنا نظرية عامة لكيفية عمل الأمراض المرتبطة بالمياه خلال فترات الجفاف، من خلال تجميع الطرق التي يؤثر بها الجفاف على بقاء وتفاعلات مختلف العوائل والطفيليات».

جفاف بحيرة برينيه المتفرعة من نهر دوبس بين سويسرا وفرنسا (أ.ف.ب)

وأضافت في بيان، الأربعاء: «إن فهم هذه الآليات يمكن أن يساعدنا في تحديد الطفيليات التي يُحتمل أن تُصبح مشاكل ناشئة في عالم يزداد عرضةً للجفاف».

الأمراض في عالم جاف

قالت ستيوارت ميريل: «في بعض الأحيان، قد يكون للجفاف أثر إيجابي علينا - على سبيل المثال، في كينيا، قضى جفاف طويل الأمد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على القواقع التي تنقل داء البلهارسيا».

وأضافت: «لكن في كثير من الحالات، يؤدي الجفاف فجأةً إلى زيادة الأمراض الناجمة عن الطفيليات ومسببات الأمراض المرتبطة بالمسطحات المائية». فعلى سبيل المثال، عانى القرن الأفريقي تفشي وباء الكوليرا على نطاق واسع في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عندما أجبر نقص المياه الناجم عن الجفاف السكان على الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة.

وأضاف بيتر جونسون، المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة كولورادو بولدر الأميركية: «كان هدفنا إعادة النظر في تفسير هذه الأنماط التى تبدو متناقضة ظاهرياً».

فكرة الدراسة

انبثقت فكرة الدراسة من ملاحظات جونسون أثناء دراسته للبرك المنتشرة في أنحاء كاليفورنيا خلال موجات الجفاف بين عامي 2012 و2025، حيث جفت كثير من البرك، وانخفضت بعض الأمراض، في حين ازدادت حدة أمراض أخرى.

الجفاف في بريطانيا وصل إلى مستويات قياسية (أ.ف.ب)

قال جونسون: «الجفاف يُغير أكثر بكثير من مجرد مستويات المياه، فالجفاف يُغير بشكل جذري التفاعلات البيئية التي تُحدد كيفية انتشار الأمراض».

ويُعدّ تغيير كيفية انتشار الحيوانات والطفيليات عبر الزمان والمكان إحدى الآليات التي يُمكن من خلالها أن يُساعد الجفاف الطفيليات أو يُضر بها. فقلة المياه في البيئة غالباً ما تعني تركز الحيوانات والطفيليات في المياه المتبقية وحولها.

تقول ستيوارت ميريل: «عندما تتقلص المسطحات المائية، لا تضطر الطفيليات إلى قطع مسافات طويلة للعثور على عائل في الماء».

ووفق الباحثين لا يقتصر تأثير الجفاف على كمية المياه وتوزيعها فحسب، بل يشمل أيضاً درجة حرارتها وملوحتها ومستويات الأكسجين المذاب فيها، بالإضافة إلى تركيز العناصر الغذائية والملوثات. ويمكن لهذه التغيرات في جودة المياه أن تفيد الطفيليات أو تضرها.

وبالمثل، يمكن أن يؤدي نقص المياه والإجهاد الناتج من ارتفاع درجات الحرارة والملوحة ونقص الأكسجين إلى جعل العوائل أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

انتشار البعوض

ويشير الباحثون إلى أن الجفاف قد يُفضّل بشكل انتقائي الطفيليات والعوائل المقاومة للجفاف؛ ما يُغير الشبكات الغذائية المائية بطرق تُعزز انتشار الأمراض. ومن الأمثلة على ذلك: البعوض.

وكالة البيئة البريطانية أعلنت أن أكثر من 70 % من إنجلترا تعاني الجفاف (رويترز)

وكما أوضحت ستيوارت ميريل: «سيؤدي الجفاف إلى تقلص مساحات المسطحات المائية، ونعلم أن البعوض يتكاثر بكثرة في المياه الراكدة الضحلة كالبرك والمستنقعات. وبجعل البيئات أكثر ملاءمة للبعوض، وقد يزيد الجفاف من أعداد نواقل الأمراض، وبالتالي يسمح بانتشار المزيد من الأمراض المعدية».

ويأمل الباحثون أن تُشجع هذه الورقة البحثية علماء آخرين على مواصلة العمل لفهم أيّ الطفيليات ستكون «رابحة» وأيّها «خاسرة» في ظلّ مستقبل أكثر حرارة وجفافاً.

وشددت ستيوارت ميريل على الأمر بقولها: «إنّ التنبؤ بموعد ومكان وسبب وكيفية تحوّل الطفيليات المائية إلى مشكلة أمر بالغ الأهمية لتوجيه جهود الوقاية من الأمراض وإدارتها».


المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

يرى المخرج التشادي أشيل رونايمو أن فيلمه الروائي الطويل الأول «الدية» (DIYA) يحكي رحلة داخلية يخوضها بطله بحثاً عن الخلاص بعد حادث غيّر حياته، موضحاً أن هذه الرحلة لا تنتهي بمجرد التخلص من تبعات الحادث، وإنما تقوده إلى مواجهة نفسه والتحرر تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، وهو ما يصفه بـ«الارتقاء» إلى رؤية مختلفة للحياة.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، قال رونايمو إن مفهوم «الدية» كان نقطة البداية التي انطلق منها لطرح أسئلة حول قيمة الحياة الإنسانية، مشيراً إلى أن المرء قد يجد نفسه في مرحلة ما من حياته مطالباً بسداد دين، ليس بالمعنى المادي فقط، وإنما بوصفه مسؤولية أو ثمناً يترتب عليه دفعه نتيجة أفعاله واختياراته.

قدم الفيلم جوانب متعددة لقصة إنسانية - الشركة المنتجة

وتدور أحداث «الدية» (DIYA) حول «دان»، وهو سائق يعمل لدى منظمة إنسانية في أنجامينا، ويعيش حياة هادئة مع زوجته الشابة «دلفين»، الحامل في شهرها الثامن، قبل أن يتسبب حادث عابر في تغيير حياته بالكامل، ففي لحظة غفلة، ورنين هاتف محمول في التوقيت الخطأ، وعبور طفل للطريق بسرعة، يقع الحادث المأساوي، وبعد بعض الالتباس في المستشفى، يُبلّغ دان بوفاة الطفل، فيما تطالب عائلته بالتعويض وتتمسك بـ«الدية»، أي ثمن الدم، لتنطلق رحلة دان من أجل دفع الدية إلى صحراء شمال تشاد، حيث يكتشف وسط هذا الامتداد الشاسع الحقيقة المتعلقة بالحادث الذي قلب حياته رأساً على عقب.

وشهد «الدية» (DIYA) عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي العام الماضي، قبل أن ينتقل العمل إلى مهرجانات أخرى، من بينها مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي» الذي اختتم فعالياته مؤخراً.

وأوضح رونايمو أن ما كان يشغله بالدرجة الأولى في رحلة بطله هو البحث عن الخلاص، إلا أن هذا الخلاص، في نظره، يقود إلى معنى أعمق يتمثل في الارتقاء والتحرر، مشيراً إلى أن الشخصية تخوض رحلة داخلية تتخلص خلالها تدريجياً من الخوف والشك والتعلق بالماديات، لتتجاوز في النهاية حدود تجربتها الإنسانية الضيقة.

وأضاف أن هشاشة الحياة تمثل أحد المحاور الأساسية للفيلم، مشبهاً الإنسان ببحّار يدرك أن البحر قد يضطرب في أي لحظة، لكنه يظل مطالباً بالتحكم في أشرعته حتى يتمكن من النجاة، لافتاً إلى أن عبور الصحراء في الفيلم لا يمثل انتقالاً جغرافياً فحسب، بل يعكس تحولاً داخلياً عميقاً.

مخرج الفيلم أشيل رونايمو - حسابه على فيسبوك

وأوضح أن عبور الصحراء بالنسبة إلى بطله هو موت داخلي يسبق الولادة من جديد، لأن دان كان عليه أن يمر بما يشبه «الثقب الأسود» في وجوده حتى يصل إلى النور، معتبراً أن كل إنسان يمر بطريقة ما عبر صحرائه الخاصة خلال حياته.

ولفت إلى أن الفيلم يتجنب تقديم شخصيات واضحة يمكن تصنيفها ببساطة على أنها مذنبة أو بريئة، موضحاً أن البشر جميعاً يخضعون لقوانين الحياة ويعانون بدرجات مختلفة.

وتحدث المخرج عن الصعوبة التي واجهها في بناء شخصيات أسرة الطفل المتوفى، مؤكداً أنه «كان حريصاً على ألا تتحول هذه الشخصيات إلى مجرد خصوم للبطل أو صورة نمطية سلبية»، لافتاً إلى أن «مشاهد التهديد والعنف النفسي واللفظي، وصولاً إلى العنف شبه الجسدي، كانت ضرورية للحفاظ على التوتر الدرامي، لكنها في الوقت نفسه هدفت إلى الكشف عن الظروف القاسية والبائسة التي يعيش فيها أفراد هذه الأسرة».

مخرج الفيلم - حسابه على فيسبوك

وأكد رونايمو أن «الدية» لا يمكنها بأي حال إصلاح فقدان حياة إنسان، موضحاً أن هذه الممارسة كانت في مرحلة معينة من التاريخ بديلاً لمنع استمرار دوائر العنف والانتقام، لأنها قد تساعد على تهدئة التوتر، لكنها لا تحقق المصالحة الحقيقية، لأن فقدان الإنسان لا يمكن تعويضه بصورة كاملة.

وعن انتقاله من الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية إلى إنجاز فيلمه الروائي الطويل الأول، قال إن التجربة منحته خبرة كبيرة في مواقع التصوير، خصوصاً أن قيادة فريق كبير من التقنيين والممثلين تتطلب قدراً كبيراً من مهارات الإدارة.

وأوضح أن خبرته في السينما الوثائقية أثرت بصورة مباشرة في طريقته في اختيار الممثلين ومواقع التصوير، إذ كان حريصاً على أن يبدو كل شيء طبيعياً قدر الإمكان، لافتاً إلى أن كثيراً من المشاركين في الفيلم كانوا يخوضون تجربتهم الأولى أو الثانية أمام الكاميرا، باستثناء يوسف دجاورو، الذي يجسد شخصية والد الطفل، وهو أحد الأسماء المعروفة في السينما الأفريقية.

وقال رونايمو إن المشهد الطبيعي التشادي كان من العناصر التي أراد لها أن تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها داخل الفيلم، لكنه أشار إلى أن محدودية الميزانية حالت دون تنفيذ جزء من التصوير في صحراء تشاد كما كان مكتوباً في السيناريو.

وأضاف أن المناظر الطبيعية في تشاد نادراً ما تظهر في السينما، ولذلك كان مهماً بالنسبة إليه أن يمنحها حضوراً أساسياً، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن تشاد من دون الحديث عن طبيعتها، لأن المواقع والأزياء يمكن أن تتحدث أحياناً بقوة أكبر من الكلمات، ولذلك جرى اختيارها بعناية لخدمة هذا الهدف.

وتطرق المخرج إلى علاقته بتشاد بعد انتقاله للعيش في الخارج، موضحاً أنه غادر البلاد قبل نحو ثلاثة أعوام، عقب الانتهاء من تصوير «الدية»، لكنه لم يشعر يوماً بأنه ابتعد عنها، مؤكداً أن ولادته ونشأته هناك جعلتا بلده جزءاً أصيلاً من تكوينه، وظل حاضراً فيه أينما ذهب.

وأضاف أن أسفاره المتعددة، ورحلته الطويلة مع الكتب منذ سنوات الدراسة، منحته في الوقت نفسه مسافة كافية للنظر إلى واقع بلاده من زاوية أكثر اتساعاً، وبمنظور يتجاوز حدود التجربة المحلية، وهو ما انعكس على الطريقة التي اختار بها أن يروي حكاية الفيلم.

اعتمد الفيلم على تقديم جوانب إنسانية في قصته - الشركة المنتجة

ويرى رونايمو أن السينما قد لا تملك القدرة على تغيير العالم بصورة مباشرة، لكن تأثيرها في تشكيل الوعي الإنساني يظل مهماً، موضحاً أن مسؤولية صانع الفيلم لا تتمثل في تقديم إجابات نهائية، وإنما في طرح الأسئلة التي تدفع الجمهور إلى التفكير وإعادة النظر فيما يعتبره من المسلّمات.

وكشف المخرج التشادي أنه كان قد انتهى من كتابة سيناريو جديد لا يزال متجذراً بصورة عميقة في المجتمع التشادي، لكنه أشار إلى أن لقاءً جمعه في «شنغهاي» بامرأة وابنها البالغ 14 عاماً جعله يفكر في إمكانية خوض تجربة مختلفة.

وقال إن قصة هذه المرأة وابنها أثرت فيه بشدة، خصوصاً بسبب الروابط التي رآها بينها وبين أفريقيا، مضيفاً أن فيلمه المقبل قد يذهب إلى عالم مختلف، لكنه سيظل مرتبطاً بأفريقيا.