نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

إفريز ضخم من 26 جدارية يُطوّق زوّاره ويدعوهم إلى الإبحار

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
TT

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

يُخيّل إليك، للوهلة الأولى، وأنت تتأمّل تجهيز الفنان اللبناني المُكرَّس نبيل نحاس، الذي يُمثّل لبنان هذه الأيام في المعرض الدولي للفنون - «بينالي البندقية»، في دورته الـ61، أنك أمام عمل مُحيّر لا تعرف من أين تبدأ قراءته. لكنك تحتاج إلى قليل من التأمّل في هذه الجداريات التي تلف الجناح اللبناني في المعرض من جميع أنحائه، مرتفعةً عن الأرض بعلو يزيد على 200 متر، لترى في هذه اللوحات المتلاصقة ما يجمع أكثر مما يُفرّق. قد تظنها مواضيع وأرواحاً لا جامع بينها، لا سيما أنّ الفنان تقصّد أن ينقلك من لوحة بالأبيض والأسود ذات أشكال هندسية تجريدية متداخلة مثلاً، إلى لوحة أخرى تكملها وملاصقة لها رُصّعت بنجوم يختلط فيها الأزرق بالأخضر والأبيض والرمادي، ثم أخرى بأرضية بنفسجية تداخلت فيها خطوط لولبية من أعلاها إلى أسفلها.

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربة تأمّلية أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها، الذي يستلهم من عنوانها الدال والملهم «تعدُّد بلا حدود».

الحضور الرسمي والفنّي في افتتاح الجناح اللبناني (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

وهو موضوع لم يُختَر جزافاً ليمثّل لبنان في مناسبة دولية كبرى، في مثل هذه الأيام العصيبة بالذات، بل أريد لهذه الثيمة أن تُقدَّم بجماليتها وتجلّيها التشكيلي فحوى المشاركة وجوهرها، وهي تعكس روح لبنان ونعمته الكبرى في عيشه التسامحي المشترك.

يتألّف التجهيز الفنّي الممتدّ على طول 45 متراً والموجود في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار، بحيث تشكّل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب إفريزاً ضخماً يطوّق زواره ويدعوهم إلى الإبحار في رموزه وأجوائه.

ونبيل نحاس هو أحد أكثر التشكيليين اللبنانيين حرصاً على إبراز التعدّدية في بلاده. عاش متنقلاً بين مدينة جبيل طفلاً، والقاهرة يافعاً، ومن ثم في نيويورك حيث عمل وحَضَر في كبرى المعارض والمتاحف.

غاب عن لبنان 18 سنة متواصلة قبل أن يعود، ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع عن مسقطه أبداً. وهو حين يتحدّث عن عمله التركيبي في البندقية، يرى أنه جاء من وحي بيئته التي كانت مختلطة باستمرار. عاش طفولته في مدينة بيبلوس ولعب بين أطلالها الأثرية التي تنام على طبقات من الثقافات القديمة وحضارات تمتدّ من العصر الحجري الحديث وحضارة الأموريين والهكسوس والفينيقيين والمصريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والمماليك حتى العثمانيين. يقول نحاس إنه كان يعثر هناك «مع تآكل الطبقات المختلفة في فصل الشتاء، على ما لا عدَّ له من تمائم وأشياء صغيرة متفرقة... كلّ شيء في هذا المكان ممتزج في تدفُّق خصب من أرض خام عمرها آلاف السنوات. كان هذا الرابط بالأزمنة الغابرة يُثير إعجابي منذ ذلك الحين».

وُلد نبيل نحاس في بيروت عام 1949، ونشأ في القاهرة قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1968. تخرّج في «جامعة ولاية لويزيانا» ثم «جامعة ييل». وينتمي إلى الجيل الثاني من التعبيرية التجريدية الأميركية، وهي مدرسة نيويوركية تزامن صعودها في أوائل الخمسينات مع إعادة اكتشاف الزخارف الكبرى.

نبيل نحاس في محترفه في لبنان (خاص الشرق الأوسط)

عمله المعروض اليوم في «الآرسنال»، مُمثّلاً لبنان، تختلط فيه معالم كلّ هذه المراحل التاريخية التي شكلت هويته اللبنانية وصولاً إلى اليوم. ورغم أنه مقيم غالباً في نيويورك، فإنّ محترفه في لبنان، في بلدة عين عار الجبلية في المتن الشمالي، شكّل البوتقة التي اختمر فيها ونُفّذ هذا التجهيز. وكان لنا حظ زيارته هناك خلال الإعداد، وقبل انتقال اللوحات إلى البندقية، لمعايشة الأجواء التي أحاطت بالفنان. فالمحترف يقع في منزل جميل وقديم كان معملاً للحرير، وهو أشبه بمتحف لأعماله وما جمعه من لوحات لكبار الفنانين الذين أحبَّهم.

ويعدُّ نبيل نحاس نفسه أشبه بجسر بين ثقافات كثيرة، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «رغم 55 سنة عشتها في أميركا، بقيت لبنانياً خالصاً، أنتمي إلى هذه البقعة من بلاد الشام. وأعمالي تتحدّث عن الانتماء القوي الذي يسكن نفسي». وهو مدرك تماماً أن الوحي يأتيه من هذه الأشجار المحيطة بمنزله اللبناني، ومن تلك الحقول التي قطعها صغيراً، والشواطئ التي لعب بصدفياتها، والسماء التي تأمّل نجماتها، وها هو يرسمها في جداريته. «تُظهر أعمالي تعلقاً واضحاً بالأرض، من رسم الجذور إلى الجذوع والأغصان التي تتعالى صوب السماء». فالشجر من مكوّنات العمل، وخصوصاً الأرزة التي أعطاها بُعداً آخر، وهو يترك الحرّية لأغصانها تتمدّد أفقياً وتختلط خضرتها بزرقة السماء، كأنهما في عناق.

منسقة الجناح ندى غندور، التي واكبت تطوّر العمل منذ كان فكرة وطوال سنة من الإعداد، ترى أنّ التجهيز له أبعاد عدّة. «فهو عمل فلسفي ورمزي في وقت واحد، والزائر يعيش معه على أنه تجربة قبل أن يدخل في التفسيرات. ففي اللوحات خلفيات ثقافة وفنّ وروحانية في وقت واحد».

إحدى اللوحات الـ26 المكوِّنة للتجهيز (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

فما يعني نحاس ليس الجانب الديني بمعناه التقليدي، بل المدى الروحاني. ولهذا فإنّ رموزه التي تتكرّر بأشكال مختلفة في التجهيز تُذكّر بكونية وأفق مفتوحَيْن، من نجماته اللمّاعة إلى لولبيات الخطوط التي تُعيدنا إلى الرقصة المولوية، والدوائر اللامتناهية، وصولاً إلى الأشكال الهندسية التجريدية. «هي رقصة كونية، فكما تدور الكواكب حول الشمس، نرى في بعض اللوحات تأثير يد الدرويش وهو يوجّه واحدة للأسفل وأخرى للأعلى. لأن الإنسان هو صلة الوصل بين الأرض والسماء»، تقول لنا ندى غندور.

يمكنك أن تقرأ اللوحات بالاتجاه الذي تريد، كأن تبدأ من لوحة وسط التجهيز. ففي الأصل وُضعت الرسوم متفرّقة، ورُتّبت وفق ما أراد لها الفنان. وكان يمكن تركيبها إلى جانب بعضها بعضاً بنظام مختلف، من دون أن يبدّل ذلك من روح التجهيز شيئاً. فكيفما اختلف الترتيب سيُعيدك إلى انسجامية الاختلافات التي بُني عليها العمل. فليس هدف الجدارية أن تحكي قصة، وإنما أراد الفنان أن يحرّرها من الخطّ الزمني المتتابع والمتسلسل. واستند إلى المنمنمات الفارسية التي تقرأها من حيث تريد. «نبيل ليس منشغلاً بأن يحكي قصة، بل بأن يقدّم رؤى يترك للمتفرج أن يجمعها على هواه»، وفق غندور.

جانب من تجهيز «تعدُّد بلا حدود» (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

ومن العناصر التي تلفت في اللوحات الشكل الهندسي الواحد الذي يتكرّر بأحجام متناهية في الصغر والكبر، ليذكرنا بكونية تعيدنا إلى صوفية ابن الرومي وقوله: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط كلّه في قطرة». وهي ليست تجريدية هندسية غربية خالصة، وإنما تأتي منكّهة بروح الزخرف الإسلامي، بأسلوب تركيبي وتفكيكي في آن.

«يستخدم نبيل نحاس الرموز ليساعدنا على فهم رؤيته، فهو منهمك بتفسير رؤيته للعالم من خلال الرسم. ففي رأيه أن أصداف البحر على شكل نجوم هي انعكاس لتلك التي نراها في السماء، حتى إن الفرق يتلاشى»، تشرح غندور التي واكبت العمل.

الجناح اللبناني في «بينالي البندقية» يستمر حتى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، برعاية وزارة الثقافة وتنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية» وإنتاجها. أما سينوغرافيا الجناح، فصمّمها شارل كتّانة ونيكولا فيّاض.


مقالات ذات صلة

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
TT

سعوديون يحتفلون بـ«اليوم الوطني» في شوارع مصر

العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)
العلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة (الشرق الأوسط)

شهدت شوارع العاصمة المصرية القاهرة احتفالات بمناسبة اليوم الوطني السعودي، مساء الأربعاء، إذ جابت سيارات تحمل العلم السعودي كورنيش النيل، في محيط ممشى أهل مصر وأماكن أخرى.

جاء ذلك بالتزامن مع إقامة سفارة السعودية في القاهرة حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني. واستقبل السفير صالح بن عيد الحصيني، وزراء من الحكومة المصرية، وسفراء ورؤساء بعثات دبلوماسية معتمدة لدى مصر، إضافةً إلى عدد من المسؤولين ورجال الأعمال والمفكرين والإعلاميين.

وتصدّر الاحتفال باليوم الوطني السعودي قوائم الموضوعات الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر، الخميس. ونشر عدد من مستخدمي المنصة تهاني للشعب السعودي بهذه المناسبة، إلى جانب مقاطع فيديو تُظهر مظاهر الاحتفال في شوارع القاهرة.

وكتب عدد من الإعلاميين المصريين عن اليوم الوطني السعودي، من بينهم عمرو أديب، الذي كتب على «إكس»: «يجب التوقف طويلاً أمام حجم التطور الذي شهدته المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة. تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية واضحة جداً. دولة حديثة يقودها شبابها؛ كل يوم تغيير، وانفتاح على العالم، ودخول إلى مجالات العصر الحديث، والأهم القدرة على التصدي للعدوان وحماية الوطن من الأطماع الإقليمية. هي قصة نجاح واضحة بطلها المواطن السعودي قيادةً وشعباً. يوم وطني سعيد لكل أشقائي في مملكة الخير والقوة».

احتفالات بالسيارات في شوارع القاهرة (الشرق الأوسط)

وشارك عدد من الفنانين في الاحتفال بنشر تهانٍ للشعب السعودي، من بينهم الفنان حمادة هلال، الذي كتب على «إنستغرام»: «كل عام والمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، بخير وأمان وازدهار بمناسبة اليوم الوطني السعودي».

وشارك الممثل المصري محمد ثروت، عبر «روتانا خليجية»، مقطع فيديو وجّه فيه تحية إلى الشعب السعودي، قائلاً: «كل سنة والمملكة بخير، ويديم عليها نعمة الأمن والخير والرخاء والسعادة».

ونشر الفنان إيهاب فهمي أيضاً مقطع فيديو قال فيه: «كل عام والمملكة العربية السعودية بخير، وفي أمان وسلام».

ورصدت صحف محلية مظاهر الاحتفال في شوارع القاهرة. وجاب مواطنون سعوديون، مقيمون في مصر أو زائرون لها، كورنيش النيل رافعين العلم السعودي، فيما بثّت سياراتهم أغنيات سعودية، وشاركهم مواطنون مصريون الاحتفال.

وأبرزت صحف ووسائل إعلام مصرية الاحتفالات الرسمية والشعبية باليوم الوطني السعودي، ونقلت تصريحات سفير المملكة في القاهرة، صالح بن عيد الحصيني، التي قال فيها إن «مصر ستبقى في الوجدان أكثر من حليف وشريك»، لافتاً إلى أن العلاقات بين البلدين ترسّخت على مدى عقود، وأصبحت شراكة استراتيجية وركيزة للتضامن العربي والإسلامي، وللأمن والاستقرار في المنطقة.

وأكد أن العلاقات المصرية - السعودية تشهد تطابقاً في الرؤى والأهداف، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والشراكة الراسخة بين البلدين.

وتحتفل المملكة في 23 من سبتمبر (أيلول) من كل عام باليوم الوطني، الذي يخلّد ذكرى توحيد البلاد وإعلان اسمها الرسمي «المملكة العربية السعودية» عام 1932 على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وجاء احتفال هذا العام تحت شعار «عزنا بطبعنا»، وتضمَّن فعاليات ثقافية وفنية، رسمية وشعبية، داخل المملكة وخارجها، تُبرز جوانب من تراثها وحضارتها.


مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)
المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات حتى لو كانت من بين الركام عبر الإعلان عن النسخة الثانية من المهرجان التي تنطلق خلال الفترة من 26 إلى 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ومن بين خيام النازحين في مخيم «النصيرات» بوسط القطاع ستكون هناك 3 شاشات تحتضن عروض أفلام النسخة الثانية التي تتضمن عرض 73 فيلماً من 24 دولة حول العالم تتنوع بين الروائي الطويل والقصير والوثائقي، بالإضافة إلى مسابقة للأفلام الوطنية الفلسطينية.

وتجمع الأفلام الروائية الطويلة المشاركة في الدورة الثانية بين تجارب تنتمي إلى سينمات عربية وآسيوية وأوروبية، مع حضور واضح لأفلام تتناول المرأة والهجرة والهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية من زوايا مختلفة، ويبرز بينها الفيلم السعودي «هجرة» للمخرجة شهد أمين، الذي عرض عالمياً في مهرجان «فينيسيا السينمائي» بإيطاليا وحصل على جائزة «نتباك» لأفضل فيلم آسيوي.

الملصق الترويجي للمهرجان (إدارة المهرجان)

وسيعرض المهرجان الفيلم التونسي «سماء موعودة» للمخرجة أريج السهيري في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان» بفرنسا قبل اختياره للمشاركة في مهرجان «لندن السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم السوداني «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا ميرغني، والذي عرض بعدة مهرجانات سينمائية.

وتوجد السينما المصرية في المهرجان عبر عدة أعمال منها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين أيمن الأمير وندى رياض، الذي سبق وأن شارك في مهرجان «كان السينمائي» وحصل على جائزة «العين الذهبية»، ويتابع في قصته مجموعة من الفتيات في إحدى قرى صعيد مصر يحاولن التعبير عن أحلامهن من خلال المسرح والفن، بينما تشارك آية الله يوسف بفيلمها الوثائقي «سمر قبل آخر صورة»، بجانب عدة أفلام في مسابقة «الأفلام القصيرة».

وتلتقي هذه الأفلام، رغم اختلاف بلدانها وتجاربها وأساليبها، في اهتمامها بشخصيات نسائية تواجه ظروفاً اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية ضاغطة، وتبحث عن مساحة لصوتها واختياراتها ومصيرها. وهذا الخط يمتد إلى عدد من الأفلام القصيرة والوثائقية في البرنامج، بما يجعل ثيمة المرأة حاضرة ليس فقط باعتبارها موضوعاً للأفلام، وإنما أيضاً من خلال تجارب مخرجات من بلدان عربية مختلفة، إلى جانب أفلام تتقاطع فيها قضايا المرأة مع الحرب والهجرة والهوية والذاكرة.

وقال مؤسس مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» عز الدين شلح لـ«الشرق الأوسط» إن الدورة الثانية ستقام فعالياتها داخل مخيم «النصيرات» عبر 3 شاشات ستكون مخصصة لعروض الأفلام، مؤكداً أن الدورة الجديدة تشهد الانتقال من فكرة مشاهدة الأفلام للجمهور لتدريب وتأهيل صناع سينما داخل غزة.

الفيلم السعودي «هجرة» يعرض ضمن فعاليات المهرجان (الشركة المنتجة)

وأضاف شلح أن المهرجان سيشهد تدريب 25 فتاة من داخل القطاع على صناعة الأفلام السينمائية بهدف خلق جيل جديد من صناع الأفلام وغالبيتهن قدمن تجارب للمشاركة في المهرجان، مؤكداً أن التدريبات ستركز على تطوير مهاراتهن لتقديم تجارب سينمائية أكثر احترافية تنقل ما يحدث داخل القطاع من قصص تستحق أن تُروى.

وأشار إلى أن «التعاون مع المخرجة والمنتجة مي المصري سَهّل الحصول على حقوق عرض الأفلام بالمهرجان، بالإضافة إلى التنسيق والتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية»، لافتاً إلى أن «ردود الفعل الإيجابية التي لمسها صناع المهرجان خلال الدورة الأولى شجعتهم على التوسع السريع وزيادة عدد الأفلام المعروضة في النسخة الثانية».


مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
TT

مصر تحسّن الصورة البصرية لمحيط قلعة صلاح الدين بجداريات ملوّنة

محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)
محاولات لتحسين الصورة البصرية بجنوب القاهرة التاريخية (الشرق الأوسط)

ضمن الخطة الطموح التي تنفذها السلطات المصرية راهناً لتطوير القاهرة التاريخية، لا سيما المنطقة الجنوبية منها التي كانت تعج بالعشوائيات، تعمل محافظة القاهرة على تحسين الصورة البصرية بمحيط قلعة صلاح الدين التاريخية بتدشين عدد من الجداريات واللوحات الفسيفسائية لأشهر معالم القاهرة التاريخية على عدد من الجسور الجديدة بالمنطقة، ومن بين المعالم التي تم إبرازها جوامع السيدة زينب، والسلطان حسن، والأزهر، ومحمد علي، والسيدة نفيسة، وأحمد بن طولون، والسلطان المؤيد شيخ، والأشرف قايتباي، ومحمد بك أبو الدهب، وعمرو بن العاص، فضلاً عن باب النصر.

وتسعى مصر إلى تحويل ميدان السيدة عائشة المقابل لقلعة صلاح الدين إلى ممشى سياحي، بما يُسهم في استعادة الطابع الحضاري والتاريخي للمنطقة وتعزيز مكانتها السياحية والثقافية، وتحسين الصورة البصرية.

جدارية لجامع السلطان حسن (الشرق الأوسط)

ويرى الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة أن «اختيار مثل هذه الأعمال يأتي بالتأكيد من خلال لجنة، وهي التي حددت ما يناسب المنطقة من صور ولوحات، بحيث يعبر عنها وعن شخصيتها وما تمتلكه من معالم تاريخية وآثار وتراث»، لكنه يشير إلى أنه «كان يتمنى تكليف فنانين شباب لتنفيذها، لتكون هناك خامات مختلفة تستخدم بروح جديدة، بعيداً عن الشكل التقليدي الذي قد تتعرض بسببه اللوحات لمخاطر سقوط قطع منها، بسبب الحرارة والأمطار فضلاً عن الأتربة».

وأضاف عبلة أن «وجود لوحات تصور المعالم التاريخية المهمة التي توجد بالفعل أمام الناس، تعتبر شيئاً جيداً وهي عنوان للمكان، والاختيارات مهمة وتشير إلى شخصية المنطقة، وطبيعتها».

وعدّ عبلة إنجاز لوحات من الفسيفساء مرهقاً جداً، فهي، وفق قوله، تحتاج لمجهود كبير، ولكثير من الدقة والصبر، والمسألة ليست في الخامة التي تنفذ بها اللوحات، لكن في دراسة طبيعة المكان الذي سوف تكون فيه في النهاية، وهذه تحتاج إلى بحث لاختيار ما يناسبها سواء كان خشباً أو حجراً، أو فسيفساء، أو غيرها من المواد.

جامع السيدة نفيسة (الشرق الأوسط)

خبير الفن التشكيلي الدكتور حسام رشوان، قال إن هذه الأعمال تحتاج إلى فنان متقن ومبدع لكي ينجز جدارية يمكن تأملها والوقوف أمامها.

ويأتي تطوير البنية التحتية بما يحول المساحات أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري تعكس الهوية التاريخية والثقافية للعاصمة ضمن خطة حكومية، ووفق محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، فإن هذه الجداريات تعد ضمن جهود الدولة للارتقاء بالمشهد الحضاري وتحسين الهوية البصرية للمحاور والطرق الرئيسية، من خلال الدمج بين تطوير البنية التحتية وإضفاء الطابع الجمالي والحضاري على مختلف المشروعات العمرانية، بما يُحوّل المساحات أسفل الكباري إلى عناصر جذب بصري تعكس الهوية التاريخية والثقافية للعاصمة.

وسبق للسلطات المصرية تنفيذ جداريات ضخمة على الطريق المؤدي إلى المتحف المصري الكبير بميدان الرماية بالجيزة (غرب القاهرة)، وحملت صور كثير من رموز المجتمع المصري من الفنانين والمفكرين والشخصيات التاريخية قديماً وحديثاً، إضافة لجداريات أخرى قرب جدار المتحف المصري القديم بميدان التحرير.

الجامع الأزهر- (الشرق الأوسط)

وتحمل الجداريات وفق قول صابر «طابعاً تاريخياً مستوحى من طبيعة المنطقة ومحيطها التراثي القريب من القاهرة التاريخية، وتعكس الملامح الحضارية والتراثية للمكان، في تصميمات تهدف إلى تقديم سرد بصري متكامل يُجسد تاريخ المنطقة وهويتها العمرانية».

وذكر المحافظ أن طول الجداريات يُشكل بانوراما فنية ممتدة على طول الموقع، خصوصاً في ظل الأهمية البصرية للمكان الذي يشهد حركة مرورية كثيفة يومياً، باعتباره نقطة عبور رئيسية للقادمين من الأوتوستراد والمقطم ومنشأة ناصر والمتجهين إلى وسط القاهرة ومدينة نصر عبر محور صلاح سالم.

وأوضح محافظ القاهرة أن «أعمال الجداريات تتزامن مع تنفيذ خطة تطوير متكاملة بمحيط كوبري الأباجية، تشمل رفع كفاءة الطرق والإنارة العامة وتحسين أعمال التنسيق الحضاري وزيادة المساحات الخضراء والعناصر الجمالية، للارتقاء بالمشهد الحضاري وتحسين الهوية البصرية للمحاور والطرق الرئيسية».

جامع الأشرف قايتباي (الشرق الأوسط)

وتتمتع القاهرة التاريخية بتنوع وثراء مبانيها الأثرية والتاريخية، سواء كانت مباني دينية مثل الجوامع والمدارس والكنائس والمعابد، أو مباني خدمية مثل الحمامات والأسبلة، أو مباني تجارية مثل الخانات والوكالات والأسواق، أو منشآت حربية مثل قلعة الجبل وأسوار القاهرة، أو مباني جنائزية مثل الأضرحة. وهي مسجلة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1979.